من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نوادر الأعراب
عشق أعرابي يكنى أبا الصباح أعرابية فجعل يطلبها ولا تمكّنه حتى تزوّجها؛ فلما أراد عجز عنها فقال:
كان أبو الصباح ينزو في وهقمن شدة النّعظ ومن طول القلق
حتى إذا صادف جحرا ذا طبقمارسه حتى إذا ارفض العرق
- سئل أعرابي عن جارية يقال لها زهرة فقيل له: أيسرّك أنّك الخليفة وأنّ زهرة ماتت؟ فقال: لا والله تذهب الأمة وتضيع الأمّة.
- أقبل عيينة بن حصن الفزاري قبل إسلامه إلى المدينة، فلقيه ركب خارجون منها، فقال لهم: أخبروني عن هذا الرجل (يعني النبي ﷺ فقالوا:
الناس فيه ثلاثة: رجل أسلم فهو معه يقاتل قريشا والعرب، ورجل لم يسلم فهو يقاتله وبينهم التذابح، ورجل يظهر له الاسلام إذا لقيه ويظهر لقريش أنه معهم.
قال: ما يسمى هؤلاء؟ قالوا: المنافقون. قال: ليس فيمن وصفتم أحزم من هؤلاء، أشهدكم أني من المنافقين.
- قال الأصمعي: مر أعرابي بقوم يختصمون [فقال: في ماذا
يختصمون؟، قالوا: في مسيل ماء؛ قال: والله ما بلت في موضع مرتين.
- خرج المهدي يتصيد فعار به فرسه حتى دفع إلى خباء أعرابي، فقال:
يا أعرابي هل من قرى؟ قال: نعم، وأخرج فضلة من لبن في كرش فسقاه. ثم أتاه بنبيذ في زكرة فسقاه قعبا، فلما شرب المهديّ قال: أتدري من أنا؟ قال: لا والله، قال: أنا من خدم الخاصّة، قال: بارك الله لك في موضعك. ثم سقاه آخر فشربه، ثم قال: يا أعرابي أتدري من أنا؟ قال: نعم زعمت أنك من خدم الخاصة، قال:
بل أنا من قوّاد أمير المؤمنين، قال: رحبت بلادك وطاب مزادك. ثم سقاه قدحا ثالثا فلما فرغ منه قال: يا أعرابي أتدري من أنا؟ قال: زعمت آخرا أنك من القوّاد، قال: لا ولكني أمير المؤمنين. فأخذ الأعرابي الزكرة فأوكاها وقال: والله لئن شربت الرابع لتقولنّ إنك لرسول الله. فضحك المهدي وأحاطت بهم الخيل، ونزل إليه الملوك والأشراف، فطار قلب الأعرابي فقال له: لا بأس عليك؛ وأمر له بصلة. فقال: أشهد أنك لصادق، لو ادعيت الرابعة لخرجت منها.
- قال بعضهم: رأيت أعرابيا في بعض أيام الصيف قد جاء إلى نهر وجعل يغوص في الماء، ثم يخرج، ثم يغوص، ثم يخرج، وكلما خرج مرّة حلّ عقدة من عقد في خيط كان معه. فقلت: ما شأنك؟ قال: جنابات الشتاء أحسبهن كما ترى وأقضيهنّ في الصيف.
- عضّ ثعلب أعرابيا فأتى راقيا، فقال له الراقي: ما عضّك؟ قال: كلب واستحى أن يقول ثعلب. فلما ابتدأ يرقيه قال: اخلط به شيئا من رقية الثعلب.
- وقال بعضهم: صلّيت في مسجد باهلة بالبصرة، فقام أعرابي يسأل، فأمر له إنسان منهم برغيفين، فرآهما صغيرين رقيقين فلم يأخذهما
ومضى وجاء برغيف كبير حسن وقال: يا باهلة، استفحلوا هذا الرغيف بخبزكم فلعله ينجب.
- قرأ إمام في صلاة إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ
(التكوير:) فلما بلغ إلى قوله «فأين تذهبون» أرتج عليه، فجعل يردّدها، وكان خلفه أعرابي معه جراب، فلما طال عليه الأمر ولم ينبعث تقدم الأعرابيّ فصفعه بالجراب، وقال:
أما أنا فإلى كلواذى وهؤلاء الكشاخنة فلا أدري أين يذهبون.
كان أعرابيّ يفلّي كساءه ويأخذ البراغيث ويدع القمل، فقيل له في ذلك فقال: أبدأ بالفرسان وأكرّ على الرّجالة.
- ورؤي أعرابي يأكل ويخرى ويفلي كساءه، فقيل له: ما تصنع؟
قال: أخرج عتيقا، وأدخل جديدا، وأقتل عدوا.
- رأى أعرابيّ قوما يطلبون الهلال لغرّة شهر رمضان، فقال: أما يكفيكم ظهوره إذا ظهر حتى تطلبوه مكانه، والله لئن أثرتموه لتمسكنّ منه بذنابى عيش أغبر.
- قيل لبعض الأعراب: قد جاء شهر رمضان، فقال: والله لأبدّدنّ شمله بالأسفار.
- دخل عقيل بن علّفة المري على عمر بن عبد العزيز، وكان جافيا،
فقال له عمر: ما أراك تقرأ من كتاب الله شيئا، قال: بلى إني لأقرأ، قال: فاقرأ، فقرأ إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها
(الزلزلة:) فلما بلغ آخرها قرأ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ
، فقال عمر: ألم أقل لك إنّك لا تحسن تقرأ. قال: أولم أقرأ؟ قال: لأنّ الله ﷿ قدّم الخير وأنت قدّمت الشرّ، فقال عقيل:
خذا بطن هرشى أو قفاها فإنهكلا جانبي هرشى لهن طريق
وعقيل هذا من قوم فيهم جفاء وغلظ. مات رجل منهم فكفنه أخواه في عباءة له، وقال أحدهما للآخر: كيف تحمله؟ قال: كما تحمل القربة.
فعمد إلى حبل فشدّ طرفه في عنقه وطرفه في ركبته، وحمله على ظهره. فلما أراد دفنه حفر له حفرة وألقاه فيها، وهال عليه التراب حتى واراه. فلما انصرفا قال لأخيه: يا هناه! أنسيت الحبل في عنق أخي ورجليه، وسيبقى مكتوفا إلى يوم القيامة. فقال له: دعه يا هناه! قال: [إن] يرد الله به خيرا يحلّه.
قيل لأعرابي وقد تزوج بعدما كبر: لم تأخرت عن التزويج؟
فقال: أبادر ابني باليتم قبل أن يسبقني بالعقوق.
- وقيل لأعرابي: ما تقرأ في صلاتك؟ قال: أمّ الكتاب ونسبة الرب وهجاء أبي لهب.
- وسمع آخر يقرأ: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً
(التوبة:) فقال: لقد هجانا. ثم سمعه يقرأ بعده: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
(التوبة:) فقال: لا بأس هجا ومدح، هذا كما قال شاعرنا:
هجوت زهيرا ثم إني مدحتهوما زالت الأعراب تهجى وتمدح
- سرق أعرابيّ غاشية من سرج ودخل مسجدا فقرأ الإمام: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ
(الغاشية:) فقال: اسكت فقد أخذت في الفضول، فقال الإمام: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ
(الغاشية:) فقال: ها هوذا غاشيتكم فلا تخشعوا وجهي.
- شكت أعرابية زوجها إلى صواحب لها، فقلن: طلّقيه. فقالت:
اشهدن أنه طالق. فقلن لها: ثنّي، فقالت: اشهدن أنه طالق ثلاثا. فتخاصموا إلى والي الماء، فتكلّمت فقال: إيها أمّ فلان! لا تجوري فيحاربك، الزمي الطريق المهيع ودعي بنيّات الطريق، كيف قلت؟ قالت: قلت: هو طالق ثلاثا. قال:
فتفكّر القاضي ساعة وقال: أراك تحلّين له ولا أراه يحلّ لك.
- حضر أعرابيّ مجلسا يتذاكرون فيه قيام الليل، فقالوا: يا أبا أمامة، أتقوم بالليل؟ قال: إي والله! قالوا: ما تصنع؟ قال: أبول وأرجع.
- قدم أعرابيّ إلى وال ليشهد على رجل بالزنا فقال: رأيت هذا دائم الأفكل كأنه جمّة غسيل تلسب خصييه وأمّ الغول سطيحة تحته، وهي تغطّ غطيط البكر، ولعابها يهمع، والله أعلم بما وراء ذلك.
- وسئل أبو المغوار وقد قدم ليشهد بمثل ذلك، فقال: رأيت امرأة
صرعى، ورجل أفعى، فوه على فيها، ومسربته على مسربتها، والقنب غائب، والتعقبان يضربان باب المسفعة وهو يردى باسته، والله أعلم بما وراء ذلك.
- دخل أعرابيّ إلى سوق النخّاسين يشتري جارية، فلما أراد الانصراف بها قال النخاس: فيها ثلاث خلال، إن رضيت بهنّ وإلا فدعها. قال: قل.
[قال]: إنها ربما غابت أياما ثم تعود، قال: نعم، قال: لا عليك أنا والله أعلم الناس بأثر الذرّ على الصفا فلتأخذ أيّ طريق شاءت فإنّا نردّها، ثم ماذا؟ قال: إنها ربما نامت فقطرت منها القطرة بعد القطرة؛ قال: كأنك تعني أنّها تبول في الفراش؟ قال: نعم، قال: لا عليك فإنّه لا يتوسّد عندنا إلا التراب، فلتبل كيف شاءت، ثم ماذا؟ قال: إنها ربما عبثت بالشيء تجده في البيت، قال: كأنك تعني أنها تسرق ما تجد؟ قال: نعم، قال: لا عليك فإنها والله لا تجد ما تقوته فكيف ما تسرقه! وأخذ بيدها وانصرف بها.
- رفع أعرابيّ يده بمكة فقال: اللهمّ ارحمني قبل أن يدهمك الناس.
- نظر أمير إلى أعرابيّ فقال له الأعرابيّ: لقد همّ الأمير لي بخير، قال: ما فعلت، قال: فبشرّ، قال: ما فعلت، قال: فالأمير إذن مجنون.
- حضر أعرابيّ عند الحجاج وقدّم الطعام فأكل الناس، ثم قدّمت الحلواء، فترك الحجاج الأعرابيّ حتى أكل منه لقمة، ثم قال: من أكل من هذا ضربت عنقه؛ فامتنع الناس كلّهم وبقي الأعرابيّ ينظر إلى الحجاج مرّة وإلى الفالوذج أخرى، ثم قال: أيها الأمير، استوص بأولادي خيرا، ثم اندفع يأكل.
فضحك الحجاج حتى استلقى وأمر له بصلة.
- كان لعتبة الأعرابية ابن شديد العرامة كثير التقلب إلى الناس مع ضعف أسر ودقّة عظم. فواثب مرّة فتى من الأعراب فقطع أنفه فأخذت عتبة ديّة أنفه فحسنت حالها بعد فقر. ثم واثب آخر فقطع أذنه فزادت ديّة أذنه في حسن الحال والمال. ثم واثب بعد ذلك آخر فقطع شفته فأخذت ديّة شفته. فلما رأت ما قد صار عندها من الإبل والغنم والمتاع والكسب بجوارح ابنها حسن رأيها فيه، وذكرته في أرجوزة لها تقول فيه:
أحلف بالمروة يوما والصفاأنّك خير من تفاريق العصا
قيل لابن الأعرابيّ: ما تفاريق العصا؟ فقال: العصا تقطع ساجورا وتقطع عصا الساجور فتصير أوتادا، ويفرق الوتد فيصير كل قطعة شظاظا، فإن جعلوا رأس الشظاظ كالفلكة كان للبختي مهارا، وهو العود الذي يدخل في أنف البختي، واذا فرّق المهار جاءت منه التوادي.
- وذكر ان أعرابيين طريفين من شياطين الأعراب حطمتهما السّنة فانحدرا إلى العراق، واسم أحدهما حيدان. فبينما هما يتماشيان في السّوق وإذا فارس قد أوطأ دابّته رجل حيدان، فقطع إصبعا من أصابعه، فتعلقا به حتى أخذا منه أرش الإصبع، وكانا جائعين مقرورين، فحين صار [المال] في أيديهما قصدا لبعض الكرابج فابتاعا من الطعام ما اشتهيا، فلما أكل صاحب حيدان وشبع أنشأ يقول:
فلا [غرثة] ما دام في الناس كربجوما بقيت في رجل حيدان إصبع
- وقال أعرابيّ:
وإنّي لمحتاج إلى موت زوجتيولكنّ علق السوء باق معمّر
- وأنشد الأصمعي:
أما والله لو يلقاك أيريقبيل الصبح في ظلماء بيت
إذن لعلمت أن السّحق زوروأنّ الحقّ في رهز الكميت
- وقال رؤبة:
قد كان أيري يا أميم حرّاعند الهياج مسعرا مكرّا
وصار لا يزداد إلا شرّاحتى إذا ما قام واسبطرّا
وانتفخت أوداجه فدرّاعاد إليّ خازنا مزورّا
كأنما أسقط شيئا مرّا
- قال أعرابيّ:
أبى القلب أن يهوى السّدير وأهلهوإن قيل عيش بالسّدير غرير
به البقّ والحمّى وأسد خفيّةوعمرو بن هند يعتدي ويجور
- صار رجل من بني العنبر إلى سوّار القاضي فقال: إن أبي مات وتركني وأخا لي، وخط [خطين] ناحية، [وهجينا] فكيف يقسم المال؟ فقال:
ههنا وارث غيركم؟ قال: لا، قال: المال بينكم أثلاثا. فقال الأعرابي: يأخذ الهجين كما آخذ وكما يأخذ أخي؟ فقال: أجل. فغضب الأعرابيّ ثم أقبل على سوّار وقال: تعلم والله أنّك قليل الخالات بالدهناء. قال سوّار: إذن لا يضرّني ذلك عند الله شيئا.
- كان في وكيع بن أبي سود أعرابية وهوج شديد. فقال يوما وهو يخطب: إنّ الله تعالى خلق السموات والأرض في ستّ سنين. فقال بعض جلسائه في ستة أيام، قال: فداك لقد قلت الأولى وإني لأستقلها.
- سئل رجل عن نسبه فقال: أنا ابن فلان فقال أعرابيّ: الناس تنتسب طولا وأنت تنتسب عرضا.
- صلّى أعرابيّ وأطال الصلاة وإلى جانبه ناس فقالوا: ما أحسن صلاته! [فقطع صلاته] وقال: مع هذا أنا صائم.
- كان أعرابيّ إذا توضّأ غسل وجهه قبل استه، فقيل له في ذلك، قال:
لا أبدأ بالخبيثة قبل الطيّب.
- وقال بعضهم: أتيت لخما وجذاما، وكانوا يقدّمون العروس يصلي بهم سبعة أيام، فقلت لهم: ما هذه السّنّة؟ قالوا: أما سمعت الله تعالى يقول في
كتابه: كاد العروس يكون ملكا.
»
- شهد أعرابيّ عند بعض الولاة على رجل بالزنا فقال له: اشهد أنّك رأيته كالميل في المكحلة، فقال الأعرابي: لو كنت جلدة استها ما شهدت بذلك.
- قال أبو زيد: نظر شيخ من الأعراب إلى امرأته تتصنع وهي عجوز فقال:
عجوز ترجّي أن تكون فتيّةوقد لحب الجنبان واحدودب الظهر
تدسّ إلى العطّار سلعة أهلهاوهل يصلح العطّار ما أفسد الدهر
فقالت امرأته:
ألم تر أن الناب تحلب علبةويترك ثلب لا ضراب ولا ظهر
قال: ثم استغاثت بالنساء، وطلب الرجال فإذا هم خلوف، فاجتمع النساء عليه فضربنه.
الثلب: الكبير الهمّ.
- قال أعرابيّ: خطب منا رجل مغمور امرأة مغموزة، فقيل لوليّ المرأة: تعمّم لكم فزوجتموه. فقال: إنا قد تبرقعنا له قبل أن يتعمّم لنا.
قال الأصمعي: حضرت الصلاة فقال أعرابيّ: حيّ على العمل الصالح، قد قام الفلاح. ثم قام يصلّي فكبّر وقام وقال: اللهمّ احفظ حسبي ونسبي، واردد ضالّتي، واحفظ جملي، والسلام عليك ورحمة الله.
- قامت امرأة من العرب تصلي فقالت: اللهمّ إني أعوذ بك من شرّ قريش وثقيف، ومن شرّ ما جمعت من اللفيف، وأعوذ بك من حرّ ملك أمره، وعبد ملأ بطنه، الله أكبر.
- وقف أعرابيّ يسأل شيئا فقيل له: يا أعرابيّ، هل لك في خير مما تطلب؟ قال: وما هو؟ قال: نعلّمك سورة من القرآن، قال: والله اني لأحسن ما لو حفظته كفاني أحسن منه خمس سور. قال، فقلنا: اقرأ! فقرأ «الحمد لله» «وإذا جاء نصر الله والفتح» «وإنّا أعطيناك الكوثر»، ثم سكت. فقلنا له هذه ثلاث فأين الثنتان؟ قال: إني وهبتهما لابن عمّ لي (يريد أنه علّمهما إياه) ولا والله لا أعود في شيء وهبته أبدا.
- كان أعرابيّان يطوفان بالبيت وأحدهما يقول: اللهمّ هب لي رحمتك، واغفر لي فإنك تجد من تعذّبه غيري ولا أجد من يرحمني غيرك.
فقال له صاحبه: اقصد قصد حاجتك ولا تغمرنا بالناس.
- أصاب أعرابيّ سراويل وهو لا يدري ما هو، فأخذه وأدخل يده في رجل السراويل، وبقي رأسه داخلا، وجعل يقلّبه وليس يدري كيف يلبسه.
فلما أعياه رمى به وقال: ما أظنّ هذا إلا من قمص الشياطين.
سلّم أعرابيّ ابنا له إلى معلّم فقال لابنه: في [أي] سورة أنت؟
فقال: في «قل يا أيّها الكافرون»، قال: بئس العصابة أنت فيهم. ثم غاب فسأله فقال: في «إذا جاءك المنافقون»، فقال: والله ما تنقلب إلا على أوتاد الكفر والنفاق، عليك بنعمك فارعها.
وخفّف أعرابيّ صلاته فقام إليه عليّ ﵇ بالدّرّة وقال:
أعدها. فلما فرغ قال له: أهذه خير أم الأولى؟ فقال: بل الأولى، قال:
لم؟ قال: لأنّ الأولى صلّيتها لله وهذه فرقا من الدّرّة. فضحك علي ﵇.
- مرّ أعرابيّ بآخر فقال: من أين أقبلت يا ابن عمّ؟ قال: من الثّنيّة. قال: فهل أتيتنا منها بخير؟ قال: نعم، سل عما بدا لك. قال:
كيف علمك بحيّي؟ قال: أحسن العلم. قال: هل لك علم بكلبي نفاع؟
قال: حارس الحيّ. قال: فأمّ عثمان؟ قال: بخ بخ ومن مثل أمّ عثمان لا تدخل من الباب إلا متحرمة بالثياب المعصفرات. قال: فعثمان؟ قال:
وأبيك إنه حر [؟] الأسد ويلعب مع الصبيان وبيده الكسرة. قال: فجملنا السقاء؟ قال: إن سنامه ليخرج من الغبيط قال: فالدار؟ قال: وأبيك إنها لحصينة الجناب، عامرة الفناء والرّحاب. ثم قام عنه وقعد ناحية يأكل ولا يدعوه، فمرّ كلب فصاح به وقال: يا ابن العمّ، أين كان هذا الكلب من نفاع؟ قال: أسفا على نفاع، نفاع قد مات، قال: وما أماته؟ قال: أكل من لحم الجمل السقاء فاغتصّ بعظم منه فمات. فقال له: إنا لله، أوقد مات الجمل؟ فما أماته؟ قال: عثر بقبر أمّ عثمان فانكسرت رجله. فقال: ويل أمّك أماتت أمّ عثمان؟ قال: إي والله، أماتها الأسف على عثمان؟ قال:
ويلك، أمات عثمان، قال: إي وعهد الله، سقطت الدار عليه. فرمى الأعرابيّ بطعامه ونثره وأقبل ينتف لحيته ويقول: فأين أذهب؟ قال الآخر:
إلى النار. وأقبل على طعامه يلتقطه ويأكله ويهزأ به ويضحك منه ويقول: لا أرغم الله إلا أنف اللئام.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع