تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

وفاة رسول الله ﷺ (٤)

وكان الملك يشرح هذا الشرح وأبو الحسين حاضر، يقول: كذا والله قلت لمولانا، وأعيذه بالله فما أحسن حفظه وذكره.

ثم قال لي: بقي في نفسي من هذا المنام شيء، قلت: يبلغ الله مولانا آماله، ويزيده من كل ما يهواه، ويصرف عنه كل ما يخشاه؛ ولم أتجاوز الدعاء لعلمي بأن سؤاله عن ذلك سوء أدب. فعلم ما في نفسي وقال: وقوفه على أنني أملك حلب، ولو كان عنده أنني أتجاوزها لقال، حتى إنه لما ورد الخبر بإقامة ابن سيف الدعوة لي بها ذكرت المنام فنغص عليّ أمرها إشفاقا من أن تكون آخر حدود مملكتي من ذلك الصقع. فدعوت له وانقطع الحديث.

قال الصولي: حدثني عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: لما دعي محمد بن عبد الله أخي من مقتل يحيى بن عمر العلوي، دخلت إليه بعد ذلك بمدة، يوما سحرا، وهو كئيب الوجه، ناكس الرأس، غائص في الهمّ، كأنه معروض على السيف، وأخته واقفه وجواريه قيام. فلم أقدم على مسألته عن أمره، وأومأت إلى أختي أن ما له؟ قالت: رأى رؤيا قد روّعته وأفزعته.

فتقدمت حينئذ وقلت: أيها الأمير روي عن النبي ﷺ أنه قال: إذا رأى أحدكم في منامه ما لا يحبّه فليتحوّل من جانبه الذي يكون عليه مضطجعا إلى

الجانب الآخر وليتفل ثلاثا [عن يساره] وليلعن إبليس وليستعيذ بالله منه ولينم. قال: فرفع رأسه وقال: يا أخي إذا لم تكن البلية العظمى والطامة الكبرى من جهة رسول الله ﷺ! فقلت: أعوذ بالله قال: أتذكر رؤيا طاهر ابن الحسين جدّنا قلت: بلى.

قال عبيد الله: وكان طاهر وهو صغير الحال رأى النبىّ ﷺ في منامه وهو يقول له: يا طاهر إنك ستبلغ من الدنيا مبلغا كبيرا فاتّق الله واحفظني في ولدي، فإنك لا تزال محفوظا ما حفظتني فيهم. قال: فما تعرّض طاهر لقتال علوي وندب إلى [قتال يحيى] ولم يفعل.

قال: ثم قال لي محمد أخي: إنني رأيت البارحة في منامي رسول الله ﷺ وكأنه يقول لي: نكبتم! فانتبهت فزعا وتحوّلت واستعذت من إبليس ولعنته واستغفرت الله، ونمت، فرأيته ﷺ وهو يقول لي: يا محمد نكثتم وقتلتم أولادي، والله لا تفلحون بعدها أبدا. فانتبهت وأنا على هذه الصورة التي تراني عليها منذ نصف الليل.

قال: واندفع يبكي وبكيت معه. فما مضت على ذلك [إلا مدة يسيرة] ونكبنا بأسرنا أقبح نكبة، وصرفنا عن ولايتنا، ولم يزل أمرنا يخمل حتى لم يبق لنا اسم على منبر، ولا علم على جيش، وحصلنا إلى الآن تحت المحنة.

قيل لعلي بن الحسين ﵉: كيف أصبحت؟ فقال:

أصبحنا خائفين برسول الله ﷺ وأصبح جميع أهل الإسلام آمنين به.

نظر رجل إلى عبد الله بن الحسن بن الحسن وهو مغموم فقال: ما غمّك يا ابن رسول الله؟ فقال: كيف لا أغتمّ وقد امتحنت بأعظم من محنة إبراهيم خليل الله، ذاك أمر بذبح ابنه ليدخل الجنّة وأنا مأخوذ بأن أحضر ابنيّ ليقتلا فأدخل النار.

روي أن عبد الله بن عمر ﵄ استأذن على الحجاج ليلا فقال الحجاج: إحدى حمقات أبي عبد الرحمن. فدخل فقال له الحجاج: ما جاء بك؟ قال: ذكرت قول النبيّ ﷺ: من مات وليس في عنقه بيعة لإمام مات ميتة جاهلية. فمدّ إليه رجله فقال: خذ فبايع.

أراد بذلك الغضّ منه.

- قال المنصور لعمرو بن عبيد: عظني، قال: بما رأيت أو بما سمعت قال: بل عظني بما رأيت. فقال له: مات عمر بن عبد العزيز فخلّف أحد عشر ابنا، وبلغت تركته سبعة عشر دينارا كفّن منها بخمسة دنانير واشترى موضعا لقبره بدينارين، وأصاب كل واحد من [أولاده تسعة عشر درهما]. ومات هشام بن عبد الملك وخلف أحد عشر ابنا، وأصاب كلّ واحد من ولده ألف ألف دينار، فرأيت رجلا من ولد عمر بن عبد العزيز قد حمل في يوم واحد على مائة فرس في سبيل الله، ورأيت رجلا من ولد هشام يسأل ليتصدّق عليه.

كان محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس ذا نعمة ضخمة، ولم يكن له ولد إلا بنت واحدة ماتت قبله؛ وولد لأخيه جعفر مائة نسمة من ذكر وأنثى. وكان محمد يقول: أشتهي أن يصفو لي يوم لا يعارض سروري فيه غمّ.

فكان أخوه جعفر يقول: لا تمتحن هذا، فقلّ من امتحنه إلا امتحن فيه [....]

أحضر كل من تحب حضوره. فبينما هو على أتمّ أمر وأسرّ حال إذ سمع صراخا، فسأل عنه فكتم فألحّ، فعرف أن ابنته صعدت درجة فسقطت منها فماتت. فلم يف سروره صدر نهاره بما عقّب من غمّه.

- وشبيه بهذا ما حكي عن يزيد بن عبد الملك أنه قال يوما: يقال إن

الدنيا لم تصف لأحد يوما واحدا، فإذا خلوت يومي هذا فاحجبوا عني الأخبار وخلّوني ولذّتي. وخلا مع جاريته حبّابة- وكان شديد الشغف بها- فبينا هو يسقيها وتسقيه وتغنيه إذ تناولت حبّة رمّان فغصّت بها فماتت لوقتها. فانزعج وتركها [أياما] حتى عذله بنو أميّة وقالوا: إنها جيفة! وألحّوا عليه فدفنها ومشى في جنازتها وهو يقول:

فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوىفباليأس تسلو عنك لا بالتجلّد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «تظلُّ ابنة ُ الضَّمريِّ في ظلِّ نعمة ٍ»

فعدّ بينهما خمسة عشر يوما.

- قال محمد بن الحارث بن بسخنّر: كانت لي نوبة في خدمة الواثق في كل جمعة، إذا حضرت ركبت إلى الدار، فإن نشط للشراب أقمت عنده، وإن لم ينشط انصرفت؛ وكان رسمنا أن لا يحضر أحد منا إلا في يوم نوبته. فإني لفي منزلي في غير يوم نوبتي، إذا برسل الخليفة قد هجموا عليّ وقالوا [لي: احضر؛ فقلت:

ألخير؟ قالوا: خير]، فقلت: إن هذا يوم لم يحضرني فيه أمير المؤمنين قطّ، [ولعلكم] غلطتم؛ قالوا: الله المستعان! لا تطول وبادر، فقد أمرنا أن لا ندعك تستقرّ على الأرض. فدخلني فزع شديد، وخفت أن يكون ساع قد سعى بي، وبليّة قد حدثت في رأي الخليفة عليّ. فتقدّمت بما أردت وركبت حتى وافينا الدار، فذهبت لأدخل على رسمي من حيث كنت أدخل فمنعت. وأخذ بيدي الخدم فعدلوا بي إلى ممرات لا أعرفها، فزاد ذلك من جزعي وغمّي. ثم لم يزل الخدم يسلمونني من خدم إلى خدم حتى أفضيت إلى دار مفروشة الصحن، ملبّسة الحيطان بالوشي المنسوج بالذهب، ثم أفضوا بي إلى رواق أرضه وحيطانه ملبّسة بمثل ذلك، وإذا الواثق في صدره على سرير مرصّع بالجوهر، وعليه ثياب منسوجة بالذهب، وإلى جانبه فريدة جاريته، عليها مثل ثيابه، وفي حجرها عود.

فلما رآني قال: قد جوّدت والله يا محمد، إلينا إلينا! فقبّلت الأرض ثم قلت: يا أمير المؤمنين، خيرا! قال خيرا! أما ترانا! طلبت والله ثالثا يؤنسنا فلم أر [أحقّ] بذلك منك، فبحياتي بادر وكل شيئا وبادر إلينا؛ فقلت: قد والله يا سيّدي أكلت وشربت أيضا، قال: فاجلس، فجلست وقال: هاتوا لمحمد رطلا في قدح، فأحضرت ذلك واندفعت فريدة تغنّي:

أهابك إجلالا [وما بك] قدرةعليّ ولكن ملء نفس حبيبها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أهابك إجلالا وما بك قدرة»

فجاءت والله بالسّحر، وجعل الواثق يجاذبها، وفي خلال ذلك تغنّي الصوت بعد الصوت، وأغنّي أنا في خلال غنائها، فمرّ لنا أحسن ما مرّ لأحد. فإنّا لكذلك إذ رفع رجله فضرب بها صدر فريدة ضربة تدحرجت بها من أعلى السرير إلى الأرض، وتفتّت عودها، ومرّت تعدو وتصيح؛ وبقيت كالمنزوع الروح، ولم أشكّ في أنّ عينه وقعت عليّ، وقد نظرت إليّ ونظرت إليها.

وأطرق إلى الأرض متحيّرا، وأطرقت أتوقّع ضرب العنق. فإني كذلك إذ قال لي: يا محمد، فوثبت، فقال لي: ويحك أرأيت أعجب ممّا [تهيّأ علينا] ؟

فقلت: يا سيدي، الساعة والله تخرج روحي، فعلى من أصابنا بعين لعنة الله، فما كان السبب والذّنب؟ قال: لا والله، ولكن فكّرت في أنّ جعفرا يقعد هذا المقعد غدا وتقعد معه كما هي قاعدة معي، فلم أطق الصّبر، وخامرني ما أخرجني إلى ما رأيت. فسرّي عني وقلت: بل يقتل الله جعفرا، ويحيا أمير المؤمنين أبدا، وقبّلت الأرض وقلت: يا سيّدي، ارحمها ومر بردّها. فقال لبعض الخدم الوقوف: مر [من] يجيء بها، فلم يكن بأسرع من أن خرجت وفي يدها عودها، وعليها غير الثياب التي كانت عليها، فلما رآها جذبها إليه، وغلبها البكاء فبكت، وجعل هو يبكي واندفعت أنا في البكاء. فقالت: ما ذنبي يا مولاي؟ وبأيّ شيء استوجبت هذا؟ فأعاد عليها ما قاله لي وهو يبكي وهي

تبكي؛ فقالت: سألتك بالله يا أمير المؤمنين إلا ضربت عنقي الساعة وأرحتني من الفكر في هذا، وأرحت قلبك من الهمّ! ثم مسحا أعينهما، ورجعت إلى الغناء.

وأومأ إلى خدم وقوف بشيء لا أعرفه، فمضوا وأحضروا أكياسا فيها عين وورق، ورزما فيها ثياب كثيرة، وجاء خادم بدرج ففتحه، وأخرج منه عقدا ما رأيت قطّ مثل جوهر كان فيه، وأحضرت بدرة فيها عشرة آلاف فجعلت بين يديّ، وخمسة تخوت عليها ثياب، وعدنا إلى أمرنا وإلى أحسن ما كنّا، فلم نزل كذلك إلى الليل وتفرّقنا.

وضرب الدهر من ضربه، وتقلّد المتوكّل، فو الله إني لفي منزلي يوم نوبتي إذ هجم رسل الخليفة عليّ فما أمهلوني حتى ركبت، فصرت إلى الدار، فأدخلت الحجرة بعينها، وإذا المتوكل في الموضع الذي كان فيه الواثق وعلى السرير بعينه، وإلى جانبه فريدة، فلما رآني قال: ويحك! ما ترى ما أنا فيه من هذه؟ أنا من غدوة أطالبها بأن تغنّي فتأبى ذلك، فقلت لها: سبحان الله! تخالفين سيّدك وسيّدنا وسيّد البشر! بحياته غنّي، فضربت ثم اندفعت تقول:

مقيم بالمجازة من [قنونا]وأهلك بالأجيفر فالثّماد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»
فلا تبعد فكّل فتى سيأتيعليه الموت يطرق أو يغادي
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «فلا تبعد فكل فتى سيأتي»

ثم ضربت بالعود الأرض ورمت بنفسها عن السرير، ومرّت تعدو وهي تصرخ: واسيّداه! فقال لي: ويحك! ما هذا؟ فقلت: لا أدري والله يا سيدي، فقال: ما ترى؟ قلت: أرى والله أن تحضر هذه ومعها غيرها، فإنّ الأمر يؤول إلى ما يريد أمير المؤمنين، قال: فانصرف في حفظ الله، فانصرفت ولم أدر ما كانت القصّة.

- وروي أنّ رجلا من أهل مكة من بني جمح ولدت له جارية لم يولد مثلها في الحجاز حسنا، فقال: كأني بها قد كبرت، فنسب بها عمر بن أبي ربيعة وفضحها ونوّه باسمها كما فعل بنساء قريش، والله لا أقمت بمكة. فباع ضيعة له بالطائف ومكّة، ورحل بابنته إلى البصرة، وأقام بها، وابتاع هناك [ضيعة]. ونشأت ابنته من أجمل نساء زمانها. ومات أبوها، فلم تر أحدا من بني جمح حضر جنازته، ولا وجدت لها مسعدا، ولا عليها داخلا. فقالت لداية لها سوداء: من نحن؟ ومن أيّ البلاد نحن؟ فخبّرتها. فقالت: لا جرم، والله لا أقمت بهذا البلد الذي أنا فيه غريبة! فباعت الضيعة والدار وخرجت في أيام الحجّ. وكان عمر يقدم فيعتمر في ذي القعدة ويحلّ ويلبس الحلل الوشي، ويركب النجائب المخضوبة بالحنّاء عليها القطوع والديباج، ويسبل لمّته ويتلقّى العراقيات. فخرج لعادته فإذا قبّة مكشوفة فيها جارية كأنها القمر تعادلها جارية سوداء كالسّبجة، فقال للسوداء: من أنت؟ ومن أين أنت يا خالة؟ فقالت: أطال الله تعبك إن كنت تسأل هذا العالم من هم، ومن أين هم! قال: فأخبريني عسى أن يكون لذلك شأن. قالت: نحن من أهل العراق، فأمّا الأصل والمنشأ فمكّة، وقد رجعنا إلى الأصل ودخلنا مكّة. فضحك، فلما نظرت إلى سواد ثنيّته قالت: قد عرفناك. قال: ومن أنا؟ قالت: عمر بن أبي ربيعة، قال: وبم عرفتني؟ قالت: بسواد ثنيّتك وهيئتك التي ليست إلا لقريش، فقال:

أصبح القلب بالجمال رهينامقصدا يوم فارق الظاعنينا
قلت من أنتم فصدّت وقالتأمبدّ سؤالك العالمينا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أصبح القلب في الحبال رهينا»
نحن من ساكني العراق وكنّاقبله ساكنين مكّة حينا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أصبح القلب في الحبال رهينا»
قد سألناك- إذ سألت- فمن أنت عسى أن يجرّ شأن شؤونا

ولم يزل بها عمر حتى تزوّجها وولدت منه.

- قال عمر بن شبّة: مات الموصليّ سنة ثمان وثمانين ومائة، ومات في ذلك اليوم الكسائيّ النحويّ، والعباس بن الأحنف الشاعر، وهشيمة الخمّارة، فرفع ذلك إلى الرشيد، فأمر المأمون أن يصلّي عليهم. فخرج فصفّوا بين يديه، فقال: من هذا الأوّل؟ قالوا: إبراهيم الموصليّ، فقال: أخّروه وقدّموا العباس بن الأحنف. فقدّم فصلّى عليهم، فلما فرغ وانصرف دنا منه هاشم بن عبد الله الخزاعيّ فقال: يا سيّدي، كيف آثرت العباس بالتّقدمة على من حضر؟

فأنشأ يقول:

وسعى بها ناس فقالوا إنّهالهي التي تشقى بها وتكابد
فجحدتهم ليكون غيرك ظنّهمإني ليعجبني المحبّ الجاحد
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «قالت مرضت فعدتها فتبرمت»

ثم قال: أتحفظها؟ قال هاشم: نعم، فقال: أنشدني باقيها، فأنشدت:

لمّا رأيت الليل سدّ طريقهعني وعذّبني الظلام الراكد
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «قالت مرضت فعدتها فتبرمت»
والنجم في كبد السماء كأنّهأعمى تحيّر ما لديه قائد
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «قالت مرضت فعدتها فتبرمت»
ناديت من طرد الرّقاد بصدّهممّا أعالج وهو خلو هاجد
يا ذا الذي صدع الفؤاد بهجرهأنت البلاء طريفه والتالد
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «قالت مرضت فعدتها فتبرمت»
ألقيت بين جفون عيني حرقةفإلى متى أنا ساهر يا راقد

فقال لي المأمون: أليس هذا الذي من قال هذا الشعر حقيق بالتّقدمة؟ قلت:

بلى والله.

- قال عبد الله بن الحسن: جاءني أبو العتاهية وأنا في الديوان فجلس إليّ فقلت له: يا أبا إسحاق، أما يصعب عليك شيء من الألفاظ تحتاج فيه إلى الغريب كما يحتاج إليه سائر الناس ممّن يقول الشّعر؟ فقال: لا، فقلت:

إني لأحسب ذلك من كثرة ركوبك القوافي السهلة، قال: فاعرض عليّ ما شئت من القوافي الصعبة، فقلت: قل أبياتا في مثل البلاغ، فقال من ساعته:

أيّ عيش يكون أفضل من عيش كفاف قوت بقدر البلاغ
ربّ ذي لقمة تعرّض منهاحائل بينها وبين المساغ
أبلغ الدهر في مواعظه بلزاد فيهنّ لي على الإبلاغ
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «أي عيش يكون أبلغ من عي»
غشمتني الأيام عقلي وماليوشبابي وصحّتي وفراغي

وكان أبو العتاهية لتمكّنه من الطبع يقول: الناس يتكلّمون الشّعر وهم لا يعلمون، ولو أحسنوا تأليفه لكانوا شعراء كلّهم، فبينا هو يحدّث إذ قال رجل لآخر معه مسح: يا صاحب المسح تبيع المسح؟ فقال أبو العتاهية: ألم تسمعوه يقول:

يا صاحب المسح تبيع المسحا

قد قال شعرا وهو لا يعلم، ثم قال له الرجل: تعال إن كنت تريد الرّبح، فقال أبو العتاهية: وقد أجاز المصراع بمصراع آخر وهو لا يعلم، قال:

تعال إن كنت تريد الربحا

وكانوا يقولون: لو أعين طبع أبي العتاهية بجزالة اللفظ، لكان أشعر الناس.

ذكر أنّ قوما أضلّوا الطريق فاستأجروا أعرابيا يدلّهم على الطريق فقال: إني لا أخرج معكم حتى أشترط عليكم، قالوا: هات ما لك؟ قال: يدي مع أيديكم في الحارّ والقارّ، ولي موضع من النار موسّع عليّ فيها، وذكر والدتي محرّم عليكم. قالوا: فهذا لك، فما لنا عليك إن أذنبت؟ قال: إعراضة لا تؤدّي إلى مقت، وهجرة لا تمنع من مجامعة السّفرة، قالوا: فإن لم تعتب؟ قال:

فحذفة بالعصا أخطأت أم أصابت.

ويشبه هذا ما اشترطه راع على صاحب الإبل فقال له: ليس لك أن تذكر أمّي بخير أو شرّ، ولك حذفة بالعصا عند غضبك أخطأت أم أصابت، ولي مقعد [من النار] وموضعي من الحارّ.

- ذكر عليّ بن سليمان الأخفش في كتاب المغتالين بإسناده عن ابن الكلبي قال: عشقت أمّ البنين بنت عبد العزيز ابن مروان زوجة الوليد بن عبد الملك وضّاح اليمن فكانت ترسل إليه فيدخل إليها ويقيم عندها، فإذا خافت وارته في صندوق عندها وأقفلت عليه. فأهدي للوليد جوهر له قيمة فأعجبه واستحسنه، فدعا خادما له فبعث به إلى أمّ البنين وقال: قل لها إنّ هذا الجوهر أعجبني فآثرتك به. فدخل الخادم عليها مفاجأة ووضّاح عندها فأدخلته الصندوق وهو يرى فأدّى إليها [رسالة الوليد] ورفع الجوهر إليها وقال لها: يا مولاتي، هبي لي منه حجرا، فقالت: لا يا ابن اللخناء ولا كرامة. فرجع إلى الوليد فأخبره فقال: كذبت يا ابن اللخناء، وأمر به فوجئت عنقه، ثمّ لبس نعليه ودخل على أمّ البنين وهي جالسة في ذلك البيت تمتشط وقد وصف له الخادم الصندوق الذي أدخلته فيه، فجاء فجلس عليه ثم قال لها: يا أمّ البنين، ما أحبّ إليك هذا البيت من بين بيوتك! فلم تختارينه؟ فقالت: أجاس فيه وأختاره لأنه يجمع حوائجي كلّها فأتناولها منه من

قرب. فقال لها: هبي لي صندوقا من هذه الصناديق، فقالت: كلّها لك يا أمير المؤمنين، فقال: ما أريد كلّها إنما أريد منها واحدا، قالت: خذ أيّها شئت، قال:

هذا الذي جلست عليه، قالت: خذ غيره فإنّ لي فيه أشياء أحتاج إليها، قال: ما أريد غيره، قالت: خذه يا أمير المؤمنين.

فدعا بالخدم وأمرهم بحمله، فحملوه حتى انتهي به إلى مجلسه، فوضعه فيه ثم دعا بعبيد له عجم فأمرهم بحفر بئر في المجلس عميقة، فنحّي البساط وحفرت إلى الماء، ثم دعا بالصندوق فوضع على شفير البئر ودنا منه وقال: يا صاحب الصندوق! إنّه قد بلغنا شيء إن كان حقّا فقد كفيناك ودفنّاك ودفنّا ذكرك وقطعنا أثرك إلى آخر الدهر، وإن كان باطلا فإنّما دفنّا الخشب وما أهون ذلك. ثم قذف به في البئر، وهيل عليه التراب، وسوّيت الأرض، وردّ البساط إلى حاله، وجلس الوليد عليه. ثم ما رئي لوضاح بعد ذلك أثر في الدنيا إلى هذا اليوم.

قال: وما رأت أمّ البنين لذلك أثرا في وجه الوليد حتى فرّق الموت بينهما.

- لمّا مات جعفر بن المنصور الأكبر مشى المنصور في جنازته من المدينة إلى مقابر قريش ومشى الناس أجمعون معه حتّى دفنه ثمّ انصرف إلى قصره فأقبل على الرّبيع فقال: يا ربيع، [انظر من في أهلي] ينشدني:

أمن المنون وريبها تتوجّع

حتى أتسلّى عن مصيبتي. قال الرّبيع: فخرجت إلى بني هاشم وهم بأجمعهم حضور فسألتهم عنها فلم يكن فيهم أحد يحفظها. فرجعت فأخبرته، فقال: والله لمصيبتي بأهل بيتي ألا يكون فيهم أحد يحفظ هذه القصيدة لقلة رغبتهم في الأدب أعظم عليّ وأشدّ من مصيبتي بابني. ثمّ قال:

انظر هل في القوّاد والعوامّ من يحفظها فإنّي أحّبّ أن أسمعها من إنسان ينشدها. فخرجت فاعترضت النّاس فلم أجد أحدا ينشدها إلّا شيخا مؤدّبا قد انصرف من تأديبه، فسألته: هل [تحفظ شيئا من الشعر؟] فقال:

نعم، شعر أبي ذؤيب. فقلت أنشدني فابتدأ هذه القصيدة، فقلت: أنت بغيتي. ثمّ أوصلته إلى المنصور فاستنشده إيّاها فلمّا قال:

والدّهر ليس بمعتب من يجزع

قال: صدق، والله، فأنشدني هذا البيت ليتردّد عليّ هذا المصراع، فأنشده ثمّ مرّ فيها فلمّا انتهى إلى قوله:

والدّهر لا يبقى على حدثانهجون السّراة له جدائد أربع
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»

قال: سلا أبو ذؤيب عند هذا القول. وأمر الشّيخ بالانصراف. واتّبعته فقلت:

أمر لك أمير المؤمنين بشيء؟ قال: نعم، وأراني صرّة في يده فيها مائة درهم.

- قال العلاء البندار: كان الوليد بن يزيد زنديقا، وكان رجل من كلب من أهل الشام يقول بمقالته مقالة الثنوية. فدخلت يوما على الوليد وذلك الكلبيّ عنده، وإذا بينهما سفط قد رفع رأسه عنه، وإذا ما يبدو لي منه حرير أخضر، فقال: ادن يا علاء، فدنوت فرفع الحرير، وإذا في السّفط صورة إنسان، وإذا الزئبق والنوشادر قد جعلا في جفنه فجفنه يطرف كأنّه يتحرّك.

فقال: يا علاء، هذا ماني، لم يبعث الله نبيّا قبله ولا يبعث نبيّا بعده. فقلت: يا أمير المؤمنين، اتّق الله ولا [يغرّنّك هذا] الذي ترى من دينك. فقال الكلبيّ:

قد قلت لك يا أمير المؤمنين، قد قلت لك إنّ العلاء لا يحتمل هذا الحديث.

قال العلاء: فمكثت أياما ثم جلست مع الوليد على بناء كان بناه في عسكره يشرف منه، والكلبيّ عنده إذ نزل من عنده، وقد كان حمله على برذون هملاج

أشقر من أفره ما سخّر، فخرج على برذونه ذلك، فمضى في الصحراء حتى غاب عن العسكر؛ فما شعر إلا وأعراب قد جاءوا به منفسخة عنقه ميّتا، وبرذونه يقاد حتى سلّموه. فبلغني ذلك فخرجت متعمّدا حتى أتيت أولئك الأعراب، وكان لهم أبيات بالقرب من أرض البخراء لا حجر بها ولا مدر، فقلت لهم: كيف كانت قصّة هذا الرجل؟ قالوا: أقبل علينا على برذون فو الله لكأنّه دهن يسيل [على] صفاة من فراهته، فعجبنا لذلك؛ إذ انقضّ رجل من السّماء، عليه ثياب بيض، فأخذ بضبعيه فاحتمله ثم نكّسه وضرب برأسه الأرض، فدقّ عنقه، ثم غاب عن عيوننا، فاحتملناه فجئنا به.

- لما استخلف عمر بن عبد العزيز جاءه الشعراء، فجعلوا لا يصلون إليه، فجاء عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وعليه عمامة قد أرخى طرفها، فدخل، فصاح به جرير:

يا أيّها القارىء المرخي عمامتههذا زمانك إني قد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيهأنّي لدى الباب كالمصفود في قرن
للشاعر جرير، من قصيدة «يا أيها الرجل المرخي عمامته»

قال: فدخل على عمر، فاستأذنه فأدخله عليه، وقد كان هيّأ له شعرا، فلما دخل عليه غيّره وقال:

إنّا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنامن الخليفة ما نرجو من المطر
للشاعر جرير، من قصيدة «لجت أمامة في لومي وما علمت»
زان الخلافة إذ كانت له قدراكما أتى ربّه موسى على قدر
أأذكر الجهد والبلوى التي نزلتأم تكتفي بالذي بلّغت من خبري
ما زلت بعدك [في دار] تعرّفنيقد طال بعدك إصعادي ومنحدري
لا ينفع الحاضر المجهود باديناولا يجود لنا باد على حضر
كم بالمواسم من شعثاء أرملةومن يتيم ضعيف الصوت والنّظر
للشاعر جرير، من قصيدة «لجت أمامة في لومي وما علمت»
يدعوك دعوة ملهوف كأنّ بهخبلا من الجنّ أو مسّا من النّشر
للشاعر جرير، من قصيدة «لجت أمامة في لومي وما علمت»
ممّن يعدّك تكفي فقد والدهكالفرخ في العشّ لم ينهض ولم يطر
للشاعر جرير، من قصيدة «لجت أمامة في لومي وما علمت»

قال: فبكى عمر، ثم قال: يا ابن الخطفى، من أبناء المهاجرين أنت فنعرف لك حقّهم؟ أم من أبناء الأنصار فيجب لك ما يجب لهم؟ أم من فقراء المسلمين فنأمر صاحب صدقات قومك فيصلك بمثل ما يصل به قومك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ما أنا بواحد من هؤلاء، وإني لمن أكثر قومي مالا وأحسنهم حالا، ولكني أسألك ما عوّدنيه الخلفاء: أربعة آلاف درهم، وما يتبعها من كسوة وحملان، فقال له عمر: كلّ امرىء ملقّى فعله، فأمّا أنا فما أرى لك في مال الله من حقّ، ولكن انتظر، يخرج عطائي فأنظر ما يكفي عيالي سنة منه فأدّخره لهم، ثم إن فضل فضل صرفناه إليك. فقال جرير: لا، بل يوفّر أمير المؤمنين ويحمد وأخرج راضيا، قال: فذلك أحبّ إليّ.

فلما خرج قال عمر: إنّ شرّ هذا ليتّقى، ردّوه إليّ، فردّوه. فقال: إنّ عندي أربعين دينارا وحلّتين، إذا غسلت إحداهما لبست الأخرى، وأنا مقاسمك ذلك، على أنّ الله تعالى يعلم أنّ عمر أحوج إلى ذلك منك. فقال له:

قد وفّرك الله يا أمير المؤمنين، وأنا والله راض، قال له: أما وقد حلفت فإنّ ما وفّرته عليّ ولم تضيّق به معيشتنا آثر في نفسي من المدح، فامض مصاحبا؛ [فخرج]. فقال له أصحابه وفيهم الفرزدق: ما صنع بك أمير المؤمنين يا أبا حزرة؟ قال: خرجت من عند رجل يقرّب الفقراء، ويباعد الشعراء، وأنا مع ذلك عنه راض، ثم وضع رجله في [غرز] راحلته، وأتى قومه فقالوا له: ما صنع بك أمير المؤمنين يا أبا حزرة؟ فقال:

تركت لكم بالشام حبل جماعةأمين القوى مستحصد العقد باقيا
وجدت رقى الشيطان لا تستفزّهوقد كان شيطاني من الجنّ راقيا

- وشكا حارثة بن بدر الغدانيّ فأشرف على الموت، ودخل عليه قومه يعودونه فقالوا: هل لك حاجة أو شيء تريده؟ قال: نعم، اكسروا رجل مولاي كعب لئلا يبرح من عندي، فإنّه يؤنسني، ففعلوا، فأنشأ يقول:

يا كعب صبرا ولا تجزع على أحديا كعب لم يبق منّا غير أجساد
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة
يا كعب ما راح من قوم ولا ابتكرواإلا وللموت في آثارهم حادي
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة
يا كعب ما طلعت شمس ولا غربتإلا تقرّب آجالا لميعاد
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة
يا كعب كم من حمى قوم نزلت بهعلى صواعق من زجر وإيعاد
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة
فإن لقيت بواد حيّة ذكرافاذهب ودعني أمارس حيّة الوادي

- كان أبو دلف بن عيسى العجليّ في جملة من كان مع الأفشين خيذر ابن كاوس لمّا خرج لمحاربة بابك. ثم تنكّر له، فوجّه يوما بمن جاء به ليقتله.

وبلغ المعتصم الخبر، فبعث إليه أحمد بن أبي دواد، وقال له: أدركه وما أراك تلحقه، واحتل في خلاصه كيف شئت.

قال أحمد: فمضيت ركضا حتى وافيت الأفشين، وإذا أبو دلف واقف بين يديه، قد أخذ بيده غلامان تركيّان، فرميت بنفسي على البساط، وكنت إذا جئته دعا لي بمصلّى، فقال: سبحان الله! ما حملك على هذا؟ قلت: أنت أجلستني في هذا المجلس، ثم كلمته في أبي دلف وخضعت له فيه، فجعل لا يزداد إلا غلظة. فلما رأيت ذلك قلت: هذا عبد قد أغرقت في الرّفق به، وليس ينفع إلا أخذه بالرهبة والصّدق، فقمت وقلت: كم تراك قدّرت في نفسك أن تقتل من أولياء أمير المؤمنين واحدا بعد واحد، وتخالف أمره في قائد بعد قائد؟

قد حملت إليك هذه الرسالة عن أمير المؤمنين، فهات الجواب!

قال: فذلّ حتى لصق بالأرض، وبان الاضطراب فيه، فلما رأيت ذلك نهضت إلى أبي دلف، فأخذت بيده وقلت: أخذته بأمر أمير المؤمنين، فقال: لا تفعل يا أبا عبد الله، فقلت: قد فعلت. وأخرجت القاسم فحملته على دابّة ووافيت المعتصم. فلما بصر بي قال: بك يا أبا عبد الله وريت زنادي، ثم ردّ عليّ خبري مع الأفشين حدسا بظنّه، فما أخطأ منه حرفا.

- قال دكين الراجز: امتدحت عمر بن عبد العزيز وهو والي المدينة، فأمر لي بخمس عشرة ناقة كرائم، وكرهت أن أرمي بهن الفجاج، ولم تطب نفسي ببيعهنّ. فقدمت علينا رفقة من مضر، فسألتهم الصحبة، فقالوا: ذاك إليك ونحن نخرج الليلة، فأتيته فودّعته وعنده شيخان لا أعرفهما.

فقال لي: يا دكين، إنّ لي نفسا توّاقة، فإن صرت إلى أكثر ممّا أنا فيه، فاتني ذلك الإحسان، فقلت: أشهد لي بذلك. قال: أشهد الله ﷿، قلت ومن خلقه؟ قال: هذين الشيخين. فأقبلت على أحدهما فقلت: من أنت؟

أعرفك؟ قال: سالم بن عبد الله بن عمر، فقلت له: لقد استسمنت الشاهد؛ وقلت للآخر: من أنت؟ قال: أبو يحيى مولى الأمير. فخرجت إلى بلدي بهن، فرمى الله فيهم بالبركة حتى اعتقدت منهنّ الإبل والعبد. فإني لبصحراء فلج إذا ناع ينعى سليمان. قلت: من القائم بعده؟ قال: عمر بن عبد العزيز.

ولقيني جرير منصرفا من عنده، فقلت: يا أبا حزرة، من أين أقبلت؟ قال: من عند من يعطي الفقراء ويمنع الشعراء، فانطلقت فإذا هو في عرصة الدار وقد أحاط به الناس فلم أخلص إليه [فناديت]:

يا عمر الخيرات والمكارموعمر الدسائع العظائم
للشاعر دكين بن سعيد الدارمي، اقرأ القصيدة
إني امرؤ من قطن بن دارمطلبت ديني من أخي مكارم
للشاعر دكين بن سعيد الدارمي، اقرأ القصيدة
إذ ننتجي والله غير نائمعند أبي يحيى وعند سالم

وقام أبو يحيى فقال: يا أمير المؤمنين، عندي لهذا البدويّ شهادة عليك، فقال:

أعرفها، ادن يا دكين، أنا كما ذكرت لك، إنّ نفسي لم تنل شيئا إلا تاقت لما هو فوقه، وقد نلت غاية من الدنيا فنفسي تتوق إلى الآخرة. والله ما رزأت من أموال الناس شيئا، ولا عندي إلا ألفا درهم فخذ نصفها، قال: فو الله ما رأيت ألفا كانت أعظم بركة منها.

- سفه مروان بن أبي الجنوب على عليّ بن الجهم بحضرة المتوكّل وهجاه بأشعار سخيفة باردة فلم يجبه، ثم قال فيما بعد:

بلاء ليس يشبهه بلاءعداوة غير ذي حسب ودين
للشاعر السهروردي المقتول، اقرأ القصيدة
يبيحك منه عرضا لم يصنهويرتع منك في عرض مصون
للشاعر السهروردي المقتول، اقرأ القصيدة

- شاعر:

تجاف عن الأعداء بقيا فربّماكفيت ولم تجرح بناب ولا ظفر
للشاعر الشريف المرتضى، من قصيدة «تجاف عن الأعداء بقيا فربما»
ولا تبر منهم كل عود تخافهفإنّ الأعادي ينبتون مع الدّهر
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «تجاف عن الأعداء بقيا فربما»
إذا أنت أفنيت النبيه من العدىرمتك الليالي عن يد الخامل الذكر
وهبك اتّقيت السهم من حيث يتّقىفكيف بمن يرميك من حيث لا تدري

- العرب تقول: خفّة الظّهر أحد اليسارين، والغربة أحد السباءين واللبن أحد اللحمين، وتعجيل اليأس أحد اليسرين، والشّعر أحد الوجهين، والراوية أحد الهاجيين، والحمية أحد الموتين.

- أبان اللاحقيّ:

ولن تعرف النفس النعيم وعزّهإذا جهلت حال المذلّة والضرّ

نظر إليه أبو تمام فقال:

والحادثات وإن أصابك بؤسهافهو الذي أدراك كيف نعيمها
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لامته لام عشيرها وحميمها»

- لمّا قتل يحيى بن زيد بن عليّ حمل رأسه إلى الوليد بن يزيد، فأمر به فوضع في حجر أمّه ريطة بنت أبي هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب. فلما قتل مروان بن محمد أتي عبد الله بن عليّ برأسه، فدعا بابنته أمّ مروان فألقى الرأس في حجرها، وقال لها: هل تعرفين هذا؟ قالت: نعم، هذا رأس أمير المؤمنين. فقال: هذا جزاء ما فعلتم بيحيى بن زيد لمّا أتي الوليد برأسه، أمر به فألقي في حجر أمّه، فهذه بتيك.

ولم يزل يحيى مصلوبا حتى خرج أبو مسلم فأمر به فصلّي عليه ودفن، وأمر بالنياحة والبكاء عليه سبعة أيام بمرو. وكان أصل السواد أنّ أبا مسلم أمر بتسويد الثياب للمصيبة. وجعل أبو مسلم يتتبّع قتلة يحيى فيقتلهم.

- قال داود بن رشيد: حدّثني أبي، قال: دعاني المنصور وقد كربه أمر ابراهيم بن عبد الله بن الحسن، فقال لي: يا رشيد، أعدّ لي ألف غلام من نجب غلماني وألف فرس من نجب خيلي، وألف خريطة من مالي، وائتني في وقت كذا من الليل، وهو يريد أن يتوجّه إلى خراسان.

قال: ففعلت ما أمرني، وأتيته فوجدته عليه ثيابه وهو على كرسيّ، فقال لي: ما

صنعت يا رشيد؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه الخيل والغلمان والأموال بالباب.

قال: فقام، وقدّمت إليه فرسه ليركب وأخذت له بالرّكاب، فوضع رجله في الرّكاب وأخذ بمعرفة الفرس ومؤخّر السّرج ليتحامل للركوب. قال: ثم سمعته يقول: فأين تلاعب صبياننا؟ قال: ثم أخرج رجله من الرّكاب وعاد فجلس وقال: يا رشيد، حطّ. قال: ففعلت، وأتاه الخبر أنّ ابراهيم قد قتل.

- قال ابن الكلبيّ: قالت عجوز من العرب لبنات لها ثلاث: صفن ما تحببن من الأزواج. قالت الكبرى: أريده أروع بسّاما، أحذّ مجذاما، سيّد ناديه، وثمال عافيه، ومحسب راجيه، فناؤه رحب، وقياده صعب.

الأحذّ: الخفيف السريع، والمجذام: مفعال من الجذم وهو القطع، تريد أنّه قطّاع للأمور.

وقالت الأخرى: أريده عالي السّناء مصمّم المضاء، عظيم نار، متمّم أيسار، يفيد ويبيد، ويبدىء ويعيد، في الأهل صبيّ، وفي الجيش كميّ، تستعبده الحليلة، وتسوّده الفضيلة.

وقالت الصغرى: أريده بازل عام، كالمهنّد الصّمصام، قرانه حبور، ولقاؤه سرور، إن ضمّ قضقض، وإن دسر أغمض، وإن أخلّ أحمض.

قالت أمّها: فض فوك! لقد فررت [لي] شرّة الشباب جذعة.

- قيل لكثيّر: ما لك لا تقول الشعر، أأجبلت؟ [قال]: والله ما كان ذاك؛ ولكن فقدت الشباب فما أطرب، ورزئت عزّة فما أنسب، ومات ابن ليلى فما أرغب- يعني عبد العزيز بن مروان.

- قال عبد الله بن عليّ بعد قتله من قتل من بني أميّة لاسماعيل بن عمرو ابن سعيد بن العاص: أساءك ما فعلت بأصحابك؟ فقال: كانوا يدا فقطعتها، وعضدا ففتّتّها، ومرّة فنقضتها، وركنا فهدمته، وجناحا فهضته؛ فقال: إني لخليق أن ألحقك بهم، قال: إنّي إذا لسعيد.

- كتب الحسن بن سهل إلى محمد بن سماعة القاضي: أما بعد، فإني احتجت لبعض أموري إلى رجل جامع لخصال [الخير]، ذي عفّة ونزاهة، قد هذّبته الآداب، وأحكمته التجارب، ليس بظنين في رأيه، ولا بمطعون في حسبه؛ إن اؤتمن على الأسرار قام بها، وإن قلّد مهمّا من الأمر أجزأ فيه؛ له سنّ مع أدب ولسان تقعده الرّزانة ويسكّنه الحلم؛ قد فرّ عن ذكاء وفطنة، وعضّ على قارحة من الكمال؛ تكفيه اللحظة، وترشده السّكنة؛ قد أبصر خدمة الملوك وأحكمها، وقام بأمورهم فحمد فيها؛ له أناة الوزراء، وصولة الأمراء، وتواضع العلماء، وفهم الفقهاء، وجواب الحكماء؛ لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده، يكاد يسترق قلوب الرّجال بحلاوة لسانه، وحسن بيانه، دلائل الفضل عليه لائحة، وأمارات العلم له شاهدة؛ مضطلعا بما استنهض، مستقلّا بما حمّل؛ وقد آثرتك بطلبه، وحبوتك بارتياده، ثقة بفضل اختيارك، ومعرفة بحسن تأتّيك.

فكتب إليه:

إني عازم أن أرغب إلى الله حولا كاملا في ارتياد مثل هذه الصفة، وأفرّق

الرّسل الثّقات في الآفاق لالتماسه، وأرجو أن يمنّ الله بالإجابة فأفوز لديك بقضاء حاجتك، والسلام.

- قال معاوية لصعصعة بن صوحان: صف لي الناس، فقال:

خلق الناس أخيافا: فطائفة للعبادة، وطائفة للتجارة، وطائفة خطباء، وطائفة للبأس والنّجدة، ورجرجة فيما بين ذلك يكدّرون الماء ويغلون السّعر [ويضيّقون الطريق].

الرّجرجة: شرار الناس ورذالهم. وأصل الرّجرجة: الماء الذي قد خالطه كدر، وجمعه رجارج.

- دخل الأحنف على معاوية ويزيد بين يديه، وهو ينظر إليه إعجابا به، فقال: يا أبا بحر، ما تقول في الولد؟ فعلم ما أراد، فقال: يا أمير المؤمنين، هم عماد ظهورنا، وثمر قلوبنا وقرّة أعيننا، بهم نصول على أعدائنا، وهم الخلف منّا لمن بعدنا، فكن لهم أرضا ذليلة، وسماء ظليلة؛ إن سألوك فأعطهم، وإن استعتبوك فأعتبهم، لا تمنعهم رفدك فيملّوا قربك، ويكرهوا حياتك، ويستطيلوا أوقاتك.

فقال: لله درّك يا أبا بحر! هم كما وصفت.

قال [إبراهيم] بن التوأم: الروح عماد البدن، والعلم عماد الروح، والبيان عماد العلم.

قال بعض علماء المنطق: الكلام عيار على كلّ صناعة، وزمام على كلّ عبارة، وقسطاس يعرف به الفضل والرّجحان، وميزان تحرّج به الزيادة والنقصان، وكير يميّز به الخالص والشّوب، ويعرف به العين والإبريز، وراووق يعرف به الصّفو والكدر، وسلّم يرتقى به إلى معرفة الكبير والصغير، ويوصل معه إلى الخطير والحقير، وأداة للتفصيل والتحصيل، وإدراك الدقيق

والجليل، وآلة لإظهار الغامض والمشتبه، وكشف الخفيّ والملتبس، وأدلّة للتفضيل بين الحجّة والشّبهة، والجماعة والفرقة، والشذوذ والاستفاضة، والحظر والإباحة، والردّ والمعارضة، وبه يعرف الشكل والضّدّ، والعدل والقصد، ويتغلغل في الأمور الخفيّة، ويتوصّل إلى المعاني العقلية، ويتوغّل إلى حقائق الأشياء ومعاني الأسماء.

- قال الخليل بن أحمد: يكثّر الكلام ليفهم، ويقلّل ليحفظ. وقد قال الشاعر في هذا المعنى:

يرمون بالخطب الطّوال وتارةوحي الملاحظ خيفة الرّقباء
للشاعر أبو دؤاد ابن حريز الإيادي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

يكفي قليل كلامه وكثيرهثبت إذا طال النّضال مصيب
للشاعر أبو وجزة السعدي، اقرأ القصيدة

- قال عبد الرحمن بن السائب الأنصاريّ: جمع زياد أهل الكوفة ليعرضهم على البراءة من عليّ ﵇ والشّتم له، فملأ الرحبة والمسجد والقصر. قال: فأغفيت إغفاءة فرأيت شبحا له عنق مثل عنق البعير أهدل أهدب، فقلت: ما أنت؟ قال: النّقّاد ذو الرّقبة، بعثت إلى صاحب القصر. فانتبهت فزعا فقلت لأصحابي: هل رأيتم ما رأيت؟ قالوا: ما رأينا شيئا، فلم يكن بأسرع من أن خرج علينا خارج من القصر فقال: أيّها الناس، انصرفوا فإنّ الأمير في شغل اليوم.

وإذا هو قد فلج. فقال عبد الرحمن بن السائب:

ما كان منتهيا عمّا أراد بناحتى تناوله النّقّاد ذو الرّقبه
فأسقط الشّقّ منه ضربة ثبتتكما تناول ظلما صاحب الرّحبه

وبلغ الحسن بن عليّ ﵉ ما كان يصنع بشيعة عليّ، فقال: اللهم تفرّد

بموته، فإنّ في القتل كفّارة.

- ولد حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد في الكعبة؛ دخلتها أمّه فاختة بنت زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزّى وهي حامل، فضربها المخاض وهي في الكعبة فولدته فيها، فحملت في نطع، وغسل ما كان تحتها من الثياب عند حوض زمزم، ولم يولد قبله ولا بعده في الكعبة أحد.

روي أنّ عبد الله بن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ فيما يرى النائم نصف النهار أشعث أغبر في يده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت يا رسول الله، ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل أتلقّطه منذ اليوم، قال: فأحصوا ذلك اليوم فوجدوه قد قتل فيه.

وقال سليم القاصّ: لما قتل الحسين بن عليّ مطرت السماء دما عبيطا.

وقال ابن شهاب: لمّا قتل لم يرفع بالشام حجر إلا وجد تحته دم عبيط.

وقال الأعمش: خري رجل على قبر الحسين، فجنّ فمات، فسمع صوته يصيح في القبر كنباح الكلب.

وقال أبو رجاء العطاردي: كان لنا جار، فلما قتل الحسين قال:

قتل الفاسق، فرماه الله ﵎ بكوكبين في عينيه فطمستا.

- لمّا بعث يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المرّي إلى المدينة أباحها وفيها أصحاب رسول الله ﷺ وبقيّته، وبها أمّ سلمة وميمونة زوجتا النبيّ ﷺ.

- قال أبو ميمون العبدي: رأيت أبا سعيد الخدريّ ممعّط اللحية،

فقلت له: أتعبث بلحيتك؟ قال: لا، ولكن هذا ما لقيت من ظلمة أهل الشام؛ دخلوا عليّ زمان الحرّة فأخذوا ما كان في البيت ثم خرجوا، ثم دخلت طائفة أخرى فأخذوا ما كان في [البيت من حلية] أو متاع ثم خرجوا، ثم دخلت طائفة أخرى فلم يصيبوا في البيت شيئا، فأسفوا أن يخرجوا فأضجعوا الشّيخ وأخذ كلّ واحد خصلة من لحيتي، فأنا أتركها حتى أوافي بها ربّ العالمين.

- وجاء عمرو بن عثمان بن عفّان بيزيد بن عبد الله بن زمعة، وجدّته أمّ سلمة زوج النبيّ ﷺ وعلى آله وأصحابه، وكان عمرو بن عثمان قال لأمّ سلمة: أرسلي معي ابن ابنتك ولك عهد الله وميثاقه أن أردّه عليك كما أخذته منك. فجاء به إلى مسلم بن عقبة، فجلس على طرف سريره، فلما تقدّم يزيد بن عبد الله، قال: بايع لعبد الله يزيد أمير المؤمنين على أنكم خوله ممّا أفاء الله عليه بأسياف المسلمين، إن شاء وهب، وإن شاء أعتق، وإن شاء استرقّ. قال له يزيد: والله لأنا أقرب إلى أمير المؤمنين منك، قال: والله لا تستقيلها أبدا. فقال له عمرو بن عثمان: أنشدك الله، فإني أخذته من أمّ سلمة بعهد الله وميثاقه أن أردّه إليها. قال: فركضه برجله فرمى به من فوق السرير وقال: والله لو قلتها ما أقلتك حتى أضرب الذي فيه عيناك. فقتل يزيد بن عبد الله.

- قال سعيد بن المسيّب: مكثت ثلاثة أيام في زمن يزيد بن معاوية أصلّي في المسجد لا يصلّي معي داع ولا مجيب؛ إنّ أهل الشام لا يتركون أحدا بلغ الحلم إلا ضربوا عنقه، وإنّهم يلقونني مقبلا ومدبرا لا يسألونني عن شيء، إذا كان وقت الصلاة سمعت داعيا يخرج اليّ من بيت النبيّ ﷺ، فأعرف أنّه وقت الصلاة، فأقوم فأؤذّن وأصلّي.

- روى أبو سعيد عن النبيّ ﵊ أنّه قال: إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين اتخذوا دين الله دخلا، وعباد الله خولا، ومال الله دولا.

- وروى أبو هريرة قال: أصبح النبيّ ﷺ وهو كالمغضب فقال:

رأيت بني أبي العاص ينزون على منبري هذا نزو القردة، قال: فما رئي رسول الله ﷺ مجتمعا ضاحكا حتى مات صلّى الله عليه.

- وروى الحسن أنّ عليّا ﵇ كان على المنبر فقال: اللهم إنّي ائتمنتهم فخانوني، ونصحتهم فغشّوني، اللهمّ فسلّط عليهم غلام ثقيف يحكم في دمائهم وأموالهم حكم الجاهلية، قال: فوصف الحجاج والله وهو يقول: الذيال الميّال، يحفر الأنهار، يأكل خضرتها، ويلبس فروتها.

- قال عبد الملك بن مروان: كنت أنا وعبد الله بن عمر، وعروة بن الزبير [ومصعب بن الزبير] يوما جلوسا بفناء الكعبة، فقلنا: هلمّوا يتمنّى كل واحد منّا ما يحبّ، فقال عروة بن الزبير: أتمنّى على الله الفقه، وأن يحمل عني الحديث.

وقال مصعب: أتمنّى ولاية العراقين وأن أتزوّج عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين. وقلت أنا: أتمنّى على الله الخلافة. وسكت ابن عمر. فقلنا له:

تمنّ، قال: أتمنّى على الله الجنّة.

فما منّا إلا من بلغ أمنيته في دنياه، ولا أشكّ في أنّ ابن عمر قد نال ما تمنّى.

- لمّا خرج محمد بن عبد الله بن الحسن جاء الخبر إلى المنصور وهو

ببغداد في المضارب وقد بدأ بنيانها في جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين ومائة، وعمّه عبد الله بن عليّ محبوس عنده، فعظم عليه خروجه. فأرسل إلى عمّه بقوم من أهله يستشيره، وكان عبد الله بن عليّ ذا رأي في الحرب، فقال: إنّ المحبوس محبوس الرأي، فأخرجوني يخرج رأيي. فأرسل إليه أبو جعفر: لو جاءني محمد بن عبد الله يضرب عليّ بابي ما أخرجتك وأنا خير لك منه.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.