تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

رجع إلى أخبار البنيان

ولا خفاء أنّه يدل على عظيم قدر بانيه، ولذلك قال أمير المؤمنين الناصر المرواني باني الزهراء رحمه الله تعالى حسبما نسبهما له بعض العلماء وبعض ينسبهما لغيره، وسيأتيان في ترجمة نور الدين بن سعيدٍ عليٍّ منسوبين:

همم الملوك إذا أرادوا ذكرهامن بعدهم فبألسن البنيان

إن البناء إذا تعاظم قدره ... أضحى يدلّ على عظيم الشان وتذكرت هنا قصيدة قالها بعض الشاميين، وهو الأديب الفاضل الشيخ أسد بن معين الدين، ممّا يكتب على أبراج دار الحسيب النسيب، الشهير البيت، الكبير الحي والميت، القاضي عبد الرحمن بن الفرفور الدمشقي، وضمّنها بيتي الناصر المذكورين:

زر مجلساً أضحى أعزّ مكانومحلّ أهل العلم والعرفان
المجد خيّم في ذرى أبراجهوالسعد عبد الباب طول زمان
كالخلد مرفوع البناء، وأرضهمفروشة بالدّرّ والعقيان
بيت به فخر البيوت لأنّهبيت القصيد ومنزل الضيفان
مغنىً فسيحٌ فيه معنى مفصحعن قدر بانيه بغير لسان
قد قال بعض ذوي الفضائل قبلناقولاً بديعاً واضح التبيان
همم الملوك إذا أرادوا ذكرهامن بعدهم فبألسن البنيان
إن البناء إذا تعاظم قدرهأضحى يدلّ على عظيم الشان
للشاعر الباجي المسعودي، اقرأ القصيدة
قد شاده من ساد أهل زمانهبالأصل والإفضال والرّجحان
ورث السيادة كابراً عن كابروسما برفعته على كيوان
قاضي القضاة ومفخر العصر الذيقد جاء فيه سابق الأقران
في العلم بحرٌ لا ينال قرارهفي الحكم مثل مهنّدٍ وسنان
يروي عطاءٌ عن يديه قد اقتفىآثار آباء ذوي إحسان
لا زال يبقى شائداً بيت العلاوعدوّه في الوهن والنقصان
يا أيّها المولى الذي يجري مع الإقبال والإسعاد طلق عنان
دم شامخ المقدار مرتفع البناوالناس تحت رضاك كالغلمان
متمتّعاً ببنيك سادات الورىفي عزّ ربّ دائم السلطان

ما رجّع القمريّ في تغريده ... في الروض فوق منابر الأغصان وكان القاضي عبد الرحمن بن فرفور المذكور عالي الهمّة، تضيق يده عمّا يريد، فلذلك كان كثيراً ما يبث شكواه في الطروس والدفاتر، ويعتب على الزمان الذي أخنى على أهل الأدب وقطع آمالهم بحسامه الباتر، ويرحم الله القائل:

هذا زمان دريهمي لا غيره ... فدع الدفاتر للزمان الفاتر فمن نظم المذكور وقد أبطأ بجزء استعاره من بعض إخوانه، فكتب إليه معتذراً، وأدمج شكوى الزمان الذي كان من شماتة الأعداء به حذراً:

أبطأت في ذا الجزء يا سيّديكتابة من جور دهرٍ بغيض
صابرته فالجسم مني لقىًتجلّداً والقلب مني مريض
فإذ أبى إلا تلافي وقدأحلّني منه محلّ النقيض
واقتادني قسراً إلى مصرعٍقد رقّ منه اللحم والعظم هيض
سلّمت للأقدار مستسرعاًلباب مولىً ذي عطاء عريض
جموم صبر كنت أسطو بهعلى روايا الدهر بالهمّ غيض

فلا تلم يا صاح من بعد ذا ... إذا تمثلت به حال الجريض ورأيت بخطّه رحمه الله تعالى ممّا نسبه جده القطب الخيضري الحافظ لإبراهيم بن نصر الحموي ثم المصري المعروف بابن الفقيه:

يا زماناً كلّما حاولت أمراً يتمنّع
إن تعصّبت فإنّيباصطباري أتقنّع

وهذه تورية بديعة للغاية في التعصب والتقنّع، مع حلاوة النظم وجودة السبك وخفّة الوزن، والله سبحانه يروّح تلك الأرواح في الجنان، ويعاملنا وإيّاهم بمحض الفضل والامتنان، ويكفينا شجون دهر جرى بنا طلق العنان.

حديث عن الزهراء

رجع إلى ما كنّا فيه: وكنت وقفت في كلام بعض العلماء على أن البيتين السابقين المنسوبين إلى أمير المؤمنين الناصر المرواني - رحمه الله تعالى - قالهما في الزهراء التي بناها، وسيأتي ذكرها قريباً.

وقال الشيخ سيّدي محيي الدين بن عربي في المسامرات: قرأت على مدينة الزهراء بعد خرابها وصيرورتها مأوى الطير والوحش، وبناؤها عجيب في بلاد الأندلس، وهي قريبة من قرطبة، أبياتاً تذكّر العاقل، وتنبّه الغافل، وهي:

ديارٌ بأكناف الملاعب تلمعوما إن بها من ساكنٍ وهي بلقع
ينوح عليها الطير من كل جانبفيصمت أحياناً وحيناً يرجّع
فخاطبت منها طائراً متغرّداًله شجنٌ في القلب وهو مروّع

فقلت: على ماذا تنوح وتشتكي؟ ... فقال: على دهرٍ مضى ليس يرجع ثم قال: وأخبرني بعض مشايخ قرطبة عن سبب بناء مدينة الزهراء أن الناصر ماتت له سرّيّة، وتركت مالاً كثيراً، فأمر أن يفك بذلك المال أسرى المسلمين، وطلب في بلاد الإفرنج أسيراً فلم يوجدن فشكر الله تعالى على ذلك، فقالت له جاريته الزهراء؟ وكان يحبّها حبّاً شديداً -: اشتهيت لو بنيت لي مدينة تسميها باسمي، وتكون خاصّة لي، فبناها تحت جبل العروس من قبلة الجبل، وشمال قرطبة، وبينها وبين قرطبة اليوم ثلاثة أميال أو نحو ذلك، وأتقن بناءها، وأحكم الصنعة فيها، وجعلها مستنزها ومسكناً للزهراء

وحاشية ارباب دولته، ونقش صورتها على الباب، فلمّا قعدت الزهراء في مجلسها نظرت إلى بياض المدينة وحسنها في حجر الجبل الأسود، فقالت: يا سيّدي، ألا ترى إلى حسن هذه الجارية الحسناء في حجر ذلك الزنجي؟ فأمر بزوال ذلك الجبل، فقال بعض جلسائه: أعيذ أمير المؤمنين أن يخطر له ما يشين العقل سماعه، لو اجتمع الخلق ما أزالوه حفراً ولا قطعاً، ولا يزيله إلاّ من خلقه، فأمر بقطع شجره وغرسه تيناً ولوزاً، ولم يكن منظر أحسن منها، ولا سيّما في زمان الإزهار وتفتّح الأشجار، وهي بين الجبل والسهل، انتهى ببعض اختصار.

[وصف ابن خلّكان للزهراء]

وقال ابن خلكان في ترجمة المعتمد بن عباد ما صورته: الزّهراء - بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الراء، وبعدها همزة ممدودة -[سراية] وهي من عجائب أبنية الدنيا، وأنشأها أبو المظفّر عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الملقّب بالناصر، أحد ملوك بني أميّة بالأندلس، بالقرب من قرطبة، في أول سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، ومسافة ما بنيهما أربعة أميال وثلثا ميل، وطول الزهراء من الشرق إلى الغرب ألفان وسبعمائة ذراع، وعرضها من القبلة إلى الجنوب ألف وخمسمائة ذراع، وعدد السواري التي فيها أربعة آلاف سارية وثلاثمائة سارية، وعدد أبوابها يزيد على خمسة عشر ألف باب؛ وكان الناصر يقسم جباية البلاد أثلاثاً: فثلث للجند، وثلث مدخر، وثلث ينفقه على عمارة الزهراء، وكانت جباية الأندلس خمسة آلاف ألف دينار وأربعمائة ألف

وثمانين ألف دينار، ومن السوق والمستخلص سبعمائة ألف دينار وخمسة وستون ألف دينار، وهي من أهول ما بناه الإنس، وأجلّه خطراً، وأعظمه شأناً، ذكر ذلك كلّه ابن بشكوال في تاريخ الأندلس، انتهى كلامه.

وحكى في المطمح أن الوزير الكبير الشهير أبا الحزم بن جهور قال وقد وقف على قصور الأمويين التي تقوّضت أبنيتها، وعوّضت من أنيسها بالوحوش أفنيتها:

قلت يوماً لدار قوم تفانوا:أين سكّانك العزاز علينا؟

فأجابت: هنا أقاموا قليلاً، ... ثم ساروا، ولست أعلم أينا وفيه أن أبا عامر بن شهيد بات ليلة بإحدى كنائس قرطبة وقد فرشت بأضغاث آس، وعرشت بسرورٍ وائتناس، وقرع النواقيس يهيج سمعه، وبرق الحميّا يسرع لمعه، والقس قد برز في عبدة المسيح، ومتوشّحاً بالزنانير أبدع توشيح، وقد هجروا الأفراح، واطّرحوا النعم كل اطّراح:

لا يعمدون إلى ماء بآنيةٍ ... إلاّ اغترافاً من الغدران بالراح وأقام بينهم بعملها حميّا، كأنّما يرشف من كأسها شفة لميا، وهي تنفح له بأطيب عرف، كلّما رشفها أعذب رشف، ثم ارتجل، بعدما ارتحل، فقال:

ولربّ حانٍ قد شممت بديرهخمر الصبا مزجت بصرف عصيره
في فتية جعلوا السّرور شعارهممتصاغرين تخشّعاً لكبيره
والقسّ ممّا شاء طول مقامنايدعو بعود حولنا بزبوره
للشاعر ابن شُهَيد، من قصيدة «ولرب حان قد أدرت بديره»
يهدي لنا بالرّاح كل مصفّرٍكالخشف خفّره التماح خفيره
يتناول الظّرفاء فيه وشربهملسلافه، والأكل من خنزيره
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة

رجع إلى بناء

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.