من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
عود إلى الشعر (٢)
- وقال البحتري:
إذا أنا لم أشكر لنعماك جاهلافلا نلت نعمى بعدها توجب الشكرا
- وقال أيضا:
ألنت لي الأيام من بعد قسوةوعاتبت لي دهري المسيء فأعتبا
وألبستني النّعمى التي غيّرت أخيعليّ فأضحى نازح الودّ أجنبا
فلا فزت من مرّ الليالي براحةإذا أنا لم أصبح بشكرك متعبا
وتمثّل بهذه الأبيات شرف الدين أبو القاسم علي بن طراد الزينبي لما خلع عليه المسترشد وقلّده وزارته.
- وقال آخر:
ولي في راحتيك غدير نعمىصفت جنباه واطّرد الحباب
وظلّ لا يمازجه هجيروصحو لا يكدّره ضباب
وأيام حسنّ لديّ حتىتساوى الشّيب فيها والشباب
- وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
إني لشاكر أمسه ووليّهفي يومه ومؤمل منه غدا
- وقال أبو فراس ابن حمدان:
وإنّك للمولى الذي بك أقتديوإنّك للنجم الذي بك أهتدي
وأنت الذي بلّغتني كلّ رتبةمشيت إليها فوق أعناق حسّدي
فيا ملبسي النّعمى التي جلّ قدرهالقد أخلقت تلك الثياب فجدّد
- وقال إبراهيم بن المهدي:
ما زلت في سكرات الموت مطّرحاضاقت عليّ وجوه الأمر والحيل
فلم تزل دائبا تسعى بلطفك ليحتى اختلست حياتي من يدي أجلي
- وقال آخر:
وكيف أنساك لا نعماك واحدةعندي ولا بالذي أوليت من قدم
- قال عبد الأعلى بن حماد الزيني: دخلت على المتوكل فقال: يا أبا يحيى، قد هممنا أن نصلك بخير، فتدافعت الأمور، فقلت: يا أمير المؤمنين:
بلغني عن جعفر بن محمد الصادق: من لم يشكر الهمّة لم يشكر النعمة، وأنشدته البيتين، قال الباهلي:
لأشكرنّك معروفا هممت بهإنّ اهتمامك بالمعروف معروف
ولا ألومك إذ لم يمضه قدرفالشيء بالقدر المحتوم مصروف
- وقال ابن الرومي:
كم من يد بيضاء قد أسديتهاتثني إليك عنان كلّ وداد
شكر الإله صنائعا أوليتهاسلكت مع الأرواح في الأجساد
- وقال آخر:
وأحسن ما قال امرؤ فيك مدحةتلاقت عليها منّة وقبول
وشكر كأنّ الشمس تعنى بنشرهففي كلّ أرض مخبر ورسول
- وقال البحتري:
أمّا أياديك عندي فهي واضحةما إن تزال يد منها تسوق يدا
لم لا أمدّ يدي حتى أنال بهامدى النجوم إذا ما كنت لي عضدا
- وقال السري الرفاء:
فكنت كروضة سقيت سحابافأثنت بالنسيم على السّحاب
- وقال أيضا:
أصبحت أظهر شكرا عن صنائعهوأضمر الودّ فيه أيّ إضمار
كيانع النخل يبدي للعيون ضحىطلعا نضيدا ويخفي غضّ جمّار
- كتب كاتب: ما أنتهي إلى غاية من شكرك إلّا وجدت وراءها حاديا من برّك، فلا زالت ممدودة بين أمل تبلغه، وأمل فيك تحقّقه، حتى تتملّى من الأعمار أطولها، وتنال من الدرجات أفضلها.
- وقال الأقرع بن معاذ القشيري يشكر برّ ابنه:
رأيت رباطا إذ علتني كبرةوشاب لداتي ليس في برّه عتب
إذا كان أولاد الرجال حزازةفأنت الحلال الحلو والبارد العذب
لنا جانب منه دميث وجانبإذا رامه الأعداء متلفة صعب
وتأخذه عند المكارم هزّةكما اهتزّ تحت البارح الغصن الرّطب
وثوب إلى الأضياف في ليلة الصبّاإذا اجتمع السفّار والبلد الجدب
- وقال بكير بن الأخنس:
نزلت على آل المهلّب شاتياغريبا عن الأوطان في زمن محل
ويروى: فقيرا بعيد الدار في سنة محل (زمن المحل)
فما زال بي إلطافهم وافتقادهموبرّهم حتى حسبتهم أهلي
- وقال في كلمة أخرى له:
وقد كنت شيخا ذا تجارب جمّةفأصبحت فيهم كالصبيّ المدلّل
قيل: إذا قصرت يدك عن المكافأة فليطل لسانك بالشكر.
- وقيل: للشكر ثلاث منازل: ضمير القلب، ونشر اللسان، ومكافأة اليد.
- أبو نواس:
أخذت بحبل من حبال محمدأمنت به من نائب الحدثان
تغطيت من دهري بظلّ جناحهفعيني ترى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأيام باسمي لما درتوأين مكاني ما عرفن مكاني
أذلّ صعاب المكرمات محمدوأصبح ممدوحا بكلّ لسان
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع