من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
الحطيئة وبني مقلد
- نزل الحطيئة، وقد أقحمته السنة، ببني مقلّد بن يربوع، فمشى
بعضهم إلى بعض وقالوا: إنّ هذا الرجل لا يسلم على لسانه أحد، فتعالوا حتى نسأله عما يحبّ فنفعله، وعمّا يكره فنجتنبه. فأتوه فقالوا: يا أبا مليكة، أنت اخترتنا على سائر العرب، ووجب حقّك علينا، فمرنا بما تحبّ أن نفعله، ولما تكره أن نتناهى عنه، فقال: لا تكثروا زيارتي فتملّوني، ولا تقطعوها فتوحشوني، ولا تجعلوا فناء بيتي مجلسا لكم، ولا تسمعوا بناتي غناء شبيبتكم، فإنّ الغناء رقية الزّنا. قال: فأقام عندهم، وجمع كلّ رجل منهم ولده وقال: على أمكم الطلاق لئن تغنّى أحد منكم والحطيئة بين أظهرنا لأضربنّه ضربة بسيفي؛ فلم يزل مقيما فيما يرضى حتى انجلت السنة، وارتحل وهو يقول:
جاورت آل مقلّد فحمدتهمإذ ليس كلّ أخي جوار يحمد
أزمان من يرد الصنيعة يصطنعفينا ومن يرد الزهادة يزهد
- ومن مليح ما جاء في الشكر ومخرجه مخرج الديانة أنّ عديّ بن أرطأة لما احتفر نهر عدي بالبصرة كتب إلى عمر بن عبد العزيز: إني احتفرت لأهل البصرة نهرا أعذب به مشربهم، وجادت عليه أموالهم، فلم أر لهم في ذلك شكرا، فإن أذنت لي قسمت عليهم ما أنفقته عليه، فكتب إليه عمر: إني لا أحسب أهل البصرة عند حفرك لهم هذا النهر خلوا من رجل قال الحمد لله، وقد رضي الله ﷾ بها شكرا من جنّته فارض بها شكرا من نهرك.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع