من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
أشعار في الفخر
- قال أبو بكر الهذلي: سرت مع المنصور وسايرته يوما فعرض لنا رجل على ناقة حمراء، تذهب في الأرض، وعليه جبّة خزّ وعمامة عدنية، وفي يده سوط يكاد يمسّ به الأرض، سويّ الهيئة، فلما رآه أمرني بدعوته، فسألته عن نسبه وبلاده، وعن باديته وقومه، وعن ولاة الصدقة، فأحسن الجواب، فأعجبه ما رأى منه، فقال: أنشدني، فأنشده شعرا لأوس بن حجر وغيره من الشعراء من بني عمرو بن تميم، وحدّثه حتى أتى على شعر لطريف بن تميم العنبري وهو قوله:
إن قناتي لنبع لا يؤبّسهاغمز الثقاف ولا دهن ولا نار
متى أجر خائفا تأمن مسارحهوإن أخف آمنا تقلق به الدار
إنّ الامور إذا أوردتها صدرتإن الأمور لها ورد وإصدار
قال: ويحك، وما كان طريف فيكم حيث قال هذا الشعر؟ قال: كان أثقل العرب على عدوّه وطأة إذا نهد إليهم بثار، وأيمنهم نقيية، وأعساهم قناة على من رام هضمه، وأقراهم لضيفه، وأحوطهم من وراء جاره. اجتمعت العرب بعكاظ وكلهم أقرّ له بهذه الخلال، غير أن من اراد أن ينقص به قال: والله ما أنت ببعيد النجعة ولا قاصد الرمية، فدعاه ذلك إلى أن جعل على نفسه ألا يأكل إلا لحم قنص يقتنصه، ولا ينزع كلّ عام عن غزوة يبعد فيها أثره. قال: يا أخا بني تميم، لقد أحسنت إذ وصفت صاحبك، ولكني أحق ببيته منه، أنا ذاك الذي وصفت لا هو.
- تكلم الوفود عند عبد الملك حتى بلغ الكلام إلى خطيب الأزد، فقام فقبض على قائم سيفه ثم قال: قد علمت العرب أنّا حيّ فعال ولسنا حيّ مقال، وأنّا نأبى الحيف، ونعمل السيف، فمن مال قوّم السيف أوده، ومن نطق قمع الحقّ لدده؛ ثم جلس، فحفظت خطبته دون كلّ خطبة.
وفي رواية: وأنا نجزي بفعلنا عند أحسن قولهم. إن السيوف لتعرف الفنا، وان الموت ليستعذب أرواحنا، وقد علمت الحرب الزّبون أنّا نقدع جماحها ونحلب صراها.
- قال الأسعر ابن أبي حمران الجعفي، وإنما لقب الأسعر لقوله:
فلا يدعني قومي لسعد بن مالكلئن أنا لم أسعر عليهم وأثقب
واسمه مرثد بن الحارث:
وكنت إذا خيل لخيل تعرّضتأكون لدى الهيجاء أول طاعن
وإني لوصّال لمن شئت وصلهوإني لقطّاع حبال القرائن
- وقال الحادرة:
أسميّ ويحك هل سمعت بغدرةرفع اللواء لنا بها في مجمع
إنّا نعفّ فلا نريب حليفناونكفّ شحّ نفوسنا في المطمع
ونقي بأيمن مالنا أحسابناونجرّ في الهيجا الرماح وندّعي
ونخوض غمرة كلّ يوم كريهةتردي النفوس وغنمها للأشجع
ونقيم في دار الحفاظ بيوتنازمنا ويظعن غيرنا للأمرع
أسميّ ما يدريك أن رب فتيةباكرت لذّتهم بادكن مترع
بكروا عليّ بسحرة فصبحتهممن عاتق كدم الغزال مشعشع
ومعرّض تغلي المراجل تحتهعجّلت طبخته لقوم جوّع
ولديّ أشعث باسط ليمينهقسما لقد أنضجت لم يتورّع
ومسهّدين من الكلال بعثتهمبعد الكلال إلى سواهم ظلّع
أودى السّفار برمّها فتخالهاهيما مقطّعة حبال الأذرع
الهيام: داء يأخذ بالابل شبيه بالحمّى من شهوة الماء فتشرب فلا تروى، فاذا أصابها ذلك فصد لها عرق فيبرد ما بها.
تخد الفيافي بالمحال وكلّهايعدو بمنخرق القميص سميدع
ومناخ غير تأيّة عرّستهقمن من الحدثان نابي المضجع
التأية: التمكث، يريد أنه مخوف.
عرّسته ووساد رأسي ساعدخاظي البضيع عروقه لم تدسع
تدسع: تمتلىء. وخاظي: مكتنز، خظا أي كثر.
فرفعت عنه وهو أحمر قانىءقد بان مني غير أن لم يقطع
- وقال الشنفرى:
وإنّي لحلو إن أريدت حلاوتيومرّ إذا نفس العزوف أمرّت
أبيّ لما آبى سريع مفيئتيإلى كلّ نفس تنتحي في مسرّتي
إذا ما أتتني ميتتي لم أبالهاولم تذر خالاتي الدموع وعمتي
- وقال عبد يغوث بن وقّاص الحارثي:
وقد علمت عرسي مليكة أننيأنا الليث معدوّا عليه وعاديا
وقد كنت نحّار الجزور ومعمل المطيّ وأمضي حيث لا حيّ ماضيا
وأنحر للشّرب الكرام مطيّتيوأصدع بين القينتين ردائيا
وعادية سوم الجراد وزعتهابكفّي وقد أنحوا إليّ العواليا
كأني لم أركب جوادا ولم أقللخيلي كرّي نفّسي عن رجاليا
ولم أسبأ الزقّ الرويّ ولم أقللأيسار صدق أعظموا ضوء ناريا
- وقال ذو الاصبع العدواني:
إني لعمرك ما بابي بذي غلقعلى الصديق ولا خيري بممنون
ولا لساني على الأدنى بمنطلقبالمنكرات ولا فتكي بمأمون
لا يخرج القسر مني غير مغضبةولا ألين لمن لا يبتغي ليني
- وقال أبو الطمحان القيني:
إني من القوم الذين هم همإذا مات فيهم سيد قام صاحبه
نجوم سماء كلّما غاب كوكببدا كوكب تأوي إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههمدجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه
وما زال منهم حيث كان مسوّدتسير المنايا حيث سارت ركائبه
- وقال قيس بن رفاعة الأنصاري:
من يصل ناري بلا ذنب ولا ترةيصل بنار كريم غير غدار
أنا النذير لكم منّي مجاهرةكي لا ألام على نهي وإنذار
فإن عصيتم مقالي اليوم فاعترفواأن سوف تلقون خزيا ظاهر العار
لتتركنّ أحاديثا وملعبةلهو الحديث ولهو المدلج الساري
من كان في نفسه حوجاء يطلبهاعندي فإني له رهن باصحار
أقيم عوجته إن كان ذا عوجكما يقوّم قدح النبعة الباري
وصاحب الوتر ليس الدهر يدركهعندي وإني لطلّاب بأوتار
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع