من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
الفصل الثاني في الرثاء (٣)
لمّا توفّي محمّد الرضا خلف الفاضل محمّد الصالح، حملت جنازته من بغداد للنجف واجتازوا بها على الحلّة ولم أكن يومئذ بها ولم أعلم بالأمر حتّى عادوا، فقلت:
نعم هذه يا دهر أُمّ المصائبفلا توعدني بعدها بالنوائب
ألا هلمّ فاستمع مقالي، وتعجب ممّا تصرّفت بي الليالي، هل رأيت مثلي فقيداً شطّ به المزار، فلا يدري بنفسه وهي قد خرجت من دار الدنيا إلى دار القرار.
كفاني بهذا جوىً ما بقيتيجدّد في القلب داءً رغيها
نعم وكلّما أردت النياحة في هذه المصيبة، أفحمني استعظام هذه النازلة الغريبة، فاعذل عن هذه الحبسة نفسي، وأتمنّى لو أنّني حبست قبلها برمسي، حتّى قالت لي النفس أجل، مالك سبق السيف إلى أوداجك العذل، ما عسى أن أقول ولمن أعزي وأنا الثكول، وعلى من أنوح وأنا الفقيدة، ولمن في اللحد أُنادي وأنا الملحودة.
ما أخطأك النائباتإذا أصابب من تحبُّ
بلى، لا سمحت لك قريحة لبّي، أو تنوح عنّي بلسان حالي، وإلاّ فبحسبي نياحة قلبي، فاجتباها إليّ مقالها، وقلت على لسان حالها:
أطوياني ملامة وانشرانيبلغ الوجد حيث لا تبلغان
قد عناني جوىً يطول وفيهيقصر اللوم عن مردّ عناني
كيف عيني لم تغد بيضاء حزناًوهي قد أصبحت بلا إنسان
إنّ صوت النعي مذ خاض سمعيخلته في حشاي غرب سنان
وعضضت البنان غيظاً ولكنلا يفيد المكلوم عضَّ البنان
فاعذراني إذا ربطت فؤاديبيدي وانطويت ممّا دهاني
إنّ قلبي من دهشتي طار حزناًفغدا وهو دائم الخفقان
كفكفا عن حشاي غرب ملاميمن جراح الجوى بها ما كفاني
أين منّي صبري لأرضى فأسلوصبري اليوم والرضا ميّتان
أنا يا لائميّ أدرى بطبّيفاعذلاني ما عشت أو فاعذراني
سلياني بردّ روحي وإلاّفبماذا عنه إذاً سلواني
قرباه فوق الثرى اليوم منّيأو فمنه تحت الثرى قرباني
وأقبراه إذاً بقلبي وإلاّفخذاني لقبره واقبراني
وإلى جنب مهجتي وسداهأو إلى جنب جسمه وسّداني
فحياتي وموته رزءآنلم أقدر عليَّ يجتمعان
بل تخيّلت أن يعيش وأفنىأو سواء تضمّنا حفرتان
لم أُفارقه أجنبيّاً ولكنهو روحي قد فارقت جثماني
قد نشرنا ما بيننا الود دهراًفطواه الردى وليت طواني
غمّضا ناظريَّ ما عشت غيضافعلى من بعد الرضا تفتحان
وزفيري ثقف حنايا ضلوعيفعلى ودّ من يبتن حواني
وخطوب الزمان دونك شخصيفلك اليوم قد كشفت عياني
نزعت عنّي الحوادث درعيفبمن أتّقي شبا الحدثان
كم به قد لويت دهري وهذادهري اليوم كيف شاء لواني
لك أسمحت يا خطوب الزمانذهبت نخوتي فهاك عناني
قد أبانت حشاي فاستهدفيهانكبة طوّحت ضحىً بأبان
راصدتني من حيث لست أراهاأعين النائبات وهي تراني
فرمتني من حيث لا أتّقيهابسهام الهموم والأحزان
فأنا اليوم يا نوائب كلّيمقتل بارز لمن قد رماني
كنت قدماً إذ ودّ نبلك عنّيببناني فأين منّي بناني
قد نعاه الناعي إليّ أيدريلا درى أنّه إليّ نعاني؟
حملوه وخلفه كلّ عافبدماه عيناه فائرتان
عجباً خفّ نعشه وهو قد ساربثقل المعروف والإحسان
بل أراه ما خفّ إذ سار لكنحملته ملائك الرحمان
فاحملاني إلى ثراه احملانيوقفا بي عليه وقفة عاني
يا فقيداً فقدت منه غماماًكلّما قلت قد ظمأت سقاني
ودفيناً دفنت منه حساماًكنت أعددته لحرب الزمان
أغمدته في الترب كفّي فشلّتفات نصري وأبتُ بالخذلان
شغلت منطقي عليه المراثيوخلا من هوى سواه جناني
يا تراني أثني على منْ بمدحوهو من أجنّة يا تراني
مات محيي الثنا ولولا أبوهقلت في لحده دفنت لساني
ذاك مولىً صفاته الغرُّ جائتفي مزايا علياه طبق المعاني
صالح الفعل راجح الفضل امن المستغثين غيث أهل الأماني
ورع ناسك تفرّغ للهبقلب من خوفه ملآن
جامعاً قوّة الحميّة للدينانتصاراً ورقّة الإيمان
وبعزّ الملوك يصبح مرهوباًويمسي بذلّة الرهبان
قد بنى للقرى على الكرخ بيتاًوالتقى أسّ ذلك البنيان
شارع الباب تلتقي طرق الأرض جميعاً لديه بالضيفان
رافعاً تحت ظلمة الليل للسارين فيه ذوائب النيران
كرماً قد أعدَّ للضيف فيهعدد الطارقين غرّ الجفان
قلت للبحر هل تساويه يوماًقال كلاّ لا يستوي البحران
وسألت الحيا أتحكيه جوداقال أين الباكي من الجذلان
يا أباالمصطفى وحلمك أرسىفي لقاء الخطوب من ثهلان
لك نفس تقدّست وبها قدحزت أعلى مراتب العرفان
فرّغ النفس من جوى الثكل يا منهو في الفضل ملؤ عين الزمان
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع