من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
أخبار في الباب
وقال عمر ﵁: الكرم التقوى، والحسب المال. لست بخير من فارسي ولا نبطي إلا بالتقوى.
- ورأى رجلا يخطر بيده ويقول: أنا ابن بطحاء مكة، كديّها
وكدائها، فقال له: إن يكن لك دين فلك كرم، وان يكن لك عقل فلك مروّة، وإن يكن لك مال فلك شرف، وإلا فأنت والحمار سواء.
وقال علي بن الحسين: لا يفخر أحد على أحد فانكم عبيد والمولى واحد.
- وقال العتابي: العجب ضربان: مفترض ومطّرح، فأما المفترض فان يعظّم الرجل نعم الله عليه، ويفرح باحسانه اليه؛ وأما المطرح فعجب الاستطالة الذي نهى الله تعالى عنه. الا ترى إلى النبي ﷺ يقول: أنا سيد ولد آدم ولا فخر، فجهر بعجب الشكر، وأسقط استطالة الكبر. وقد قيل لحكيم: ما الشيء الذي لا يحسن أن يقال وإن كان حقا؟ فقال مدح الرجل نفسه والفخر.
- وإن نهت عنه الأخبار النبوية وهجّنه العقل، فان العرب كانت تفتخر بما فيها من البيان طبعا لا تكلفا، وجبلّة لا تعلما، وتعتد ذلك مقارعة عن الأحساب، ومنازعة على شرف الأنساب، وتراه إرهابا للعدو في المنازلة واللقاء، ونشرا للفضيلة عند الأقران والاكفاء. ولم يكن لهم من ينطق بفضلهم إلا هم، ولا ينبه على مناقبهم سواهم. وقد كان أعرابي ليم بمدح نفسه فقال: فإلى من أكلها إذن؟
وكان كعب بن زهير إذا أنشد شعرا قال لنفسه: أحسنت والله وجاوزت الاحسان، فيقال له: أتحلف على شعرك؟ فيقول: لأني أبصر به منكم.
وكان الكميت إذا قال قصيدة صنع لها خطبة في الثناء عليها، وكان يقول عند
إنشادها: لله درّي أيّ علم بين جنبيّ، وأيّ لسان بين فكي؟
وقال الجاحظ: لو لم يصف الطبيب مصالح دوائه للمتعالجين لما كان له طالب، ولا فيه راغب.
ولما أبدع ابن المقفع في رسالته سماها «اليتيمة» تنزيها لها عن المثل؛ ولو لم ينحلها هذا الاسم لكانت كسائر رسائله، فسكنت من النفوس موضع إرادته من تعظيمها.
وسأذكر في هذا الباب ما نطق به البلغاء نظما ونثرا في مفاخرهم، وما ورد فيها من أخبارهم، ومن الله تعالى أستمد العصمة، وإياه أشكر على ما أولى من النعمة.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع