تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

في التفاؤل والتطير

ب- ومن كلام علي ﵇ في التفاؤل: الحوض مقدمة الكون.

- ومن التطيّر: قال علويه المغني: كنت مع المأمون لما خرج إلى الشام، فدخلنا دمشق فطفنا فيها، وجعل يطوف على قصور بني أمية ويتتبع آثارهم، فدخلنا صحنا من صحونهم، فإذا هو مفروش بالرخام الأخضر كله، وفيه بركة ماء يدخلها ويخرج منها من عين تصب إليها، وفي البركة سمك، وبين يديها بستان على أربع زواياه أربع سروات كأنها قصّت بمقراض من التفافها، أحسن ما رأيت من السرو قدّا وقدرا. فاستحسن ذلك وعزم على الصبّوح وقال: هاتوا لي الساعة طعاما، فأتي ببزماورد فأكله ودعا بالشراب، وأقبل عليّ فقال: غنني ونشطني. وكأنّ الله تعالى أنساني الغناء إلا هذا الصوت من شعر عبد الله بن قيس

الرقيات:

لو كان حولي بنو أمية لمينطق رجال أراهم نطقوا
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
من كلّ قرم محض ضرائبهعن منكبيه القميص ينخرق

فنظر إلى مغضبا وقال: عليك وعلى بني أمية لعنة الله! ويلك! أقلت لك سرّني أو سؤني؟ ألم يكن لك وقت تذكر فيه بني أمية إلا هذا الوقت تعرّض بي؟ فتجلّدت عليه وعلمت أني قد أخطأت، فقلت: أتلومني على أن أذكر بني أمية؟ هذا مولاكم زرياب عندهم يركب في مائتي غلام مملوك لهم، ويملك ثلاثمائة ألف دينار، وأنا أموت عندكم جوعا. فقال: أولم يكن لك شيء تذكّرني به نفسك غير هذا؟ فقلت: هكذا حضرني حين ذكرتهم.

فقال: اعدل عن هذا وتنبه إلى إرادتي وغنّ، فأنساني الله كل شيء أحسنه إلّا هذا الصوت:

الحين ساق إلى دمشق وماكانت دمشق لأهلنا بلدا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «إن الخليط مودعوك غدا»
قادتك نفسك فاستقدت لهاوأرتك أمر غواية رشدا

فرماني بالقدح فأخطأني وانكسر القدح، وقال: قم عني إلى لعنة الله وحرّ سقره! وقام فركب، فكانت تلك الحال آخر عهدي به، ومرض فمات بعد قليل.

- وشبيه بذلك ما روي عن إبراهيم بن المهدي قال: أرسل إليّ محمد بن زبيدة في ليلة من ليالي الصيف مقمرة: يا عمي! إن الحرب بيني وبين طاهر قد سكنت، فصر إليّ فإني إليك مشتاق. فجئته وقد بسط له على سطح زبيدة وعنده سليمان بن أبي جعفر وعليه كساء روذباري وقلنسوة طويلة وجواريه بين يديه، وضعف جاريته عنده. فقال لها: غنيني فقد سررت بعمومتي. فاندفعت فغنته:

هم قتلوه كي يكونوا مكانهكما فعلت يوما بكسرى مرازبه
بني هاشم كيف التواصل بينناوعند أخيه سيفه ونجائبه

هكذا غنت وإنما هو: وعند عليّ سيفه ونجائبه.

فغضب وتطير وقال لها: ما قصتك ويحك! انتهي وغنيني ما يسرني فغنت:

هذا مقام مطرّدهدمت منازله ودوره

فازداد تطيرا ثم قال: انتهي وغني غير هذا! فغنت:

كليب لعمري كان أكثر ناصراوأيسر جرما منك ضرّج بالدم
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «أيا دار سلمى بالحرورية اسلمي»

فقال: قومي إلى لعنة الله! فوثبت. وكان بين يديه قدح بلّور، وكان لحبه إياه يسميه محمدا باسمه، فأصابه طرف ردائها فسقط على بعض الصواني فانكسر وتفتت. فأقبل عليّ فقال: أرى والله يا عمّ أن هذا آخر أمرنا. فقلت: كلا، بل يبقيك الله يا أمير المؤمنين ويسرك. قال: ودجلة يا بني هادئة، والله ما فيها صوت مجداف ولا أحد يتحرك ولا شيء؛ فسمعت هاتفا يهتف: قضي الأمر الذي فيه تستفتيان. قال، فقال لي: أسمعت ما سمعت يا عم؟ فقلت: وما هو؟ - وقد والله سمعت الصوت الذي جاء الساعة من دجلة. فقلت: ما سمعت شيئا ولا هذا ألا توهم؛ فإذا الصوت قد عاد، فقال: انصرف يا عمّ، بيتك الله بخير، فمحال ألا تكون الآن سمعت ما سمعت.

فانصرفت وكان آخر عهدي به.

- وحدث بعض أشياخ البرامكة قال: كنت عند إبراهيم بن المهدي قد اصطبحنا، وعنده عمرو بن بانة وجماعة من إخوانه وعمرو الغزّال، ونحن في أطيب ما كنا فيه إذ غنى عمرو الغزّال، وكان إبراهيم بن المهدي يستثقله. قال:

فاندفع عمرو الغزال يغني في شعر محمد بن أمية:

ما تمّ لي يوم سرور بمنأهواه مذ كنت إلى الليل
أغبط ما كنّا بما نلتهمنه أتتني الرسل بالويل

قال: فتطير إبراهيم ووضع القدح من يده وقال: أعوذ بالله من شرّ ما قلت! فو الله ما سكنت- وأخذنا نتلافى إبراهيم- حتى دخل علينا حاجبه يعدو، فقال له: ما الخبر؟ قال: خرج الساعة مسرور من دار أمير المؤمنين حتى دخل على جعفر بن يحيى، فلم يلبث أن خرج ورأسه بين يديه، وقبض على أبيه وإخوته وأهله. فقال إبراهيم: إنا لله وإنا إليه راجعون، ارفع يا غلام. فرفع ما كان بين أيدينا وتفرّقنا، ثم ما رأيت عمرا بعدها في داره.

كان عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس ثقيل الرجل لا يقدم على أحد من أهل بيته إلا مات. فقدم على أخيه سليمان بن علي بالبصرة فمات فصلّى عليه. ثم رحل فقدم البصرة بعد مدة محمد بن سليمان صحيح فاضطرب فقال:

لأمر ما قدم عمي؛ فاعتل واشتد جزعه ثم عوفي، فتصدق بمائة ألف دينار. ولما مات عبد الصمد قال الرشيد: الحمد لله الذي مات عنوان الموت! لا يحمل عمي غيري. فكان أحد حملته إلى حفرته.

وروي أن جعفر بن سليمان مات حين قدم عليه عبد الصمد، وإن عبد الصمد عمي في ذلك الوقت، فقال إسماعيل بن جعفر: أخذنا بعض ثأرنا.

- قال البحتري: أنشدت شيئا من شعري أبا تمام فتمثل ببيت أوس بن حجر:

إذا مقرم منّا ذرا حدّ نابهتبيّن منّا حدّ آخر مقرم

ثم قال: نعيت إليّ نفسي فقلت: أعيذك بالله من هذا القول. فقال: إن عمري

لن يطول وقد نشأ في طيء مثلك؛ أما علمت أن خالد بن صفوان رأى شبيب بن شبة- وهو من رهطه- يتكلم، فقال: يا بني لقد نعي إليّ نفسي إحسانك في كلامك لأنّا أهل بيت ما نشأ فينا خطيب إلا مات من قبله، فقلت: بل يبقيك الله ويجعلني فداك. قال: فمات بعد سنة.

- قال القاضي أبو علي الجويني: حضرت بين يدي سيف الدولة أبي الحسن صدقة بن منصور بن دبيس، وابنه أبو المكارم محمد إذ ذاك مريض مرضه الذي مات فيه، وقد أتى بديوان أبي نصر ابن نباتة، فتصفحه فوقّع في يده وقال يعزّي سيف الدولة أبا الحسن ويرثي ابنه أبا المكارم محمدا، فأخذت المجلد وأطبقته؛ فعاد سيف الدولة فتصفحه ثانيا فخرج ذلك من القصيدة التي غناها قوله:

فإن بميّا فارقين حفيرةتركنا عليها ناظر الجود داميا
تضمّنها الأيدي فتى ثكلت بهغداة ثوى آمالها والأمانيا
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
ولما عدمنا الصبر بعد محمدأتينا اباه نستفيد التعازيا
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة

- شخص أبو الشمقمق مع خالد بن يزيد بن مزيد وقد تقلّد الموصل، فلما أراد الدخول إليها اندق لواؤه في أول درب منها، فتطير من ذلك وعظم عليه. فقال أبو الشمقمق:

ما كان مندقّ اللواء لريبةتخشى ولا أمر يكون مبذلا
لكن هذا الرمح ضعف متنهصغر الولاية فاستقلّ الموصلا

فسرّي عن خالد. وكتب صاحب البريد بذلك إلى المأمون فزاده ديار ربيعة،

وكتب إليه هذا لتضعيف الموصل متن رمحك. فأعطى خالد أبا الشمقمق عشرة آلاف درهم.

- كان أبو الحسن ابن الفرات في وزارته الأولى يشرب كل يوم ثلاثاء- وهو اليوم الذي قبض عليه في غده- ويعمل في خلال شربه، إذ مرت به رقعة فيها:

إن كان ما أنتم فيه يدوم لكمظننت ما أنا فيه دائما أبدا
لكن سكنت إلى أني وأنكمسنستجدّ خلاف الحالتين غدا

فكأنه اغتم لذلك، ثم أخذ في شأنه، وقال لجارية في المجلس كان يألف غناءها ويتفاءل بما لا تزال تغنيه: غني. فابتدأت وغنت:

أمغيبة بالبين ليلى ولم تمتكأنك عما قد أظلّك غافل
ستعلم إن جدّت لكم غربة النوىونادوا بليلى أنّ صبرك زائل

فتنغص ووافته بدعة الصغيرة في ذلك اليوم، فقام إلى دار له جديدة، ودعا بالشراب، وتناول قدحا والتمس من بدعة صوتا، فتطلبت له صوتا يتفاءل به بسبب الدار الجديدة، فغنت:

أمرت لي منزلا فأسكنهفصرت عنه المبعد القاصي

ولم تحفظ البيت الثاني. فلما كان الغد حدثت عليه الحادثة.

- ولما توجّه المسترشد للقاء السلطان مسعود بن محمد ونزل بذات مرج وقع على الشمسية التي ترفع على رأسه طائر من الجوارح وألحّ، كلما نفّر عاد؛ فتفاءل الناس له بذلك وسرّ هو به. فقال له انسان يعرف بملك دار: هذا جارح

ومنقبض الكف وليس فيه بشرى بل ضدها. وأقبل السلطان في جيشه وكانت الكسرة وقبض على المسترشد، وقتل من بعد.

- دخل الحجاج الكوفة متوجها إلى عبد الملك. فصعد المنبر، فانكسر تحت قدمه لوح، فعلم أنهم قد تفاءلوا عليه بذلك. فالتفت إلى الناس قبل أن يحمد الله تعالى وقال: شاهت الوجوه، وتبّت الأيدي، وبؤتم بغضب من الله! أإن انكسر عود خروع ضعيف تحت قدم أيّد شديد تفاءلتم بالشؤم؟ وإني على أعداء الله لأنكد من الغراب الأبقع، وأشأم من يوم نحس مستمر. وإني لأعجب من لوط وقوله: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ

(هود:). وأي ركن أشدّ من الله تعالى؟ أو ما علمتم ما أنا عليه من الشخوص إلى أمير المؤمنين؟

فقد قلّدت عليكم أخي محمد بن يوسف، وقد أمرته بخلاف ما أمر به رسول الله ﷺ معاذا في أهل اليمن، فإنه أمره أن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، وقد أمرته أن يسيء إلى محسنكم وألا يتجاوز عن مسيئكم. وأنا أعلم أنكم تقولون بعدي: لا أحسن الله له الصحابة، وأنا معجّل لكم الجواب: لا أحسن الله عليكم الخلافة. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي دونكم.

- قال أبو ذؤيب الهذلي: بلغنا أنّ رسول الله ﷺ عليل، فأوجس أهل الحيّ خيفة عليه، فبتّ بليلة ثابتة النجوم طويلة الأناة، لا ينجاب ديجورها، ولا يطلع نورها، حتى إذا قرب السحر خفقت فهتف بي هاتف يقول:

خطب أجلّ أناخ بالإسلامبين النخيل ومقعد الآطام
قبض النبيّ محمد فعيونناتذري الدموع عليه بالتسجام

قال أبو ذؤيب: فوثبت فزعا، فنظرت إلى السماء فلم أر إلا سعد الذابح،

فتفاءلت به ذبحا يقع في العرب، وعلمت أن النبي ﵇ قد مات أو هو ميت من علته. فركبت ناقتي وسرت حتى إذا أصبحت طلبت شيئا أزجره.

فعنّ لي شيهم قد أرم على صلّ وهو يتلوّى عليه، والشيهم يقصمه حتى أكله، فزجرت ذلك شيئا مهمّا، وقلت: تلوّي الصلّ انفتال الناس عن الحقّ على القائم بعد رسول الله ﷺ، ثم أوّلت أكل الشيهم إياه عليه القائم على الأمر. فحثثت ناقتي حتى إذا كنت بالعلية زجرت الطير فأخبرني بوفاته، ونعب غراب سانحا بمثل ذلك، فتعوّذت من شرّ ما عنّ لي في طريقي. ثم قدمت المدينة ولأهلها ضجيج كضجيج الحجيج أهلّوا جميعا بالإحرام، فقلت: مه؟ قالوا: قبض رسول الله ﷺ. فجئت المسجد فأصبته خاليا، فأتيت بيت رسول الله ﷺ فأصبت بابه مرتجا وقد خلا به أهله. فقلت: أين الناس؟ فقيل في سقيفة بني ساعدة، صاروا إلى الأنصار. فجئت السقيفة فوجدت أبا بكر وعمر وأبا عبيدة وسالما وجماعة من قريش؛ ورأيت الأنصار فيهم سعد بن عبادة ومعهم شعراؤهم وأمامهم حسان بن ثابت وكعب في ملأ منهم، فأويت إلى الأنصار. وتكلم الأنصار وأكثروا الصواب. وتكلم أبو بكر، فلله درّ رجل لا يطيل الكلام ويعلم مواضع الفصل، والله لتكلم بكلام لا يسمعه سامع إلا انقاد له ومال إليه، وتكلم بعده عمر بكلام دون كلامه، ومد يده فبايعه، ورجع أبو بكر ورجعت معه، وشهدت الصلاة على رسول الله ﷺ، وشهدت دفنه. ولقد بايع الناس من أبي بكر رجلا حلّ قداماها ولم يركب ذناباها، وانصرف أبو ذؤيب إلى باديته وثبت على إسلامه.

- وجه أبو موسى الأشعري في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ السائب بن الأقرع إلى مهرجا نقذق، ففتحها وجمع السبي والغنائم، ودخل دار

الهرمزان فرأى في بعض مجالسها تصاوير فيها تمثال ظبي وهو مشير باحدى يديه إلى الأرض. فقال السائب: لأمر ما صوّر هذا الظبي هكذا، إن له لشأنا. فأمر بحفر الموضع الذي الإشارة إليه، فأفضى إلى حوض من الرخام فيه سفط جوهر.

فأخذه السائب وخرج به إلى عمر ﵁.

- لما أراد ابن الزبير المبايعة قال: بايعوني، فقام إليه عبد الله بن مطيع فقال:

ابدأ فادع أبناء المهاجرين والأنصار قبل. فقال ابن الزبير: ادع عبيد الله بن علي بن أبي طالب. فقال أعرابي كان في ناحية المسجد: والله لا تتم له بيعة أبدا، أليس قد دعا عبد الله بن مطيع فأبى.

- حدث مصعب بن عبد الله الزبيري عن رجل قال: شردت لنا إبل فأتيت حليسا الأسدي فسألته عنها، فقال لبنت له: خطّي، فخطت ونظرت ثم تقبضت وقامت منصرفة. فنظر حليس في خطها فضحك وقال: أتدري لم قامت؟ قلت: لا: قال: رأت أنك تجد إبلك وأنك تتزوجها، فاستحيت فقامت. فخرجت فأصبت إبلي ثم تزوجتها بعد.

- قال شريح بن الأقعس العنبري: عزبت لي إبل فأتيت رجلا من بني أسد فقلت: انظر لي، فخطط خطوطا ثم نظر فقال: تصيب إبلك وتذهب أحدى عينيك وتتزوج امرأة أشرف منك. قال: فخرجت وما شيء أبغض إليّ من أن أصيب إبلي ليكذب في ما قال؛ فأتيت الكناسة فأصبت إبلي، وخرجت مع الأشعث فأصيبت عيني، وحججت مع ابنة قيس بن الحسحاس العنبري، فقالت لي مولاة لها: هل لك أن تتزوج مولاتي؟ قلت: وددت، قالت: فاخطبها إذا قدمت، ففعلت فأبوا فلم أزل حتى زوجونيها.

- ولّى يزيد بن معاوية عمرو بن سعيد بن العاص مكة والمدينة والطائف. فقدم المدينة في شهر رمضان من سنة ستين قبيل العتمة، فصلّى العتمة بالناس فقرأ: لم يكن وإذا زلزلت الأرض. فلما أصبح خرج إلى الناس وعليه قميص أحمر ورداء أحمر وعمامة حمراء، فرماه الناس بأبصارهم، فقال:

يا أهل المدينة ما لكم ترمونا بأبصاركم كأنكم تريدون أن تغزوا بنا سيوفكم، أنسيتم ما فعلتم؟ أما لو أنّا ننقم منكم في الأولى ما عدتم في الثانية. أغرّكم أن قتلتم عثمان فوجدتم بعده ثائرا حليما ومسنا مأمونا قد فني غضبه وذهبت أذاته. فاغنموا أنفسكم فقد وليناكم بالشابّ المقتبل البعيد الأمل، قد اعتدل جسمه، واشتد عظمه، ورمى الدهر ببصره، واستقبله ببأسه، فهو إن عضّ نهش وإن وطئ فرس، لا يقلقل له الحصى، ولا تقرع له العصا. فرعف وهو يتكلم، فألقى إليه رجل عمامة فمسح بها فقال رجل من خثعم: دم على منبر في عمامة وقال: فتنة عمّت وعلا ذكرها وربّ الكعبة، فكانت الفتنة المشهورة.

- لما بنى عبيد الله بن زياد داره البيضاء بالبصرة، بعد قتله الحسين بن علي ﵉، صوّر على بابها رؤوسا مقطّعة، وصوّر في دهليزها أسدا وكبشا وكلبا، وقال: أسد كالح، وكبش ناطح، وكلب نابح. فمر بالباب أعرابي فرأى ذلك فقال: أما إن صاحبها لا يسكنها إلا ليلة لا تتم. فرفع الخبر إلى ابن زياد فأمر بضرب الأعرابي وحبسه. فما أمسى حتى قدم رسول ابن الزبير إلى وجوه أهل البصرة في أخذ البيعة، ودعا الناس إلى طاعته فأجابوه، ووثبوا بابن

زياد من ليلتهم، ونذر بهم فهرب من داره في ليلته تلك، واستجار بالأزد فأجاروه، ووقعت الحرب المشهورة بينهم وبين تميم بسببه، وألحقوه بالشام.

وكسر الحبس وأخرج الأعرابي، وكان من قتل ابن زياد بالخازر ما كان.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.