تجاوز إلى المحتوى

من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)

فصل في نبذة من رسائلي له

كتبت إليه بهذه الرسالة جواباً عن رسالة بعث بها إليّ:

في فمي لم يزل لذكرك نشرطيب واختبر بذاك النسيما
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
وبمرآة فكرتي لم يزل شخصك نصب العينين منّي مقيما
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
وعلى النحر من علاك ثنائيليس ينفك عقده منظوما
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
لا تظنّ العباد يحجب عنّيمنك ذيّالك المحيّا الكريما
فوشوقي وموقع الودّ منّيقسماً لا أراه إلاّ عظيما
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
أنت عندي بالذكر أحضر من قلبي بقلبي فكن بذاك عليما
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
لست أقوى لحمل عتبك يا منحملت فخره المعالي قديما
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
فاثن من غرب عتبك اليوم عنّيفيه قد تركت قلبي كليما

إنّي ومن جعلك ريحانة الأديب، وسلوة الغريب، لم أستوجب منك كلّ هذا العتاب، ولم أستجلب بمسائة كلّ هذا الخطاب، وهبني أسأت فأين العفو والكرم، ولعمري لقد تجرّمت عَلَيّ فلا جرم، إنّي أعتذر الآن فأقول ما حلت إزرار جيبها الصبا، ولا فتحت إكمام النور على الربى، بأوقع في النفس، وأشغل للحواس من الخمس، من بديع بيان، كأنّه قطع جنان، يجلو بواضح الإعتذار ظلمة العتب، ويمحو بصادق التنصّل كاذب الذنب، من محبّ صدع التقريع منه الأحشاء، وأرمضت قلبه هواجر الإستجفاء، إلى من حنوت له ولا حنواً المرضعات على العرام، وعذوت له الحبّ ولا غذاء الآباء طرائف الهيام، حتّى شبّ وليد شوقي إليه على الشغف، ونشا طفل ولوعي به في حجر الصبابة والكلف، وحتّى سكنت نفسي إلى هواه، سكون الجفن الساهر إلى كراه، أعني به جوهرة الزمن، وغرّة وجهه الحسن، أنمى الله غصن شبيبته على الفضائل، وشدّ إزر المعروف من عطائه بواصل.

فله أياد لا تزالسمائها كرماً مخيله
ونقيبة ما غيّرتفي الجود عادتها الجميله
ويد كضرع الغيثيمخضها الرجا مخض الثميله

أمّا بعد؛ فحين وصلت إليّ عقيلة فكرك، وجميلة نظامك ونثرك، طرحت عنها الإزار، وحللت من غلالتها الإزرار، ثمّ قبلت منها فتاة يزري بفتات المسك خلوقها، وبابنة العنقود راووقها، فشفت بعذب كلامها غلّة صدري، ونفثت بسحر بيانها في عقد صبري، قد نشرت لدي حديث واصل، ثمّ بسطت على لسان عاذل، فأباتني تأنيبها مبيتاً نابغي، وقلّبني توبيخها في مضجع ابن هاني المغربي، بل كلّما ضرب الليل على الأُفق رواقه، وعقد على الشفق إزراره ونطاقه، أمسي وهمومي القارعة، وأفلاذ كبدي الواقعة، وفاتحة الرعد سائغ ريقي، وخاتمة الأعلى في شرايين أوردتي ووشائج عروقي، وآرائي في الشعراء، وأحشائي ما جعله الخليل وسط الأنبياء، تقريباً بلا استثناء، وكلّما فلق الصبح بعموده هامة الغسق، وشهر خاضباً من وريد الظلام سيفه الشفق، أصبح ولسان حالي، يترجم عن لسان مقالي، إذا رأيت قوماً، إنّي نذرت للرحمان صوماً.

فوا عجباه والدهر سلك عجائب، والأيّام مثرية من الغرايب، كيف يتطرّق إلى وهم، أو يتصوّر في خيال أخي وهم، إنّي في تياك المودّة أشقى، بعد ما تمسّكت منها بالعروة الوثقى، لا وعافاك الله من العلل، وبلغك منتهى المجد وقد فعل، لا يلهو عن تلك المحبّة عميدها، ولا يخلق على تعاقب الليالي والأيّام جديدها، وليت شعري اعتاض عنك، بأيّ بدل منك، ولمن أربى مولود الوفاء، وإلى من أزفّ عروس الإخلاص والصفاء، وملتمس الثقة، لا يداع المقه، كالمرتبع بواد غير ذي زرع، والمنتجع في بواد خالية اللمع، والمغترف من الراب الخادع، والقابض على الماء خانته فروج الأصابع، فهم ومن جعلكم جواهر الزمن، حريون بقول المهيار أبي الحسن:

خلق إذا حدّثت عن أخلاقهافكأنّما كشّفت عن سوآتها
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «دعها تكن كالسلف من أخواتها»

وأمّا وعليا أبيك، وخلاله الصالحة التي اجتمعت فيك، لا أنت على بعدك، يا نسيج وحدك، ثاني النفس لدي، وثالث عيني بل أعزّ منها عَلَيّ، وما تركت المواجهه رغبة عن المشافهه، ولا المراسله رغبة عن المواصلة، كلاّ بل لعوائق طاريه، وشواغل غير متناهيه، تلهي الحليم عن نفسه، وتنسيه يومه فضلاً عن أمسه، ولولاها:

لنثرت حبّات الفؤاد الوكةًونظمتها شوقاً إليك قريضا

وكتبت إلى أخيه الحاج محمّد رضا بهذه الرسالة وصدّرتها بهذه الأبيات:

أغضَّ النسيم تحمل سلاميفحيّ بريّاه دار السلام
سلام محبّ عريق الودادغريق الفؤاد ببحر الغرام
يميت بشوق بياض النهارويحيي بتوق سواد الظلام
وتهفوا نوازع أشواقهبلبّ حشاشته المستهام
يطالع بالفكر وجه الحبىفيحظى برؤية بدر التمام
حبيب أروح قلبي العليلمن ذكره بنسيم المدام
وشوقي إلى درّ ألفاظهكشوق الرياض لدرّ الغمام

ممّن سكن روحه بمحاني الزوراء، وأقام جسمه بمعاني الفيحاء، إقامة المغترب عن وطنه، اللابث في غير عطنه، لا يملك على الخفوق، أثناء قلبه المشوق، ولا يلقى سمعه إلى نديم، ولو كان من أفصح الأنام، ولا يرتاح إلى مفاكه، ولو كان من ولدان النعيم، عبق الكلام، ولا ينظر إلاّ بعين إنسيّة الأجفان، وحشيّة الإنسان، قد عرفت أماقها الأرق، وأنكرت أحداقها الرفق، لم تفتح على أُناس بصرها، إلاّ استوحشت منه فغضّت عنهم نظرها.

أتأنس في فتح أجفانهاعيوني في غير إنسانها
ويخلص يوماً لنفسي السرورإذا واصلت غير خلصانها
إذاً كذبت في ادّعاء الودادنفسي وما الكذب من شانها
نعم عندها الغدر بعد الوفاءهو الكفر من بعد إيمانها

على أنّي لم أبرح مسائي وصباحي، وغدوي ورواحي، وعشيّي وإبكاري، وأصيلي وأسحاري، حرج الصدر، متشعّب الفكر، ملوي الحشاشة على حسرات متعاليه، مطوي الجوانح على زفرات إلى التراقي متراقيه، من لوعة غير ماضيه، أقتل من ماضية الحد، وصبابة كأنّها جمرة ذاكية الوقد، فإذا غشيني الدجى بغياهبه، ورقدت الورى أحصيت عدد كواكبه، بعين ابن شوق نسيت أجفانه الكرى، وإذا نضا الليل عنّي ثياب ظلمائه، وألبسني النهار جلباب ضيائه، أقبلت على نفسي أُعلّلها بوشيك التداني، وأسلى غلّة شوقها بسراب الأماني، فتذمّ من أمسها ما استدبرت، وتحمد من يومها ما استقبلت، حتّى يأكل فم الغروب قرص الشمس، ولم تحصل من الرجاء إلاّ على اليأس، ولمّا لم يبق لي في قوس الآمال منزع، ولا في مطمعات الأماني مطمع، سبرت بعين البصيرة والعقل، مذاهب طرق الوصل، فوجدتها على ثلاثة أنحاء، بين أهل المودّة والإخاء، إمّا بمشاهدة العيان على القرب، أو حضور الحبيب في مهجة المحب، أو بثّ الشوق إليه والوجد، بالمراسلة على البعد، فألفيت أوّلها مستحيلا، بعد أن طلبته بكرة وأصيلا، وأمّا الثاني، فما عداني، وحين وصلت بالنظر طريقها الثالث، وقطعت عن أوّلها قرينة البواعث، وجدت نفسي مقصرةً في عدم إتيانه، لاقتدارها عليه مع شدّة إمكانه فلم أزل أوبّخها في ذلك وألومها، وأعذلها والندم فيما هنالك نديمها، إلى أن تمنّت من شدّة الخجل، لو سبق السيف إليها ذلك العذل، وقد أخرسها الذنب، وأفحمها العتب، لأنّها قطعت لسان عذرها، في شباة هجرها، حيث أنّها وإن طلبت من أنواع المواصلة أطيبها، وأكملها لذّةً وأعذبها، إلاّ أنّ ما لا يدرك أجله، لا يترك أقله، ولكن منها هذه الزلّة، صدرت مع ماجد شابه فرعه أصله، ووصف طيب أخلاقه، كريم أعراقه، ولذلك نهضت بعد كبوتها، بأذيال هفوتها، وسلكت إلى المواصلة، بطريق المراسلة، وإلى المخاطبة بالمكاتبة، ومع ذلك فهي تستمدّ اللطف، وترجو الصفح، وتأمّل قبول العذر والسلام.

وكتبت إليه هذه الرسالة أيضاً:

فما روضة مرشوفة عن عبيرهاتحدّثن أنفاس الصبا والجنائب
بأطيب عرفاً من سلام بنشرهيعطّر فاه كلّ راو وخاطب

ترفعه عوامل شوق تنازعت خلدي، وجلبت السقم في تصرّفها إلى كبدي، فنسخت جميل صبري، وأطالت اشتغال فكري، إلى حضرة من نصب الله على التمييز علم فخره، فانخفضت بالإضافة إلى عزّه جميع أبناء دهره، وجزمت بنوا الدنيا أنّه في السماحة البحر المحيط، إذ بسط لها بالعطاء كفّاً استغرق وافر جودها ما حوته دائرة البسيط، فأقال به من كبوة الجدّ عثارها، حتّى سلمت له بالفضل إقرارها، فهو في أصله الذي عرقت به العلياء، كما قلت فيه مخاطباً له بهذه الثناء:

يا أمجد الناس فرعاًينمى لأكرم أصل
وقاتل المحلّ جوداًفي كلّ أزمة محل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
وابن القرى ولعمريأبوك زاد المقلّ
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
لا يستشار سواهفي كلّ عقد وحلّ
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
الموقد النّار ليلاًللطارق المستدلّ
مرفوعة وعليهامراجل الزاد تغلي
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
يمتدّ منها لسانإلى السّماء متجلّي
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
حتّى يضيء سناهفي كلّ حزن وسهل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
يدعوا الضيوف هلمّواإلى القرى لمحلّي
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
فيهتدي بسناهإليه كلّ مضلّ
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
أكرم به من كريمله انتهى كلّ فضل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
والخلق منك ومنهمثلان من غير مثل
هذا مجاجة مسكوذاك شهدة نحل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
يفدي علاك ابن خفضساع برجل ابن ذل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
يبغي العلى وهو شيخهمّ بهمّة طفل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
وهل تنال الثريّاعفواً بباع أشل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
وماله في طريقالعلياء موطىء نعل
ولا له حوض جوديرجى لعل ونهل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
إلاّ حقيقة بخلتبدو بصورة بذل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة

ولعمري كيف ينالها، وهي علاء ماجد تفرع من دوحة ضربت في طينة المجد أرومها، وأخذ بأطراف الشرف حديثها وقديمها، فهو ينتمي منها إلى نسب كريم الطرفين، وحسب لم يزن معشار فخره فخار الثقلين، ذاك صفوة المكارم، من أبنائها الأكارم، رفع الله قواعد مجده، وخفّض حواسد جدّه، وجعل كوكب سعده طالعاً في سماء الفخار، ما استدار الفلك الدوّار.

دعاء إخلاص إذا رفعتهقال الحفيظان معي آمينا
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «أمن خفوق البرق ترزِمينا»

أمّا بعد؛ فالغرض من توشيع هذه الألوكة وتسهيمها، وترصيف منثورها ومنظومها، بثُّ وجد حركت ساكنه الذكرى، وترويح كبد أرمضتها هواجر البعد فغودرت حرّى، وتعليل نفس لم تزل من ثنايا الشوق إليكم متطلّعه، ولأخباركم من فم الصادر والوارد لم تزل منتجعه، ليرد عليها في ارتيادها، ما يجلب المسرّة إلى فوآدها، من صحّة أجسادكم التي هي لجسم الزمان أرواح تدبّره، وصفاء أيّامكم التي هي أوضاح هذا الدهر وغرره، وصّل الله عزّكم بيمن إقبالها، وقرن لكم بعمر الدهر غضارة اقتبالها، فلست أسأل غيرك من محقّق الحقائق، في كلّ غاسق وشارق، والسلام عليكم، ما رفّ فوآدي بأجنحة الشوق إليكم.

وكتبت إليه بهذه الرسالة أيضاً:

نسخت ولم يحص اشتياقي ولو لهجميع الذي قد ضمّه الكون ناسخ
لقد دان قلبي في شريعة حبّكمفليس له حتّى القيامة ناسخ

سلام فتقت نور زهره صبا الحب، وأعربت أنفاس نشره عن طي سريرة الصب، ورقّت ألفاظه حتّى سرق النسيم طبعه من رقّتها، ونفحت بريا الإخلاص فقراته حتّى استعار العنبر المحض طيبه من نفحتها، وما هي فقرات في الطروس قد رسمت، بل روح محب أذابها الشوق وفي قالب الألفاظ تجسّمت، فلو نشق أرواح عرفها من غشيته سكرات الموت لصحا، ولو سرح النظر في لؤلؤ ألفاظها ذوالطبع السليم لسحرت عقله ماس منها مرحا.

عرائس لفظ حكى مسكهاعلى الطرس أنفاس ريح الصبا
رقاق كرقّة قلب المحبوخدّ الحبيب بعصر الصبا
حكت في العذوبة أخلاق منله أهديت وإليها صبا

من محبّ قطع قلبه الشوق الملح، وبرح به الغرام المبرح، وحال من البعاد بينه وبين حبيبه، ما أوقد في أحشائه سعير وجد إذا انحنت عليه أضلاعه تجافت عن لهيبه، وغودر جنباه من تلهّب أنفاسه الحرار، يرسل عليهما شواظ من نار، وكاد في تصاعد حريق زفرته، يضرم الهواء ناراً في كرّته، وحشدت جحافل الغرام في منحني ضلوعه، وانتجعت سفح عقيق دموعه، فهي تستدير عينه دموعها في كلّ آن، فتنبعث كأنّهنّ الياقوت والمرجان، وأوطنت الصبابة في غوير لبّه، وقوّض السلو عن غضا قلبه، وحال من مترادفات الأشجان، بينهما برزخ لا يبغيان، وأوشك الفراق أن ينسف طود حلمه بريح عقيم، ما تذر من شيء أتت عليه إلاّ جعلته كالرميم، فلا يتناهى في تحرير نعنت شوقه الكلام، ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام، إلى من حلقت به قدامي شرفه، فقصّر كلّ محلق عن شأو علاه التي أحرزها عن سلفه، وغذي بلبان العلياء إلى أن بحجرها نشا، وارتشف مدامة حبّها إلى أن انتشى، وطابت منه الخليقة، فكانت بما قلت فيها خليقة.

يا طيب أخلاق كريم روىالسامع عنها ما رأى المبصر
بأنّها أطيب من روضةطينتها مازجها العنبر
لو مزج الماء بها شاربما شكَّ فيه أنّه الكوثر
ندب له في حلبات العلىدون الأنام الورد والمصدر
كأنّ من يأوي إلى بشرهمن وحشة في روضة يحبر
معارج العلياء مرصودةليس عليها غيره يظهر

الفصيح الذي عقدت عليه الفصاحة حبك نطاقها، والبليغ الذي مدّت فوق البلاغة رفيع رواقها، والماجد الذي سمح الدهر بجوده، فدلّ على نفي بخل الدهر وإثبات جوده، وأحيى به روضة الأدب بعد ما ذوت، وأجدّ به ربوع الفضل بعد ما عفت، ورفع به سماء المجد بعد هبوطها، واقام به أعمدة السؤدد بعد سقوطها، وأقرّ عيون السماح منه بإنسانها، ووصل بيمين المعروف منه ببنانها، ونشر به جميع ما طوى من المحاسن العجيبه، وأظهر به ما أخفى من بدايع الكلمات الغريبه، فهو من أهل زمانه بمنزلة الروح من الجسد، والواسطة من العقد المنضّد، فأكرم به من ماجد بهيج تعشوا من ضوء صباح محيّاه نواظر الرائين إذا ملأت من نوره البصر، وأعجب به من فطن تعشوا في ظلام الأشكال إلى مصباح ذكاه بصائر ذوي النظر، لا زالت شمس إقباله طالعة في أعلى بروج المراتب، وكوكب سعده ثاقباً في سماء شرفه التي يتمنّى أن يحلّ فيها سعد الكواكب، ولا برح طائر اليمن له مزجورا، وروض مسرّته غضّاً مونقاً نضيرا، بمحمّد وآله المبرّئين من الزلل، وصحبه الذين مالهم في التقى من مثل.

أمّا بعد؛ فإنّي لم أزل فيك للغرام نديماً، وعلى الصبابة حيثما رحلت مقيماً، تذهب بي الأشواق كلّ مذهب، وطرف عيني لم يزل في آفاق السماء مقلب، فكأنّ عيني وقد نبت عن إغضائها، ووكلت بعدّ النجوم وإحصائها.

أنا أحصي النجوم فيك ولكنلذنوب الزمان لست بمحصي

غير أنّي كلّما ألحّ على قلبي الجوى فأضناه، روّحته بذكراك فتنتعش بعد الضعف قواه، وبينا أعلّل نفسي بذكر الوصال، وهي من شدّة الشوق تتمثّل بذكر من قال:

ولم أر مثل قطع الشوق قلبهعلى أنّه يحكي قساوته الصخر

إذ وردت منك إليّ رسالة بديعة الكلام، حسنة النسق والإنسجام، قد افتتحت بزهر السلام روضة كلماتها، وختمت بمسك الثناء عقود فقراتها، فنشقت منها نسيم المودّة حين نشرت لدي، واقتطفت منها نور المحبّة حين قُرئت عَلَيّ، وهزّني إليها الطرب، وملكني بها العجب، ولمّا استوقفت النظر فيها، وأجلت الفكر في ألفاظها ومعانيها، سكرت من كؤس ألفاظها ولا جام، بمدامة معانيها ولا مدام، قد ابتدأت برفع خبر الشوق نحوالخليل، وأنهت إليه الجزم بتمييزه فيما بنيت عليه من مضمر الحب وظاهر المدح الجليل، وأنبأت فيما أكّدت من الشوق أن لا بدل من الصب عند صبّه، وأن لا عوض عنه حين نعتت من اشتغال قلب الحبيب بمحبّه، وإنّ هوى الخليل مقصور على خليله في كلّ أحواله، بالإضافة إلى عدم الإستثناء في حذف عذاله، وصرحت عن إلغاء مقالة الحسّاد، وإثبات ما راموا نفيه من المحبّة والوداد، فطفقت أكسوها من استبرق المدائح برداً أحكم فكري نسجه، وأحلّيها بعقود الثناء، وإن لم تزد حسنها بهاء وبهجه.

أطرسك أم خدُّ عذراء بكروذا درُّ لفظك أم لفظ در
سحرت غداة فضضت الختامعنه كأنّ لفظه نفث سحر
وشكّكني حسن تنميقهأوشي بنانك أم وشي زهر

فناهيك بها من مبلغة أوعزت فأوجزت، ومفصحة لما فيه لكلّ منطيق أعجزت، قد حملت جزيل الحمد من مبادر بشكره، إلى من تقدّم إليه بمدح مجده وتنويه قدره، فنسأل الله سبحانه أن يجعل عزّكم ملازماً للدوام ما بقي الدهر، ويصل بالبقاء ما خلع عليكم من مطارف الوقار والفخر، إنّه على كلّ شيء قدير، وبالإجابة جدير.

ولمّا قدم قطب دائرة الوزراء والي بغداد المعظم أحمد مدحت باشا نظم بيتين يتخمّس بهما وهما قوله:

فلا والقنا والمرهفات البواترفلا ترة أبقيت لي عند واتر
أيذهب خصم في دم لي مضيّعولست أذيق الخصم طعم البواتر

فكتب إليّ الحاج مصطفى إلى الحلّة يستجثني بعد الإلتماس على تشطيرهما وتخميسمها وإن أنثر مع ذلك نبذة في مدح الوالي المشار إليه، وأن أنظم من الشعر ما يحسن به الثناء عليه، وذكر أنّه حضر في بعض تلك المجالس وجرى ذكر البيتين فضمن التشطير والتخميس ثمّ ألزمني بذلك وحثّني على الإستعجال فأجبته وقلت مصدّراً للنثر بهذين البيتين مورياً فيهما باسم الوالي المقدم ذكره:

لي قواف في جنبها البحر رشحهسلسلتها روية لي سمحه
مدح الدهر حسنها غير أنّيلست أرضى بها لأحمد مدحه

ذاك من ألحف بيضة الإسلام جناح ظلّه، وأقام دون حوزة الملك سرّاً من زبر آرائه ونصله، ومدَّ غطاء الأمن على الدين، وبسط العدل بين جميع المسلمين، قد اصطفاه حضرة مصدر التأمير للرياسة، وأرسله على حين فترة من التدبير والسياسة، فجاء بعد ما غاضت بحيرة البراعة، وخمدت نيران البأس والشجاعة، جامعاً بين آية النصل، ومعجز المقال الفصل، تنفجر من بنانه ينابع الكرم، وتفرق عن بيانه جوامع الحكم، حتّى هتف لسان العراق، الآن برزت شمس العدل باهرة الإشراق، ودرّ حلب البراعة، ونطق بعد الإفحام لسان البراعة، واستطيبت نفحات غوالي الفضل، بعد ما منع من شمّها زكام الجهل، وقام وزن الآداب بعد كا كسدت منها البضايع، حين نجم مشتري زهرة الكمال في حضرةِ فلكيّة المطالع، كما قلت فيها:

حضرة مولىً سواه ليس يرىفي غير هذا الزمان إنسان
مذ شبّ يكسي العلى ومرهفهشاب به الدهر وهو عريان

فأرض أفنيتها الشرف، ونديم أنديتها الظرف، وخلّتاها الشجاعة والكرم، وخادماها السيف والقلم، وسفيراها العلاء والمجد، وسميراها الثناء والحمد، والهيبة حاجب طراقها، والعزّة خفير رواقها، ويحقّ هاهنا الإنشاء، وإن كان قاصراً لسان الهيبة والثناء:

رواقك ذالا بل وليجة خادربل الليث يخطو دونه خطو قاصر
لك العسكر الجرّار والهيبة التيمخافتها تكفيك جرّ العساكر
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
خطبت الوغى بالرمحوالسيف شاغلالسانيهما بين الكلا والمغافر
فسيفك فيها ناثر غير ناظمورمحك فيها ناظم غير ناثر
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
وكم من عدوّ قد خلقت لقلبهجناحين من ذعر ورعب مخامر
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
فهابك حتّى ساعة السلم لم يكنليلقاك إلاّ في حشىً منك طائر
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
وخافك حتّى حين يخلو بسرّهكأنّ رقيباً منك خلف السرائر
طلعت ثنيّات التجارب كلّهافصرت ترى بالورد ما بالمصادر
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
رويد الأعادي إنّ حزمك عودهعلى الغمز يوماً لا يلين لهاصر
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
وإن جهلت يوماً حسامك فلتسلبه هامها عن عهده بالمغافر
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
لك القلم النفّاث في عقد النهىبديع بيان من معان سواحر
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
فوالله ما أدري أهل نثر ساحرعلى الطرس يبدو منه أم سحر ناثر
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
وفكرك يوحي أيّ نظم وإنّهالقول كيم جلّ لا قول شاعر
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة

هذا ولقد رغدت سماء ذلك الفكر المدار، فقرعت سمع الأعداء بصاعقتين يخطب منهم برقهما القلوب والأبصار، قد أوشكت أن تطلع على نفوسهم منهما الآجال، إذ تحمّس بهما فقال:

فلا والقنا والمرهفات البواترفلا ترةً أبقيت لي عند واتر
أيذهب خصم في دم لي مضيّعولست أذيق الخصم طعم البواتر

هذا والله الشعر الذي تكاد تقطر منه الحماسة دما، وتجبن عن إنشاده الثريا حتّى لو كانت للأسد فما، وحيث فاض على الأسماع صوب هذين العارضين، وصقل الخواطر والطباع لمع هذين البارقين، رجوت على قلّة البضاعة، ونزارة الإطّلاع في هذه الصناعة، أن أنخرط في سلك من شكر، وأكون في نظم من خمّس وشطر، فقلت لا متحمّساً، بل على سبيل الحكاية مخمّساً:

أثرت الثرى نقعاً بكرّ الضوامرإلى أن تركت الدهر أعمى النواظر
فقل للعدى أمنّا شفى الكرُّ خاطريفلا والقنا والمرهفات البواتر
فلا ترةً أبقيت لي عند واترأبحتكم للعفو أبرد مشرعغداه غسلتم كلّ جرح بمدمع
طمعتم لعمر الله في غير مطمعأيذهب خصم في دم لي مضيّع

ولست أذيق الخصم طعم البواترثمّ أقمت إلى جنب كلّ شطر جليل، خادماً له من نظام جميل، فقلت مشطّراً:

"فلا والقنا والمرهفات البواتر"عن الخصم لم أصفح سوى صفح قادر
لقد صلت حتّى قلت حسبي من الوغى"فلا ترةً أبقيت لي عند واتر"
"أيذهب خصم في دم لي مضيّع"وسيف حفاظي فلَّ صرف الدوائر
فكيف تذوق النوم عيناي لحظة"ولست أذيق الخصم طعم البواتر"

ثمّ رأيت أن أخمّس هذا التشطير، تلذّذا بمعاودة الفكر إلى ذلك النظام الخطير، فقلت:

سطوت فلمّا لم أدع غير صاغرعفوت إلى أن لم أجد غير شاكر
رعى الله صفحي عن عظيم الجرائرفلا والقنا والمرهفات البواتر
عن الخصم لم أصفح سوى صفح قادرحملت له أثقال عزمي وقد طغىعلى عود هذا الدهر حتّى بها رغا
فلا وأبي لم يبق لي بعد مبتغىلقد صلت حتّى قلت حسبي من الوغى
فلا ترةً أبقيت لي عند واترضمنت على سيفي بهمّة أروعدم المجد من خصمي لأكرم مودع
فلست له ابناً أن يضع عند مدّعيأيذهب خصم في دم لي مضيّع
ولست أذيق الخصم طعم البواترأبى جدُّ سيفي أن أُكلّم لفظةبغير شباه من أرى فيه غلظة
لقد أطعمت عيني الحفيظة يقظةفكيف تذوق النوم عيناي لحظة

ولست أذيق الخصم طعم البواترثمّ شفّعته بهذه المقطوعة، وإن لم تكن لائقة لتلك الحضرة الرفيعة:

أثنت عليك بأسرها الدولوتشوّقت الأعصر الأول
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
وأعدت للأيّام جدّتهافاليوم عمر الدهر مقتبل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
وأرى الممالك يابن بجدتهالك شكرها كنداك متّصل
أوسعتها وفضّلتها كرماًعنه يضيق السهل والجبل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
وسبرت غور زمانها فغدالا جرح إلاّ هو مندمل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
مافي الحياة لخالع أملأنت الحمام وسيفك الأجل
من ذا يردُّ لعزمتيك شباًوشباك يقطع قبلما يصل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
لو شئت قتل الدهر ثمّ درىلقضى عليه قبلك الوجل
إن تنتعل قمم الملوك فقدتوجّتهم بالفخر لو عقلوا
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
وطأت لك الدنيا باخمصهاهمم بساط نعالها القلل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
ولئت أقمت بحيث أنت وقدأمنت بك الأقطار والسبل
فالأرض حيث تجوسها بلدوالناس حيث تسوسها رجل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
وإذا الصواهل أرعدت وعلابرق الصوارم أمطر الأسل
وعلت رياح الموت خافقةبأجشَّ قسطله له زجل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
خضت السيوف وكلّها لججتحت الرماح وكلّها ظلل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
وجنيت عزَّ الملك محتكمامن حيث نبت في الكلا الذبل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
ولديك آراءٌ مثقفةما مسّة اكمثقّف خطل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
فإذا طعنت بها العدا وصلتمنهم لحيث السمر لا تصل
وعزائم كالشهب ثاقبةفي كلّ ناحية لها شعل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
قل للقبائل لا نعدّكمجمع القبائل كلّها رجل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
أسدٌ قلوب عداه من فرقذهلٌ ونابل فكره ثعل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
فاطرح أحاديث الكرام لهفبه لكلّ منهم مثل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
واترك تفاصيل الملوك فقدأغنتك عنها هذه الجمل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
يابن الوزارة أنت واحدهالا راعها بفراقك الثكل
ومن ادّعى للعين ليس سوىإنسانها ابن تشهد المقل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
فأقم وبدرك كامل أبداًوالبدر منتقص ومنتقل
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة
في دولة صلحت وزارتهالك فهي تحسدها بك الدول
للشاعر حيدر الحلي، اقرأ القصيدة

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العقد المفصل»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.