تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

نوادر المخنثين

- نظر مخنّث إلى رجل دميم الوجه، فقال: وجهك هذا نموذج جهنّم أخرج إلى الدنيا.

- دخل مخنّث على العريان بن الهيثم، وهو أمير الكوفة، فقالوا: إنه يفعل ويصنع. فقال له العريان: يا عدوّ الله لم تفعل هذا؟ قال: كذبوا عليّ أيها الأمير كما كذبوا عليك. فغضب العريان وقال: ما قيل فيّ؟ قال: يسمّونك العريان، وعليك عشرون قطعة ثيابا. فضحك وخلاه.

- مرّت امرأة بمخنّث حسن الوجه ومعها ابنة لها، فقالت: ليت لابنتي حسن وجهك، قال: وحلاقي ؟ قالت: تعست! قال: فتأخذين من ما صفا وتدعين ما كدر؟

- تاب مخنّث فلقيه مخنّث آخر فقال: يا فلان، أيش حالك؟ قال:

قد تبت، قال: فمن أين معاشك؟ قال: بقيت لي فضلة من الكسب القديم فأنا أمزمزها، قال: إذا كانت نفقتك من ذلك الكسب فلحم الخنزير طريّ خير منه قديد.

- قال الجمّاز: مات مخنّث يقال له قرنفل، فرآه في النوم إنسان وكأنه يقول: أيش خبرك يا قرنفل؟ قال: إلى النار، قال: ويلك فمن يودك في النار؟ قال: ثمّ يزيد بن معاوية ليس يقصّر في أمري.

- كان سكران يبكي ويقول: لو عرفت قتلة عثمان. فقال له مخنث: وما كنت تصنع بهم؟ قال: كنت أنيكهم. فقال المخنث: أنا قتلته، فامتطاه وقال: يا ثارات عثمان! فقال المخنّث من تحته: إن كنت وليّ الدم وهذه

عقوبتك فإني أقتل كلّ يوم عثمان.

- ومرّ الطائف بالمدينة بمخنّثين فأراد أن يقول خذوهما فقال:

نيكوهما، ثم قال: اضربوهما. فقال أحدهما: قد سبقت رحمتك عذابك فلا ترجع.

- قال مخنث لأبي عبّاد وكان قبيحا ومعه أخ صبيح: ما أمّك إلا شجرة البلّوط تحمل سنة بلّوطا وسنة عفصا.

باع مزبّد حمارا فأقبلوا يقلّبونه فقال: والله لو قلّبتم عين الشمس هذا التقليب لأخرجتم منها صدأ.

- كسا مزبّد امرأة له ثوبا فقالت: هذا حسن، فقال: الطلاق أحسن منه، قالت: فطلّق، فقال لها: فأنت طالق ثلاثا. فسجدت. فقال لها:

إن كنت وضعت جبهة خاشعة فقد رفعت إستا نادمة.

حجّ مخنّث فرأى رجلا قبيح الوجه يستغفر، فقال: يا حبيبي ما أرى لك أن تبخل بهذا الوجه على جهنّم.

- قيل لقرقر المخنّث: أبو من؟ قال: أبو محمد.

- رقي مخنّث جبل لكام على أن يتعبّد فيه. فأخذ زاده وصعد وسار على مهل، فنفد زاده وتطلّع إلى أسفل فإذا هو قد قطع أكثره. فنظر إلى الجبل وقال: اشماتتي بك يوم أراك كالعهن المنفوش! - نظر مخنّث إلى رجل يغسل استه ويستقصي جدا، فقال له: عافاك

الله! تريد أن تشرب بها سويقا؟.

- حجّ مخنّث فرأى إنسانا قبيحا يرمي الجمار، فقال له: بأبي أنت! لست أشير عليك أن تعود إلى هذا المكان. قال: ولم، ألست مسلما؟ قال المخنّث: بلى، ولكن لا أرى أن تبخل على أهل النار بهذا الوجه.

- ونظر رجل إلى أير ابنه في الحمام، وهو كبير، فضربه وقال: إنما طال أيرك من كثرة ما يفعل بك. فقال مخنّث كان معه في الحمام: لا تفعل، فلو كان هذا حقّا كان أيري وبظر أمّه قد بلغا مكة طولا.

»

- جمع مخنّث بين نفسين فأخذوا جميعا، وأفرج عنهما ورفع المخنّث إلى السلطان، فسأله عن قصّته، فقال: هؤلاء وجدوا طائرين في قفص فخلّوا الطائرين وحبسوا القفص.

- رأى عبادة دينار بن عبد الله وقد ولي مصر فقال: يا فرعون ارفع رأسك وانظر من ندب مكانك.

- سمع مخنّث رجلا يقرأ قراءة قبيحة، فقال: أظنّ أنّ هذا القرآن الذي يزعم ابن أبي دواد أنّه مخلوق.

- قيل لمخنّث: كيف ترى الدنيا؟ فقال: مثلنا، يوما عند الأسخياء ويوما عند البخلاء.

- طلب رجل منزلا يكتريه، فجاء إلى باب دار ودفعه وقال: لكم

منزل للكرا؟ وإذا في الدار مخنّث وفوقه رجل، فصاح المخنّث: أليس ترانا بعضنا فوق بعض من ضيق المكان؟ من أين لنا منزل نكريه؟

- رأى إنسان مخنّثا ينتف لحيته، فقال له: ويلك! لأيّ شيء تنتف لحيتك؟ قال: أيسرّك أن مثلها في استك؟ قال: لا، قال المخنث: فشيء تأنف منه لاستك، لا آنف لوجهي منه؟

- ألزم المتوكل عبادة في يوم من شهر رمضان أن يقرأ في المصحف.

فقرأ وجعل يصحّف ويغلط حتى بلغ إلى قوله ﷿: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ

(الحج:) فصحّفه وقرأ: وبشّر المخنثين، فطرده.

- قال حمزة النوفلي: صلى الدّلال المخنّث إلى جنبي في المسجد فضرط ضرطة كبيرة هائلة، فسمعها من في المسجد فرفعنا رؤوسنا وهو ساجد يقول في سجوده: سبّح لك أعلاي وأسفلي، رافعا بذلك صوته، فلم يبق في المسجد أحد إلا فتن وقطع صلاته بالضحك.

- وقال رجل للدلال أن يزوّجه امرأة فزوّجه. فلما أعطاه صداقها وجاء بها عليه ودخلت عليه قام إليها يواقعها، فضرطت قبل أن يطأها، فكسل عنها ومقتها وأمر بها فأخرجت وبعثت إلى الدلال، فعرّفه ما جرى عليه، فقال له الدلال: فديتك! هذا كلّه من عزّة نفسها. فقال: دعني منك فإني قد أبغضتها اردد عليّ دراهمي. فرد بعضها فقال له: لم رددت بعضها وقد خرجت كما دخلت؟ قال: للروعة التي أدخلتها على استها. فضحك وقال: اذهب وأنت أقضى الناس وأفقههم.

قيل: كان مزبّد يسبق الحاجّ في كلّ عام، وكان يجيء في ثلاث على رجليه. قال: فتزوّج بامرأة ولها صديق صرّاف يختلف إليها في غيبة مزبّد.

وتأخّر مزبّد عن وقته الذي كان يجيء فيه لعلّة أصابته. فظنّ الصراف أنه قد مات أو أصابته بليّة، فأقام في ذلك اليوم عندها ولم يبرح. وجاء مزبّد ودخل على الوالي وخبّره بقصة الحاجّ وانصرف إلى منزله، فدنا من الباب واطّلع من كوة فيه، وإذا الصرّاف مع امرأته في البيت، فلم يستفتح الباب، ومضى من وقته إلى المخنّثين- وكانوا لا يعصونه- فدعاهم فأجابوه، فوقف على بابه وأمرهم فضربوا بطبولهم وزمروا، واجتمع الناس فأقبلوا يقولون له: يا أبا إسحاق ما حدث؟ فيقول: تزوّجت امرأتي. فيقولون: ما بك؟ وما هذه القصة؟ فلا يخبرهم باسمه. قال: فجاء الصرّاف إلى الباب فقال: يا أبا إسحاق، فأذن لي أن أكلّمك. فدنا فقال: اتّق الله من الفضيحة وأنا أفتدي. قال: فافعل، واردد عليّ نفقتها ومهرها نقدا فقد أفسدتها. قال: وكم ذاك؟ قال: خمسون دينارا. قال:

فكتب رقعة إلى غلامه في السوق، ودفعها إليه من تحت الباب، فانطلق وأخذ الخمسين، وقال: أي بني أمّي، تفرّقوا فإنما كنت أمزح. فتفرقوا، ودخل فقنّع رأسه وأدخله سرّا وقعد على امرأته وسكت.

- قيل لأشعب: لو تركت النوادر ورويت الحديث لكان أنبل لك. قال: والله لقد سمعت الحديث. قال: فحدثنا. قال: حدثنا نافع عن ابن عمر أن النبيّ- ﷺ وعلى آله- قال: خصلتان من كانتا فيه كان من خالصة الله. قالوا: هذا حديث حسن فهاتهما. قال: نسي نافع واحدة ونسيت أنا الأخرى.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.