تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

عود وانعطاف إلى أخبار المنصور بن أبي عامر رحمه الله تعالى، وجازاه عن

جهاده أفضل الجزاء بمنّه وكرمه وفضله وطوله، فنقول:

وكان له في كل غزوة من غزواته المنيفة على الخمسين مفخر من المفاخر الإسلاميّة، فمنها أن بعض الأجناد نسي رايته مركوزة على جبل بقرب إحدى مدائن الروم، فأقامت عدّة أيام لا يعرف الروم ما وراءها بعد رحيل العساكر، وهذا بلا خفاء ممّا يفتخر به أهل التوحيد على التثليث، لأنّهم لما أشرب قلوبهم خوف شرذمة المنصور وحزبه، وعلم كلّ من ملوكهم أنّه لا طاقة له بحربه، لجأوا إلى الفرار والتحصن بالمعاقل والقلاع، ولم يحصل منهم غير الإشراف من بعدٍ والاطلاع.

ومن مفاخر المنصور في بعض غزواته أنّه مرّ بين جبلين عظيمين في طريق عرض بريد بوسط بلاد الإفرنج، فلمّا جاوز ذلك المحل - وهو آخذ في التحريق والتخريب والغارات والسبي يميناً وشمالاً - لم يجسر أحد من الإفرنج على لقائه، حتى أقفرت البلاد مسافة أيام، ثم عاد فوجد الإفرنج قد استجاشوا من وراءهم، وضبطوا ذلك المدخل الضيق الذي بين جبلين، وكان الوقت شتاء، فلمّا رأى ما فعلوه رجع واختار منزلاً من بلادهم أناخ به فيمن معه من العساكر، وتقدم ببناء الدور والمنازل، وبجمع آلات الحرث ونحوها، وبث سراياه فسبت

وغنمت، فاسترقّ الصغار، وضرب أعناق الكبار، وألقى جثثهم حتى سدّ بها المدخل الذي من جهته، وصارت سراياه تخرج فلا تجد إلا بلداً خراباً، فلمّا طال البلاء على العدو أرسلوا غليه في طلب الصلح، وأن يخرج بغير أسرى ولا غنائم، فامتنع من ذلك، فلم تزل رسلهم تتردد إليه حتى سألوه أن يخرج بغنائمه وأسراه، فأجابهم: إن أصحابي أبوا أن يخرجوا، وقالوا: إنّا لا نكاد نصل إلى بلادنا إلا وقد جاء وقت الغزوة الأخرى، فنقعد ههنا إلى وقت الغزاة، فإذا غزونا عدنا، فمازال الإفرنج يسألونه إلى أن قرر عليهم أن يحملوا على دوابهم ما معه من الغنائم والسبي، وأن يمدّوه بالميرة حتى يصل إلى بلادهن وأن ينحّو جيف القتلى عن طريقه بأنفسهم، ففعلوا ذلك كلّه، وانصرف.

ولعمري إن هذا لعزٌّ ما وراءه مطمح، ونصر لا يكاد الزمان يجود بمثله ويسمح، خصوصاً إزالتهم جيف قتلاهم من الطريق، وغصصهم في شرب ذلك بالريق.

ومن مآثره التي هي في جبين عصره غرّة، ولعين دهره قرّة، أنّه لما ختن أولاده ختن معهم من أولاد أهل دولته خمسمائة صبي، ومن أولاد الضعفاء عدد لا ينحصر، فبلغت النفقة عليهم في هذا الإعذار، خمسمائة ألف دينار، وهذه مكرمة مخلّدة، ومنّة مقلّدة، فالله سبحانه يجازيه عن ذلك أفضل الجزاء، ويجعل للمسلمين في فقد مثله أحسن العزاء.

ومن مناقبه التي لم تتفق لغيره من الملوك في غالب الظنّ، أن أكثر جنده من سبيه على ما حققه بعض المؤرخين، وذلك غاية المنح من الله والمنّ.

ومن أخباره الدالة على إقبال أمره وخيبة عدوّه وإدباره، أنّه ما عاد قطّ من غزوة إلا استعدّ لأخرى، ولم تهزم له قطّ راية مع كثرة غزواته شاتية صائفة وكفاه ذلك فخراً.

ومنها أنّه لقيته - وقد عاد من بعض غزواته - امرأة نقمت عليه بلوغ مناه وشهواته، وقالت له: يا منصور، استمع ندائي، فأنت في طيب عيشك وأنا في بكائي، فسألها عن مصيبتها التي عمّتها وغمّتها، فذكرت له أن لها ابناً أسيراً في بلادٍ سمّتها، وأنها لا يهنأ عيشها لفقده، ولا يخبو ضرام قلقها من وقده، وأنشد لسان حالها ذلك الملك العلي:

أيا ويح الشجيّ من الخليّ ... فرحّب المنصور بها وأظهر الرقة بسببها، وخرج من القابلة إلى تلك المدينة التي فيها ابنها وجاس أقطارها وتخلّلها، حتى دوّخها إذ أناخ عليها بكلكله وذلّلها، وأعراها من حماتها وببنود الإسلام المنصورة ظلّلها، وخلّص جميع من فيها من الأسرى، وجلبت عوامله إلى قلوب الكفرة كسرا، وانقلبت عيون الأعداء حسرى، وتلا لسان حال المرأة " فإنّ مع العسر يسراً إنّ مع العسر يسراً ".

فهكذا تكون الهمة السلطانية، والنخوة الإيمانية، فالله سبحانه يروّح تلك الأرواح في الجنان، ويرقي درجاتها ويعاملها بمحض الفضل والامتنان.

[رسالة ابن عبد البر إلى المنصور الصغير]

وقد تذكرت هنا والحديث شجون، وفي ذكر المناسبات يبلغ الطلاب ما يرجون، كتاباً كتبه الأديب الكاتب أبو محمد ابن الإمام الحافظ محدث

الأندلس أبي عمر بن عبد البر النّميري، إلى المنصور بن أبي عامر، وهو من ذريّة المنصور الكبير الذي كنا نتحدّ في أخباره، يمتّ إليه بسلفه ومعاملتهم لمن تقدم من آبائه بتعظيم قدره وإكباره، وهو: عمر الله ببقاء مولاي ذي السابقتين بهجة أوطانه، وملّكه عنان زمانه، ومدّ عليه ظلال أمانه، إنّي، أبقى الله الملك الكريم، والسيد الزعيم، لما أضاءت لي أهلّة مفاخركم في سماء الفخار، وأشرقت شموس مكارمكم على مفارق الأحرار، وأبصرت شمائلك الزّهر تهدي إليك من الهمم كامنها، ومحاسن كالغر توقظ لك من الآمال نائمها، تيقنت أن بحقّ انقادت لك القلوب بأعنّتها، وتهادت إليك النفوس بأزمّتها، فآليت أن لا ألمّ إلاّ بحماك، ولا أحطّ رحلاً إلا بفناك، علماً بأنّك نثرة الفخر، وغرّة الدهر، فتيمّمت سارياً في ساطع نورك، متيمناً بيمن طائرك، محقّقاً للربح، موقناً بالفلج والنّجح، حتى حللت في دوحة المجد، وأنخت بدولة السعد، واستشعرت لبسة الشكر والحمد، وجعلت أنظم من جواهر الكلام، ما يربي على جواهر النّظام، وأنشر من عطر الثناء، ما يزري بالروضة الغنّاء، وحاشا للفهم أن يعطل ليلي من أقمارك،

أو يخلي أفقي من أنوارك، فأراني منخرطاً في غير سلكه، ومنحطّاً إلى غير ملكه، لا جرم أنّه من استضاء بالهلال، غني عن الذّبال، ومن استنار بالصباح، ألقى سنا المصباح، وتالله ما هزّت آمالي ذوائبها إلى سواك، ولا حدت أوطاري ركائبها إلى من عداك، ليكون فيّ أثر الوسميّ في الماحل، وعليّ جمال الحلي على العاطل، لسيادتك السنية، ورياستك الأولية، التي يقصر عنها لسان إفصاحي، ويعيا في بعضها بياني وإيضاحي، فالقراطيس عند بثّ مناقبك تفنى، والأقلام في رسم مآثرك تحفى، وما أمل المجدب، في حياة المخصب، ولا جذل المذنب، برضى المعتب، كأملي في التعزّز بحوزتك، والتجمّل بجملتك، والترفع بخدمتك، فالسعيد من نشأ في دولتك، وظهر في أمتك، واستضاء بعزتك، لقد فاز بالسبق من لحظته عين رعايتك، وكنفته حوزة حمايتك، فأنت الذي أمنت بعدله نوائب الأيام، وقويت بسلطانه دعائم الإسلام، تختال بك المعالي اختيال العروس، وتخضع لجلالك أعزة النفوس، سابقةٌ أشهر من الفجر، وفطنةٌ أنور من البدر، وهمة أنفذ من الدهر:

لقد فاز من أضحى بكم متمسّكاًيشدّ على تأميل عزّكم يدا
سلكت سبيل الفخر خلقاً مركباًوغيرك لا يأتيه إلا تجلّدا
فأنتم لواء الدين لا زال قيّماًبآرائكم في ظلمة الخطب يهتدى

ليهنكم مجدٌ تليدٌ بنيتم ... أغار سناه في البلاد وأنجدا ومثله أبقاه الله سبحانه يستثمر إيراقه، فيثمر جناه، ويستمطر إبراقه، فيمطر حياه، لا سيّما وإنّي نشأةٌ حفّها إحسان أولئك الطاهرين، وألفها إنعام أكابرك الأخيار الطيبين، وجديرٌ بقبولك وإقبالك، وبرّك وإجمالك، من أصله ثابت في أهل محبتكم، وفرعه نابت في خاصتكم:

وما رغبتي في عسجد أستفيدهولكنّها في مفخر أستجدّه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
فكلّ نوالٍ كان أو هو كائنفلحظة طرفٍ منك عند ندّه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
فكن في اصطناعي محسناً كمجربيبن لك تقريب الجواد وشدّه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»
إذا كنت في شك من السيف فابلهفإمّا تنافيه وإمّا تعدّه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

وما الصارم الهنديّ إلا كغيره ... إذا لم يفارقه النجاد وغمده ولا غرو أن يتطوّل مولاي بغرس الصنيعة في أزكى التراب، ووضع الهناء مكان النّقب، والله سبحانه يبقي مولاي آخذاً بزمام الفخر، ناهضاً بأعباء البر، مالكاً لأعنّة الدهر، وصنع الله سبحانه لسيدي أتم الصنع وأجمله، وأفضله وأكمله، بمنّه لا ربّ سواه، انتهى.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.