من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الأول في وصف جزيرة الأندلس وحسن هوائها واعتدال مزاجها ووفور خيراتها (٤)
ألقاب مملكةٍ في غير موضعها ... كالهرّ يحكي انتفاخاً صولة الأسد وكان عبّاد بن محمد بن عبّاد قد تلقب بالمعتضد، واقتفى سيرة المعتضد العباسي أمير المؤمنين، وبلقّب ابنه محمد بن عبّاد بالمعتمد، وكانت لبني عبّاد مملكة إشبيلية ثم انضاف إليها غيرها.
وكان خلفاء بني أمية يظهرون للناس في الأحيان على أبّهة الخلافة، وقانون لهم في ذلك معروف، إلى أن كانت الفتنة، فازدرت العيون ذلك الناموس واستخفّت به.
وقد كان بنو حمّود من ولد إدريس العلوي الذين توثبوا على الخلافة في أثناء الدولة المروانية بالأندلس يتعاظمون، ويأخذون أنفسهم بما يأخذها خلفاء بني العباس، وكانوا إذا حضرهم منشد لمدح أو من يحتاج إلى الكلام بين أيديهم يتكلم من وراء حجاب، والحاجب واقف عند الستر يجاوب بما يقول له الخليفة، ولما حضر ابن مقانا الأشبونيّ أمام حاجب إدريس بن يحيى الحمّودي الذي خطب له بالخلافة في مالقة، وأنشده قصيدته المشهورة النونية التي منها قوله:
وكأنّ الشّمس لمّا أشرقتفانثنت عنها عيون الناظرين
وجه إدريس بن يحيى بن عليبن حمّودٍ أمير المؤمنين وبلغ فيها إلى قوله:
انظرونا نقتبس من نوركم ... إنّه من نور ربّ العالمين رفع الخليفة الستر بنفسه، وقال: انظر كيف شئت، وانبسط مع الشاعر، وأحسن إليه.
ولما جاء ملوك الطوائف صاروا يتبسّطون للخاصّة وكثيرٍ من العامة، ويظهرون مداراة الجند وعوام البلاد، وكان أكثرهم يحاضر العلماء والأدباء، ويحب أن يشهر عنه ذلك عند مباريه في الرياسة.
ومذ وقعت الفتنة بالأندلس اعتاد أهل الممالك المتفرقة الاستبداد عن إمام الجماعة، وصار في كل جهة مملكة مستقلة يتوارث أعيانها الرياسة كما يتوارث ملوكها الملك، ومرنوا على ذلك، فصعب ضبطهم إلى نظام واحد، وتمكن العدو منهم بالتفرق وعداوة بعضهم لبعض بقبيح المنافسة والطمع، إلى أن انقادوا إلى عبد المؤمن وبنيه، وتلك القواعد في رؤوسهم كامنة، والثوّار في المعاقل تثور، وتروم الكرّة، إلى أن ثار ابن هود، وتلقّب بالمتوكل، ووجد قلوباً منحرفة عن دولة بر العدوة، مهيأة للاستبداد، فملكها بأيسر محاولة، مع الجهل المفرط وضعف الرأي، وكان مع العامة كأنّه صاحب شعوذة، يمشي في الأسواق ويضحك في وجوههم ويبادرهم بالسؤال. وجاء للناس منه ما لم يعتادوه من سلطان، فأعجب سفهاء الناس وعامتهم العمياء، وكان كما قيل:
أمورٌ يضحك السفهاء منها ... ويبكي من عواقبها الحليم فآل ذلك إلى تلف القواعد العظيمة، وتملّك الأمصار الجليلة، وخروجها من يد الإسلام.
والضابط فيما يقال في شأن أهل الأندلس في السلطان أنهم إذا وجدوا فارساً يبرع الفرسان أو جواداً يبرع الأجواد تهافتوا في نصرته، ونصبوه ملكاً من غير تدبير في عاقبة، آل الأمر إلى ما يؤول إليه، وبعد أن يكون الملك في مملكة
قد توورثت وتدوولت، ويكون في تلك المملكة قائد من قوادها قد شهرت عنه وقائع في العدو وظهر منه كرم نفسٍ للأجناد ومراعاة، قدّموه ملكاً في حصن من الحصون، ورفضوا عيالهم وأولادهم - إن كان لهم ذلك - بكرسيّ الملك، ولم يزالوا في جهاد وإتلاف أنفس حتى يظفر صاحبهم بطلبته. وأهل المشرق أصوب رأياً منهم في مراعاة نظام الملك، والمحافظة على نصابه، لئلاّ يدخل الخلل الذي يقضي باختلال القواعد وفساد التربية وحلّ الأوضاع.
ونحن نمثل في ذلك بما شاهدناه: لما كانت هذه الفتنة الأخيرة بالأندلس تمخّضت عن رجل من حصن يقال له أرجونة، ويعرف الرجل بابن الأحمر، كان يكثر مغاورة العدو من حصنه، وظهرت له مخايل وشواهد على الشجاعة، إلى أن سار اسمه في الأندلس، وآل ذلك إلى ان قدّمه أهل حصنه على أنفسهم، ثم نهض فملك قرطبة العظمى، وملك إشبيلية، وقتل ملكها الباجيّ، وملك جيّان أحصن بلد بالأندلس وأجلّه قدراً في الامتناع، وملك غرناطة ومالقة، وسمّوه بأمير المسلمين، فهو الآن المشار إليه بالأندلس والمعتمد عليه.
[ابن سعيد يصف الخطط الأندلسية: الوزارة]
الوزارة
وأمّا قاعدة الوزارة بالأندلس فإنّها كانت في مدة بني أميّة مشتركة في جماعة يعينهم صاحب الدولة للإعانة والمشاورة، ويخصّهم بالمجالسة، ويختار منهم شخصاً لمكان النائب المعروف بالوزير فيسمّيه بالحاجب، وكانت هذه المراتب لضبطها عندهم كالمتوارثة في البيوت المعلومة لذلك، إلى أن كانت ملوك الطوائف، فكان الملك منهم - لعظم اسم الحاجب في الدولة المروانية، وأنّه كان نائباً عن خليفتهم - يسمّى بالحاجب، ويرى أن هذه السمة أعظم ما تنوفس فيه وظفر به، وهي موجودة في أمداح شعرائهم وتواريخهم. وصار
اسم الوزارة عامّاً لكل من يجالس الملوك ويختص بهم، وصار الوزير الذي ينوب عن الملك يعرف بذي الوزارتين، وأكثر ما يكون فاضلاً في علم الأدب، وقد لا يكون كذلك، بل عالماً بأمور الملك خاصة.
[الكتابة]
وأما الكتابة فهي على ضربين: أعلاهما: كاتب الرسائل، وله حظ في القلوب والعيون عند أهل الأندلس، وأشرف أسمائه الكاتب، وبهذه السّمة يخططه من يعظمه في رسالة. وأهل الأندلس كثيرو الانتقاد على صاحب هذه السّمة، لا يكادون يغفلون عن عثراته لحظة، فإن كان ناقصاً عن درجات الكمال لم ينفعه جاهه ولا مكانه من سلطانه من تسلّط الألسن في المحافل والطّعن عليه وعلى صاحبه. والكاتب الآخر كاتب الزمام، هكذا يعرفون كاتب الجهبذة، ولا يكون بالأندلس وبرّ العدوة لا نصرانيّاً ولا يهوديّاً البتّة، إذ هذا الشغل نبيه يحتاج إلى صاحبه عظماء الناس ووجوههم.
[الخراج]
وصاحب الأشغال الخراجية في الأندلس أعظم من الوزير، وأكثر أتباعاً وأصحاباً وأجدى منفعةً، فإليه تميل الأعناق، ونحوه تمد الأكف، والأعمال مضبوطة بالشهود والنظار، ومع هذا إن تأثلت حالته واغتر بكثرة البناء والاكتساب نكب وصودر، وهذا راجع إلى تقلب الأحوال وكيفية السلطان.
[القضاء]
وأما خطّة القضاء بالأندلس فهي أعظم الخطط عند الخاصة والعامة، لتعلّقها بأمور الدين، وكون السلطان لو توجّه عليه حكم حضر بين يدي القاضي، هذا
وضعها في زمان بني أمية، ومن سلك مسلكهم، ولا سبيل أن يتسمّى بهذه السّمة إلاّ من هو والٍ للحكم الرعي في مدينة جليلة، وإن كانت صغيرة فلا يطلق على حاكمها إلا مسدّد، خاصة، وقاضي القضاة يقال له: قاضي القضاة، وقاضي الجماعة.
[خطة الشرطة]
وأما خطة الشّرطة بالأندلس فإنها مضبوطة إلى الآن، معروفة بهذه السّمة، ويعرف صاحبها في ألسن العامة بصاحب المدينة وصاحب الليل، وإذا كان عظيم القدر عند السلطان كان له القتل لمن يجب عليه دون استئذان السلطان، وذلك قليل، ولا يكون إلا في حضرة السلطان الأعظم، وهو الذي يحدّ على الزنا وشرب الخمر، وكثير من الأمور الشرعية راجع إليه، قد صارت تلك عادة تقرّر عليها رضا القاضي، وكانت خطة القاضي أوقر وأتقى عندهم من ذلك.
[الحسبة]
وأمّا خطّة الاحتساب فإنّها عندهم موضوعة في أهل العلم والفطن، وكأن صاحبها قاض، والعدة فيه أن يمشي بنفسه راكباً على الأسواق، وأعوانه معه، وميزانه الذي يزن به الخبز في يد أحد الأعوان، لأن الخبز عندهم معلوم الأوزان للربع من الدرهم رغيف على وزن معلوم، وكذلك للثّمن، وفي ذلك من المصلحة أن يرسل المبتاع الصبيّ الصغير أو الجارية الرعناء فيستويان فيما يأتيانه به من السوق مع الحاذق في معرفة الأوزان، وكذلك اللحم تكون عليه ورقة بسعره، ولا يجسر الجزار أن يبيع بأكثر من دون ما حدّ له المحتسب في
الورقة، ولا يكاد تخفى خيانته، فإن المحتسب يدسّ عليه صبيّاً أو جارية يبتاع أحدهما منه، ثم يختبر الوزن المحتسب، فإن وجد نقصاً قاس على ذلك حاله مع الناس، فلا تسأل عمّا يلقى، وإن كثر ذلك منه ولم يتب بعد الضرب والتجريس في الأسواق نفي من البلد. ولهم في أوضاع الاحتساب قوانين يتداولونها ويتدارسونها كما تتدارس أحكام الفقه، لأنها عندهم تدخل في جميع المبتاعات وتتفرع إلى ما يطول ذكره.
[خطة الطواف بالليل]
وأمّا خطة الطواف باللّيل وما يقابل من المغرب أصحاب أرباع في المشرق فإنهم يعرفون في الأندلس بالدرّابين، لأن بلاد الأندلس لها دروب بأغلاق تغلق بعد العتمة، ولكل زقاق بائت فيه، له سراجٌ معلّق وكلب يسهر وسلاح معدّ، وذلك لشطارة عامّتها وكثرة شرّهم، وإغيائهم في أمور التلصص، إلى أن يظهروا على المباني المشيدة، ويفتحوا الأغلاق الصعبة، ويقتلوا صاحب الدار خوف أن يقرّ عليهم أو يطالبهم بعد ذلك، ولا تكاد في الأندلس تخلو من سماع دار فلان دخلت البارحة وفلان ذبحه اللصوص على فراشه وهذا يرجع التكثير منه والتقليل إلى شدّة الوالي ولينه، ومع إفراطه في الشدّة وكون سيفه يقطر دماً فإن ذلك يعدم، وقد آل الحال عندهم إلى أن قتلوا على عنقودٍ سرقه شخص من كرم وما أشبه ذلك، فلم ينته اللصوص.
[الأندلسيون والتشريع]
وأمّا قواعد أهل الأندلس في ديانتهم فإنّها تختلف بحسب الأوقات والنظر
إلى السلاطين، ولكن الأغلب عندهم إقامة الحدود، وإنكار التهاون بتعطيلها، وقيام العامة في ذلك وإنكاره إن تهاون فيه أصحاب السلطان، وقد يلج السلطان في شيء من ذلك ولا ينكره، فيدخلون عليه قصره المشيد ولا يعبأون بخيله ورجله حتى يخرجوه من بلدهم، وذا كثير في أخبارهم. وأمّا الرجم بالحجر للقضاة والولاة للأعمال إذا لم يعدلوا فكلّ يوم.
[الأندلسيون والتصوف]
وأمّا طريقة الفقراء على مذهب أهل الشرق والدّروزة التي تكسل عن الكد وتحوج الوجوه للطلب في الأسواق فمستقبحة عندهم إلى نهاية، وإذا رأوا شخصاً صحيحاً قادراّ على الخدمة يطلب سبّوه وأهانوه، فضلاً عن أن يتصدقوا عليه، فلا تجد بالأندلس سائلاً إلا أن يكون صاحب عذر.
[الأندلسيون والعلوم والآداب]
وأمّا حال أهل الأندلس في فنون العلوم فتحقيق الإنصاف في شأنهم في هذا الباب أنهم أحرص الناس على التميز، فالجاهل الذي لم يوفقه الله للعلم يجهد أن يتميز بصنعة، ويربأ بنفسه أن يرى فارغاً عالةً على الناس، لأن هذا عندهم في نهاية القبح، والعالم عندهم معظّم من الخاصة والعامة، يشار إليه ويحال عليه، وينبه قدره وذكره عند الناس، ويكرم في جوار أو ابتياع حاجة، وما أشبه ذلك. ومع هذا فليس لأهل الأندلس مدارس تعينهم على طلب العلم بل يقرءون جميع العلوم في المساجد بأجرة، فهم يقرءون لأن يعلموا لا لأن يأخذوا جارياً،
فالعالم منهم بارع لأنّه يطلب ذلك العلم بباعث من نفسه يحمله على أن يترك الشغل الذي يستفيد منه، وينفق من عنده حتى يعلم، وكل العلوم لها عندهم حظ واعتناء، إلا الفلسفة والتنجيم، فإن لهما حظّاً عظيماً عند خواصهم، ولا يتظاهر بهما خوف العامة، فإنّه كلّما قيل فلان يقرأ الفلسفة أو يشتغل بالتنجيم أطلقت عليه العامة اسم زنديق، وقيدت عليه أنفاسه، فإن زلّ في شبهة رجموه بالحجارة أو حرقوه قبل أن يصل أمره للسلطان، أو يقتله السلطان تقرباً لقلوب العامة، وكثيراً ما يأمر ملوكهم بإحراق كتب هذا الشأن إذا وجدة، وبذلك تقرب المنصور بن أبي عامر لقلوبهم أول نهوضه وإن كان غير خالٍ من الاشتغال بذلك في الباطن على ما ذكره الحجاري، الله أعلم.
وقراءة القرآن بالسبع ورواية الحديث عندهم رفيعة، وللفقه رونقٌ ووجاهة، ولا مذهب لهم إلا مذهب مالك، وخواصهم يحفظون من سائر المذاهب ما يباحثون به محاضر ملوكهم ذوي الهمم في العلوم. وسمة الفقيه عندهم جليلة، حتى إن الملثمين كانوا يسمون الأمير العظيم منهم الذي يريدون تنويهه بالفقيه، وهي الآن بالمغرب بمنزلة القاضي بالمشرق، وقد يقولون للكاتب والنحوي واللغوي فقيه لأنها عندهم أرفع السّمات. وعلم الأصول عندهم متوسط الحال، والنحو عندهم في نهاية من علو الطبقة، حتى إنهم في هذا العصر فيه كأصحاب عصر الخليل وسيبويه، لا يزداد مع هرم الزمان إلا جدّةً، وهم كثيرو البحث فيه وحفظ مذاهبه كمذاهب الفقه، وكل عالم في أيّ علم لا يكون متمكناً من علم النحو - بحيث لا تخفى عليه الدقائق - فليس عندهم بمستحق للتمييز، ولا سالم من الازدراء، مع أن كلام أهل الأندلس الشائع في الخواص والعوام كثير الانحراف عمّا تقتضيه أوضاع العربية، حتى لو أن شخصاً من العرب سمع كلام الشلوبيني أبي عليّ المشار إليه بعلم النحو في عصرنا الذي غرّبت تصانيفه
وشرّقت وهو يقرئ درسه لضحك بملء فيه من شدة التحريف الذي في لسانه؛ والخاصّ منهم إذا تكلم بالإعراب وأخذ يجري على قوانين النحو استثقلوه واستبردوه، ولكن ذلك مراعىً عندهم في القراءات والمخاطبات بالرسائل. وعلم الأدب المنثور من حفظ التاريخ والنظم والنثر ومستظرفات الحكايات أنبل علم عندهم، وبه يتقرب من مجالس ملوكهم وأعلامهم، ومن لا يكون فيه أدب من علمائهم فهو غفلٌ مستثقلٌ.
والشعر عندهم له حظ عظيم، وللشعراء من ملوكهم وجاهة، ولهم عليهم وظائف، والمجيدون منهم ينشدون في مجالس عظماء ملوكهم المختلفة، ويوقّع لهم بالصلات على أقدارهم، إلا أن يختل الوقت ويغلب الجهل في حين مّا ولكن هذا الغالب. وإذا كان الشخص بالأندلس نحويّاً أو شاعراً فإنّه يعظم في نفسه لا محالة ويسخف ويظهر العجب، عادةٌ قد جبلوا عليها.
[الزي الأندلسي في السلم والحرب]
وأما زيّ أهل الأندلس فالغالب عليهم ترك العمائم، لا سيما في شرق الأندلس، فإن أهل غربها لا تكاد ترى فيهم قاضياً ولا فقيهاً مشاراً إليه إلاّ وهو بعمامة، وقد تسامحوا بشرقها في ذلك، ولقد رأيت عزيز بن خطاب أكبر عالم بمرسية، حضرة السلطان في ذلك الأوان، وإليه الإشارة، وقد خطب له بالملك في تلك الجهة، وهو حاسر الرأس، وشيبه قد غلب على سواد شعره. وأما الأجناد وسائر الناس فقليل منهم تراه بعمّة في شرق منها أو في غرب، وابن هود الذي ملك الأندلس في عصرنا رأيته في جميع أحواله ببلاد الأندلس وهو دون عمامة، وكذلك ابن الحمر الذي معظم الأندلس الآن في يده، وكثيراً
ما يتزيّا سلاطينهم وأجنادهم بزيّ النصارى المجاورين لهم، فسلاحهم كسلاحهم، وأقبيتهم من الإشكرلاط وغيره كأقبيتهم، وكذلك أعلامهم وسروجهم.
ومحارتهم بالتّراس والرّماح الطويلة للطعن، ولا يعرفون الدبابيس، ولا قسيّ العرب، بل يعدون قسيّ الإفرنج للمحاصرات في البلاد، أو تكون للرجّالة عند المصاففة للحرب، وقليلاً ما تصبر الخيل عليهم أو تمهلهم لأن يوتروها، ولا تجد في خواص الأندلس وأكثر عوامهم من يمشي دون طيلسان، إلاّ أنّه لا يضعه على رأسه منهم إلا الأشياخ المعظّمون، وغفائر الصوف كثيراً ما يلبسونها حمراً وخضراً؛ والصّفر مخصوصة باليهود، ولا سبيل إلى يهودي أن يتعمّم البتّة، والذؤابة لا يرخيها إلاّ العالم، ولا يصرفونها بين الأكتاف، وإنّما يسدلونها من تحت الأذن اليسرى. وهذه الأوضاع التي بالمشرق في العمائم لا يعرفها أهل الأندلس، وإن رأوا في رأس مشرقّي داخلٍ إلى بلادهم شكلاً منها أظهروا التعجب والاستظراف، ولا يأخذون أنفسهم بتعليمها لأنهم لم يعتادوا ولم يستحسنوا غير أوضاعهم، وكذلك في تفصيل الثياب.
[تدبير الأندلسيين ومروءتهم]
وأهل الأندلس أشدّ خلق الله اعتناء بنظافة ما يلبسون وما يفرشون، وغير ذلك ممّا يتعلّق بهم، وفيهم من لا يكون عنده إلا ما يقوته يومه، فيطويه صائماً ويبتاع صابوناً يغسل به ثيابه، ولا يظهر فيها ساعةً على حالة تنبو العين عنها.
وهم أهل احتياط وتدبير في المعاش وحفظ لما في أيديهم خوف ذلّ السؤال، فلذلك قد ينسبون للبخل، ولهم مروءات على عادة بلادهم، لو فطن لها حاتم
لفضّل دقائقها على عظائمه؛ ولقد اجتزت مع والدي على قرية من قراها، وقد نال منّا البرد والمطر أشدّ النّيل، فأوينا إليها، وكنّا على حال ترقّبٍ من السلطان وخلوّ من الرفاهية، فنزلنا في بيت شيخ من أهلها، من غير معرفة متقدمة، فقال لنا: إن كان عندكم ما أشتري لكم فحماً تسخنون به فإنّي أمضي في حوائجكم، وأجعل عيالي يقومون بشأنكم، فأعطيناه ما اشترى به فحماً، فأضرم ناراً، فجاء ابنٌ له صغير ليصطلي، فضربه، فقال له والدي: لم ضربته؟ فقال: يتعلّم استغنام مال الناس والضّجر للبرد من الصغر، ثم لما جاء النوم قال لابنه: أعط هذا الشابّ كساءك الغليظة يزيدها على ثيابه، فدفع كساءه إليّ، ولما قمنا عند الصباح وجدت الصبيّ منتبهاً ويده في الكساء، فقلت ذلك لوالدي، فقال: هذه مروءات أهل الأندلس، وهذا احتياطهم، أعطاك الكساء وفضّلك على نفسه، ثم أفكر في أنك غريب لا يعرف هل أنت ثقة أو لص، فلم يطب له منام حتى يأخذ كساءه خوفاً من انفصالك بها وهو نائم، وعلى هذا الشيء الحقير فقس الشيء الجليل؛ انتهى كلام ابن سعيد في المغرب باختصار يسير.
[منهج كتاب المغرب لابن سعيد]
ولله درّه، فإنّه أبدع في هذا الكتاب ما شاء، وقسمه إلى أقسام، منها:
كتاب وشي الطرس، فيحلى جزيرة الأندلس وهو ينقسم إلى أربعة كتب:
الكتاب الأول: كتاب " حلي العرس، في حلى غرب الأندلس ".
الكتاب الثاني: كتاب " الشفاه اللّعس، في حلى موسطة الأندلس ".
الكتاب الثالث: " كتاب الأنس في حلى شرق الأندلس ".
الكتاب الرابع: كتاب " لحظات المريب، في ذكر ما حماه من الأندلس عبّاد الصليب ".
والقسم الثاني كتاب " الألحان المسلية، في حلى جزيرة صقلية " وهو أيضاً ذو أنواع.
والقسم الثالث كتاب الغاية الأخيرة، في حلى الأرض الكبيرة وهو أيضاً ذو أقسام، وصوّر - رحمه الله تعالى - أجزاء الأندلس في كتاب وشي الطرس وقال أيضاً: إن كلاًّ من شرق الأندلس وغربها ووسطها يقرب في قدر المساحة بعضه من بعض، وليس فيها جزء يجاوز طوله عشرة أيام، ليصدق التثليث في القسمة، وهذا دون ما بقي بأيدي النصارى.
وقدم ﵀ كتاب حلي العرس، في حلى غرب الأندلس لكون قرطبة قطب الخلافة المروانية وإشبيلية التي ما في الأندلس أجمل منها فيه، وقسمه إلى سبعة كتب، كل كتاب منها يحتوي على مملكة منحازة عن الأخرى:
الكتاب الأول: كتاب " الحلة المذهبة، في حلى مملكة قرطبة ".
الكتاب الثاني: كتاب " الذهبية الأصيلية، في حلى المملكة الإشبيلية ".
الكتاب الثالث: كتاب " خدع الممالقة، في حلى مملكة مالقة.
الكتاب الرابع: كتاب " الفردوس، في حلى مملكة بطليوس ".
الكتاب الخامس: كتاب " الخلب، في حلى مملكة شلب ".
الكتاب السادس: كتاب " الديباجة، في حلى مملكة باجة ".
الكتاب السابع: كتاب " الرياض المصونة، في حلى مملكة أشبونة " وقد
ذكر - رحمه الله تعالى - في كل قسم ما يليق به، وصوّر أجزاءه على ما ينبغي، فالله يجازيه خيراً؛ والكلام في الأندلس طويل عريض.
[خاتمة في نبذة جغرافية]
وقال بعض المؤرخين: طول الأندلس ثلاثون يوماً وعرضها تسعة أيام، ويشقها أربعون نهراً كباراً، وبها من العيون والحمامات والمعادن ما لا يحصى، وبها ثمانون مدينة من القواعد الكبار، وأزيد من ثلثمائة من المتوسطة، وفيها من الحصون والقرى والبروج ما لا يحصى كثرة، حتى قيل: إن عدد القرى التي على نهر إشبيلية اثنا عشر ألف قرية، وليس في معمور الأرض صقع يجد المسافر فيه ثلاث مدن وأربعاً من يومه إلى بالأندلس، ومن بركتها أن المسافر لا يسير فيها فرسخين دون ماء أصلاً، وحيثما سار من الأقطار يجد الحوانيت في الفلوات والشعاري والأودية ورؤوس الجبال لبيع الخبز والفواكه والجبن واللحم والحوت وغير ذلك من ضروب الأطعمة.
وذكر صاحب الجغرافيا أن جزيرة الأندلس مسيرة أربعين يوماً طولاً في ثمانية عشر يوماً عرضاً، وهو مخالف لما سبق.
وقال ابن سيده: أخذت الأندلس في عرض الإقليمين الخامس والسادس من البحر الشامي في الجنوب إلى البحر المحيط في الشمال، وبها من الجبال سبعة وثمانون جبلاً، انتهى.
[مقطعات في مدح الأندلس]
ولبعضهم:
ولله أندلسٌ وما جمعت بهامن كل ما ضمّت لها الأهواء
فكأنّما تلك الديار كواكبٌوكأنّما تلك البقاع سماء
وبكلّ قطر جدولٌ في جنّةٍولعت به الأفياء والأنداء وقال غيره:
في أرض أندلسٍ تلتذّ نعماءولا يفارق فيها القلب سرّاء
وليس فيغيرها بالعيش منتفعٌولا تقوم بحقّ الماء صهباء
وأين يعدل عن أرضٍ تحض بهاعلى الشهادة أزواجٌ وأبناء
وأين يعدل عن أرضٍ تحثّ بهاعلى المدامة أفياءٌ وأنداء
وكيف لا تبهج الأبصار رؤيتهاوكلّ أرضٍ بها في الوشي صنعاء
أنهارها فضةٌ، والمسك تربتهاوالخز روضتها، والدّرّ حصباء
وللهواء بها لطفٌ يرق بهمن لا يرقّ، وتبدو منه أهواء
ليس النسيم الذي يهفو بها سحراًولا انتشار لآلي الطل أنداء
وإنّما أرج الند استثار بهافي ماء وردٍ فطابت منه أرجاء
وأين يبلغ منها ما أصنّفهوكيف يحوي الذي حازته إحصاء
قد ميزت من جهات الأرض ثم بدتفريدةً، وتولّى ميزها الماء
دارت عليها نطاقاً أبحرٌ خفقتوجداً بها إذ تبدّت وهي حسناء
لذاك يبسم فيها الزهر من طربٍوالطير يشدو، وللأغصان إصغاء
فيها خلعت عذاري ما بها عوضٌفهي الرياض وكل الأرض صحراء وقد تقدمت هذه القصيدة
وقال آخر:
حبذا أندلسٌ من بلدٍلم تزل تنتج لي كلّ سرور
طائرٌ شادٍ، وظلٌّ وارفٌومياهٌ سائحاتٌ وقصور وقال آخر:
يا حسن أندلسٍ وما جمعت لنافيها من الأوطار والأوطان
تلك الجزية لست أنسى حسنهابتعاقب الأحيان والأزمان
نسج الربيع نباتها من سندسٍموشيّةٍ ببدائع الألوان
وغدا النسيم بها عليلاً هائماًبربوعها وتلاطم البحران
يا حسنها والطلّ ينثر فوقهادرراً خلال الورد والرّيحان
وسواعد الأنهار قد مدّت إلىندمائها بشقائق النّعمان
وتجاوبت فيها شوادي طيرهاوالتفّت الأغصان بالأغصان
ما زرتها إلاّ وحيّاني بهاحدق البهار وأنمل السّوسان
من بعدها ما أعجبتني بلدةٌمع ما حللت به من البلدان [من خصائص الأندلس]
وحكى بعضهم أن بالجامع من مدينة أقليش بلاطاً فيه جوائز منشورة مربعة مستوية الأطراف، طول الجائزة منها مائة شبر وأحد عشر شبراً.
وفي الأندلس جبلٌ من شرب من مائه كثر عليه الاحتلام، من غير إرادة ولا تفكر، وفيها غير ذلك ممّا يطول ذكره، والله أعلم.
ولنمسك العنان في هذا الباب، فإن بحر الأندلس طويلٌ مديدٌ، وربما كررنا الكلام لارتباط بعضه ببعضٍ، أو لنقل صاحبه المروي عنه، أو لاختلاف مّا، أو غير ذلك من غرضٍ سديدٍ.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع