من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
الباب الثامن والعشرون في قافية الياء وفيها فصل واحد في المديح
قلت في مدحه:
للمجد طلعتك البهيّهشمسٌ تشعّ على البريّه
وبنان كفّك للندىوطفاء ساكبة رويّه
ولك المناقب في سماء الفخر زاهرة مضيّه
لا زلت يابن جلا همومالوفد طلاّع الثنيّه
كالطود حلمك أو تهزّكللثناء الأريحيّه
أبني الزمان ورائكمعن هذه الرتب العليّه
ودعوا الفخار بأسرهلا غرَّ بسّام العشيّه
خير البريّة من تعيشعلى عوارفه البريّه
هذا أبوالهادي الذييعطي ويحتقر العطيّه
لم يرض بالدنيا ومافيها لوافده هديّه
كرماً تبشّر وفدهبالنجح بهجته الوضيّه
حلو الحميّا خلقهمرّ الحفاظ مع الحميّه
فأمّا قولي:
وبنان كفّك للندىوطفاء ساكبة رويّه
ففيه التضمين من قول بعضهم في رثاء الحسين ﵇:
أمرر على جدث الحسينوقل لأعظمه الزكيّه
يا أعظماً لا زلت منوطفاء ساكبة رويّه
وقد صرفته عن معناه لأنّ ساكبة صفة للوطفاء ورويّة صفة للأعظم وقد جعلتهما كلاهما صفة للوطفاء. والتضمين هو أن يضمن الشاعر شعره شيئاً من شعر الغير مع التنبيه عليه إن لم يكن مشهوراً عند البلغاء، وإن كان مشهوراً فلا حاجة إلى التنبيه. قال البحتري في هجاء بعض النّاس:
ولقد رأيت البيض تأخذ درعهفذكرت عرض محمّد بن الهيثم
غرض الأيور يقول عند لقائهاليس الكريم على القنا بمحرّم
مزج المدح لإنسان بذمّ آخر وتضمّن من قول عنتر قوله: ليس الكريم على القنا بمحرّم، وهنا نادرة أحببت ذكرها وإن لم تكن من التضمين إلاّ أنّ فيها مناسبة لحال المهجو.
قيل: إنّ الحسن بن وهيب وكان يُرمى بالأبنة استعرض غلاماً فقال: أكشف عن ساقيك وذراعيك وجعل يفتّشه والغلام يخجل، فقال له نجاح الكاتب: لا تخف إنّك أنت الأعلى.
ولبعضهم في الهزل:
وباخل يشنؤ الأضياف حلَّ بهضيف من الصفع نزّال على القمم
سألته ماالذي يشكو فجاوبنيضيف ألمَّ برأسي غير محتشم
والتضمين هذا من قول المتنبّي:
ضيف ألمّ برأسي غير محتشموالسيف أحسن فعلاً منه بالقمم
وقال ابن أبي الأصبع:
إذا الوهم أبدى لي لماها وثغرهاتذكّرت مابين العذيب وبارق
ويذكّرني من قدّها ومدامعيمجرّ عوالينا ومجرى السوابق
وظريف قول ابن نباتة في الهزل:
أقول لمعشر جلدوا ولاطواوباتوا عاكفين على الملاح
ألستم خير من ركب المطاياوأندى العالمين بطون راح
أتنسى صدع أُمّك فوق أيريبذور كما يذور بني رياح
تقول وقد جلست عليه إيهوقد قعدت على الورد الوقاح
ألسنا خير من ركب المطاياوأندى العالمين بطون راح
فقلت دعي فليس أوان فخرولا بأوان هجو وامتداح
ولكنّ الأوان أوان نيكوإدخال الفياشل في الفقاح
وقال ابن نباتة:
تصدّى إلى أيري فقلت له اثئدوحقّك لو عاينته وهو ثائر
رأيت الذي لا كلّه أنت قادرعليه ولا عن بعضه أنت صاير
ومن ظريف التضمين ما حكي أنّ الحيص بيص الشاعر قتل جرو كلب وهو سكران فأخذ أبوالقاسم القطان الشاعر كلبة وعلّق في رقبتها قصّة وأطلقها عند باب الوزير، فأخذت القصّه من عنقها وأدخلت على الوزير، فإذا فيها مكتوب:
يا أهل بغداد إنّ الحيص بيص أتىبخزية أورثته العار في البلد
أبدى شجاعته بالليل مجترياًعلى جري ضعيف البطش والجلد
فأنشدت أُمّة بعد ما احتسبتدم الأبيلق عند الواحد الصمد
أقول للنفس تأساءً وتعزيةإحدى يديَّ أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبههذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
البيتان الأخيران لامرأة من العرب قتل أخوها ابناً لها فقالتهما تسلية لنفسها.
وقال بعضهم في قاض مات غلامه وبغلته معاً وضمن المثل، فقال:
قالوا غلام القاضي وبغلتهراحا جميعاً منه على البغته
قلت لقد برح الزمان بهلم يبق لا فوقه ولا تحته
وقال آخر مضمّناً في مدح بعضهم:
أستغفر الله أين الغيث منقطعاًمن جوده وهو طول الدهر متّصل
من حاتمٌ عدّ عنه واطرح فيهفي الجود لا بسواه يضرب المثل
أين الذي برّه الآلاف يتبعهاكرائم الخيل ممّن برّه الإبل
لو مثل الجود سرحاً قال حاتمهملا ناقة لي في هذا ولا جمل
والأحسن في التضمين صرفه عن معناه الأصلي فمن ذلك قول أبي الحسن في تضمين قصيدة امرء القيس وجرّها إل مدح النبي ﵌ فقال:
نبي الهدى قد قال للكفر نورهألا أيّها الليل الطويل ألا انجلي
تلا سوراً ما قولها بمعارضإذا هي نصّته ولا بمعطّل
وقد تلاعب الشعراء بتضمين هذه القصيدة، فمن ذلك قول أبي منصور:
أكتاب ديوان الرسائل مالكمتجمّلتم بل متّم بالتجمّل
وأرزاقكم لا تستبين رسومهالما نسجتها من جنوب وشمئل
إذا ما اشتكى الإفلاس والضر بعضكمتقولون لا تهلك أسىً وتحمّل
حلفتم على باب الأمير كأنّكمقفانيك من ذكرى حبيب ومنزل
وكتب بعضهم إلى ابن نباتة:
أفي كلّ يوم منك عتب يسوئنيكجلمود صخر حطّه السيل من عل
وترمي على طول المدى متجنّياًبسهميك في أعشار قلب مقتل
في أبيات طويلة فأجابه متهكّماً:
فطمت ولائي ثمّ أقبلت عاتباًأفاطم مهلاً بعض هذا التدلّل
بروحي ألفاظ تعرّض عتبهاتعرّض أثناء الوشاح المفصّل
فأحييت ودّاً كان كالرسم عافياًبسقط اللوى بين الدخول فحومل
ومن التضمين الغريب ما اخترعه الصاحب فخرالدين في مداعبة رجل من أصحابه كبير الأنف وهو:
تأنّف عن وصف الغزال تغزّليبلحية أنف ذي حقاف عقنقل
من البق فيها جملة قد تعرّضتتعرّض أثناء الوشاح المفصّل
فياقبح شعر فوق أنف معرقفأثيث كقنو النخلة المتعثكل
ترى القمل والضبيان في عرصاتهاوقيعانها كانّه حبّ فلفل
كأنّ الفسا إن قيس مع ريح أنفهنسيم الصبا جائت بريا القرنفل
والشواهد في هذا النوع كثيرة، وما أحلى قول بعضهم وكان مغرماً بالتضمين:
أُطالع كلّ ديوان أراهولم أزجر عن التضمين طيري
أضمّن كلّ بيت فيه معنىًفشعري نصفه من شعر غيري
تمّت الأبواب بعون الملك الوهّاب، وتتلوها
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع