من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نعت الأسد
- قال زهير بن أبي سلمى:
ورد عراض الساعدين حديد الناب بين ضراغم غثر
يصطاد إحدان الرجال فماتنفكّ أجريه على ذخر
- وقال مالك بن خالد الهذلي:
ليث هزبر مدلّ عند خيستهبالرّقمتين له أجر وأعراس
أحمى الصريمة إحدان الرجال لهصيد ومستمع بالليل هجّاس
صعب البديهة مشبوب أظافرهمواثب أهرت الشدقين هرّاس
- دخل أبو زبيد الطائي على عثمان ﵀ فاستنشده فأنشده قوله:
من مبلغ قومي النائين إذ شحطواأنّ الفؤاد إليهم شيّق ولع
ووصف الأسد فقال له عثمان: تالله تفتأ تذكر الأسد ما حييت، والله إني لأحسبك جبانا هدانا، فقال: كلّا يا أمير المؤمنين، ولكني رأيت منه منظرا، وشهدت مشهدا، لا يبرح ذكره يتردّد ويتجدّد في قلبي، ومعذور أنا يا أمير المؤمنين غير ملوم. فقال له عثمان: وأنّى كان ذلك؟ قال: خرجت في صيّابة
أشراف من أفناء قبائل العرب ذوي هيئة وشارة حسنة، ترتمي بنا المهارى ونحن نريد الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام، فاخروّط بنا السير في حمارّة القيظ حتى إذا عصبت الأفواه، وذبلت الشفاه، وشوّلت المياه، وأذكت الجوزاء المعزاء، وذاب الصيّهد، وصرّ الجندب، وضاف العصفور الضبّ وجاوره في جحره، وقال قائل: أيها الركب غوّروا بنا في ضوج هذا الوادي، وإذا واد قد بدا لنا كثير الدّغل، دائم الغلل، شجراؤه مغنّة، وأطياره مرنّة، فحططنا رحالنا بأصول دوحات كنهبلات متهدّلات، فأصبنا من فضلات المزاود وأتبعناها الماء السلس البارد، فإنّا لنصف حرّ يومنا ومماطلته، إذ صرّ أقصى الخيل أذنيه، وفحص الأرض بيديه، فو الله ما لبث أن جال ثم حمحم فبال، ثم فعل فعله الفرس الذي يليه واحدا فواحدا، فتضعضعت الخيل، وتكعكعت الإبل، وتقهقرت البغال، فمن نافر بشكاله، وناهض بعقاله، فعلمنا أن قد أتينا، وعلمنا أنه السبع، ففزع كلّ رجل منا إلى سيفه فاستلّه من جربّانه، ووقفنا رزدقا، فأقبل يتظالع كأنه مجنوب أو في هجار، لصدره نحيط، ولبلاعمه غطيط، ولطرفه وميض، ولأرساغه نقيض، كأنما يخبط هشيما، ويطأ صريما، وإذا هامة كالمجن، وخدّ كالمسنّ، وعينان سجراوان، وكأنهما سراجان يقدان، وقصرة ربلة، وكتد معبط، وزور مفرط، وساعد مجدول، وعضد مفتول، وكفّ شثنة البراثن، إلى مخالب كالمحاجن، فضرب بيده فأرهج، وكشر فأفرج عن أنياب كالمعاول مصقولة غير مفلولة، وفم أشدق، كالغار الأخرق، ثم تمطّى فأشرع بيديه، وحفز وركيه برجليه، حتى صار ظلّه مثليه، ثم أقعى فاقشعرّ، ثم مثل فاكفهرّ، ثم تجهّم فازبأرّ، فلا وذو بيته في السماء ما اتقيناه إلّا بأخ لنا من فزارة، كان ضخم الجزارة، فوقصه ثم نفضه نفضة
فقضقض متنيه، وجعل يلغ في دمه. فذمرت أصحابي فبعد لأي ما استقدموا، فهجهجنا به فكرّ مقشعرّا كأنّ به شيهما حوليّا، فاختلج رجلا أعجز ذا حوايا فنفضه نفضة تزايلت لها مفاصله، ثم نهم فقرقر، ثم زفر فبربر، ثم زأر فجرجر، ثم لحظ، فو الله لخلت البرق يتطاير من تحت جفونه، من عن شماله ويمينه، فأرعشت الأيدي، واصطكّت الأرجل، وأطّت الأضلاع، وارتجّت الأسماع، وشخصت العيون، وانخزلت المتون، وساءت الظنون. فقال له عثمان: اسكت قطع الله لسانك فقد أرعبت قلوب المؤمنين.
قال شعبة، قلت للطرماح بن حكيم: ما شأن أبي زبيد وشأن الأسد؟ فقال: إنه لقيه بالنّجف، فلما رآه سلح من فرقه، فكان بعد ذلك يصفه كما رأيت.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع