من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نوادر في المدح
- قال السريّ الرّفّاء يصف طبيبا:
كأنّه من لطف أفكارهيجول بين الدم واللحم
إن غضبت روح على جسمهاألّف بين الروح والجسم
- وقال الجمل المصري في مثله:
إذا سقام عراك نازلهفاندب أبا جعفر لنازله
يعرف ما يشتكيه صاحبهكأنما جال في مفاصله
وقال أبو الحسن التغلبيّ في مدح الصغار:
وإذا رميت بلحظ طرفك في العلانجما صغيرا فهو فوق الأنجم
وصغيرة الخمس الأصابع إنّهاأولى بزينة خاتم المتختّم
والرمح أصغر عقدة فيه التيعند السنان وذاك صدر اللهذم
وكذلك الدينار يصغر حجمهوهو الثمين تراه فوق الدرهم
- وقال سويد بن أبي كاهل يمدح وضحا:
هو زين الوجه للمرء كمازيّن الطّرف تحاسين البلق
- ومثله لعليّ بن جبلة:
الناس كالخيل إن ذمّوا وإن مدحواقدر الشباب كذا الأوضاح في الناس
- عقبة الأسديّ يقوله لهند بنت أسماء لما تزوجها الحجاج:
جزاك الله يا أسماء خيراكما أرضيت فيشلة الأمير
بصدع قد يفوح المسك منهعليه مثل كركرة البعير
إذا أخذ الأمير بمثعبيهاسمعت لها أزيزا كالصرير
إذا نفحت بأرواح تراهاتجيد الرهز من فوق السرير
- نزل أبو نخيلة بسليمان بن صعصعة فأمر غلامه أن يتعاهده، فكان يغاديه ويراوحه بالخبز واللحم، فقال يمدح الخباز:
بارك ربّي فيك من خبّازما زلت مذ كنت على أوفاز
تنصبّ باللحم انصباب البازي
»
- ونزل أبو نخيلة على الربيع فأمر غلامه السائس أن يتفقّد فرسه، فمدح الربيع بأرجوزة، ومدح فيها معه سائسه فقال:
لولا أبو الفضل ولولا فضلهما اسطيع باب لا يسنّى قفله
ومن صلاح راشد إصطبلهنعم الفتى وخير فعل فعله
يسمن منه طرفه وبغله
فضحك الربيع وقال له: يا أبا نخيلة، أترضى أن تقرن بي السائس في مديح، كأنك لو لم تمدحه كان يضيع فرسك.
وقد مدح السوداوي الفارقيّ سائسا بمثل هذا فقال وأجاد:
وقّاك ربّك رمح كلّ حصانوكفى محسّك طارق الحدثان
وأمنت من حنق الخيول إذا سطتوتصاهلت حنقا على الغلمان
فلقد حوت منك الأواخي سيدافي طرح مرشحة وحزم بطان
بركات كفّك للبهائم نعمةتغني عن الشّعران والأتبان
وإذا كشفت جلالها وتخالفتبغرائب الأجناس والألوان
ظنّ المحدّق أنّ بؤبؤ عينهمتنزّه في روضة البستان
فتبيت نفسك في القماط نزاهةمن أن يقال غلام رحل فلان
وهي طويلة أنشدنيها الشيخ الزاهد أبو عبد الله محمد بن عبد الملك الفارقي، قال: أنشدنيها أبو علي ولد شاعرها.
باع رجل من النمر بن تولب ناقة ثم اجتاز بها وهي خلف باب تحنّ، فسمع صوتها فقال:
حلفت يمينا للوضاحيّ برّةوأخرى على أمثالها أنا حالف
لقد شاقني تحنان عجلى ودونهامن البيت قفل مغلق وسقائف
لعمري لئن أصبحت في دار تولبيغنّيك بالأسحار ديك مساعف
لقد طالما طوّفت في الشّول لم تريدجاجا ولم يعلفك في المصر عالف
فكلّ المطايا بعد عجلى ذميمةتلائدها والناجيات الطرائف
فكم من خليل قد أزرت خليلهوذي كربة نجّيته وهو خائف
فلولا ديون من عروضك قضّيتوميرة صبيان وفقر محالف
لكان بعيدا أن تكوني بعيدةولو نقد المال الكثير الصيارف
فلما سمع النمر بذلك أعادها ووهب له ثمنها.
- أبو نواس يذكر كلبا:
أنعت كلبا أهله في كدّهقد سعدت جدودهم بجدّه
فكلّ خير عندهم من عندهيظلّ مولاه له كعبده
يبيت أدنى صاحب من مهدهوإن عرى جلّله ببرده
ذا غرّة مجلّلا بزندهتلذّ منه العين حسن قدّه
تأخير شدقيه وطول خدّهتلقى الظباء عنتا من طرده
يشرب كأس شدّها بشدّهيصيدنا عشرين في مرقدّه
يا لك من كلب نسيج وحده
الزّند: عظم الساق هاهنا، وهو في غيره عظم الساعد. ومرقده من الارقاد وهو الإسراع.
- سمع أعرابيّ قوله تعالى: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً
(التوبة:
) فامتعض ثم سمع وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
(التوبة:) فقال: الله أكبر، هجانا الله ثم عاد مدحنا، وكذلك فعل الشاعر حيث يقول:
هجوت زهيرا ثم إني مدحتهوما زالت الأشراف تهجى وتمدح
- أعرابيّ يمدح ماتحا:
يزعزع الدلو وما يزعزعهيكفيه من جمع البنان إصبعه
تكاد آذان الدلاء تتبعه
- دخل بدويّ حماما فاستطابه فقال لصاحبه:
إنّ حمّامك هذاغير مذموم الجوار
ما رأينا قبل هذاجنّة في وسط نار
- رفع إلى الحسن بن سهل أنّ الدواب وبئت فماتت ببغداد فوقّع بقتل الكلاب، فقال أبو العواذل:
له يومان من خير وشرّيسلّ السيف فيه من القراب
فأما الجود فيه فللنصارىوأمّا شرّه فعلى الكلاب
وكانت أكلت لحوم الدوابّ فكلبت على الناس فاضطروا إلى قتلها وعلموا معنى توقيع الحسن.
شتم رجل الأرضة فقال له بكر بن عبد الله المزني: مه فهي التي أكلت الصحيفة التي تعاقد المشركون فيها على رسول الله ﷺ، إلا ذكر رسول الله ﷺ، وبها تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ... الآية.
- وقال السريّ يمدح مزينا:
له راحة سيرها راحةتمرّ على الرأس مرّ النسيم
إذا لمع البرق في كفّهأفاض على الرأس ماء النعيم
وقال آخر يمدح ابن حائك:
يا ابن الذي قد زكت صنائعهفي كلّ مصر بذاك منعوت
لولا مساعي أبيك يرحمه الله لكنّا كصاحب الحوت
- وقال عتبة الأعور في ابن حجام:
أبوك أوهى النجاد عاتقهكم من كميّ دمّى ومن بطل
يأخذ من ماله ومن دمهلم يمس من ثأره على وجل
- ركب غيلان بن حرشة الضبيّ مع عبد الله بن عامر بن كريز فمرّا على نهر عبد الله الذي يشق البصرة، فقال عبد الله: ما أصلح هذا النهر لأهل هذا المصر!! قال غيلان: أصلح الله الأمير، يتعلم صبيانهم فيه العوم، وهو لسقائهم ومسيل مياههم، وتأتيهم فيه ميرتهم. ثم مرّ غيلان بعد ذلك وهو يساير زيادا،
وهو مجانب لابن عامر، فقال زياد: ما أضرّ هذا النهر بأهل هذا المصر. قال غيلان: أجل أصلح الله الأمير، تنزّ منه دورهم، وتغرق فيه صبيانهم، ومن أجله يكثر بعوضهم. فصرف غيلان لسانه مدحا وذمّا كما شاء.
ويشبهه أنّ خالد بن صفوان قال لجاريته: هاتي جبنا فإنه يهيج المعدة ويشهّي الطعام، وهو حمض العرب. قالت: قد كان ونفد. قال: لا عليك، فإنه يقدح في الأسنان، ويستولي على البطن، وهو من عمل أهل الذمة.
- أثنى رئيس وفد على ملك، فإنه لكذلك إذ أفلتت منه ضرطة، فالتفت إلى استه وقال يخاطبها: مثل هذا الملك يصلح أن يثننى عليه بجميع الجوارح، ولكن إذا رأيت اللسان يتكلّم فاسكتي أنت. فضحك الملك وقضى حوائجهم.
حدثني أبو المكارم محمد بن الحسين الآمدي الشاعر قال: حضرت مرجّى بن نبيه خال ابن أبي الخير صاحب البطيحة، وكان هجّاء خبيث اللسان، وقد قال لعمر القلانسي وهو أكبر قوّاد البطيحة: إني قد مدحتك يا أصفهسلّار بشعر جيد، فقال: أسمعنيه فقال:
في عمر ألف ألف خيرتمحو له ألف ألف ذنب
فقال له في النصف الأول: تقول بفضلك هذا، فلما أتمّ البيت قال له: بشّرك الله بخير، فقال مرجّى:
واحدة أنه حماربغير مكر وغير خبّ
فقال له عمر: صدقت، والله ما عندي لا خبّ ولا مكر، ولو مدحتني بهذا
بمحضر الأمير، يعني ابن أبي الخير، لكان أنفع لي وأوقع عندي.
- قال ابن كناسة: لما جاءت المسوّدة سخّروا المستهلّ بن الكميت بن زيد وحملوا عليه حملا ثقيلا وضربوه، فمرّ ببني أسد فقال: أترضون أن يفعل بي هذا الفعل؟ فقالوا: هؤلاء الذين يقول فيهم أبوك:
والمصيبون باب ما أخطأ الناس ومرسو قواعد الإسلام
قد أصابوا فيك فلا تكذب أباك.
- سأل رجل أبا أيوب المكي، وهو يتولّى ديوان الخراج أيام المنصور، حاجة فمنعه منعا قبيحا، فقال له أحد جلسائه: قد وفّقت، فإنّ هذا الرجل قوّاد، فقال له: وهذا عندك عيب؟! قال: وأيّ عيب أكبر منه ؟ قال أبو أيوب: أتدري ما كانت العرب تسمّي القواد وما هو عندهم؟ قال: لا أدري.
قال أبو أيوب: كانوا يسمّونه الحكيم، وذلك أنه يأتي إلى الصعب يذلّله، والحزن يسهّله، والبعيد يقرّبه، والقريب فيباعده، والخائف فيؤمّنه، والجازع فيصبّره، والآيس فيطمعه، والمغلق فيفتحه، والمتحيّر فيرشده، والضعيف فيؤيّده، يحيي نفسين، ويجمع بين محبّين، وله يتطأطأ الممتنع، ويبرز المصون المحتجب، وبه يسهل الصعب المتوعّر، وقد مدح عمر بن أبي ربيعة قوادة فقال:
فأتتها طبّة عالمةتخلط الجدّ مرارا باللعب
تغلظ القول إذا لانت لهاوتراخي عند سورات الغضب
وقال آخر:
في فمها من رقى إبليس مفتاح
وقال ابن الرومي:
لو يشا ألّف ضباحسن تأليف بحوت
ويقود الجمل الصعب بخيط العنكبوت
وقال آخر:
يقود من الفراهة ألف بغلبها حرن بخيط العنكبوت
وقال الفرزدق:
فغلغل وقّاع إليها فأقبلتتخوض خداريّا من الليل أخضرا
لطيف إذا ما انفكّ أدرك ما ابتغىإذا هو للظبي المخوف تقتّرا
يزيد على ما كنت أوصيته بهفإن ناكرته لان ثمّت أنكرا
- قال الأصمعي: كنت بالبادية، فرأيت امرأة تبكي على قبر وتقول:
فمن للسّؤال ومن للنّوالومن للمقال ومن للخطب
ومن للحماة ومن للكماةإذا ما الكماة جثوا للرّكب
إذا قيل مات أبو مالكفتى المكرمات قريع العرب
قال: فملت إليها فقلت: من هذا الذي مات هؤلاء الخلق بموته؟ فقالت:
أما تعرفه؟ قلت: اللهمّ لا. فأقبلت ودموعها تنحدر، وإذا هي مقّاء برشاء ثرماء، فقالت: فديتك، هذا أبو مالك الحجّام ختن أبي منصور الحائك.
فقلت: عليك لعنة الله، والله ما ظننت إلّا أنّه سيّد من سادات العرب.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع