من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
أقوال الحكماء
قال محمد بن سيرين: ثلاثة ليس معها غربة: حسن الآداب، وكفّ الأذى، ومجانبة الريب.
وقال بزرجمهر: يستحب من الخريف الخصب، ومن الربيع الزهر، ومن الجارية الملاحة، ومن الغلام الكيس، ومن الغريب الانقباض.
- قيل: السفر ميزان الأخلاق. ولذلك قال عمر بن الخطاب ﵁ للرجل الذي وصف عنده آخر: أعاملته أو سافرت معه؟
قيل لرجل أراد السفر: تموت في الغربة، قال: ليس بين الموت في الوطن والموت في الغربة فرق، لأن الطريق إلى الآخرة واحد.
- قال عروة بن الورد العبسي:
ذريني للغنى أسعى فإنيرأيت الناس شرّهم الفقير
وهي أبيات قد كتبت في باب الغنى والفقر لأنها به أليق. وكان عروة بن الورد كثير الاغتراب والارتكاض، ضاربا في الأرض حرصا على الغنى. وكان شجاعا فاتكا كريما جوادا، يجمع الصعاليك ويغير بهم على العرب. وله أخبار ترد في موضعها من هذا الكتاب. وكان يسمى عروة الصعاليك لفعله هذا ولا يزداد بتردد أسفاره وتوالي غاراته إلا فقرا، ولا يزداد الغنى منه إلا بعدا.
وكان عبد الله بن جعفر ينهى معلم ولده أن يروّيهم أبيات عروة هذه، ويقول:
هي تدعوهم إلى الاغتراب عن أوطانهم.
وكان عروة مغرى بالأسفار كثير الحضّ عليها، وله في ذلك شعر كثير، فمن ذلك قوله:
دعيني أطوّف في البلاد لعلنيأفيد غنى فيه لذي الحقّ محمل
أليس عظيما أن تلمّ ملمّةوليس علينا في الحقوق معوّل
وقوله:
أرى أمّ حسّان الغداة تلومنيتخوّفني الأعداء والنفس أخوف
لعل الذي خوّفتنا من أمامنايصادفه في أهله المتخلّف
إذا قلت قد جاء الغنى حال دونهأبو صبية يشكو المفاقر أعجف
له خلّة لا يدخل الحقّ دونهاكريم أصابته حوادث تجرف
تقول سليمى لو أقمت لسرّناولم تدر أني للمقام أطوّف
وقوله:
لعل ارتيادي في البلاد وبغيتيوشدي حيازيم المطيّة بالرحل
سيدفعني يوما إلى ربّ هجمةيدافع عنها بالعقوق وبالبخل
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع