تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

نوادر من هذا الباب (١٦)

كان حارثة الضمري صديقا لعبد الملك بن مروان، وخرج مع ابن الزبير، فلما قتل ابن الزبير استأمن الناس وأحضر حارثة، فقال له عبد الملك: كنت مني بحيث علمت، فأعنت ابن الزبير. قال: يا أمير المؤمنين، هل رأيتني في حرب أو سباق أو اتصال إلا والفئة التي أنا فيها مغلوبة، وإنما خرجت مع ابن الزبير لتغلبه بي على رسمي. فضحك عبد الملك وقال: والله كذبت! ولكن عفوت عنك.

- كان عمير الكاتب قبيح الوجه جدا، فلقي دعبلا يوما بكرة وقد خرج لحاجة. فلما رآه دعبل تطيّر من لقائه فقال فيه:

خرجت مبكرا من سرّ من راأبادر حاجة فإذا عمير
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «خرجت مبكرا من سر من را»
فلم أثن العنان وقلت أمضيلأنك يا عمير خرا وخير

- كرهت أم جعفر أصواتا من الغناء القديم فأرسلت رسولا لها يلقيها في البحر، ثم غنتها بعد ذلك جارية لها:

سلام الله يا مطر عليهاوليس عليك يا مطر السلام
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «أإن نادى هديلا ذات فلج»

فقالت: هذا أرسلوا به رسولا واحدا إلى دهلك ليلقيه في البحر خاصة.

وإنما فعلت أمّ جعفر هذا تطيرا على ابنها أيام محاربته المأمون. والأصوات:

هم قتلوه كي يكونوا مكانهكما فعلت يوما بكسرى مرازبه
كليب لعمري كان أكثر ناصراوأيسر جرما منك ضرّج بالدم
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «أيا دار سلمى بالحرورية اسلمي»
رأيت زهيرا تحت كلكل خالدفأقبلت أسعى كالعجول أبادره
للشاعر ورقاء بن زهير، من قصيدة «رأيت زهيراً تحت كلكل خالد»
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضناحنانيك بعض الشرّ أهون من بعض
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «أقول لنعمان وقد ساق طبه»
أزجر العين كي تبكّي الطلولاإن في القلب من كليب غليلا

»

- خلع المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات في أول خلافته فاجتاز في الخلع بيزدن الكاتب، فقال يزدن:

جاء الشقيّ بخلعة البكركالهدي جلّل ليلة النحر
لا تم شهر بعد خلعتهحتى تراه طافي الجمر

- ذكر أن عبد الرحمن بن عنبسة مر يوما فإذا هو بغلام أصحّ الغلمان وأحسنهم، ولم يكن لعبد الرحمن ولد. فسأل عنه فقيل له: يتيم من أهل الشام، قدم أبوه العراق في بعث فقتل، وبقي الغلام هاهنا. فضمه ابن عنبسة إليه وتبنّاه فوقع الغلام في ما شاء من الدنيا. ومرّ يوما على برذون ومعه خدم على حمزة بن بيض، وحول ابن بيض عياله في يوم شات، وهم شعت غبر عراة، فقال ابن بيض: من هذا؟ فقيل يتيم ابن عنبسة، وكان اسمه صدقة،

فقال:

تشعّث صبياننا وما يتمواوأنت صافي الأديم والحدقه
فليت صبياننا إذا يتموايلقون ما قد لقيت يا صدقه
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
عوّضك الله من أبيك ومنأمّك في الشام بالعراق مقه
كفاك عبد الرحمن فقدهمافأنت في كسوة وفي نفقة
تظل في درمك وفاكهةولحم طير ما شئت أو مرقه
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
تأوي إلى حاضن وحاضنةزادا على والديك في الشفقه
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
فكل هنيئا ما عاش ثم إذامات فلغ في الدماء والسرقه
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
وخالف المسلمين قبلتهموضلّ عنهم وخادن الفسقة
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
واستر بهذا التليل ذا خصللصوته في الصهيل صهصلقه
واقطع عليه الطريق تلق غداربّ دنانير جمة ورقه

فلما مات عبد الرحمن أصابه ما قال ابن بيض أجمع من الفساد والسرقة وصحبة اللصوص، ثم كان آخر ذلك أنه قطع الطريق وصلب.

- وخرج حمزة بن بيض يريد سفرا فاضطره الليل إلى قرية عامرة كثيرة الأهل والمواشي من الشاء والبقر، كثيرة الزرع، فلم يصنعوا به خيرا، فغدا عليهم وقال:

لعن الإله قرية يممتهافأضافني ليلا إليها المغرب
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
الزارعين وليس لي زرع بهاوالحالبين وليس لي ما أحلب
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
فلعل ذاك الزرع يردي أهلهولعل ذاك الشاء يوما يجرب
ولعل طاعونا يصيب علوجهاويصيب ساكنها الزمان فتخرب
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة

فلم يمرّ بتلك القرية سنة حتى أصابهم الطاعون فباد أهلها وخربت. فمر بهم ابن

بيض فقال: زعمتم أني لا أعطى أمنيتي؟ قالوا: وأبيك لقد أعطيتها، فلو كنت تمنيت الجنة لكان خيرا لك. قال: أنا أعلم بنفسي، لا أتمني ما لست له بأهل، ولكني أرجو رحمة ربي.

- تراءى المأمون بهلال شهر رمضان وأخوه أبو عيسى معه، فقال أبو عيسى:

دهاني شهر الصوم لا كان من شهرولا صمت شهرا بعده آخر الدهر
للشاعر أبو عيسى ابن هارون الرشيد، اقرأ القصيدة
فلو كان يعديني الإمام بقدرةلاستعديت جهدي على الشهر

فناله بعقب هذا القول صرع، فكان يصرع في اليوم مرات، إلى أن مات ولم يبلغ شهرا مثله.

- خرج بعض ملوك الفرس إلى الصيد، فأول من استقبله أعور فأمر بحبسه وضربه، ثم خرج وتصيّد صيدا كثيرا. فلما عاد استدعى الأعور وأمر له بصلة؛ فقال الأعور: لا حاجة لي في صلتك، ولكن إيذن لي في الكلام، فقال: تكلم، فقال: تلقيتني فضربتني وحبستني، وتلقيتك فصدت وسلمت فأينا أشأم؟ فضحك وخلاه.

والحمد لله ربّ العالمين وصلواته على سيّدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.