تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

كتاب المنصور إلى محمد النفس الزكية والجواب

- كتب المنصور إلى محمد بن عبد الله بن الحسن لما خرج يعرض عليه الأيمان، ويبذل له البذول إن رجع عما عزم عليه، فكتب إليه محمد بن عبد الله بن الحسن: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الله ابن محمد: أما بعد طسم. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ. نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ)

(القصص:). وأنا أعرض عليك مثل الذي أعطيتني، فقد تعلم أنّ الحقّ حقّنا، وأنكم طلبتموه بنا، ونهضتم فيه بشيعتنا، وخطبتموه بفضلنا. وإن أبانا عليا ﵇ كان الوصيّ والامامة فيه، فكيف ورثتموه دوننا ونحن أحياء، وقد علمتم أنه ليس أحد من بني هاشم يمتّ بمثل فضلنا، ولا يفخر بمثل قديمنا وحديثنا، ونسبنا وسببنا، وإنا بنو أمّ رسول الله ﷺ فاطمة بنت عمرو أم أبي طالب في الجاهلية دونكم، وبنو بنته فاطمة في الإسلام من بينكم، فأنا أوسط بني هاشم نسبا، وخيرهم أمّا وأبا، لم تلدني العجم ولم أعرق في أمّهات الأولاد. وان الله ﵎ لم يزل يختار لنا، فولدني من النبيين أفضلهم محمد ﷺ، ومن الصحابة أقدمهم إسلاما، وأوسعهم

علما، وأكثرهم جهادا، عليّ بن أبي طالب، ومن نسائهم أفضلهنّ، خديجة بنت خويلد، أول من آمن بالله وصلّى القبلة، ومن بناته أفضلهنّ وسيدة نساء أهل الجنة، ومن المولودين في دين الاسلام الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة. ثم قد علمت أنّ هاشما ولد عليا مرّتين [عبد المطلب ولد الحسن مرتين] وأن رسول الله ﷺ ولدني مرتين من قبل جديّ الحسن والحسين. فما زال الله يختار لي حتى في النار فولدني أرفع الناس درجة في الجنة وأهون أهل النار عذابا، فأنا ابن خير الأخيار، وابن، خير الأشرار، وابن خير أهل النار، وابن سيد أهل الجنة. ولك عهد الله إن دخلت في بيعتي أن أؤمنك على نفسك وولدك، وكلّ ما أصبته، إلا حدّا من حدود الله، وحقا لمسلم أو معاهد، فقد علمت ما يلزمك في ذلك، فأنا أوفى بالعهد منك وأحرى بقبول الأمان. فأما أمانك الذي عرضته عليّ فأيّ الأمان هو؟ أأمان ابن هبيرة، أم أمان عمك عبد الله بن علي، أم أمان أبي مسلم، والسلام.

فكتب إليه المنصور: بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله [عبد الله] أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله أما بعد، فقد أتاني كتابك وبلغني كلامك، فاذا جلّ فخرك بالنساء، لتضلّ به الجفاة والغوغاء، ولم تجعل النساء كالعمومة، ولا الآباء كالعصبة والأولياء. ولقد جعل الله العمّ أبا وبدأ به على الولد الأدنى فقال جل ثناؤه عن نبيه ﷺ (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ)

(يوسف:).

كذا ذكر المبرد وجاءت الرواية، وليست الحجة كما ذكره في هذه الآية لان إسحاق ﵇ جد يوسف هذا. وانما حجته في قوله ﷾:

(قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ)

(البقرة:). ولقد علمت أنّ الله ﵎ بعث محمدا ﷺ وعمومته أربعة، فأجابه اثنان أحدهما أبي، وكفر به اثنان أحدهما أبوك. وأما ما ذكرت من النساء وقراباتهنّ فلو أعطين على قدر الأنساب وحقّ الأحساب لكان الخير كلّه لآمنة بنت وهب، لكن الله يختار لدينه من يشاء من خلقه. وأمّا ما ذكرت من فاطمة أمّ أبي طالب فان الله لم يهد أحدا من ولدها إلى الاسلام، ولو فعل لكان عبد الله ابن عبد المطلب أولاهم بكلّ خير في الآخرة والأولى، وأسعدهم بدخول الجنّة غدا. لكنّ الله أبى ذلك فقال تعالى: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ)

(القصص:). وأما ما ذكرت من فاطمة بنت أسد أمّ علي بن أبي طالب ﵇، وفاطمة أمّ [الحسن و] الحسين، وأن هاشما ولد عليا مرتين، وأن عبد المطلب ولد الحسن مرتين، فخير الأولين والآخرين رسول الله ﷺ لم يلده هاشم إلا مرة واحدة. ولم يلده عبد المطلب إلا مرة واحدة. وأما ما ذكرت من أنك ابن رسول الله ﷺ فان الله جلّ ثناؤه أبى ذلك فقال تعالى:

(ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ)

(الأحزاب:) ولكنكم بنو بنته، وانها لقرابة قريبة، غير أنها امرأة لا تحوز الميراث ولا يجوز أن تومّ. فكيف تورث الامامة من قبلها، ولقد طلبها ابوك بكلّ وجه، فأخرجها تخاصم على ميراثها فلم يحصل لها شيء، ثم إنها مرضت ومرّضها سرا ودفنها ليلا. وأبى الناس إلا تقديم الشيخين. ولقد حضر

