من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
صفات الإبل
قال عبدة بن الطبيب:
وقام إلى وجناء كالفحل حرّةبثني زمام بعد ما كاد يشرق
رجيع براها الكور إلا جناجنافقد جعلت في صفرة النّسع تقلق
لها عجز كالباب سدّ رتاجهيطوف به بوّابه وهو مغلق
وزور كطيّ البئر جأب ضلوعهوإبط ودفّ كالخليط ومرفق
ومستنتل كالكور فعم يزينهدسيع بصفقيه ودأي موثّق
المستنتل: المتقدم، يعني متقدّم سنامها وفعم ممتلىء، والدسيع: مغرز العنق في الزور، وصفقاه: جانباه.
وأتلع فيه بالزمام نحيلهيضايقه منها إذا شاء مصدق
وساجيتان يطحران قذاهماووجه عليه نقبة العنق تبرق
النقبة: ها هنا الأثر، وهي في غير هذا اللون، وهي الجرب أيضا.
نجاة إذا كلّت كأنّ صريفهاوقد قلقت أنساعها فهي محنق
ترنّم خطّاف بحبلي محالةله محور يجري بدلوين أخلق
شبه صرير أنيابها بصوت خطّاف البكرة، وأخلق: أملس، يعني المحور.
وعوج تحاسي بالحصى كلّ وجهةولاء كما ارفضّ الزجاج المفلّق
تحاسي: أي ترمي به حسا، أي فردا، في كلّ ناحية.
تردّ يداها خلفها ما أصابتاوتنجرّ رجلاها نفيّا فيلحق
وتعطيه منها كلما جدّ جدّهاهويّا كتخليط المؤارب أدفق
النفيّ: ما تطاير منه، والمؤارب: الضارب بالقداح؛ ورفع «أدفق» على الاستئناف.
وقال الأقرع بن معاذ القشيري:
مذكرة الثنيا مساندة القراجماليّة تجتبّ ثم تنيب
مخيّسة ذلّا وتحسب أنهاإذا ما بدت للناظرين قضيب
كمثل أتان الوحش أما فؤادهافصعب وأمّا ظهرها فركوب
ترى ظلّها عند الرواح كأنّهاإلى جنبها رأل يخبّ جنيب
يشجّ بها الموماة مستحكم القوىله من أخلّاء الصفاء حبيب
متين حبال الودّ مطّلع العداأكول على غيظ الرجال شروب
- وقال زهير بن أبي سلمى:
ثنت أربعا منها على ثني أربعفهنّ بمثنيّاتهنّ ثماني
إليك من الغور اليماني تدافعتيداها ونسعا غرضها قلقان
تظلّ تمطّى في الزمام كأنهاإذا بركت قوس من الشرّيان
نهوز بلحييها أمام سفارهاومعتلّة إن شئت في الجمزان
الغرض: حزام الرحل، والشّريان: شجر تتّخذ منه القسيّ، وحرّك الراء.
والنهوز: التي تمدّ عنقها تنهز به الزمام من نشاطها. والسفار: حديدة تجعل على أنف البعير مثل الحكمة، وجماعها سفر.
- وقال ذو الرمة:
كأنّ راكبها يهوي بمنخرقمن الجنوب إذا ما ركبها نصبوا
تشكو الخشاش ومجرى النّسعتين كماأنّ الجريح إلى عوّاده الوصب
لا تشتكى سقطة منها وقد سقطتبها المفاوز حتى ظهرها حدب
تخدي بمنخرق السربال منصلتمثل الحسام إذا أصحابه شحبوا
تصغي إذا شدّها بالكور جانحةحتى إذا ما استوى في غرزها تثب
- وقال:
سرى ثم أغفى عند روعاء حرّةترى خدّها في ظلمة الليل يبرق
رجيعة أسفار كأنّ زمامهاشجاع لدى يسرى الذراعين مطرق
- وقال أيضا:
ألمّت بشعث كالسيوف وأينقحراجيج من نسل الجديل وداعر
جذبن البرى حتى شدقن وأصعرتأنوف المهارى لقوة في المناخر
شدقن: ملن؛ يقول مال عنقها حتى كأنّ به لقوة، والحراجيج: الطوال واحدها حرجوج.
- وقال الشماخ:
كأنّ ذراعيها ذراعا مدلّةبعيد السّباب حاولت أن تعذّرا
كأنّ بذفراها مناديل فارقتأكفّ رجال يعصرون الصّنوبرا
كأنّ ابن آوى موثق تحت غرضهاإذا هو لم يكلم بنابيه ظفّرا
شبه يديها بيدي مدلّة بجمال ومنصب قد سابّت وأقبلت تعتذر، ووصفها بسواد الذفرى وهي أعلى القفا، ووصفها بأنها ليست تستقرّ فكأنّ ابن آوى يعضّها بنابيه.
ومثل البيت الأول قول الآخر:
كأنّ ذراعيها ذراعا بذيةمفجّعة لاقت ضرائر عن عفر
- وقال بشامة بن الغدير:
كأنّ يديها إذا أرقلتوقد جرن ثم اهتدين السبيلا
يدا سابح خرّ في غمرةوقد شارف الموت إلّا قليلا
إذا أقبلت قلت مشحونةأطاعت لها الريح قلعا جفولا
وإن أدبرت قلت مذعورةمن الرّبد تتبع هيقا ذمولا
- وقال الأخطل:
ومهمه طامس تخشى غوائلهقطعته بكلوء العين مسفار
بحرّة كأتان الضّحل أضمرهابعد الرّبالة ترحالي وتسياري
الضحل: الماء القليل. والربالة: السّمن.
أخت الفلاة إذا شدّت معاقدهازلّت قوى النّسع عن كبداء ميهار
كأنها برج روميّ يشيّدهلزّ بجصّ وآجرّ وأحجار
- وقال في ذلك أيضا:
ومحبوسة في الحيّ ضامنة القرىإذا الليل وافاها بأشعث ساغب
معقّرة لا يدرك السيف وسطهاإذا لم يكن فيها معسّ لحالب
مرازيح في المأوى إذا هبّت الصّباتطيف أوابيها بأكلف ثالب
إذا ما الدم المهراق خودر عزمهوناب رهنّاها بأعلى النوائب
- وقال كثير:
ألمّت بنا والعيس تسري كأنهاأهلّة محل زلّ عنها قتامها
- وقال القطامي:
يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلةولا الصدور على الأعجاز تتّكل
فهنّ معترضات والحصى رمضوالريح ساكنة والظلّ معتدل
- وقال أيضا:
إذا بركت خرّت على ثفناتهامجافية صلبا كقنطرة الجسر
كأنّ يديها حين تجري ضفورهاطريدان والرجلان طالبتا وتر
وقال عنترة بن عبفس النميري من أبيات:
فراحت ترامى في الزمام كأنهاسحابة صيف آخر الليل أمطرا
- وقال الفرزدق:
تنفي يداها الحصى في كلّ هاجرةنفي الدراهم تنقاد الصياريف
- وقال آخر ويروى للقصافي، وهو عمرو بن نصر التميمي:
قال دعبل: إنّ القصافيّ قال الشعر ستين سنة، فلم يعرف له إلّا هذا البيت:
خمص نواج إذا حثّ الحداة بهاحسبت أرجلها قدّام أيديها
- وقال الغطمش الضبي:
كأنّ يديها حين جدّ نجاؤهايدا سابح في غمرة يتبوّع
- وقال رؤبة:
كأنّ أيديهنّ بالقاع القرقأيدي جوار يتعاطين الورق
- وقال مروان بن أبي حفصة:
يتبعن جاهلة الزّمام كأنّهاإحدى القناطر وهي حرف ضامر
- وقال بشّار:
وإذا المطيّ متحن في أعطافهفات المطيّ بكاهل وتليل
وكأنه والناعجات يردنهقدح تطلّع من قداح مجيل
- وقال سالم بن عمرو الخاسر:
وكأنّهنّ من الكلال أهلّةأو مثلهنّ عواطف الأقواس
قود طواها ما طوت من مهمهنابي الصّوى ومناهج أدراس
- وقال العتّابي يصف كلالها:
إذ الركائب مخسوف نواظرهاكما تضمنت الدّهن القوارير
- وقال أبو نواس:
ألا حبّذا عيش الوحاد وضجعةإلى جنب مقلاق الوضين سعوم
الوضين للبعير مثل الحزام للدابة. والسّعوم: الواسعة الخطو.
ترامت بها الأهوال حتى كأنماتحيّف من أقطارها بقدوم
- وقال في سرعتها:
وتجشّمت بي هول كلّ تنوفةهو جاء فيها جرأة إقدام
تذر المطيّ وراءها وكأنهاصفّ تقدّمهنّ وهي إمام
- وقال الرضي:
قعدت بها الأخفاف من طول السّرىمحسورة ومشت بها الأعراق
- وقال أبو تمام:
أتينا القادسية وهي ترنوإليّ بعين شيطان رجيم
فما بلغت بنا عسفان حتىرنت بلحاظ لقمان الحكيم
وبدّلها السّرى بالجهل حلماوقدّ أديمها قدّ الأديم
بدت كالبدر وافى ليل سعدوآبت مثل عرجون قديم
- وقال البحتري:
يترقرقن كالسّراب وقد خضن غمارا من السحاب الجاري
كالقسيّ المعطّلات بل الأسهم مبريّة بل الأوتار
- وقال أيضا:
كالربى في الربى ويحسبن أحيانا نسوعا مجدولة في نسوع
- وقال ابن المعتز:
ترنو بناظرة كأنّ حجاجهاوقب أناف بشاهق لم يحلل
وكأنّ مسقطها إذا ما عرّستآثار مسقط ساجد متبتّل
وكأنّ آثار النسوع بدفّهامسرى الأساود في هيام أهيل
قال الأصمعي: وصف أعرابيّ ناقة فقال: تقطع الأرض عرضا، وترضّ الحجارة رضّا، وتنهض في الزمام نهضا، سريعة الوثوب، بطيئة النكوب، مدلاج سروب.
وقال أعرابيّ آخر: إذا اكحالّت عينها، وألّلت أذنها، وسجح خدّها، وهدل مشفرها، واستدارت جمجمتها، فهي الكريمة.
وقال أعرابيّ:
انزع بدلويك لحمر كالضّربفهي صواف لونها من الرتب
كالفضة البيضاء حيصت بالذهببنات ذيّال صهابيّ أقبّ
حناجر يوعبن أحرار القلبكالوحد الأحقب أو ثور العرب
أو كأديم الصّرف أو عرق النّجب
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع