تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

بداية الباب الثامن والأربعون

(الباب الثامن والأربعون في الملح والنوادر) النوادر روّاحة، وبها للمكدود استراحة، لا سيما إذا أثقله عبء الجدّ، وعاد باحتماله كليل الحدّ. وهي صادرة عن مزح قد رخّص فيه، ودعابة لم يخل منها كل شريف ونبيه؛ ولا بأس بها ما لم تكن سفها، ولا غرو والله ﷿ قد وعد في اللّمم بالتجاوز والعفو.

- كان النبي ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقا.

- وقيل لسفيان: المزاح هجنة؟ فقال: بل سنّة، لقوله ﵊: إني لأمزح ولا أقول إلا الحقّ.

- ومن مزحه ﵊ قوله لخوّات بن جبير الأنصاري ما فعل جملك الشرود؟ قال: عقله الاسلام.

- وسمع ﷺ رجلا يقول:

هل عليّ ويحكماإن لهوت من حرج
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «يا مليحة الدعج»

فقال: لا حرج إن شاء الله.

وروي أنه قال هذا لسيرين جارية حسان بن ثابت، وكانت سيرين أخت مارية أمّ ابنه إبراهيم ﵇. وكان المقوقس أهداهما إليه ﷺ، فوهب سيرين لحسان وسمعها تغنّي بهذا الشعر في أطم حسّان، فقال ذلك.

- وقال ﷺ لرجل استحمله: نحن حاملوك على ولد النوق قال: لا تحملني، قال: أليس الإبل من ولد النوق؟

- وقال ﷺ: ينال العبد بحسن الخلق أجر الصائم القائم.

- ووجد ﷺ صهيبا يوما وعينه تشتكي، فقال: يا صهيب تأكل التمر على علة عينك؟ فقال يا رسول الله إنما آكله من شقّي الصحيح. فضحك ﷺ حتى بدت نواجذه.

- وأصبح ﷺ يوما متغير الوجه، فقال بعض أصحابه لأضحكنّه، فقال: بأبي أنت وأمي، بلغني أنّ الدجال يخرج والناس جياع فيدعوهم إلى الطعام، أفترى إن أدركته أن أضرب في ثريدته حتى اذا تضلّعت آمنت بالله وكفرت به أم أتنزّه عن طعامه؟ فضحك ﷺ وكان ضحكه التبسّم- وقال:

بل يغنيك الله تعالى يومئذ بما يغني المؤمنين.

- وقال ﷺ لامرأة من الأنصار: إلحقي زوجك ففي عينه بياض.

فسعت المرأة نحو زوجها مرعوبة، فقال لها: ما دهاك؟ قالت: إن النبيّ ﷺ قال لي إن في عينك بياضا. قال الرجل: إن في عيني بياضا لا لسوء.

- وأتته عجوز أنصارية فقالت يا رسول الله: ادع لي بالجنة، فقال لها: أما علمت أنّ الجنّة لا يدخلها العجز، فصرخت، فتبسّم ﷺ وقال لها: أما قرأت إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً

(الواقعة:).

- وروي أن رجلا عدا على امرأة فقبلها فأتت النبي ﷺ فشكت ذلك إليه فقال: ما تقول هذه؟ قال: صدقت يا رسول الله فأقصّها. فتبسّم ﷺ وقال:

أو لا تعود. فقال: لا أعود.

نظر إلى هذا المعنى ابن سيابة فقال من أبيات هزل فيها:

لئن لمتك يومافأبصرتني رحاص
هجرتني وأتتنيمسبّة وانتقاص
فهاك فاقتصّ منيإن الجروح قصاص
للشاعر سليمان بن وهب، اقرأ القصيدة

- نظر عمر بن الخطاب ﵁ إلى أعرابيّ يصلّي صلاة خفيفة، فلما قضاها قال: اللهمّ زوّجني بالحور العين. فقال عمر: أسأت النقد وأعظمت الخطبة.

- وقال علي ﵇: لا بأس بالفكاهة يخرج منها الرجل عن جدّ العبوس.

- وأتاه رجل برجل فقال: إن هذا زعم أنه احتلم على أمّي، فقال:

أقمه في الشمس فاضرب ظله.

- روي عن أبي الدرداء أنه كان لا يتحدث إلا وهو يبتسم في حديثه.

- وكان ابن عباس ﵁ إذا أكثر عليه في مسائل القرآن والحديث يقول: أحمضوا، يريد خذوا في الشعر وأخبار العرب.

- وقيل: ضاف سلمان الفارسي ﵀ رجل فقدم إليه كسرا وملحا، فلما أكل وشبع قال: رضيت بما قسم الله تعالى لك لم ترهن للزكاة.

- وقال ابن عمر ﵁ لجارية وأراد مزاحها: خلقني خالق الكرام وخلقك خالق اللئام.

- سئل النخعي: هل كان أصحاب رسول الله ﷺ يضحكون؟

قال: نعم والإيمان في قلوبهم مثل الجبال الرواسي.

- وكان نعيمان أحد الصحابة البدريين مزّاحا. روي أنه خرج مع أبي بكر ﵁ فضحك، وكان في الجملة سويبط- وهو بدريّ أيضا وكان سويبط على الزاد- فقال نعيمان: أطعمني، فقال لا حتى يأتي أبو بكر، فقال نعيمان: والله لأغيظنّك، وجاء إلى ناس جلبوا ظهرا، فقال: ابتاعوا مني غلاما عربيّا فارها، وهو دعّاء له لسان لعلّه يقول: أنا حرّ، فإن كنتم تاركيه لذلك فدعوه لا تفسدوا عليّ غلامي. قالوا: بل نبتاعه منك بعشر قلائص. فأقبل

بها يسوقها وأقبل بالقوم حتى عقلها، ثم قال لهم: دونكم! هو هذا. فجاء القوم فقالوا: قد اشتريناك، فقال سويبط: هو كاذب أنا رجل حرّ. قالوا: قد أخبرنا خبرك. فوضعوا الحبل في عنقه وذهبوا به. فجاء أبو بكر ﵁ فأخبر بذلك، فذهب هو وأصحاب له فرّدوا القلائص، وأخبروا بذلك رسول الله ﷺ فضحك منه حولا.

- وأهدى نعيمان إلى النبي ﷺ جرّة عسل اشتراها من أعرابيّ بدينار، وأتى بالأعرابي باب النبي ﷺ وقال: خذ الثمن من ههنا. فلما فتحها النبي ﷺ نادى الأعرابيّ: ألا أعطى ثمن عسلي؟ فقال رسول الله ﷺ: إحدى هنات نعيمان، وسأله: لم فعلت هذا؟ قال: أردت برّك ولم يكن معي شيء.

فتبسم النبي ﷺ وأعطى الأعرابيّ حقه.

- شكى عيينة بن حصن إليه صعوبة الصيام عليه، فقال: صم بالليل. وروي أنه دخل عيينة على عثمان وهو يعطي في شهر رمضان، فقال:

العشاء! فقال: أنا صائم. قال عثمان: أتصوم بالليل؟ قال: هو أخفّ عليّ.

فيقال إن عثمان قال: إحدى هنات نعيمان.

- ومرّ نعيمان يوما بمخرمة بن نوفل الزبيري وهو ضرير فقال له: قدني حتى أبول. فأخذ بيده حتى إذا كان في مؤخّر المسجد قال: اجلس، فجلس يبول.

وصاح به الناس يا أبا المسور، إنك في المسجد. فقال: من قادني؟ قيل: نعيمان؛ قال: لله عليّ أن أضربه ضربة بعصاي إن وجدته. فبلغ ذلك نعيمان، فجاء يوما فقال يا أبا المسور: هل لك في نعيمان؟ قال: نعم، قال: هو ذا يصلي، وجاء بيده وأتى به إلى عثمان وهو يصلّي، فقال: هذا نعيمان، فعلاه بعصاه، وصاح به الناس

ضربت أمير المؤمنين. فقال: من قادني؟ قال: نعيمان قال: لا جرم لا عرضت له بشرّ أبدا.

- وقال عطاء بن السائب: كان سعيد بن جبير يقصّ علينا حتى يبكينا وربما لم يقم حتى يضحكنا.

- قيل إن عمر بن عبد العزيز لم يمزح بعد الخلافة إلا مرتين: إحداهما أن عديّ بن أرطأة كتب إليه يستأذنه في أن يتزوّج ابنة أسماء بن خارجة، فكتب إليه عمر: أما بعد فقد أتاني كتابك تستأذن في هند، فإن يك بك قوة فأهلك الأوّلون أحقّ بك وبها، وإن يك بك ضعف فأهلك الأوّلون أعذر لك، ولكن الفزاري والسلام. يريد بذلك قول الفزاري:

إنّ الفزاريّ لا ينفكّ مغتلمامن النواكة دهدارا بدهدار

وأما الثانية فإن رجلا من أهل أمج [يقال له حميد] هجاه ابن عم له فقال:

حميد الذي أمج دارهأخو الخمر والشيبة الأصلع

فقدم حميد بعد ذلك على عمر [فلم يعرفه فقال له: من أنت؟ قال: أنا حميد.

فقال عمر:] الذي أمج داره. فقال: والله ما شربتها منذ عشرين سنة. فقال:

صدقت، وإنما أردت ان أبسطك. وجعل يعتذر إليه.

- سأل رجل الشعبيّ عن المسح على اللّحية فقال: خلّلها بأصابعك فقال: أخاف أن لا تبلّها. قال الشعبيّ: إن خفت فانقعها من أولّ الليل.

- وسأله آخر هل يجوز للمحرم أن يحكّ بدنه؟ قال: نعم؛ قال:

مقدار كم؟ قال: حتى يبدو العظم.

- وروي في حديث النبي ﷺ تسحّروا ولو بأن يضع أحدكم إصبعه على التراب ثم يضعها في فيه. فقال رجل: أي الأصابع؟ فتناول الشعبي [إبهام رجله] وقال: هذه. وأشار بيده إلى المرأة.

- قيل لسفيان الثوري: المزح هجنة؟ قال: بل سنّة.

- وجاء رجل إلى أبي حنيفة ﵁ فقال له: اذا نزعت ثيابي ودخلت النهر لأغتسل، فإلى القبلة أفضل أتوجه أم إلى غيرها؟ فقال له: الأفضل أن يكون وجهك إلى ثيابك التي تنزعها لئلا تسرق.

- قال عثمان الصيدلاني: شهدت إبراهيم الحربي وقد أتاه حائك يوم عيد فقال: يا أبا إسحاق، ما تقول في رجل صلّى صلاة العيد ولم يشتر ناطفا، ما الذي يجب عليه؟ فتبسّم إبراهيم ثم قال: يتصدق بدرهمين. فلما مضى قال: ما علينا أن نفرّح المساكين من مال هذا الأحمق.

- أقرّ رجل عند شريح بشيء ثم ذهب لينكر، فقال شريح: فقد شهد عليك ابن [أخت] خالتك.

- واشترى رجل من رجل شياها فإذا هي تأكل الذباب، فخاصمه إلى شريح فقال: لبن طيّب وعلف مجان.

- قال الأعمش لجليس له: تشتهي بنانيّ زرق العيون، بيض البطون، سود الظهور، وأرغفة باردة لينة وخلا حاذقا؟ قال: نعم قال:

فانهض بنا. قال الرجل: فنهضت معه. ودخل ودخلت معه، فقال: جرّ تلك السلّة، فكشطتها فإذا فيها رغيفان يابسان وسكرّجة كامخ نبيت، فجعل يأكل وقال: تعال وكل. قال، فقلت: فأين السمك؟ قال: ما قلت لك عندي وإنما قلت لك: تشتهي ذلك؟

- قال المنصور يوما لعبد الله بن عياش المنتوف: قد بغّضت إليّ صورتك عشرتك، وكفرت بالله لئن نتفت شعرة من لحيتك لأقطعنّ يدك.

فأعفاها حتى اتّصلت. فكان عنده يوما وحدّثه بأحاديث استحسنها، فقال له:

سل حاجتك. فقال: نعم يا أمير المؤمنين، لحيتي تقطعني إياها أعمل بها ما أريد. فضحك المنصور وقال له: قد فعلت.

- مرّ شريح برجل بمجلس لهمدان فسلّم فردّوا السلام عليه، وقاموا فرحّبوا به، فقال: يا معشر همدان، إني لأعرف أهل بيت منكم لا يحلّ لهم

الكذب. قالوا: من هم يا أبا أمية؟ فقال: ما أنا بالذي أخبركم. فجعلوا يسألونه وتبعوه ميلا أو قرابة ميل يقولون: يا أبا أمية من هم؟ وهو يقول: لا أخبركم.

فانصرفوا عنه وهم يتلهّفون [ويقولون]: ليته أخبرنا بهم.

- وحج الأعمش فلما أحرم لاحاه الجمّال في شيء فرفع عكّازه فشجّه بها، فقيل له: يا أبا محمد وأنت محرم؟ قال: إن من تمام الإحرام شجّ الجمّال.

- وقال ابن عياش: رأيت على الأعمش فروة مقلوبة صوفها إلى خارج، فأصابنا مطر فمررنا على كلب فتنحّى الأعمش وقال: لا يحسبنا شاة.

- وقال عيسى بن موسى، وهو يلي الكوفة، لابن أبي ليلى: اجمع الفقهاء واحضروني. فجاء الأعمش في جبة فرو، وقد ربط وسطه بشريط، [فأبطأوا] فقام [الأعمش] وقال: إن أردتم أن تعطونا شيئا وإلا فخلّوا سبيلنا.

فقال عيسى لابن أبي ليلى: قلت لك تأتيني بالفقهاء فجئتني بهذا؟ فقال: هذا سيّدنا الأعمش.

- وقيل للأعمش ما تصنع عند مظهر أخي يقطين؟ فقال: آتيه كما آتي الحشّ إذا لي إليه حاجة.

- وكان بين الأعمش وبين امرأته وحشة، فسأل بعض أصحابه ان يرضيها ويصلح بينهما. فدخل إليها وقال: إن أبا محمد شيخنا وفقيهنا، فلا يزهّدنّك فيه عمش عينه وحموشة ساقيه، وضعف ركبتيه، وقزل رجليه، ونتوء جبينه، وبخر فيه. فقال الأعمش: قم عنا قبّحك الله فقد أريتها من عيوبي ما لم تكن تعرفه وتبصره.

- كان ابن أبي عتيق- وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق- مع عفافه وشرفه وورعه ماجنا ظريفا له نوادر مستظرفة تكاد أن تبلغ به حدّ الخلاعة.

قالت له جاريته يوما: إن فلانا القارىء- وكان يظهر النّسك- قد قطع عليّ الطريق وآذاني ويقول لي: أنا أحبّك. فقال لها: قولي له: وأنا أيضا أحبّك ثم واعديه المنزل. ففعلت وأدخلته المنزل؛ وكان قد واعد جماعة من أصحابه ليضحكوا من الرجل. ودخلت الجارية إلى البيت الذي فيه الرجل، فدعاها فاعتلّت عليه فاحتملها وضرب بها الأرض، فدخل عليه ابن أبي عتيق وأصحابه وقد تورّكها. فخجل وقام، وقال: يا فسّاق، ما تجمّعتم ههنا إلا لريبة. فقال ابن أبي عتيق: استر علينا ستر الله عليك.

- ومر ابن أبي عتيق بعبد الله بن عمر فقال له: ما تقول في إنسان هجاني فقال لي:

أذهبت مالك غير متّركفي كل مومسة وفي الخمر
ذهب الإله بما تعيش بهوبقيت وحدك غير ذي وفر

فقال: أرى أن تأخذ بالفضل وتصفح. فقال له ابن أبي عتيق: أنا والله أرى غير ذلك. قال: وما هو؟ قال: أرى أن أنيكه. فقال: سبحان الله، ما تترك الهزل! وافترقا ثم لقيه ابن أبي عتيق بعد ما ظنّ أن ابن عمر قد نسي، فقال له: أتدري ما فعلت بذلك الانسان؟ قال: أيّ إنسان؟ قال: الذي أعلمتك أنه هجاني؛ قال:

ما فعلت به؟ قال: كل مملوك لي حرّ إن لم أكن نكته. فأعظم ذلك ابن عمر واضطرب؛ فقال له ابن أبي عتيق: امرأتي والله التي قالت الشعر وهجتني.

وامرأته أمّ إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله.

- وقع بين حيين من قريش منازعة، فخرجت عائشة- ﵂ على بغل لها فلقيها ابن أبي عتيق فقال: إلى أين جعلت فداك؟ قالت:

أصلح بين هذين الحيين؛ فقال: والله ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل، فكيف إذا قيل يوم البغل؟ فانصرفت.

- كان ابن أبي عتيق يتعشى ومعه رجل من الأنصار، فوقع حجر في الدار وآخر وثالث، فقال لجاريته: اخرجي فانظري اذّنوا للمغرب! فخرجت وجاءت بعد ساعة فقالت: أذنوا وصلّوا. فقال له الرجل الذي كان عنده: أليس قد صلّينا قبل أن تدخل؟ قال: بلى، لو لم أرسلها تسأل عن ذلك لرجمنا إلى الغداة. قال: أفهمت؟ قال: نعم فهمت.

كان أبو هريرة إذا استثقل رجلا قال: غفر الله له وأراحنا منه.

- جاء رجل إلى الشعبي فقال: أصاب ثوبي التوت، قال: اغسله، قال: بم أغسله؟ قال: بالخلّ والأنجذان.

- مرّ أبو سفيان بعد إسلامه بأحد فقيل له: أي ملك ههنا؟ قال:

والآن لو وجدت رجالا.

وهذا الكلام وإن كان ظاهره المزح فغير مستبدع من أبي سفيان أن يكون جدّا.

- قال رجل لأبي يعقوب فقيه سجستان: إذا شيّعنا جنازة فقدّامها أفضل أن نمشي أم خلفها؟ فقال: اجهد أن لا تكون عليها وامش حيث شئت.

- قيل للأعمش: ما أعمش عينيك؟ فقال: النظر إلى الثقلاء.

ماشى شرحبيل بن السمط معاوية فراثت دابّته، وكان عظيم الهامة بسيط القامة، فقال له معاوية: يا أبا يزيد، يقال إن الهامة إذا عظمت دلّت على وفور الدماغ وصحّة العقل. فقال: نعم يا أمير المؤمنين إلا هامتي فإنها عظيمة وعقلي ناقص ضعيف. فتبسّم معاوية وقال: كيف ذلك لله درّك؟ قال:

لإقضامي هذا النائك أمّه مكوكي شعير. فضحك وحمله على دابّة من مراكبه.

- أكل عذريّ مع معاوية فرأى ثريدة كثيرة السمن فجرّها بين يديه فقال معاوية: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها

(الكهف:) فقال: فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ

(فاطر:).

- وروي عن بعض المسجونين قال: كنا مع ابن سيرين في السجن فكان يمر بنا ونحن نلعب الشطرنج فيقوم قائما فيقول: ادفع الفرس! افعل كذا!.

- ويروى أن ابن سيرين كان ينشد:

نبّئت أنّ فتاة كنت أخطبهاعرقوبها مثل شهر الصّوم في الطول

ويضحك حتى يسيل لعابه.

- وقد روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: كنت ألعب الشطرنج مع

صديق لي في بيته حين خفت الحجاج.

- قال الأصمعي: شهرت بالأدب، ونلت بالملح.

- وقد مدح الشعراء اللعب في موضعه كما مدح الجدّ في موضعه. قال الأبيرد:

إذا جدّ عند الجدّ أرضاك جدّهوذو باطل إن شئت ألهاك باطله
للشاعر زينب بنت الطثرية، اقرأ القصيدة

وأنشد أبو تمام:

الجدّ شيمته وفيه فكاهةطورا ولا جدّ لمن لم يلعب

- قيل للشعبي: كيف بتّ البارحة؟ فطوى كساءه في الأرض ثم نام عليه وتوسّد يده وقال: هكذا أبيت.

- قال المأمون ليحيى بن أكثم: يا أبا محمد من الذي يقول:

قاض يرى الحدّ في الزناء ولايرى على من يلوط من باس
للشاعر دعبل الخزاعي، اقرأ القصيدة

قال: من لعنه الله، أوما تعرفه يا أمير المؤمنين؟ قال: لا. قال: هو أحمد بن [أبي] نعيم الذي يقول:

لا أحسب الجور ينقضي وعلى الأمّة وال من آل عبّاس

فخجل المأمون وقال: لعنه الله! ينفى إلى السند.

- وأولم المتوكل فلما أراد اللعب قال ليحيى بن أكثم: انصرف، قال: لم يا أمير المؤمنين؟ قال: لأنا نخلط، فقال: أحوج ما تكونون إلى قاض إذا خلّطتم. فاستظرفه المتوكل وأمر بغلف لحيته، ففعل. فقال: إنّا لله، ضاعت الغالية، هذه كانت تكفيني دهرا لو دفعت إلي. فضحك المتوكل وأمر له بزورق ذهب مملوء غالية ودرج بخور في كمه وانصرف.

- واستأذن يحيى على المتوكل وهو يلعب مع الفتح بن خاقان بالنرد، فغطّيت الرقعة بمنديل. فقال له المتوكل: إني كنت ألاعب الفتح فكره دخولك واحتشمك؛ فقال: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكن خاف أن أعلّمك عليه، فضحك وأمر له بمال.

- وقال عبادة ليحيى بن أكثم، وهما عند المأمون: علمني فرائض الصلب فإني أشتهيها. فقال المأمون وتبسّم: ما تقول في مسألته؟ قال: قد أخطأ إنما يسأل هذا في الصبا، أما سمع قول القائل:

وإنّ من أدّبته في الصباكالعود يسقى الماء في غرسه
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة

انما يعلّم الحدث بشرط أن يكون وضيئا زكيا سهل الأخلاق، فإن كان له ابن بهذا الشرط علمناه. وقال عبادة: لو دخلت في صناعتنا لم يقم بك أحد. فقال يحيى: فأنا خارج عنها وما بأحد عليّ قوة.

- ما سمع للمهتدي مزحة سوى قوله لسليمان بن وهب، وفي رجله خف واسع يصوّت: يا سليمان خفّك هذا ضرّاط، وهو يعرض بضرطة وهب

التي طار خبرها في الآفاق وعلى ألسن الشعراء. فقال: يا أمير المؤمنين ضرطة خير من ضغطة.

- سئل الشعبي عن لحم الشيطان فقال: نحن نرضى منه بالكفاف.

فقيل له: ما تقول في [أكل] الذباب؟ قال: إن اشتهيته فكله.

كان القاضي أبو بكر بن محمد بن عبد الرحمن بن قريعة من أهل الأدب والفضل والعلم، وكان حلو المداعبة وله نوادر مدونة. وكان في دار المهلبي وقد نزع القاضي دنّيته وتركها إلى جنبه. فجاء أبو إسحاق الصابي وجلس إلى جانبه وأخذ المروحة ليتروح وضرب الدنّية بالمروحة دفعات كأنه ينفضها من التراب، والقاضي في الصلاة، فخفّف ثم قال له: يا أبا إسحاق أما إنها لو كانت في مقرّ عزّها لعزّ عليك ما هان من أمرها. ثم عاد إلى صلاته.

- صنّف المرتضى كتابا وسماه الذخيرة فاستعاره البصروي ينسخه، فلما أراد الخروج قال له المرتضى: يا أبا الحسن، الذخيرة عندك؟ فعاد وقال: يا سيّدنا، هذا الكتاب! فقال له: لم عدت وأخرجت الكتاب؟ فقال له: يا سيّدنا، تقول لي بمحضر من السادة الأولاد: الذخيرة عندك! ما الذي يؤمّنني من مطالبتهم بعد أيام؟ فتبسم المرتضى.

وإذ قد ذكرت جملة من مزح الأفاضل والاشراف وفكاهتهم، وذكرت في آخر كلّ باب نوادر تناسبه وتليق به، فأنا أثبت ههنا من النوادر ما شذّ عن تلك الأبواب وأنسبه إلى قائله، وأفرد كلّ جنس منهم بفصل، فيشتمل الباب بعد الفصل على اثني عشر فصلا وهي: نوادر الأعراب، نوادر الشعراء

والأدباء، نوادر الظرفاء، نوادر المواجن النساء، نوادر في التعصّب والتحزّب، نوادر المخنثين، نوادر ذوي العاهات، نوادر البلغاء، نوادر الأغبياء والجهلاء وتصحيفهم وغلطهم وغيّهم، نوادر المتنبّئين والقصّاص والمخرقين، نوادر المجانين، نوادر السّفلة وأصحاب المهن والسوقة.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.