أبوك وفاة رسول الله ﷺ فأمر بالصلاة غيره ثم أخذ الناس رجلا رجلا فلم يأخذوا اباك فيهم. ثم كان في أصحاب الشّورى فكلّ دفعه عنها: بايع عبد الرحمن عثمان، وقبلها عثمان، وحارب أباك طلحة والزبير ودعا سعدا إلى بيعته فأغلق بابه دونه، ثم بايع معاوية بعده، وأفضى امر جدّك إلى أبيك الحسن، فسلّمه إلى معاوية بخرق ودراهم وأسلم في يديه شيعته، وخرج إلى المدينة فدفع الأمر إلى غير أهله، واخذ مالا من غير حلّه، فإن كان لكم فيها شيء فقد بعتموه. فأما قولك إن الله اختار لك في الكفر فجعل أباك أهون أهل النار عذابا فليس في الشرّ خيار ولا من عذاب الله هيّن، ولا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يفتخر بالنار. وسترد فتعلم (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)

(الشعراء:). فأمّا قولك إنه لم تلدك العجم ولم تعرق فيك أمّهات الأولاد، وأنك أوسط بني هاشم نسبا وخيرهم أمّا وأبا، فقد رأيتك فخرت على بني هاشم طرا وقدّمت نفسك على من هو خير منك أوّلا وآخرا وأصلا وفصلا: فخرت على إبراهيم ابن رسول الله ﷺ [وعلى والده ولده] فانظر ويحك أين تكون من الله غدا. وما ولد فيكم مولود بعد رسول الله ﷺ أفضل من عليّ بن الحسين وهو لأمّ ولد [ولقد كان خيرا من جدك حسن بن حسن؛ ثم ابنه محمد بن علي خير من أبيك، وجدته أم ولد] ثم ابنه جعفر بن محمد وهو خير منك.

ولقد علمت أن جدّك عليا حكّم حكمين وأعطاهما عهده وميثاقه على الرضى بما حكما به، فاجتمعا على خلعه، ثم خرج عمك الحسين بن عليّ على ابن مرجانة فكان الناس الذين معه عليه حتى قتلوه. ثم أتوا بكم على الأقتاب بغير أوطية كالسّبي المجلوب إلى الشام. ثم خرج منكم غير واحد فقتلكم بنو أمية وحرقوكم بالنيران وصلبوكم على جذوع النخل حتى خرجنا عليهم فأدركنا بثاركم

إذ لم تدركوه، ورفعنا أقداركم وورّثناكم أرضهم وديارهم بعد أن كانوا يلعنون أباك في أدبار الصلوات المكتوبة كما تلعن الكفرة، فعنّفناهم وكفّرناهم وبينّا فضلكم وأشدنا بذكركم، فاتخذت ذلك حجة علينا، وظننت انا لما ذكرنا من فضل علي أنا قدّمناه على حمزة والعباس وجعفر، كل أولئك مضوا سالمين مسلّما منهم، وابتلي ابوك بالدماء.

ولقد علمت ان مآثرنا في الجاهلية من سقاية الحجيج الأعظم وولاية زمزم، كانت للعباس دون إخوته، فنازعنا فيها أبوك إلى عمر، فقضى لنا عمر عليه.

وتوفي رسول الله ﷺ وليس من عمومته واحد حيّ إلا العباس فكان وارثه دون بني عبد المطلب. وطلب الخلافة غير واحد من بني هاشم فلم ينلها إلا ولده، فاجتمع للعباس أنه أبو رسول الله ﷺ خاتم الأنبياء وبنوه القادة الخلفاء، فقد ذهب بفضل القديم والحديث. ولولا أنّ العباس أخرج إلى بدر كرها لمات عمّاك طالب وعقيل جوعا أو يلحسان جفان عتبة وشيبة، فأذهب عنهما العار والشنار. ولقد جاء الاسلام والعباس يمون أبا طالب للأزمة التي أصابتهم [ثم] فدى عقيلا يوم بدر، فقد منّاكم في الكفر وفديناكم [في الاسلام] من الأسر، وورثنا دونكم خاتم الأنبياء، وحزنا شرف الآباء، وأدركنا من ثأركم ما عجزتم عنه، ووضعناكم حيث لم تضعوا انفسكم؛ [والسلام].

قالوا: قدم الزبير بن عبد المطلب من إحدى الرحلتين، فبينا رأسه في حجر وليدة له وهي تدري لمّته إذ قالت: ألم يرعك الخبر؟ قال: وما ذاك؟

قالت: زعم سعيد بن العاص أنه ليس لأبطحّي أن يعتمّ يوم عمته، فقال: والله لقد كان عندي ذا حجى، وقد فاض عندي القطر. وانتزع لمّته من يدها وقال:

عليّ بعمامتي الطولى، فأتي بها فلاثها على رأسه وألقى صنيفتها قدّامه وخلفه حتى لطما قدمه وعقبه، وقال عليّ بفرسي، فأتي بها واستوى على ظهرها، ومرّ

بحرف الوادي كأنه لهيب عرفج، فلقيه سهيل بن عمرو فقال: بأبي أنت وأمي يا أبا الطاهر، ما لي أراك متغير الوجه ؟ قال: أو لم يبلغك الخبر؟ هذا سعيد بن العاص يزعم أنه ليس لأبطحيّ أن يعتمّ يوم عمته. ولم؟ فو الله لطولنا عليهم أظهر من وضح النهار وقمر التمام ونجم الساري. والآن تنتثل كنانتنا فتعجم قريش عيدانها، فتعرف بازل عامنا وثنيانه. فقال له سهيل: بأبي أنت وأمي، فانه ابن عمك، ولن يعيبك شأوه ولن يقصر عنه طولك. وبلغ سعيدا الخبر فارتحل ناقته وأغرز رحله ولجأ الى الطائف، فقيل له: أتريد الجلاء؟ فقال: إني رأيت الجلاء خيرا من الفناء، ومضى قصده.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.