من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
بين اليمنية والقيسية
»
- وقال إبراهيم بن العباس:
وكنّا متى ما نلتمس بسيوفناطوائل ترجعنا وفينا طوائل
ويأمن فينا جارنا وعدوّناويرقد عنّا في المحول العواذل
نهمّ فتعطينا المنايا قيادهاوتلقي إلينا ما تكنّ المعاقل
- كان أبو العبّاس السفاح يعجبه السّمر ومنازعة الرجال بعضهم بعضا، فحضر عنده إبراهيم بن مخرمة الكندي وناس من بلحارث بن كعب،
وكانوا أخواله، وخالد بن صفوان بن الأهتم، فخاضوا في الحديث، وتذاكروا مضر واليمن، فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، إن اليمن هم العرب الذين دانت لهم الدنيا، وكانت لهم البدأة ولم يزالوا ملوكا وأربابا، ورثوا الملك كابرا عن كابر وآخرا عن أوّل، منهم النعمانات والمنذرات والقابوسات، ومنهم عياض صاحب السحر، ومنهم من حمت لحمه الدّبر، ومنهم غسيل الملائكة، ومنهم من اهتز لموته العرش، ومنهم من يأخذ كلّ سفينة غصبا، وليس من شيء له خطر إلّا إليهم ينسب، من كلّ فرس رائع، وسيف قاطع، أو درع حصينة، أو مجنّ واق، أو حلّة مصونة أو درّة مكنونة، إن سئلوا أعطوا، وان نزل بهم ضيف قروا، لا يبلغهم مكاثر، ولا يطاولهم مفاخر. هم العرب العاربة وغيرهم المستعربة. فقال أبو العباس: ما أظنّ أن التميمي يرضى بقولك، ثم قال: ما تقول أنت يا خالد؟ قال: إن أذنت لي في الكلام وأمّنتني من المؤاخذة تكلّمت.
قال. تكلّم ولا تهب أحدا. فقال: أخطأ المتقحم بغير علم، ونطق بغير صواب. وكيف يكون ذلك لقوم ليس لهم ألسن فصيحة، ولا لغة صحيحة نزل بها كتاب ولا جاءت بها سنّة؛ وانهم منّا على منزلتين إن جاوزوا حكمنا قتلوا، وإن حادوا عن قصدنا أكلوا: يفخرون علينا بالنعمانات والمنذرات والقابوسات ونفخر عليهم بخير الأنام، وأكرم الكرام، محمد ﵊، ولله المنة به علينا وعليهم، لقد كانوا أتباعه: به عرفوا، وله أكرموا. فمنا النبيّ المصطفى، ومنّا الخليفة المرتضى، ولنا البيت المعمور، وزمزم والحطيم والمقام، والحجابة والبطحاء وما لا يحصى من المآثر، وليس يعدل بنا عادل، ولا يبلغنا قول قائل، ومنّا الصديق والفاروق وذو النورين والوصيّ والوليّ وأسد الله وسيد الشهداء وذو الجناحين وسيف الله، وبنا عرفوا الدين، وأتاهم اليقين، فمن
زاحمنا زاحمناه، ومن عادانا اصطلمناه. ثم أقبل خالد على إبراهيم فقال: ألك علم بلغة قومك؟ قال: نعم. قال: فما اسم العين؟ قال: الجحمة. قال: فما اسم السن؟ قال: المبزم. قال: فما اسم الأذن؟ قال: الصنّارة. قال: فما اسم الأصابع؟ قال: الشناتر. قال: فما اسم اللحية؟ قال: الزبّ. قال: فما اسم الذئب؟ قال: الكتع، ويقال الصّتع. قال: أفعالم أنت بكتاب الله ﷿؟
قال: نعم. قال: فان الله يقول: (إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا)
(يوسف:) وقال: (بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ)
(الشعراء:) وقال (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ)
(إبراهيم:) فنحن العرب، والقرآن بلساننا نزل. ألم تر أن الله تعالى قال: (الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ)
(المائدة:) ولم يقل: الجحمة بالجحمة.
وقال تعالى: (السِّنَّ بِالسِّنِّ)
ولم يقل: المبزم بالمبزم. وقال: (الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ)
(المائدة:) ولم يقل: الصنّارة بالصنارة. وقال: (يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ)
(البقرة:) ولم يقل: شناترهم في صناراتهم. وقال: تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي)
(طه:) ولم يقل بزبي. وقال: (أَكَلَهُ الذِّئْبُ)
(يوسف:) ولم يقل: أكله الكتع. ثم قال خالد: إني أسألك عن أربع خصال، إن أقررت بهنّ قهرت، وان أنكرتهنّ كفرت. قال: ما هنّ؟ قال:
الرسول منا أو منكم؟ قال: منكم، قال: فالقرآن أنزل علينا أو عليكم؟ قال:
عليكم. قال: فالمنبر فينا أو فيكم؟ قال: فيكم. قال: فالبيت لنا أو لكم؟ قال:
لكم. قال: فاذهب فما كان بعد هؤلاء الخصال فهو لكم. فغلّب أبو العباس خالدا وحباهم جميعا. فقام خالد وهو يقول: ما أنتم إلا سائس قرد، أو دابغ جلد، أو ناسج برد.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع