من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
بداية الباب السابع والأربعون
(الباب السابع والأربعون في أنواع السّير والأخبار وعجائبها، وفنون الأشعار وغرائبها) من أوضح الدّلالة على ما في معرفة السّير والآثار من الفوائد، ما أودعه الله ﷿ في كتابه الكريم من أنباء الغابرين وسير الماضين، وقصص رسله صلّى الله عليهم ومن أرسلوا إليه من [العالمين]، وعجائب ما أظهره على أيديهم من المعجزات، وخصّهم بفضله من الآيات، وغيرهم، كأصحاب الفيل والأخدود، وقصّة بلعام، والإخبار عن هاروت وماروت، وغير ذلك.
ومنّ الله تعالى على نبيّه ﵊ بما أطلعه عليه من سرّ الغيب إذ يقول: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا
(هود:). وقال سبحانه: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ
(يوسف:). وقال في الاعتبار بهذا: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ
(يوسف:).
وكتبه- سبحانه- القديمة [كالتوراة] والانجيل اشتملت كذلك على أخبار الماضين وقصصهم، حتى إنّ التوراة مترتّبة الأخبار من لدن آدم إلى بعثة موسى ﵉.
وهي من بعد لقاح العقول، ومشكاة الأفهام، وزناد التّجارب، ومقياس التّيقظ، ومنهاج الاعتبار، وجدد السالك. وإذ قد التفّت الأبواب التي تقدّمت
بالأخبار والآثار التي هي من جنسها، أتبعتها في هذا الباب بما كان مستغربا ومعجبا نادرا، وبالأشعار الشاذة عن المعاني المطروقة، والمقاصد المسلوكة، والأغراض المعهودة، [ ...] المعدّة لمثلها من نادر المطالب وشاذّ الاتفاق.
والله تعالى الموفّق لما يرضيه، ويباعد من سخطه بمنّه وسعة فضله.
- روي أنّ رسول الله ﷺ خرج ليلة هاجر من مكّة إلى المدينة وأبو بكر ﵁، وعامر بن فهيرة، ودليلهما الليثيّ عبد الله بن أريقط، فمرّوا على خيمة أمّ معبد الخزاعيّة، وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء بيتها، ثم تسقي وتطعم، فسألوها لحما وتمرا ليشتروه منها، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك. وكان القوم مرملين مسنتين، فنظر رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم إلى شاة [في كسر] الخيمة، فقال: ما هذه الشاة يا أمّ معبد؟ قالت: خلّفها الجهد عن الغنم. قال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك. قال: أفتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت:
بأبي وأمي، نعم إن رأيت بها حلبا فاحلبها. فدعا رسول الله ﷺ بالشاة، فمسح ضرعها وسمّى الله ﷿، ودعا لها في شاتها، فتفاجّت عليه ودرّت وأمرّت. ودعا بإناء يربض الرّهط، فحلب فيه ثجّا حتى غلبه الثّمال، ثم سقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب آخرهم وقال:
ساقي القوم آخرهم شربا. فشربوا علّا بعد نهل، ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها، فبايعها وارتحلوا عنها.
فقلّ ما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا حيّلا عجافا
يتساوكن هزالا، مخّهنّ قليل، ولا نقي لهنّ. فلما رأى أبو معبد اللبن، عجب وقال: من أين هذا يا أمّ معبد، والشاة عازبة حائل، ولا حلوبة في البيت؟ فقالت: لا والله، إلا أنّه مرّ بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت. قال: صفيه لي يا أمّ معبد. قالت: رجل ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه نحلة، ولم تزر به صعلة؛ وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي [أشفاره] وطف، وفي صوته صحل، وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أحور، أكحل، أزجّ، أقرن؛ إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلّم سما وعلاه البهاء؛ أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق، فصل، لا نزر ولا هذر، كأنّ منطقه خرزات نظم يتحدّرن، ربعة لا تشنوه من طول، ولا تقتحمه العين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفّون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفنّد.
قال أبو معبد: [هو والله] صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره بمكّة ما ذكر، ولو كنت وافقته لا لتمست صحبته، ولأفعلنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلا.
- روي أنّ عمر بن الخطاب ﵁ نظر إلى أهل الشورى جلوسا، فقال: أكلّكم يطمع في الخلافة بعدي؟ فوجموا، فقال لهم ثانية، فأجابه الزبير فقال: نعم، وما الذي يبعدنا عنها، وقد وليتها فقمت بها،
ولسنا دونك في قريش، ولا خير في القرابة؟ فقال عمر: ألا أخبركم عن أنفسكم؟ قالوا: بلى، فإنّا لو استعفيناك ما أعفيتنا، فقال: أما أنت يا زبير فوعقة لقس، مؤمن الرّضا كافر الغضب، يوم [ ...] شيطان، ولعلّها لو أفضت إليك، لظللت [ ...] تلاطم في البطحاء على مدّ من شعير، أفرأيت إن أفضت إليك، فمن يكون على الناس يوم تكون شيطانا، ومن يكون إذا غضبت إماما؟ ما كان الله ليجمع لك أمر أمة محمد صلّى الله عليه وأنت في هذه الصفة.
ثم أقبل على طلحة فقال: أقول أم أسكت؟ قال: قل، فإنّك لا تقول لي من الخير شيئا. قال: ما أعرفك منذ ذهبت أصبعك يوم أحد من البأو الذي أحدثت، ولقد مات رسول الله ﷺ وهو ساخط للكلمة التي قلتها يوم نزلت آية الحجاب. أفأقول أم أسكت؟ قال: تالله لما سكتّ.
ثم أقبل على سعد فقال: إنّما أنت صاحب قنص وقوس وأسهم، ومقنب من هذه المقانب، وما زهرة والخلافة وأمور الناس؟
ثم أقبل على عليّ بن أبي طالب، فقال: لله أنت لولا دعابة فيك، أما والله لو وليتهم لحملتهم على المحجّة البيضاء والحقّ الواضح، ولن يفعلوا.
ثم قال: وأنت يا عبد الرحمن، فلو وزن إيمان المسلمين بإيمانك لرجحت، ولكن فيك ضعف، وليس يصلح هذا الأمر لمن ضعف مثل ضعفك، وما زهرة وهذا الأمر؟
ثم أقبل على عثمان فقال: هيهن إليك، كأني بك وقد قلّدتك قريش هذا الأمر، [......] فحملت بني أمية وبني أبي معيط على رقاب الناس، وآثرتهم بالفيء، فسارت إليك عصابة من ذؤبان العرب فذبحوك على فراشك ذبحا، والله لئن فعلوا لتفعلنّ، ولئن فعلت ليفعلنّ، ثم أخذ بناصيته فناجاه، ثم قال: إذا كان ذلك، فاذكر قولي هذا، فإنّه كائن.
روي عن عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة أنّه قال: اجتمع رجال من بني هاشم في منزلي، منهم: إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وعبد الله بن عليّ، وغيرهما من بني العباس. ومن ولد أبي طالب: عبد الله بن الحسن بن الحسن، وابنا عبد الله محمد وإبراهيم، وجعفر بن محمد وغيرهم من أهلهم. وكان اجتماعهم للحجّ، فخفي بذلك أمرهم. فابتدأ محمد بن عبد الله، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا بني هاشم، فإنكم خيرة الله، وعترة رسول الله ﷺ، وبنو عمّه وذرّيّته، فضّلكم الله بالوحي، وخصّكم بالنّبوّة، وإنّ أولى الناس بحفظ دين الله ﷿، والذّبّ عن حرمه من وضعه الله تعالى بموضعكم من نبيّه ﷺ. وقد أصبحت الأمّة معصوبة، والسنّة مبدّلة، والأحكام معطّلة، فالباطل حيّ، والحقّ ميّت؛ فابذلوا أنفسكم في طاعة الله تعالى، واطلبوا باجتهادكم رضاه، واعتصموا بحبله، [وإياكم] أن تهونوا بعد كرامة، وتذلّوا بعد عزّ، كما ذلّت بنو إسرائيل من قبلكم وكانت أحبّ الخلق في وقتها إلى ربكم، فقال فيهم جلّ وعزّ: كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ
(المائدة:). فمن رأى منكم نفسه أهلا لهذا الأمر، فإنّا نراه له أهلا، وهذه يدي له بالسّمع والطاعة؛ ومن أحسّ من نفسه ضعفا وخاف منها وهنا وعجزا، فلا يحلّ له التولّي على المسلمين، وليس بأفقههم في الدين، ولا أعلمهم بالتأويل، أقول قولي هذا، واستغفر الله العظيم لي ولكم.
قال: فو الله ما ردّ أحد كلمة غير أبي جعفر عبد الله بن محمد فإنه قال: [أمتع] الله قومك بك، وأكثر فيهم مثلك، فو الله لا يزال فينا من يسمو إلى الخير، ويرجى لدفع الضّيم، ما أبقاك الله لنا، وشدّ بك أزرنا. فقالوا لعبد الله: أنت شيخ بني هاشم وأقعدهم، فامدد يدك حتى نبايعك. فقال: ما أفعل ذلك، ولكن هذا ابني محمد، فبايعوه، فقالوا له: إنّما قيل لك هذا لأنّه لم يشكّ فيه، وههنا من هو أحقّ بالأمر منك، واختلطت الأصوات، وقاموا لوقت صلاة.
قال عبد الله بن جعفر: فتوكأ جعفر بن محمد على يدي وقال: والله ما يملكها إلا هذان الفتيان، وأومأ إلى السفاح والمنصور، ثم تبقى فيهم حتى يتلعّب بها خدمهم ونساؤهم، [ ...] على محمد بن عبد الله كلامه من العباسيين هو قاتله وقاتل أبيه وأخيه.
ثم افترقوا فقال لي عبد الله بن محمد المنصور، وكانت بيني وبينه خاصّة ودّ:
ما الذي قال لك جعفر؟ فعرّفته ذلك، فقال: إنا خبرنا أبا محمد، ما قال شيئا إلا وجدناه كما قال.
قال عبد العزيز بن عمران: وبلغني أنّ المنصور قال: رتّبت عمّالي بعد كلام جعفر ثقة بقوله.
وروي عن أبي هريرة أنّه قال: لما كان الفتح قال لي خالد بن الوليد: يا أبا هريرة، اذهب بنا إلى هند بنت عتبة لعلّك تقرأ عليها بعض القرآن لينفعها الله تعالى به. قلت: انطلق. فدخلنا عليها كأنّها والله فرس عربيّ، وكأنّ وراء عجيزتها رجلا جالسا. فقال لها خالد بن الوليد: يا أمّ معاوية، هذا أبو هريرة صاحب رسول الله ﷺ، جئتك به ليتلو عليك القرآن، ويذكر أمر الإسلام، قالت: هات، قال أبو هريرة: بسم الله الرحمن الرحيم: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
(الملك:)، حتى انتهى إلى قوله ﷿: كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ
(الملك:). قالت:
لا وسدن الكعبة، ما سمعنا بشاعر قطّ ينتحل خلق السماوات والأرض إلا [صاحبكم] هذا. قال: يقول خالد: قم يا أبا هريرة، فو الله لا تسلم هذه أبدا.
فقمنا فخرجنا من عندها.
لمّا قتل الحسين بن عليّ ﵉ كان النّوح عليه بالمدينة في كلّ بيت سنة كاملة، ثم نيح عليه في السنة الثانية في كلّ جمعة، ثم نيح عليه في الثالثة في كلّ شهر. وكان مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة يدخلان إليهم مقنّعين فيبكيان أشدّ بكاء حتى ينقضي النّوح.
- كان بالمدينة رجل من أهل الكتاب يقال له يوسف، موصوف بقراءة الكتب. فلقي عبد الملك بن مروان، فقال له: إن بشّرتك بشارة تسرّك، ما تجعل لي؟ قال: وما مقدارها من السرور حتى يعلم مقدارها من الجعل؟ قال: أن تملك الأرض، قال: ما لي من مال، ولكن أرأيت إن تكلّفت لك جعلا أتأتيني بذلك قبل وقته؟ قال: لا، قال: فإن حرمتك، أتؤخّره عن وقته؟ قال: لا، قال: حسبك ما فعلت.
- كان في عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس عجائب، منها أنّ أسنانه كانت قطعة واحدة، ودخل قبره بأسنانه التي ولد بها، ولم ينبت له سن ولم يتغيّر.
ومنها أنه حجّ في سنة سبعين ومائة، وحجّ يزيد بن معاوية بهم سنة خمسين وبينهما [مائة] وعشرون سنة، وهما في القعدد سواء.
ومنها أنّه كان يوما عند الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين، هذا مجلس فيه عمّك، وعمّ أبيك، وعمّ جدّك، يعني سليمان بن أبي جعفر عمّ الرشيد، والعباس بن محمد عمّ المهديّ، وعبد الصمد بن عليّ عمّ المنصور.
ومنها أنّه دخل سربا فطارت ريشتان فلصقتا بعينيه، فذهب بصره.
- دخل أبو عبيد الله معاوية بن يسار كاتب المهديّ على المهديّ،
وكان قد وجد عليه في أمر بلغه عنه، وأبو العتاهية حاضر بالمجلس، فجعل المهديّ يشتم أبا عبيد الله ويتغيّظ عليه في أمر، ثم أمر فجرّ برجله وحبس، ثم أطرق المهديّ طويلا، فلما سكن أنشد أبو العتاهية:
أرى الدنيا لمن هي في يديهعذابا كلّما كبرت لديه
تهين المكرمين لها بصغروتكرم كلّ من هانت عليه
إذا استغنيت عن شيء فدعهوخذ ما أنت محتاج إليه
فتبسّم المهديّ، ثم قال لأبي العتاهية: أحسنت، فقام أبو العتاهية فقال: والله يا أمير المؤمنين ما رأيت أحدا أشدّ إكراما للدنيا، ولا أضنّ بها، ولا أحرص عليها من هذا الذي يجرّ برجله الساعة، ولقد دخلت على أمير المؤمنين، ودخل وهو أعزّ الناس، فما برحت حتى رأيته أذلّ الناس، ولو رضي من الدنيا بما يكفيه لاستوت أحواله ولم تتفاوت. فتبسّم المهديّ ودعا بأبي عبيد الله ورضي عنه.
وكان أبو عبيد الله يذكر ذلك لأبي العتاهية.
- لمّا قتل زياد عروة بن أديّة الخارجي، وهو عروة بن حدير أحد بني ربيعة بن حنظلة، وأديّة جدّة [له] وهو فيما يقال: أوّل [من] حكّم، عاد زياد فقال [لمولى عروة]: صف لي أموره، فقال: أطنب أم أختصر؟ قال:
اختصر، قال: ما أتيته بطعام نهارا قطّ، ولا فرشت له فراشا بليل قطّ.
حدّث أبو عمرو الشيبانيّ أنّ يزيد بن معاوية شرب حتى سكر، ثم ركب فرسا وأقبل حتى علا جبلا، فانتهى إلى فصل بينه وبين جبل آخر، فأراد أن يوثب فرسه حتى يلحق الجبل الآخر، فقرعه بالسّوط، فوثب فلم يبلغ، وسقط فمات.
حدّث خالد بن كلثوم وهشام بن الكلبيّ وأبو عمرو الشيبانيّ أنّ
ابنه عمر [؟] لمّا حجّ وانصرف قال:
إذا جعلن ناقلا يمينافلن نعود بعدها سنينا
للحجّ والعمرة ما بقينا
فبدرت إليه صاعقة فاحترق مكانه، فبلغ ذلك محمد بن علي فقال: لم يستخفّ أحد ببيت الله ﷿ إلا عوجل.
قيل لبزر جمهر: من أعلم الناس بالدنيا؟ قال: أقلّهم منها تعجّبا.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع