من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
حكايات في الخروج من الشدة
- فممّن خرج من شدته ما روي أن الوليد بن عبد الملك كتب إلى صالح بن عبد الله المري، عامله على المدينة، أن ابرز الحسن بن الحسن بن علي- وكان محبوسا- واضربه في مسجد رسول الله ﷺ خمسمائة سوط. فأخرجه إلى المسجد واجتمع الناس، وصعد صالح ليقرأ عليهم الكتاب ثم ينزل فيأمر بضربه.
فبينا هو يقرأ الكتاب إذ جاء علي بن الحسين ﵇، فأفرج له الناس حتى انتهى إلى الحسن، فقال: يا ابن عمّ! ما لك! ادع الله تعالى بدعاء الكرب يفرّج الله عنك، فقال: ما هو يا ابن عمّ؟ قال: قل لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين. قال: وانصرف علي وأقبل الحسن يكررها، فلما فرغ صالح من قراءة الكتاب نزل، قال: أرى سحنة رجل مظلوم؛ أخّروا أمره، وأنا أراجع أمير المؤمنين في أمره، ثم أطلق بعد أيام.
وروي أن عبد الله بن العباس ﵄ قال: علّمت دعاء الكرب في منامي، وهو: يا من يملك حوائج السائلين، ويعلم ضمائر الصامتين، فإن لكل
مسألة عندك جوابا عتيدا وسمعا حاضرا، وإنّ عندك لكل صاحب علما محيطا، أسألك بأياديك الفاضلة، ورحمتك الواسعة، أن تفعل بي كذا وكذا.
وجد في كنيسة للنصارى بالشام بين الصور مكتوب: يقول صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، نزلت هذه الكنيسة يوم كذا من شهر كذا من سنة ثماني عشرة ومائة، وأنا مكبّل بالحديد محمول إلى أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك:
ما سدّ باب ولا ضاقت مذاهبهإلا أتاني وشيكا بعده ظفر
فبعد أربع عشرة سنة نزل صالح بتلك الكنيسة محاربا لمروان بن محمد، فكان من ظفر بني هاشم ببني مروان ما كان.
- قال الربيع: لما حبس المهديّ موسى بن جعفر رأى في النوم عليا ﵊ وهو يقول: يا محمد فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ
(محمد:) قال الربيع: فأرسل إليّ ليلا فراعني ذلك، فجئته فإذا هو يقرأ هذه الآية، وكان أحسن الناس صوتا. فعرّفني خبر الرؤيا وقال: عليّ بموسى بن جعفر، فجئته به، فعانقه وأجلسه إلى جنبه وقال:
يا أبا الحسن إني رأيت أمير المؤمنين قرأ عليّ كذا، أفتؤمّنني أن تخرج عليّ أو على أحد من ولدي؟ فقال: والله ما ذاك من شأني. قال: صدقت، يا ربيع! أعطه ثلاثة آلاف دينار وردّه إلى أهله إلى المدينة. قال الربيع: فأحكمت أمره ليلا فما أصبح إلا على الطريق خوف العوائق.
- قال أبو الزبير المنذر بن عمرو- وكان كاتبا للوليد بن يزيد-:
أرسل إليّ الوليد صبيحة اليوم الذي أتته فيه الخلافة فقال: يا أبا الزبير، ما أتت عليّ ليلة أطول من هذه الليلة، عرضت لي أمور وحدثت نفسي فيها
بأمور، وهذا الرجل قد أولع بي، فاركب بنا نتنفس. فركب وسرت معه، فسار ميلين ووقف على تل، فجعل يشكو هشاما، إذ نظر إلى رهج قد أقبل، وسمع قعقعة البريد، فقال: أعوذ بالله من شرّ هشام، وقال: إن هذا البريد قد أقبل بموت وحيّ أو ملك عاجل؛ فقلت: لا يسؤك الله أيها الأمير، بل يسرّك ويبقيك؛ إذ بدا رجلان على البريد مقبلان، أحدهما مولى لآل أبي سفيان بن حرب، فلما قربا أتيا الوليد يعدوان حتى سلّما عليه بالخلافة، فوجم، وجعلا يكرران التسليم عليه بالخلافة، فقال: ويحكما ما الخبر؟
أمات هشام؟ قالا: نعم، فقال: مرحبا بكما! ما معكما؟ قالا: كتاب سالم مولاك. فقرأ الكتاب وانصرفنا. وسأل عن عياض بن مسلّم كاتبه الذي كان هشام حبسه وضربه، فقالا: لم يزل محبوسا حتى نزل بهشام امر الله تعالى.
فلما صار إلى حال لا ترجى الحياة لمثله معها، أرسل عياض إلى الخزّان:
احتفظوا بما في أيديكم، فلا يصلنّ أحد إلى شيء. فأفاق هشام إفاقة، فطلب شيئا فمنعه، فقال: أرانا كنّا خزّانا للوليد؛ وقضى من ساعته. فخرج عياض من السجن ساعة قضى هشام، فختم الأبواب والخزائن؛ وأمر بهشام فأنزل عن فراشه، ومنعهم أن يكفّنوه من الخزائن، فكفّنه غالب مولى هشام، ولم يجدوا قمقما حتى استعاروه.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع