من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
رجع إلى المنارة (٢)
إليه بأبصارهم، فهتف بهم كالمنادي -: يا أيّها الناس، وكررها عليهم مشيراً بيده في نواحيهم " أنتم الفقراء إلى الله ... إلى بعزيز " فاشتد وجد الناس، وانطلقت أعينهم بالبكاء، ومضى في خطبته.
وقيل: إن الخليفة الناصر طلبه مرّة للاستسقاء، واشتدّ عزمه عليه، فتسابق الناس للمصلّى، فقال للرسول - وكان من خواص الناس -: ليت شعري، ما الذي يصنعه الخليفة سيدنا؟ فقال له: ما رأينا قطّ أخشع منه في يومنا هذا، إنّه منتبذ حائر منفرد بنفسه، لابس أخسّ الثياب، مفترش التراب، وقد رمّد به على رأسه وعلى لحيته، وبكى واعترف بذنوبه وهو يقول: هذه ناصيتي بيدك، أتراك تعذّب بي الرعيّة وأنت أحكم الحاكمين لن يفوتك شيء منّي، قال الحاكي: فتهّل وجه القاضي منذر عندما سمع قوله، وقال: يا غلام احمل المطر معك فقد أذن الله تعالى بالسّقيا، إذا خشع جبار الأرض فقد رحم جبار السماء، وكان كما قال، فلم ينصرف الناس إلا عن السّقيا.
وكان منذر شديد الصلابة في أحكامه، والمهابة في أقضيته، وقوّة الحكومة والقيام بالحق في جميع ما يجري على يده، لا يهاب في ذلك الأمير الأعظم فمن دونه.
وقال ابن الحسن النّباهي، وأصله في المطمح وغيره: ومن أخبار منذر المحفوظة له مع الخليفة الناصر في إنكاره عليه الإسراف في البناء، أن الناصر كان
اتخذ لسطح القبيبة المصغرة الاسم للخصوصيّة التي كانت مائلة على الصّرح الممرّد المشهور شأنه بقصر الزهراء قراميد [مغشاة] ذهباً وفضّة أنفق عليها مالاً جسيماً، وقرمد سقفها به، وجعل سقفها صفراء فاقعة، إلى بيضاء ناصعة، تستلب الأبصار بأشعّة نورها، وجلس فيها إثر تمامها يوماً لأهل مملكته، فقال لقرابته ومن حضر من الوزراء وأهل الخدمة مفتخراً عليهم بما صنعه من ذلك مع ما يتصل به من البدائع الفتانة: هل رأيتم أن سمعتم ملكاً كان قبلي فعل مثل هذا أو قدر عليه؟ فقالوا: لا والله يا أمير المؤمنين، وإنّك لأوحد في شأنك كلّه، وما سبقك إلى مبتدعاتك هذه ملك رأيناه، ولا انتهى إلينا خبره، فأبهجه قولهم وسرّه، وبينما هو كذلك إذ دخل عليه القاضي منذر بن سعيد وهو ناكس الرأس، فلمّا أخذ مجلسه قال له كالذي قال لوزرائه من ذكر السقف المذهب واقتداره على إبداعه، فأقبلت دموع القاضي تنحدر على لحيته وقال له: يا أمير المؤمنين ما ظننت الشيطان لعنه الله يبلغ منك هذا المبلغ، ولا أن تمكّنه من قيادك هذا التمكين، مع ما آتاك الله من فضله ونعمته، وفضّلك به على العالمين، حتى ينزلك منازل الكافرين، قال: فانفعل عبد الرحمن لقوله، وقال له: انظر ما تقول، وكيف أنزلني منزلتهم؟ قال: نعم، أليس الله تعالى يقول " ولولا أن يكون النّاس أمّةً واحدةً - الآية " فوجم الخليفة، وأطرق مليّاً ودموعه تتساقط خشوعاً لله تعالى، قال الحاكي: ثمّ أقبل على منذر وقال له: جازاك الله يا قاضي عنّا وعن نفسك خيراً وعن الدين والمسلمين أجلّ جزائه، وكثر في الناس أمثالك، فالذي قلت هو الحق، وقام عن مجلسه ذلك وهو يستغفر الله تعالى، وأمر بنقض سقف القبيبة، وأعاد قرمدها تراباً على صفة غيرها، انتهى ما حكاه ابن الحسن النّباهي.
ولنذكر هذه الحكاية وغيرها، وإن خالف السياق ما سبق، وهذا منقول من كلام الحجاري في المسهب في أخبار المغرب فإنّه أمّ فائدة، إذ قال ﵀: دخل منذر بن سعيد يوماً على الناصر باني الزهراء، وهو مكب على الاشتغال بالبنيان، فوعظه، فأنشده عبد الرحمن الناصر:
همم الملوك إذا أرادوا ذكرهامن بعدهم فبألسن البنيان
أوما ترى الهرمين قد بقيا وكمملكٍ محاه حوادث الأزمان
إنّ البناء إذا تعظم شأنه ... أضحى يدلّ على عظيم الشان قال: فما أدري أهذا شعره أم تمثّل به؟ فإن كان شعره فقد بلغ فيه إلى غاية الإحسان، وإن كان تمثّل به فقد استحقّه بالتمثّل به في هذا المكان، وكان منذر يكثر تعنيته على البنيان، ودخل عليه مرّة وهو في قبّة قد جعل قرمدها من ذهب وفضّة، واحتفل فيها احتفالاً ظن أن أحداً من الملوك لم يصل إليه، فقام خطيباً والمجلس قد غصّ بأرباب الدولة، فتلا قوله تعالى " ولولا أن يكون النّاس أمّةً واحدةً لجعلنا لمن يكفر بالرّحمن لبيوتهم سقفاً من فضّةٍ ومعارج عليها يظهرون - الآية " وأتبعها بما يليق بذلك، فوجم الملك، وأظهر الكآبة، ولم يسعه إلا الاحتمال لمنذر بن سعيد لعظم قدره في علمه ودينه.
وحضر معه يوماً في الزهراء، فقام الرئيس أبو عثمان بن إدريس فأشد الناصر قصيدة منها:
سيشهد ما أبقيت أنّك لم تكنمضيعاً وقد مكّنت للدين والدنيا
فبالجامع المعمور للعلم والتّقىوبالزهرة الزهراء للملك والعليا
فاهتزّ الناصر، وابتهج، وأطرق منذر بن سعيد ساعة، ثم قام منشداً:
يا باني الزهراء مستغرقاًأوقاته فيها أما تمهل
لله ما أحسنها رونقاً ... لو لم تكن زهرتها تذبل فقال الناصر: إذا هبّ عليها نسيم التذكار والحنين، وسقتها مدامع الخشوع يا أبا الحكم لا تذبل إن شاء الله تعالى، فقال منذر: اللهم اشهد أنّي قد بثثت ما عندي ولم آل نضحاً، انتهى.
ولقد صدق القاضي منذر رحمه الله تعالى فيما قال، فإنّها ذبلت بعد ذلك في الفتنة، وقلب ما كان فيها من منحة محنة، وذلك عندما ولي الحجابة عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر الملقب بشنجول، وتصرف في الدولة مثل ما تصرف أخوه المظفر وأبوهما المنصور، فأساء التدبير، ولم يميز بين القبيل والدبير، فدس إلى المؤيد هشام بن الحكم من خوّفه منه حتى ولاّه عهده كما بيّنّا نص العهد فيما سبق، فأطبق الخاصة والعامة على بغضه، وإضمار السوء له، وذلك سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، فعهد ذلك خرج عليه محمد بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر سنة تسع وتسعين وتلقب بالمهدي وخلع المؤيد وحبسه، وأسلمت الجيوش شنجول فأخذ وأسر وقتل.
قال ابن الرقيق: ومن أجب ما روي أنّه من نصف نهار يوم الثلاثاء لأربع بقين من جمادى الآخرة إلى نصف نهار يوم الأربعاء فتحت قرطبة، وهدمت الزهراء، وخلع خليفة وهو المؤيد، وولي خليفة وهو المهدي، وزالت دولة بني عامر العظيمة، وقتل وزيرهم محمد بن عسقلاجة، وأقيمت جيوش من العامة، ونكب خلق من الوزراء وولي الوزارة آخرون، وكان ذلك كلّه على يد عشرة رجال فحّامين وجزارين وزبالين، وهم جند المهدي هذا، انتهى.
وقد تقدم بعض الكلام على المهدي هذا، وهو الذي قيل فيه لما قام على الدولة:
قد قام مهديّنا ولكنبملّة الفسق والمجون
وشارك الناس في حريملولاه ما زال بالمصون
من كان من قبل ذا أجمّاً ... فاليوم قد صار ذا قرون ومن شعر المهدي هذا وقد حيّاه في مجلس شرابه غلامٌ بقضيب آسٍ:
أهديت شبه قوامك الميّاسغصناً رطيباً ناعماً من آس
وكأنّما يحكيك في حركاته ... وكأنّما تحكيه في الأنفاس وقد ذكرنا فيما سبق في الفصل الثالث خبر المهدي هذا وقتله. ولقد كان قيامه مشئوماً على الدين والدنيا، فإنّه فاتح أبواب الفتنة بالأندلس وماحي معالمها، حتى تفرقت الدولة، وانتثر السلك، وكثر الرؤساء، وتطاول العدو إليها، وأخذها شيئاً فشيئاً حتى محا اسم الإسلام منها، أعادها الله تعالى.
[حديث ابن خلدون عن الزهراء]
وقد ألمّ الولي ابن خلدون في تاريخه بذكر الزهراء في جملة مباني الناصر، فقال ما نصّه: ولما استفحل ملك الناصر صرف نظره إلى تشييده القصور والمباني، وكان جده الأمير محمد وأبوه عبد الرحمن الأوسط وجده الحكم قد احتفلوا في ذلك وبنوا قصورهم على أكمل الإتقان والضخامة، وكان فيها المجلس الزاهر
والبهو الكامل والمنيف، فبنى هو إلى جانب الزاهر قصره العظيم، وسمّاه دار الروضة، وجلب الماء إلى قصورهم من الجبل واستدعى عرفاء المهندسين والبنائين من كل قطر، فوفدوا عليه حتى من بغداد والقسطنطينية، ثم أخذ في بناء المنتزهات، فاتخذ منية الناعورة خارج القصور، وساق لها الماء من أعلى الجبل على أبعد مسافة، ثم اختط مدينة الزهراء، واتخذ لنزله، وكرسيّاً لملكه، وأنشأ فيها من المباني والقصور والبساتين ما عفّى على مبانيهم الأولى، واتخذ فيها محلات للوحش فسيحة الفناء، متباعدة السياج، وسارح للطيور مظللة بالشباك، واتخذ فيها دوراً لصناعة الآلات من آلات السلاح للحرب والحلى للزينة وغير ذلك من المهن، وأمر بعمل الظلة على صحن الجامع بقرطبة وقاية للناس من حر الشمس، انتهى.
[الزاهرة]
وأمّا الزاهرة فهي من مباني المنصور محمد بن أبي عامر.
قال ابن خلدون أثناء كلامه على المنصور ما صورته: وابتنى لنفسه مدينة لنزله سماها الزاهرة، ونقل إليها جزءاً من الأموال والأسلحة، انتهى.
وقال غيره، وأظنّه صاحب المطمح: وفي سنة ثمان وستين وثلاثمائة أمر المنصور بن أبي عامر ببناء الزاهرة، وذلك عندما استفحل أمره، واتقد جمره، وظهر استبداده، وكثر حسّاده وأنداده، وخاف على نفسه في الدخول إلى قصر السلطان، وخشي أن يقع في أشطان، فتوثّق لنفسه، وكشف
له ما ستر عنه في أمسه، من الاعتزاز عليه، ورفع الاستناد إليه، وسما إلى ما سمت إليه الملوك من اختراع قصر ينزل فيه، ويحله بأهله وذويه، ويضم إليه رياسته، ويتم به تدبيره وسياسته، ويجمع فيه فتيانه وغلمانه، فارتاد موضع مدينته المعروفة بالزاهرة، الموصوفة بالقصور الباهرة، وأقامها بطرف البلد على نهر قرطبة الأعظم، نسّق فيها كل اقتدار معجز ونظم، وشرع في بنائها في هذه السنة المؤرخة، وحشد الصنّاع والفعلة، وجلب إليها الآلات الجليلة، وسربلها بهاءً يردّ الأعين كليلة، وتوسع في اختطاطها، وتولّع بانتشارها في البسيطة وانبساطها، وبالغ في رفع أسوارها، وثابر على تسوية أنجادها وأغوارها، فاتسعت هذه المدينة في المدة القريبة، وصار بناؤها من الأنباء الغريبة، وبني معظمها في عامين.
وفي سنة سبعين وثلاثمائة انتقل المنصور إليها ونزلها بخاصته وعامته، فتبوّأها وشحنها بجميع أسلحته وأمواله وأمتعته، واتخذ فيها الدواوين والأعمال وعمل في داخلها الأهراء، وأطلق بساحتها الأرحاء، ثم قطع ما حولها لوزرائه وكتّابه، وقوّاده وحجّابه، فابتنوا بها كبار الدور، وجليلات القصور، واتخذوا خلالها المستغلاّت المفيدة، والمنازه المشيدة، وقامت بها الأسواق وكثرت فيها الأرفاق، وتنافس الناس بالنزول بأكنافها، والحلول بأطرافها، للدنوّ من صاحب الدولة، وتناهى الغلوّ في البناء حوله، حتى اتصلت أرباضها بأرباض قرطبة وكثرت بحوزتها العمارة، واستقرت في بحبوحتها الإمارة، وأفرد الخليفة من كل شيء إلا من الاسم الخلافي، وصير ذلك هو الرسم العافي، وربت فها جلوس وزرائه، ورؤوس أمرائه، وندب إليها كل ذي خطّة بخطّته، ونصب ببابها كرسيّ شرطته، وأجلس عليها والياً على رسم كرسي الخليفة، وفي صفة تلك المرتبة المنيفة، وكتب إلى الأقطار بالأندلس والعدوة
بأن تحمل إلى مدينته تلك أموال الجبايات، ويقصدها أصحاب الولايات، وينتابها طلاب الحوائج، وحذّر أن يعوج عنها إلى باب الخليفة عائج، فاقتضيت إليها اللّبانات والأوطار، وانحشد الناس إليها من جميع الأقطار، وتم لمحمد بن أبي عامر ما أراد، وانتظم بلبّة أمانيه المراد، وعطل قصر الخليفة من جميعه، وصيّره بمعزل من سامعه ومطيعه، وسدّ باب قصره عليه، وجدّ في خبر ألاّ يصل إليه، وجعل فيه ثقة من صنائعه يضبط القصر، ويبسط في النهي والأمر، وشرف منه على كل داخل، ويمنع ما يحذره من الدواخل، ورتب عليه الحرّاس والبوّابين، والسّمّار والمنتابين، يلازمون حراسة من فيه ليلاً ونهاراً، ويراقبون حركاتهم سرّاً وجهاراً، وقد حجر على الخليفة كل تدبير، ومنعه من تملّك قبيل أو دبير، وأقام الخليفة هشام مهجور الفناء، معجوز الغناء، خفيّ الذكر، عليل الفكر، مسدود الباب، محجوب الشخص عن الأحباب، لا يراه خاص ولا عام، ولا يخاف منه بأسٌ ولا يرجى منه إنعام، ولا يعهد في إلا الاسم السلطاني في السّكة والدعوة، وقد نسخه ولبّس أبهته وطمس بهجته، وأغنى الناس عنه، وأزال أطماعهم منه، وصيرهم لا يعرفونه، وأمرهم أنهم لا يذكرونه، اشتدّ ملك محمد بن أبي عامر منذ نزل قصر الزاهرة وتوسّع مع الأيام في تشييد بنيتها حتى كملت أحسن كمال، وجاءته في نهاية الجمال، نقاوة بناء، وسعة فناء، واعتدال هواء رقّ أديمه، وصقالة جوّ اعتلّ نسيمه، ونضرة بستان، وبهجة للنفوس فيها افتنان، وفيها يقول صاعد اللغوي:
يا أيها الملك المنصور من يمنوالمبتنى نسبا غير الذي انتسبا
بغزوة في قلوب الشّرك رائعةبين المنايا تناغي السّمر والقضبا
أما ترى العين تجري فوق مرمرهاهوىً فتجري على أحفافها الطربا
أجريتها فطما الزّاهي بجريتهاكما طموت فسدت العجم والعربا
تخال فيه جنود الماء رافلةًمستلئمات تريك الدّرع واليلبا
تحفّها من فنون الأيك زاهرةقد أورقت فضّة إذ أورقت ذهبا
بديعة الملك ما ينفكّ ناظرهايتلو على السّمع منها آيةً عجبا
لا يحسن الدهر أن ينشي لها مثلاً ... ولو تعنّت فيها نفسه طلبا ودخل عليه ابن أبي الحباب في بعض قصوره من النية المعروفة بالعامرية، والروض قد تفتحت أنواره، وتوشحت أنجاده وأغواره، وتصرّف فيها الدهر متواضعاً، ووقف بهاالسعد خاضعاً، فقال:
لا يوم كاليوم في أيّامك الأولبالعامريّة ذات الماء والظّلل
هواؤها في جميع الدهر معتدلٌطيباً وإن حلّ فصلٌ غير معتدل
ما إن يبالي الذي يحتلّ ساحتها ... بالسعد أن لا تحلّ الشمس بالحمل وما زالت هذه المدينة رائقة، والسّعود بلبّتها متناسقة، تراوحها الفتوح وتغاديها، وتجلب إليها منكسرة أعاديها، لا تزحف عنها راية إلاّ
إلى فتح، ولا يصدر عنها تدبير إلاّ إلى نجح، إلى أن حان يومها العصيب، وقيّض لها من المكروه أوفر نصيب، فتولت فقيدة، وخلت من بهجتها كلّ عقيدة، انتهى.
وقد حكى الحميدي في " جذوة المقتبس " هذه الحكاية الواقعة لابن أبي الحباب بزيادة، فقال - بعد أن ذكر هذه المنية العامرية التي إلى جانب الزهراء -: إن أبا المطرّف بن أبي الحباب الشاعر دخل إلى المنصور في هذه المنية، فوقف على روضة فيها ثلاث سوسنات ثنتان منها قد تفتحتا وواحدة لم تفتح، فقال:
لا يوم كاليوم في أيامنا الأولبالعامرية ذات الماء والظّلل
هواؤها في جميع الدهر معتدلٌطيباً، وإن حلّ فصلٌ غير معتدل
ما إن يبالي الذي يحتلّ ساحتهابالسعد ألاّ تحلّ الشمس في الحمل
كأنّما غرست في ساعة وبدا السوسان من حينه فيها على عجل
أبدت ثلاثاً من السوسان مائلةًأعناقهنّ من الإعياء والكسل
فبعض نوّارها للبعض منفتحوالبعض منغلق عنهنّ في شغل
كأنّها راحة ضمت أناملهامن بعد ما ملئت من جودك الخضل
وأختها بسطت منها أناملها ... ترجو نداك كما عوّدتها فصل وقد ذكر ابن سعيد أن ابن العريف النحوي دخل على المنصور بن أبي عامر وعنده صاعد اللغوي البغدادي، فأنشده وهو بالموضع المعروف بالعامرية من أبيات:
فالعامريّة تزهىعلى جميع المباني
وأنت فيها كسيفٍ ... قد حلّ في غمدان فقام صاعد، وكان مناقضاً له، فقال: أسعد الله تعالى الحاجب الأجل، ومكن سلطانه؛ هذا الشعر الذي قاله قد أعدّه وروّى فيه أقدر أن أقول أحسن منه ارتجالاً، فقال له المنصور: قل ليظهر صدق دعواك، فجعل يقول من غير فكرة طويلة:
يا أيّها الحاجب المعتلي على كيوان
ومن به قد تناهىفخار كلّ يمان
العامريّة أضحتكجنّة الرضوان
فريدة لفريدٍ ... ما بين أهل الزمان ثمّ مر في الشعر إلى أن قال في وصفها:
انظر إلى النّهر فيهاينساب كالثّعبان
والطير يخطب شكراًعلى ذرا الأغصان
والقضب تلتفّ سكراًبميّس القضبان
والروض يفترّ زهواًعن مبسم الأقحوان
والنرجس الغضّ يرنوبوجنة النّعمان
وراحة الريح تمتار نفحة الريحان
فدم مدى الدهر فيها ... في غبطةٍ وأمان فاستحسن المنصور ارتجاله، وقال لابن العريف: ما لك فائدة في مناقضة
من هذا ارتجاله، فكيف تكون رويّته؟ فقال ابن العريف: إنّما أنطقه وقرّب عليه المأخذ إحسانك، فقال له صاعد: فيخرج من هذا أن قلة إحسانه لك أسكتتك وبعّدت عليك المأخذ، فضحك المنصور وقال: غير هذه المنازعة أليق بأدبكما.
قلت: وقد ذكر مؤرخو الأندلس منىً كثيرة بها: منها منية الناعورة السابقة، ومنية العامرية هذه، ومنية السرور، ومنية الزبير منسوبة إلى الزبير بن عمر الملثم ملك قرطبة.
قال أبو الحسن بن سعيد: أخبرني أبي عن أبيه قال: خرج معي إلى هذه المنية في زمان فتح نوّار اللوز أبو بكر بن بقيّ الشاعر المشهور، فجلسنا تحت سطر لوز قد نوّر، فقال ابن بقيّ:
سطرٌ من اللوز في البستان قابلنيما زاد شيء على شيء ولا نقصا
كأنّما كلّ غصنٍ كمّ جاريةإذا النّسيم ثنى أعطافه رقصا ثم قال:
عجبت لمن أبقى على خمر دنّه ... غداة رأى لوز الحدية نوّرا وذكر بعض مؤرخي الأندلس أن المنصور بن أبي عامر كان يزرع كل سنة ألف مدي من الشعير قصيلاً لدوابه الخاصة به، وأنّه كان إذا قدم من غزوة من غزواته لا يحلّ عن نفسه حتى يدعو صاحب الخيل فيعلم ما مات منها وما عاش، وصاحب الأبنية لما وهى من أسواره ومبانيه وقصوره ودوره، قال: وكان له دخالة كل يوم اثني عشر ألف رطل من اللحم، حاشا الصيد والطير
والحيتان، وكان يصنع في كل عام اثني عشر ألف ترس عامرية لقصر الزاهرة والزهراء، قال: وابتنى على طريق المباهاة والفخامة مدينة الزاهرة ذات القصور والمنتزهات المخترعة كمنية السرور وغيرها من مناشئه البديعة، انتهى.
[المنصور وابن شهيد]
ومن المطمح: أن المنصور لما فرغ من بناء الزاهرة غزا غزوة وأبعد فيها الإيغال، وغال فيه من عظماء الروم من غال، وحلّ من أرضهم ما لم يطرق، وراع منهم ما لم يرع قطّ ولم يفرق، وصدر صدراً سما به على كل حسناء عقيلة، وجلا به كل صفحة للحسن صقيلة، ودخل قرطبة دخولاً لم يعهد، وشهد له فيها يوم مثله لم يشهد، وكان ابن شهيد متخلّفاٍ عن هذه الغزوة لنقرس عداه عائده، وحداه منتجعه ورائده، وابن شهيد هذا أحد حجاب الناصر، وله على ابن أبي عامر أيادٍ محكمة الأواصر، وهو الذي نهض به أول انبعاثه، وشفى أمره زمن التياثه، وخاصم المصحفي عنه بلسان من الحماية ألدّ، وتوخّاه بإحسان قلّده من الرعاية ما قلّد، وأسمى رتبته، وحلّى بإعظام جيده ولبّته، وكان كثيراً ما يتحفه، ويصله ويلطفه، فلمّا صدر المنصور من غزوته هذه وقفل، نسي متاحفته وغفل، فكتب إليه ابن شهيد:
أنا شيخ والشيخ يهوى الصّبايايا بنفسي أقيك كلّ الرّزايا
ورسول الإله أسهم في الفيء لمن لم يخبّ فيه المطايا
فاجعلنّي فديت أشكر معرو ... فك وابعث بها عذاب الثّنايا فبعث إليه بعقيلة من عقائل الروم يكنفها ثلاث جوارٍ، كأنهن نجومٌ سوارٍ، وكتب إليه:
قد بعثنا بها كشمس النّهارفي ثلاث من المها أبكار
فاتّئد واجتهد فإنك شيخسلخ الليل عن بياض النهار
صانك الله عن كلالك فيهافمن العار كلّة المسمار فكتب إليه ابن شهيد:
قد فضضنا ختام ذاك السّوارواصطبغنا من النّجيع الجاري
ونعمنا في ظلّ أنعم ليلٍولهونا بالبدر ثم الدراري
وقضى الشيخ ما قضى بحسامذي مضاء عضب الظّبى بتّار
فاصطنعه فليس يجزيك كفراً ... واتخذه سيفاً على الكفّار وقد قدمنا هذه الحكاية في أخبار المنصور من الباب الثالث، ولكنّا أدناها هنا بلفظ المطمح لما فيه من العذوبة والفائدة الزائدة.
[ترجمة الجزيري من المطمح]
وممن كان في أيام المنصور من الوزراء المشهورين الوزير الكاتب أبو مروان عبد الملك بن إدريس الخولاني، قال في المطمح: علم من أعلام الزمان، وعين من أعيان البيان، باهر الفصاحة، طاهر الجناب والساحة، تولى
التحبير أيام المنصور والإنشاء، وأشعر بدولته الأفراح والانتشاء، ولبس العزة ضافية البرود، وورد بها النعمة صافية الورود، وامتطى من جياد التوجيه، وأعتق من لاحق والوجيه، وتمادى طلقه، ولا أحد يلحقه، إلى أيام المظفر فمشى على سننه، وتمادى السعد يترنم على فننه، إلى أن قتل المظفّر صهره عيسى بن القطاع، صاحب دولته وأميرها المطاع، وكان أبو مروان قديم الاصطناع له والانقطاع، فاتّهم معه، وكاد أن يذوق حمامه ومصرعه، إلا أن إحسانه شفع، وبيانه نفع ودفع، فحطّ عن تلك الرتب، وحمل إلى طرطوشة على القتب، فبقي هنالك معتقلاً في أبراجها نائي المنتهى، كأنما يناجي السّها، قد بعد ساكنه عن الأنيس، وقعد من النجم بمنزلة الجليس، تمرّ الطيور دونه ولا تجوزه، ويرى منه الثرى ولا يكاد يحوزه، فبقي فيه دهراً لا يرتقي إليه راق، ولا يرجى لبثّه راق، إلى أن أخرج منه إلى ثراه، واستراح مما عراه، فمن بديع نظمه قوله يصف المعقل، الذي فيه اعتقل:
يأوي إليه كلّ أعور ناعقوتهبّ فيه كلّ ريح صرصر
ويكاد من يرقى إليه مرّة ... من عمره يشكو انقطاع الأبهر ودخل ليلة على المنصور والمنصور قد اتكأ وارتفق، وتحلى بمجلسه ذلك الأفق، والدّنيا بمجلسه ذلك مسوقة، وأحاديث الأماني به منسوقة، فأمره
بالنزول فنزل في جملة الأصحاب، والقمر بظهر ويحتجب في السحاب، والأفق يبدو به أغرّ ثم يعود مبهماً، والليل يتراءى منه أشقر ثم يعود أدهماً، وأبو مروان قد انتشى، وجال في ميدان الأنس ومشى، وبرد خاطره قد دبجه السرور ووشى، فأقلقه ذلك المغيب والالتياح، وأنطقه ذلك السرور والارتياح، فقال:
أرى بدر السماء يلوح حيناًفيبدو ثمّ يلتحف السحابا
وذلك أنّه لمّا تبدّىوأبصر وجهك استحيا فغابا
مقال لو نمي عندي إليهلراجعني بذا حقّاً جوابا وله في مدة اعتقاله، وتردده في قيله وقاله:
شحط المزار فلا مزار، ونافرتعيني الهجوع فلا خيالّ يعتري
أزرى بصبري وهو مشدود العرىوألان عودي وهو صلب المكسر
وطوى سروري كلّه وتلذّذيبالعيش طيّ صحيفة لم تنشر
ها إنّما ألقى الحبيب توهّماًبضمير تذكاري وعين تذكّري
عجباً لقلبي يوم راعتني النوىودنا وداعي كيف لم يتفطر [رجع إلى المنصور]
وكان المنصور إذا أراد أمراً مهمّاً شاور أرباب الدولة الأكابر من خدام الدولة الأموية، فيشيرون عليه بالوجه الذي عرفوه وجرت الدولة الأمويّة عليه، فيخالفهم إلى المنهج الذي ابتدعه، فيقضون في أنفسهم
بالهلاك في الطريق الذي سلكه، والمهيع الذي اخترعه، فتسفر العاقبة عن السلامة التامة التي اقتضاها سعده، فيكثرون التعجب من موارد أموره ومصادرها.
وقيل له مرّة: إن فلاناً مشؤوم فلا تستخدمه، فقال: أفّ لسعد لا يغطي على شؤمه، فاستخدمه، ولم ينله من شؤمه الذي جرت به العادة شيء.
وحكي عنه أنّه كان في قصره با زاهرة، فتأمل محاسنه، ونظر إلى مياهه المطّردة، وأنصت لأطياره المغردة، وملأ عينه من الذي حواه من حسن وجمال، والتفت في الزاهرة من اليمين إلى الشمال، فانحدرت دموعه، وتجهم وقال: ويهاً لك يا زاهرة، فليت شعري من الخائن الذي يكون خرابك على يديه عن قريب؟ فقال له بعض خاصته: ما هذا الكلام الذي ما سمعناه من مولانا قطّ؟ وما هذا الفكر الرديء الذي لا يليق بمثله شغل البال به؟ فقال: والله لترون ما قلت، وكأنّي بمحاسن الزاهرة قد محيت، وبرسومها قد غيرت، وبمبانيها قد هدمت ونحّيت، وبخزائنها قد نهبت، وبساحاتها قد أضرمت بنار الفتنة وألهبت، قال الحاكي: فلم يكن إلاّ أن توفّي المنصور وتولى المظفّر ولم تطل مدته، فقام بالأمر أخوه عبد الرحمن الملقّب بشنجول، فقام عليه المهدي والعامّة، وكانت منهم عليه وعلى قومه الطامّة، وانقرضت دولة آل عامر، ولم يبق منهم آمر:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفاأنيسٌ ولم يسمر بمكّة سامر
بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر وخربت الزاهرة، وذهبت كأمس الدابر، وخلت منها الدسوت الملوكيّة
والمنابر، واستولى النهب على ما فيها من العدة والذخائر، والسلاح، وتلاشى أمرها فلم يرج لفسادها صلاح، وصارت قاعاً صفصفاً، وأديلت بأيام الترح عن أيام الفرح والصّفا.
ويروى أن بعض أولياء ذلك الزّمان مر بها، ونظر إلى مصانعها السامية الفائقة، ومبانيها العالية الرائقة، فقال: يا دار فيك من كل دار، فجعل الله منك في كل دار، قال الحاكي: فلم تكن بعد ذلك دعوة الرجل الصالح إلا أيام يسيرة حتى نهبت ذخائرها، وعمّ بالخراب سائرها، فلم تبق دار فيالأندلس إلى ودخلها من فيئها حصة كثيرة أو قليلة، وحقق الله تعالى دعاء ذلك الرجل الذي همّته مع ربّه جليلة.
وقد حكي أن بعض ما نهب منها بيع ببغداد وغيرها من البلاد المشرقية، فسبحان من لا يزول سلطانه ولا ينقضي ملكه لا إله إلا هو.
وتذكرت هنا ما رآه في المنام بعض أهل المغرب بالليلة التي انقرض فيها ملك الموحّدين أن شخصاً ينشده:
ملك بني مؤمن تولّىوكان فوق السّماك سمكه
فاعتبروا وانظروا وقولوا:سبحان من لا يبيد ملكه لا إله إلاّ هو
وكان المهدي القائم على العامريين ماجناً فاتكاً، وقال - وقد حيّاه في مجلس شرابه غلام بقضيب آس:
أهديت شبه قوامك الميّاسغصناً رطيباً ناعماً من آس
وكأنّما يحكيك في حركاته ... وكأنّما تحكيه في الأنفاس وكان المنصور بن أبي عامر حين تغلب على ملك الأمويين غير مكترث بمثل
المهدي المذكور، فسلطه الله تعالى على كل ما أسسه المنصور حتى هدمه، وأخّر كلّ ما قدّمه، ولم ينفع في ذلك احتياط ولا حزم، ولا رادّ للقضاء المبرم الجزم:
والله يحكم ما يشاء فلا تكن متعرضا [طرف من أخبار المنصور]
وقد قدمنا شيئاً من أخبار المنصور، ولا بأس أن نلمّ هنا ببعضها وإن حصل منه نوع تكرار في نبذة منها لارتباط الكلام بعضه ببعض.
قال بعض المحققين من المؤرخين: حجر المنصور بن أبي عامر على هشام المؤيد بحيث لم يره أحد منذ ولي الحجابة، وربما أركبه بعد سنين وجعل عليه برنساً، وعلى جواريه مثل ذلك، فلا يعرف منهن، ويأمر من ينحّي الناس من طريقه، حتى ينتهي المؤيد إلى موضع تنزهه، ثم يعود، غير أنّه أركبه بأبهة الخلافة في بعض الأيام لغرضٍ له، كما ألمعنا به فيما سبق، وكان المنصور إذا سافر وكل بالمؤيد من يفعل معه ذلك، فكان هذا من فعله سبباً لانقطاع ملك بني أمية من الأندلس، وأخذ مع ذلك في قتل من يخشى منه من بني أميّة خوفاً أن يثوروا به، وظهر أنّه يفعل ذلك شفقة على المؤيد، حتى أفنى من يصلح منهم للولاية، وربما سكن بعضهم البادية، وترك مجلس الأبهة وناديه، حتى قال بعض من ينقم على المنصور ذلك الفعل من قصيدة:
أبني أميّة أين أقمار الدّجىمنكم؟ وأين نجومها والكوكب؟
غابت أسودٌ منكم عن غابها ... فلذاك حاز الملك هذا الثعلب مع أن للمنصور مفاخر بذّ بها الأوائل والأواخر، من المثابة على جهاد
العدو، وتكرار الذهاب بنفسه في الرواح والغدوّ، وله مع المصحفي وغيره أخبار مرت ويأتي بعضها، ولا بأس أن نلخص ترجمة المصحفي فنقول:
[ترجمة المصحفي من المطمح]
قال الفتح في المطمح: الحاجب جعفر المصحفي - تجرّد للعليا، وتمرد في طلب الدنيا، حتى بلغ المنى، وتسوّغ ذلك الجنى، فسما دون سابقة، وارتمى إلى رتبة لم تكن لبنيته بمطابقة، فالتاح في أفياء الخلافة، وارتاح إليها بعطفه كنشوان السّلافة، واستوزره المستنصر، وعنه كان يسمع وبه كان يبصر، فأدرك بذلك ما أدرك، ونصب لأمانيه الحبائل والشّرك، واقتنى وادّخر، وأزرى بمن سواه وسخر، واستعطفه المنصور بن أبي عامر ونجمه بعد غائر لم يلح، وسرّه مكتوم لم يبح، فما عطف، ولا جنى من روضة دنياه ولا قطف، فأقام في تدبير الأندلس ما أقام والأندلس متغيرة، والأذهان في تكيف سعده متحيرة، فناهيك من ذكرٍ خلّد، ومن فخرٍ تقلّد، ومن صعبٍ راض، وجناح فتنةٍ هاض، ولم يزل بنجاد تلك الخلافة معتقلاً، وفي مطالعها منتقلاً، إلى أن توفّي الحكم، فانتقض عقده المحكم، وانبرت إليه النوائب، وتسدّدت إليه من الخطوب سهام صوائب، واتّصل إلى المنصور ذلك الأمر، واختص به كما مال بيزيد أخوه الغمر، وأناف في تلك الخلافة كما شبّ قبل اليوم عن طوقه عمرو، وانتدب للمصحفي بصدر كان أوغره، وساءه وصغّره، فاقتصّ من تلك الإساءة، وأغصّ حلقه بأي مساءة،
فأخمله ونكبه، وأرجله عمّا كان الدهر أركبه، وألهب جوارحه حزناً، ونهب له مدّخراً ومختزناً، ودمّر عليه ما كان حاط، وأحاط به من مكروهه ما أحاط، غبر سنين في مهوى تلك النكبة، وجوى تلك الكربة، ينقله المنصور معه في غزواته، ويعتقله بين ضيق المطبق ولهواته، إلى ان تكوّرت شمسهن وفاظت بين أثناء المحن نفسه، ومن بديع ما حفظ له في نكبته، قوله يستريح من كربته:
صبرت على الأيام لمّا تولّتوألزمت نفسي صبرها فاستمرّت
فوا عجباً للقلب كيف اعترافهوللنفس بعد العزّ كيف استذلّت
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتىفإن طمعت تاقت وإلاّ تسلّت
وكانت على الأيام نفسي عزيزةًفلمّا رأت صبري على الذل ذلّت
فقلت لها: يا نفس موتي كريمةً ... فقد كانت الدّنيا لنا ثمّ ولّت وكان له أدبٌ بارع، وخاطر إلى نظم القريض يسارع، فمن محاسن إنشاده، التي بعثها إيناس دهره بإسعاده، قوله:
لعينيك في قلبي عليّ عيونوبين ضلوعي للشجون فنون
لئن كان جسمي مخلقاً في يد الهوى ... فحبّك عندي في الفؤاد مصون وله وقد أصبح عاكفاً على حميّاه، هاتفاً بإجابة دنياه، مرتشفاً ثغر الأنس متنسماً ريّاه، والملك يغازله بطرف كليل، والسعد قد عقد عليه منه إكليل، يصف لون مدامه، وما تعرّف له منها دون ندامه:
صفراء تطرق في الزجاج فإن سرتفي الجسم دبّت مثل صلٍّ لادغ
خفيت على شرّابها فكأنّما ... يجدون ريّاً من إناء فارغ ومن شعره الذي قاله في السّفرجل مشبهاً، وغدا به لنائم البديع منبهاً، قوله يصف سفرجلة، ويقال إنّه ارتجله:
ومصفرّة تختال في ثوب نرجسوتعبق عن مسكٍ ذكيّ التّنفس
لها ريح محبوبٍ وقسوة قلبهولون محبّ حلّة السّقم مكتسي
فصفرتها من صفرتي مستعارةوأنفاسها في الطّيب أنفاس مؤنسي
وكان لها ثوبٌ من الزغب أغبرعلى جسم مصفرٍ من التّبر أملس
فلمّا استتمّت في القضيب شبابهاوحاكت لها الأوراق أثواب سندس
مددت يدي باللطف أبغي اجتناءهالأجعلها ريحانتي وسط مجلسي
فبزّت يدي غصباً لها ثوب جسمهاوأعريتها باللطف من كل ملبس
ولمّا تعرّت في يدي من برودهاولم تبق إلاّ في غلالة نرجس
ذكرت لها من لا أبوح بذكره ... فأذبلها في الكفّ حرّ التنفّس وله وقد أعاده المنصور إلى المطبق، والشجون تسرع إليه وتسبق، معزياً لنفسه، ومجتزياً بإسعاد أمسه:
أجازي الزمان على حالهمجازاة نفسي لأنفاسها
إذا نفسٌ صاعدٌ شفّهاتوارت به دون جلاّسها
وإن عكفت نكبة للزمان ... عطفت بنفسي على راسها وممّا حفظ له في استعطافه، واستنزاله للمنصور واستلطافه، قوله:
عفا الله عنك، ألا رحمةتجود بعفوك أن ابعدا
لئن جلّ ذنبٌ ولم أعتمدهفأنت أجلّ وأعلى يدا
ألم تر عبداً عدا طورهومولىً عفا ورشيداً هدى
ومفسد أمرٍ تلافيتهفعاد فأصلح ما أفسدا
أقلني أقالك من لم يزليقيك ويصرف عنك الرّدى
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع