تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

أبيات حكيمة

وإليك أبياتاً حكيمةً لشاعرٍ جاهِليٍّ قديمٍ يُسمَّى: الأضبط بن قُريع بن عوف بن كعب بن سعد، رهط الزِّبْرِقانِ بن بدر، وهو الذي أساء قومُه

مُجاورَته، فانتقل عنهم إلى آخرين

ففعلوا مثل ذلك، فقال: أينما أُوَجّه ألْقَ سعدا وقال: بكلِّ وادٍ بنو سعد وإليك هذه الأبياتَ:

لكلِّ ضيقٍ مِنَ الهُمومِ سَعَهْوالمُسْيُ والصُّبْحُ لا فلاحَ مَعَهْ
ما بالُ مَنْ غَيُّهُ مُصيبُكَ لوْيَملِكُ شيئاً من أمْرِه وَزَعَهْ
أذودُ عنْ حَوْضِه ويَدْفَعُنييا قومُ مَنْ عاذِرِي مِنَ الخُدَعَهْ
للشاعر الأضبط السعدي، من قصيدة «لكل هم من الهموم سعه»
حَتَّى إذا ما انْجَلَتْ عَمايَتُهُأقْبَلَ يَلْحى وغَيُّهُ فَجَعَهْ
للشاعر الأضبط السعدي، من قصيدة «لكل هم من الهموم سعه»
قدْ يَرْقَعُ الثَّوبَ غَيرُ لابِسهِويَلْبَسُ الثَّوبَ غَيرُ مَنْ رَقَعَهْ
فاقْبَلْ مِنَ الدَّهْرِ ما أتاكَ بهِمَنَّ قرَّ عَيْناً بِعَيْشِه نَفَعَهْ
للشاعر الأضبط السعدي، من قصيدة «لكل هم من الهموم سعه»
وصِلْ حِبالَ البَعيدِ إنْ وَصَلَ الْحَبْلَ وأقْصِ القَريبَ إنْ قَطَعَهْ
للشاعر الأضبط السعدي، من قصيدة «لكل هم من الهموم سعه»
ولا تُهينَ الفَقيرَ عَلَّكَ أنْتَرْكَعَ يَوْماً والدَّهْرُ قدْ رَفَعَهْ
للشاعر الأضبط السعدي، من قصيدة «لكل هم من الهموم سعه»

المُسْيُ: اسْمٌ من الإمساء، والصبح: اسمٌ من الإصباح، والفلاح هنا: البقاء والعيش

قال عبيد بن الأبرص:

أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُدْرَكُ بِالضَّعْفِ وقدْ يُخْدَعُ الأريبُ

يقول لا بقاء مع كرّ الليل والنهار. والفلاح أيضاً: الفوز ومنه قوله في الأذان: حيَّ على الفلاح، والغَيُّ: الخيبة والحرمان قال المرقّش الأكبر:

فَمَنْ يَلْقَ خَيراً يَحْمَدِ الناسُ أمرَهومَنْ يَغْوَ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِماً
للشاعر المرقش الأصغر، من قصيدة «ألا يا اسلمي لا صرم لي اليوم فاطما»

وجملة: لو يملك؛ حاليَّة، ووَزَعَه: منعه وكفّه، يقول: ما بال من تتألم لخيبته وسوء حاله فإذا وجد شيئاً من الخير كفه عنك، ويُروى هذا البيت على وجه آخر، وقوله أذود عن حوضه: هو مثل للحماية ودفع المكروه عنه، والخُدَعة: قوم من بني سعد بن زيد مناة بن تميم......

والعَماية: الشدة التي تلتبس منها الأمور، يقال: عَمِيَ عليه الأمر: إذا التبس، وأقبل: شرع، ويلحى: يلوم، وغَيّه: ضلاله، وفجعه: أصابه بمكروه

وصل حبال البعيد... البيت يعني: تقرب إلى البعيد النسب إذا طلب قربك واهجر القريب النسب إذا هجرك، أخذه الأعشى فقال:

ولا تُدْنِ وصْلاً مِنْ أخٍ مُتباعِدٍولا تَنأَ عن ذي بِغضةٍ إن تَقرّبا
فإنَّ القريبَ مَنْ يُقرِّبُ نفْسَهلَعَمْرُ أبيكَ الخيرِ لا مَنْ تَنَسَّبا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «كفى بالذي تولينه لو تجنبا»

وقوله ولا تهينَ الفقير الخ فالإهانة: الإيقاع في الهون (بضم الهاء) والهوان وهما بمعنى

الذل والحقارة، وعَلّ: لغة في لعل وهي هنا بمعنى عسى، والركوع أراد به الانحطاط في المرتبة والسقوط في المنزلة، ومثل هذا البيت في المعنى قول القائل:

عَسى سائِلٌ ذو حاجةٍ إنْ مَنَعْتَهفي اليومِ سُؤْلاً أنْ يكونَ لهُ غَدُ
للشاعر أبو اللحام التغلبي، من قصيدة «عمرت وأطولت التفكر خالياً»

وهذا البيت يستشهد به النحاة على أن نون التوكيد الخفيفة تحذف لالتقاء الساكنين والأصل تُهيننْ بالنون الخفيفة، ويروى: ولا تعاد ويروى لا تحقرن الفقير فلا شاهد فيه؛ وفي معنى هذا البيت أيضا يقول عبّاد بن عباد بن حبيب بن المهلّب:

إذا خَلَّةٌ نابَتْ صَديقَك فاغْتَنِمْمَرَمَّتَها فالدَّهْرُ بالناسِ قُلَّبُ
وبادِرْ بِمَعروفٍ إذا كنتَ قادِراًزَوالَ اقْتدارٍ أو غِنىً عنكَ يُعْقِبُ

الخلة: الحاجة والفقر وفي المثل الخَلَّة تدعو إلى السَّلَّةِ السَّلَّة: السرقة ومرمَّتها: إصلاحُ ما فسدَ منها، وقلّب: كثير التقلب من حال إلى حال، وزوال: مفعول لبادر، وعنك: متعلق بزوال، ويعقب: صفة له، يقول: يأتي الزوال عقب الاقتدار والغنى ويقول تميم بن مقبل:

فأخْلِفْ وأتْلِفْ إنَّما المالُ عارةٌفَكُلْه مَعَ الدَّهرِ الذي هو آكِلُهْ
للشاعر تميم بن أبي، اقرأ القصيدة
فأهْونُ مَفْقودٍ وأيْسرُ هالِكٍعَلى الحَيِّ مَنْ لمْ يَبْلغِ الحَيَّ نائِلُهْ
للشاعر عبد الله بن همام السلولي، اقرأ القصيدة

فأخلف: يريد استفد خلف ما أتلفت، وقد أخلف فلان لنفسه: إذا ذهب له شيء فجعل مكانه آخر، وعارة: معار، والعارة والعارية: ما يُتداول بين الناس ويقول جرير:

وإنّي لأسْتَحْيي أخي أن أرَى لهعليَّ مِنَ الحَقِّ الذي لا يَرى لِيا
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة

يقول جرير: إني لأستحيي أخي أن يكون له عليَّ فضلٌ ولا يكونَ لي عليه فضل ومني إليه مكافأة، فأستحيي أن أرى له عليَّ حقاً لما فعل إليّ ولا أفعل إليه ما يكون لي به عليه حقٌّ، قال المبرد: وهذا من مذاهب الكرام ومما تأخذ به أنْفُسَها

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثالث في الصبر وعبقريّاتهم فيه وفي الدُّنيا وأكْدارِها، وفي هادم اللذات

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.