من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
رسائل في الشكر
- كتب رجل إلى بعض الملوك: حمّلت حاجتي فلانا لا أنّ شكري ضعف عن حمل أياديك، بل أحببت أن يكون إخواني أعوانا على شكرك، وشهودا على فضلك.
وكان جعفر بن يحيى يصل القاسم بن يحيى البصري ويلاطفه ويبرّه، ويكاتبه برقاع مختصرة مختومة، فيجيبه برقاع مستوفاة منشورة، فقال له الواشي: إنّ فلانا يريد الزّراية عليك بما تفعله في مكاتبتك. فقدح ذلك فيه عنده فعاتبه عليه، فقال القاسم: أيها الوزير، رقاعك تشمل على برّ ورقاعي تشمل على واجب شكر، وأنت تكتم تفضّلك، وأنا أنشر تطوّلك، وقال:
وكم لك عندي من عطاء أذيعهبجودك في الدنيا فإنك ساتره
ومن نائل أوليتنيه مهنّأفلا أنا أنساه ولا أنت ذاكره
- وقال أبو عيينة بن محمد بن أبي عيينة المهلبي:
يا ذا اليمينين قد أوليتني منناتترى هي الغاية القصوى من المنن
ولست أسطيع من شكر أجيء بهإلّا استطاعة ذي روح وذي بدن
لو كنت أعرف فوق الشكر منزلةأوفى من الشكر عند الله في الثمن
أخلصتها لك من قلبي مهذّبةحذوا على مثل ما أوليت من حسن
- وقال الحسن بن هانىء:
قد قلت للعبّاس معتذرامن ضعف شكريه ومعترفا
أنت امرؤ جلّلتني نعماأوهت قوى شكري فقد ضعفا
لا تسدينّ إليّ عارفةحتى أقوم بشكر ما سلفا
- وقال الحسين بن الضحاك للواثق من أبيات:
إذا كنت من جدواك في كلّ نعمةفلا كنت إن لم أفن عمري بشكركا
فقال الواثق: لله درّك يا حسين ما أقرب قلبك من لسانك، فقال: يا أمير المؤمنين، جودك ينطق المفحم بالشعر، والجاحد بالشكر.
كتب أبو إسحاق الصابي إلى الصاحب أبي القاسم ابن عباد من كتاب: كتبت وليس مني جارحة إلّا ناطقة بشكرك وحمدك، ولا في الدهر جارحة إلا عافية بفضلك ورفدك، وأنا مستمرّ على دعائي لك لو خلوت من أن يكون عائدا بصلاحي ورائشا لجناحي لالتزمته عن الأحرار العائشين في نداه، المستظلّين بذراه، فكيف وأنا أول سائم في مراتعه، ووارد لشريعته.
كاتب: فإنّ الشكر تجارة رابحة جعله الله مفتاحا لخزائن رزقه، وبابا إلى مزيد فضله، فأقيموا لله تجارة الشكر يقم لكم أرباح المزيد، فإنّ الله ﷿ يقول: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
(إبراهيم:).
آخر: الحمد لله الذي حقّق أملي فيك، وصدّق ظنّي بك، وذخر المنّة وأخّرها حتى كانت منك، وخصّك بوضع الصنيعة عندي، ودفع المكروه، فلم يسبقك أحد إلى الإحسان إليّ، ولم يحاصّك في الإنعام عليّ، ولم تنقسم الأيادي بشكري فهو لك موفّر عتيد، ولم يخلق وجهي فهو بك مصون جديد، ولم يزل ذمامي مضاعا حتى رعيته، وحقّي مبخوسا حتى قضيته، وأنصفتني من دهر طالما ظلمني، ووترني وعدل بالحظّ عني، وأنقذتني من لؤم غلبته، وأجرتني من تعدّيه وسطوته، وسررت بي الوليّ الودود، وأرغمت بي العدوّ الحسود، وأخذت بيدي من المذلّة، وأنهضتني من العثرة، ورفعت أملي بعد انخفاضه، وبسطت رجائي بعد انقباضه، فلست أعتدّ يدا إلا لك، ولا معروفا إلّا منك، ولا أوجّه رغبة إلّا إليك، فصانك الله عن شكر ما سواه، كما صنتني عن شكر من سواك، وبلّغك من الدنيا والآخرة غاية أملك ومنتهى رضاك.
»
- قال إسماعيل بن غزوان: لا تثقنّ بشكر من تعطيه حتى تمنعه، فالصابر هو الذي يشكر، والجازع هو الذي يكفر.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع