من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
رجع إلى أخبار المنصور الكبير محمد بن أبي عامر، ﵀ (٢)
[من ترجمة ابن زيدون في القلائد]
قال الفتح رحمه الله تعالى في ترجمة الوزير أبي الوليد بن زيدون، ما صورته: وأخبرني الوزير الفقيه أبو الحسين بن سراج رحمه الله تعالى أنّه في وقت فراره أضحى، غداة الأضحى، وقد ثار به الوجد بمن كان يألفه والغرام، وتراءت لعينيه تلك الظّباء الأوانس والآرام، وقد كان الفطر وافاه،
والشقاء قد استولى على رسم عافيته حتى عفاه، فلمّا عاده منهما ما عاد، وأعياه ذلك النكد المعاد، استراح إلى ذكر عهده الحسن، وأراح جفونه المسهّدة بتوهم ذلك الوسن، وذكر معاهد كان يخرج إليها في العيد، ويتفرج بها مع أولئك الغيد، فقال:
خليليّ لا فطرٌ يسرّ ولا أضحىفما حال من أمسى مشوقاً كما أضحى
لئن شاقني شرق العقاب فلم أزلأخصّ بممحوض الهوى ذلك السّفحا
وما انفكّ جوفيّ الرّصافة مشعريدواعي بثٍّ تعقب الأسف البرحا
ويهتاج قصر الفارسيّ صبابةًلقلبي لا يألو زناد الأسى قدحا
وليس ذميماً عهد مجلس ناصحفأقبل في فرط الولوع به نصحا
كأنّي لم أشهد لدى عين شهدةٍنزال عتابٍ كان آخره الفتحا
وقائع جانيها التجنّي فإن مشىسفير خضوعٍ بيننا أكّد الصّلحا
وأيّام وصلٍ بالعقيق اقتضيتهفإن لم يكن ميعاده العيد فالفصحا
وآصال لهوٍ في مسنّاة مالكٍمعاطاة ندمانٍ إذا شئت أو سبحا
لدى راكدٍ تصبيك من صفحاتهقوارير خضرٌ خلتها مرّدت صرحا
معاهد لذّاتٍ وأوطان صبوةٍأجلت المعلّى في الأماني بها قدحا
ألا هل إلى الزهراء أوبة نازحٍتقضّى تنائيها مدامعه نزحا
مقاصير ملكٍ أشرقت جنباتهافخلنا العشايا الجون أثناءها صبحا
يمثّل قرطيها لي الوهم جمرةًفقبّتها فالكوكب الجون فالسّطحا
؟ محلّ ارتياح يذكر الخلد طيبهإذا عزّ أن يصدى الفتى فيه أو يضحى
هناك الجمام الزّرق تندى حفافهاظلالٌ عهدت الدّهر فيها فتىً سمحا
تعوّضت من شدو القيان خلالهاصدى فلواتٍ قد أطار الكرى صبحا
ومن حملي الكأس المفدّى مديرهاتقحّم أهوال حملت لها الرمحا
أجل إنّ ليلي فوق شاطئ بيطة ... لأقصر من ليلي بآنة فالبطحا وهذه معاهد بني أمية قطعوا بها ليالي وأياماً، ظلّت فيها الحوادث عنهم نياماً، فهاموا بشرق العقاب، وشاموا به برقاً يبدو من نقاب، ونعموا بجوفيّ الرّصافة، وطعموا عيشاً تولى الدهر جلاءه وزفافه، وأبعدوا نصح الناصح، وحمدوا أنس مجلس ناصح، وعموا بالزهراء، وصمّوا عن نبإ صاحب الزوراء، حتى رحلهم الموت عنها وقوّضهم، وعوّضهم منها ما عوّضهم، فصاروا أحاديث وأنباء، ولم يتزودوا منها إلاّ حنوطاً وكباء، وغدت تلك المعاهد تصافحها أيدي الغير، وتناوحها نعبات الطير، وراحت بعد الزينة سدى، وأمست مسرحاً للبوم وملعباً للصّدى، يسمع للجنّ بها عزيف، ويصرع فيها البطل الباسل والنزيف، وكذا الدنيا أعمالها خراب، وآمالها آلٌ وسراب، أهلكت أصحاب الأخدود، وأذهبت ما كان بمأرب من حيازات وحدود، انتهى.
وقال الفتح بعد كلام ما صورته: ولما عضّته ناب الاعتقال، ورضّته تلك النّوب الثقال، وعوّض بخشانة العيش من اللين، وكابد قسوة خطبٍ لا تلين، وتذكّر عهد عيشه الرقيق، ومرحه بين الرّصافة والعقيق، وحنّ إلى سعد زرّت عليه جيوبه، واستهدى نسيم عيشٍ طاب له هبوبه، وتأسّى بمن
باتت له النوائب بمرصاد، ورمته بسهامٍ ذات إقصاد [وضيم من عهد الأحصّ إلى ذات الإصاد] فقال:
الهوى في طلوع تلك النجوموالمنى في هبوب ذاك النّسيم
سرّنا عيشنا الرقيق الحواشيلو يدوم السرور للمستديم
وطرٌ ما انقضى إلى أن تقضّىزمنٌ ما ذمامه بالذّميم
أيّها المؤدني بظلم اللّياليليس يومي بواحدٍ من ظلوم
ما ترى البدر إن تأمّلت والشمس هما يكسفان دون النجوم
وهو الدّهر ليس ينفكّ ينحو ... بالمصاب العظيم نحو العظيم وقال الفتح أيضاً في شأن ابن زيدون، ما صورته:
ولما تعذر انفكاكه، وعفّر فرقده وسماكه، وعادته الأوهام والفكر، وخانه من أبي الحزم الصارم الذّكر، قال يصف ما بين مسرّاته وكروبه، ويذكر بعد طلوع أمله من غروبه، ويبكي لما هو فيه من التعذير، ويعذر أبا الحزم وليس له غيره من عذير، ويتعزى بإنحاء الدهر على الأحرار، وإلحاحه على التمام بالسّرار، ويخاطب ولاّدة بوفاء عهده، ويقيم لها البراهين على أرقه وسهده:
ما جال بعدك لحظي في سنا القمرإلا ذكرتك ذكر العين بالأثر
ولا استطلت ذماء اللّيل من أسفٍإلاّ على ليلةٍ سرّت مع القصر
في نشوةٍ من شباب الوصل موهمةٍأن لا مسافة بين الوهن والسّحر
يا ليت ذاك السّواد الجون متّصلقد استعار سواد القلب والبصر
يا للرّزايا لقد شافهت منهلهاغمراً فما أشرب المكروه بالغمر
لا يهنإ الشّامت المرتاح خاطرهأنّي معنّى الأماني ضائع الخطر
هل الرياح بنجم الأرض عاصفةأم الكسوف لغير الشمس والقمر
إن طال في السجن إيداعي فلا عجبقد يودع الجفن حدّ الصارم الذّكر
وإن يثبّط أبا الحزم الرضى قدرعن كشف ضرّي فلا عتب على القدر
من لم أزل من تأنّيه على ثقةٍولم أبت من تجنّيه على حذر وله يتغزل، ويعاتب من يستعطفه ويتنزل:
يا مستخفّاً بعاشقيهومستغشّاً لناصحيه
ومن أطاع الوشاة فيناحتى أطعنا السّلوّ فيه
الحمد لله إذ أرانيتكذيب ما كنت تدّعيه
من قبل أن يهزم التّسلّي ... ويغلب الشوق ما يليه وما أحسن قول ابن زيدون المذكور في قصيدته النونية الشهيرة:
غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوابأن نغصّ فقال الدّهر آمينا [موشحة ابن الوكيل]
ومن أغرب ما وقفت عليه موشّحى لابن الوكيل دخل فيها على أعجاز نونية ابن زيدون، وهي:
غدا منادينا محكّماً فينايقضي علينا الأسى لولا تأسّينا
بحر الهوى يغرقمن فيه جهده عام
وناره تحرقمن همّ أو قد هام
وربّما يقلقفتىً عليه نام
قد غيّر الأجسام وصيّر الأيّامسوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا
يا صاحب النّجوىقف واستمع مني
إيّاك أن تهوىإنّ الهوى يضني
لا تقرب البلوىاسمع وقل عنّي
بحاره مرّه خضنا على غرّهحيناً فقام بها للنّعي ناعينا
من هام بالغيدلاقى بهم همّا
بذلت مجهوديلأحورٍ ألمى
يهمّ بالجودوردّ ما همّا
وعندما قد جاد بالوصل أو قد كادأضحى التنائي بديلاً من تدانينا
بحقّ ما بينيوبينكم إلا
أقررتم عينيفتجمعوا الشّملا
فالعين بالبينبفقدكم أبلى
جديد ما قد كان بالأهل والإخوانومورد اللهو صافٍ من تصافينا
يا جيرةً بانتعن مغرم صبّ
لعهده خانتمن غير ما ذنب
ما هكذا كانتعوائد العرب
لا تحسبوا البعدا يغيّر العهداإذ طالما غيّر النأي المحبينا
يا نازلاً بالبانبالشّفع والوتر
والنمل والفرقانوالليل آذا يسر
وسورة الرحمنوالنحل والحجر
هل حل في الأديان أن يقتل الظمآنمن كان صرف الهوى والود يسقينا
يا سائل القطرعرّج على الوادي
من ساكني بدروقف بهم نادي
عسى صباً تسريلمغرم صادي
إن شئت تحيينا بلّغ تحيينامن لو على البعد حيّاً كان يحيينا
وافت لنا أيامكأنّها أعوام
وكان لي أعوامكأنّها أيّام
تمرّ كالأحلامبالوصل لي لو دام
والكأس مترعة حثّت مشعشعةفينا الشّمول وغنّانا مغنّينا
[من ترجمة بني القبطورنة]
رجع إلى ما يتعلّق بقرطبة: قال الوزير أبو بكر بن القبطرنة، يخاطب الوزير أبا الحسين ين سراج، ويذكر لمّةً من إخوانه بقرطبة:
يا سيّدي وأبي هوىً وجلالةًورسول ودّي إن طلبت رسولا
عرّج بقرطبةٍ ولذ إن جئتهابأبي الحسين وناده تمويلا
فإذا سعدت بنظرة من وجههفاهد السلام لكفّه تقبيلا
واذكر له شكري وشوقي مجملاًولو استطعت شرحته تفصيلا
بتحيّةٍ تهدى إليه كأنّماجرّت على زهر الرياض ذيولا
وأشمّ منها المصحفيّ على النّوىنفساً ينسّي السوسن المبلولا
وإلى أبي مروان منه نفحةتهدي له نور الرّبى مطلولا
وإذا لقيت الأخطبيّ فسقّهمن صفو ودّي قرقفاً وشمولا
وأبو عليٍّ سقّ منها ربعهمسكاً بماء غمامة محلولا
واذكر لهم زمناً يهبّ نسيمهأصلاً كنفث الراقيات عليلا
مولىً ومولي نعمةٍ وكرامةوأخا إخاء مخلصاً وخليلا
بالحير ما عبست هناك غمامةإلاّ تضاحك إذخراً وجليلا
يوماً وليلاً كان ذلك كلّهسحراً وهذا بكرةً وأصيلا
لا أدركت تلك الأهلّة دهرها ... نقصاً ولا تلك النجوم أفولا قال أبو نصر: الحير الذي ذكره هنا حير الزّجّالي خارج باب اليهود بقرطبة الذي يقول فيه أبو عامر بن شهيد:
لقد أطلعوا عند باب اليهودشمساً أبى الحسن أن تكسفا
تراه اليهود على بابها ... أميراً فتحسبه يوسفا وهذا الحير من أبدع المواضع وأجملها، وأتمها حسناً وأكملها، صحنه مرمر صافي البياض، يخترقه جدول كالحيّة النّضناض، به جابية، كل لجّة بها كابية، قد قربصت بالذهب واللازورد سماؤه، وتأزّرت بهما جوانبه وأرجاؤه، والروض قد اعتدلت أسطاره، وابتسمت من كمائمها أزهاره، ومنع الشمس أن ترمق ثراه، وتطّر النسيم بهبوبه عليه ومسراه، شهدت له ليالي وأيّاماً كأنّما تصورت من لمحات الأحباب، أو قدّت من صفحات أيام الشباب، وكانت لأبي عامر بن شهيد به فرجٌ وراحات، أعطاه فيها الدهر ما شاء، ووالى عليه الصحو والانتشاء، وكان هو وصاحب الروض المدفون بإزائه أليفي صبوة، وحليفي نشوة، عكفا فيه على جريالهما، وتصرفا بين زهوهما واختيالهما، حتى ردّاهما الردى، وعداهما الحمام عن ذلك المدى، فتجاورا في الممات، تجاورهما في الحياة، وتقلصت عنهما وارفات تلك الفيئات، وإلىذلك العهد أشار ابن شهيد وبه عرّض، وبشوقه صحح وما مرض، حيث يقول عند موته يخاطب أبا مروان صاحبه وأمر أن يدفن بإزائه
ويكتب على قبره:
يا صاحبي قم فقد أطلناأنحن طول المدى هجود؟
فقال لي: لن نقوم منهاما دام من فوقنا الصّعيد
تذكر كم ليلةٍ نعمنافي ظلّها والزمان عيد
وكم سرورٍ همى عليناسحابةً ثرّةً تجود؟
كلٌّ كأن لم يكن تقضّىوشؤمه حاضر عتيد
حصّله كاتب حفيظوضمّه صادق شهيد
يا ويلنا إن تنكّبتنارحمة من بطشه شديد
يا ربّ عفواً فأنت مولىًقصّر في أمرك العبيد انتهى
ثم قال بعد كلام: وركب أبو الحسن ابن القبطرنة إلى سوق الدواب بقرطبة ومعه أبو الحسين ابن سراج، فنظر إلى أبي الحكم ابن حزم غلاماً كما عقّ تمائمه، وهو يروق كأنّه زهر فارق كمائمه، فسأل أبا الحسين ابن سراج أن يقول فيه، فأرتج عليه، فثنى عنان القول إليه، فقال:
رأى صاحبي عمراّ فكلّف وصفهوحمّلني من ذاك ما ليس في الطوق
فقلت له: عمروٌ كعمروٍ، فقال لي: ... صدقت ولكن ذاك شبّ على الطوق وكان بنو القبطرنة بالأندلس أشهر من نار على علم، وقد تصرفوا في البراعة والقلم، ولهم الوزارة المذكورة، والفضائل المشكورة، ولذا قال أبو
نصر في حقهم ما صورته:
هم للمجد كالأثافي، وما منهم إلاّ موفور القوادم والخوافي، إن ظهروا زهروا، وإن تجمّعوا، تضوّعوا، وإن نطقوا، صدقوا، ماؤهم صفو، وكل واحد منهم لصاحبه كفو، أنارت بهم نجوم المعالي وشموسها، ودانت لهم أرواحها ونفوسها، ولهم النظام الصافي الزجاجة، المضمحل العجاجة، انتهى.
ثم قال: وبات منهم أبو محمد مع أخويه في أيام صباه، واستطابة جنوب الشّباب وصباه، بالمنية المسماة بالبديع، وهو روض كان المتوكل يكلف بموافاته، ويبتهج بحسن صفاته، ويقطف رياحينه وزهره، ويوقف عليه إغفاءه وسهره، ويستفزّه الطرب متى ذكره، وينتهز فرص الأنس فيه روحاته وبكره، ويدي حميّاه على ضفة نهره، ويخلع سره فيه لطاعة جهره، ومعه أخواه فطاردوا اللذّات حتى أنضوها، ولبسوا برود السرور وما نضوها، حتى صرعتهم العقار، وطلّحتهم تلك الأوقار، فلمّا همّ رداء الفجر أن يندى، وجبين الصبح أن يتبدّى، قام الوزير أبو محمد فقال:
يا شقيقي وافى الصباح بوجهٍستر الليل نوره وبهاؤه
فاصطبح واغتنم مسرّة يومٍليست تدري بما يجيء مساؤه ثم استيقظ أخوه أبو بكر فقال:
يا أخي قم تر النّسيم عليلاباكر الرّوض والمدام شمولا
لا تنم واغتنم مسرّة يومٍإنّ تحت التراب نوماً طويلا
في رياضٍ تعانق الزهر فيها ... مثل ما عانق الخليل الخليلا ثمّ استيقظ أخوهما أبوالحسن، وقد هبّ من غفلة الوسن، فقال:
يا صاحبيّ ذرا لومي ومعتبتيقم نصطبح خمرةً من خير ما ذخروا
وبادرا غفلة الأيام واغتنما ... فاليوم خمرٌ ويبدو في غدٍ خبر وساق صاحب البدائع هذه القصّة فقال: وذكر الفتح ما هذا معناه أنّه خرج الوزراء بنو القبطرنة إلى المنية المسماة بالبديع، وهو روض قد اخضرّت مسارح نباته، واخضلّت مساري هبّاته، ودمعت بالطّلّ عيون أزهاره، وذاب على ربرجده بلّور أنهاره، وتجمعت فيه المحاسن المتفرّقة، وأضحت مقل الحوادث عنه مطرقة، فخيول النسيم تركض في ميادينه فلا تكبو، ونصول السواقي تحسم أدواء الشجر فلا تنبو، والزروع قد نقّبت وجه الثرى، وحجبت الأرض عن العيون فما تبصر ولا ترى، وكان المتوكل بن الأفطس يعدّه غاية الأرب، ويعدّه مشهداً للطرب، ومدفعاً للكرب، فباتوا فيه ليلتهم يديرون لمع لهب يتمنون فيه الخلود، ويتحسّون ذوب ذهب لا يصهر به ما في بطونهم والجلود، حتى تركتهم ابنة الخابية، كأنّهم أعجاز نخل خاوية، فلمّا هزم روميّ الصباح زنجيّ الظلام، ونادى الديك حيّ على المدام، انتبه
كبيرهم أبو محمد مستعجلاً، وأنشد مرتجلاً يا شقيقي ... إلخ فانتبه أخوه أبو بكر لصوته، وتخوّف لذهاب ذلك الوقت وفوته، وأنبه أخاهما أبا الحسن وهو يرتجل يا أخي قم تر النسيم ... إلخ فانتبه أخوه لكلامه، دافعاً لذة منامه للذة قيامه، وارتجل يا صاحبيّ ذرا ... إلخ انتهى.
قال الفتح: ولمّا أمر المعتمد بن عباد أبا بكر بن القبطرنة السابق الذكر مع الوزير أبي الحسين ابن سراج بلقاء ذي الوزارتين أبي الحسن ابن اليسع القائد والمشي إليه، والنزول عليه، تنويهاً لمقدمه، وتنبيهاً على حظوته لديه وتقدمه، قصارا إلى بابه، فوجداه مقفراً من حجّابه، فاستغربا خلوّه من خول، وظنّ كلّ واحد منهما وتأوّل، ثم أجمعا على قرع الباب، ورفع ذلك الارتياب، فخرج وهو دهش، وأشار إليهما بالتحيّة ويده ترتعش، وأنزلهما خجلاً، ومشى بين أيديهما عجلاً، وأشار إلى شخص فتوارى بالحجاب، وبارى الريح سرعةً في الاحتجاب، فقعدا ومقلة الخشف، ترمق من خلال السّجف، فانصرفا عنه، وعزما أن يكتبا إليه بما فهما منه، فكتبا إليه:
سمعنا خشفة الخشفوشمنا طرفة الطّرف
وصدّقنا ولم نقطعوكذّبنا ولم ننف
وأغضينا لإجلالك عن أكرومة الظّرف
ولم تنصف وقد جئناك ما ننهض من ضعف
وكان الحكم أن تحمل أو تردف في الرّدف
فراجعهما في الحين بقطعة منها:
أيا أسفي على حالٍسلبت بها من الظرف
ويا لهفي على جهلي ... بصنفٍ كان من صنف انتهى. ولأهل الأندلس في مغاني الأنس الحسان، ما لا يفي به لسان.
[من ترجمة ابن حسداي]
وقال الفتح في ترجمة الوزير أبي الفضل بن حسداي، بعد كلام، ما صورته: فمنها هذه القطعة التي أطلعها نيّرة، وترك الألباب بها متحيرة، في يوم كان عند المقتدر بالله مع علية، قد اتخذوا المجد حلية، والأمل قد سفر لهم عن محيّاه، وعبق لهم عن ريّاه، فصافحه الكل منهم وحيّاه، وشمس الراح، دائرة على فلك الراح، والملك يشر فضله، وينثر وابله وطلّه، يسدي العلاء، ويهب الغنى والغناء، فصدحت الغواني، وأفصحت المثالث والمثاني، بما استنزل من مرقب الوقار، وسرى في النفوس مسرى العقار:
توريد خدّك للأحداق لذّاتعليه من عنبر الأصداغ لامات
نيران هجرك للعشّاق نار لظىًلكنّ وصلك إن واصلت جنّات
كأنّما الراح والراحات تحملهابدور تمٍّ وأيدي الشّرب هالات
حشاشة ما تركنا الماء يقتلهاإلا لتحيا بها منّا حشاشات
قد كان في كأسها من قبلها ثقلٌفخفّ إذ ملئت منها الزّجاجات
عهدٌ للبنى تقاضته الأماناتبانت وما قضيت منها لبانات
يدني التوهّم للمشتاق منتزحاًمن الأمور، وفي الأوهام راحات
تقضى عداتٌ إذا هبّ الكرى، وإذاهبّ النسيم فقد تهدى تحيّات
زورٌ يعلّل قلب المستهام بهدهراً، وقد بقيت في النفس حاجات
لعلّ عتب اللّيالي أن يعود إلىعتبى فتبلغ أوطارٌ ولذّات
حتى نفوز بما جاد الخيال به ... فربما صدقت تلك المنامات ولما أعرس المستعين بالله ببنت الوزير الأجلّ أبي بكر بن عبد العزيز احتفل أبوه المؤتمن في ذلك احتفالاً شهره، وأبدع فيه إبداعاً راق من حضره وبهره، فإنّه أحضر فيه من الآلات المبتدعة، والأدوات المخترعة، ما بهر الألباب، وقطع دون معرفتها الأسباب، واستدعى إليه جميع أعيان الأندلس، من دانٍ وقاص، ومطيع وعاص، فأتوه مسرعين، ولبّوه متبرعين، وكان مدير تلك الآراء ومدبّرها، ومنشئ مخاطباتها ومحبّرها، الوزير الكاتب أبو الفضل، وصدرت عنه في ذلك الوقت كتب ظهر إعجازها، وبهر اقتضابها وإيجازها، فمن ذلك ما خاطب به صاحب المظالم أبا عبد الرحمن بن طاهر:
محلّك أعزّك الله في طيّ الجوانح ثابتٌ وإن نزحت الدار، وعيانك في أحناء الضلوع بادٍ وإن شحط المزار، فالنفس فائزة منك بتمثّل الخاطر بأوفر الحظ، والعين نازعة إلى أن تمتع من لقائك بظفر اللحظ، فلا عائدة أسبغ بردا، ولا موهبة أسوغ وردا، من تفضلك بالخفوف إلى مأنسٍ يتم بمشاهدتك التئامه، ويتصل بمحاضرتك انتظامه، ولك فضل الإجمال، بالإمتاع من ذلك بأعظم الآمال، وأنا أعزّك الله على شرف سؤددك حاكم، وعلى مشرع سنائك حائم، وحسبي ما تتحقّقه من نزاعي وتشوّقي، وتتيقنه من تطلعي وتتوّقي، وقد تمكن الارتياح باستحكام الثقة، واعترض الاقتراح باستحباب الصلة، وأنت وصل الله سعدك بسماحة شيمك، وبارع كرمك، تنشئ للمؤانسة عهدا، وتوري بالمكارمة زندا، وتقتضي بالمشاركة شكراً حافلاً وحمدا، لا زلت مهنّأً بالسعود المقبلة، مسوّغاً اجتلاء غرر الأماني المتهللة، بمنّه، انتهى.
ثم قال بعد هذا بيسير، ما نصّه: وركب المستعين بالله يوماً نهر سرقسطة يريد طراد لذته، وارتياد نزهته، وافتقاد أحد حصونه المنتظمة بلبّته، واجتمع له من أصحابه، من اختصه لاستصحابه، وفيهم أبو الفضل مشاهداً لانفراجهم، سالكاً لمناهجهم، والمستعين قد أحضر من آلات إيناسه، وأظهر من أنواع ذلك وأجناسه، ما راق من حضر، وفاق حسنه الروض الأنضر، والزوارق قد حفّت به، والتفّت بجوانبه، ونغمات الأوتار تحبس السائر عن عدوه، وتخرس الطائر المفصح بشدوه، السمك تثيرها المكايد، وتغوص إليها المصايد، فتبرز منها للعين، قضبان درٍّ أو سبائك لجين، والراح لا
يطمس لها لمع، ولا يبخس منها بصر ولا سمع، والدهر قد غضت صروفه، واقتص من نكره معروفه، فقال:
لله يومٌ أنيقٌ واضح الغررمفضّضٌ مذهب الآصال والبكر
كأنّما الدهر لمّا ساء أعتبنافيه بعتبى وأبدى صفح معتذر
نسير في زورقٍ حفّ السّفين بهمن جانبيه بمنظومٍ ومنتثر
مدّ الشراع به نشراً على ملكٍبذّ الأوائل في أيّامه الأخر
هو الإمام الهمام المستعين حوىعلياء مؤتمن عن هدي مقتدر
تحوي السفينة منه آيةً عجباًبحرٌ تجمّع حتى صار في نهر
تصاد من قعره النينان مصعدةصيداً كما ظفر الغوّاص بالدّرر
وللنّدامة به عبٌّ ومرتشفٌكالريق يعذب في وردٍ وفي صدر
والشّرب في مدح مولىً خلقه زهرٌيذكو وغرّته أبهى من القمر [من ترجمة ابن السيد]
وقال في ترجمة العلامة الكبير، الأستاذ أبي محمد عبد اله بن السّيد البطليوسي شارح أدب الكتاب وسقط الزّند وغيرهما، ما صورته: أخبرني أنّه حضر مع المأمون بن ذي النون في مجلس الناعورة بالمنية التي تطمح إليها المنى، ومرآها هو المقترح والمتمنى، والمأمون قد احتبى، وأفاض الحبا، والمجلس يروق كالشمس في أفقه، والبدر [كالتاج] في مفرقه، والنّور عبق، وعلى ماء النهر مصطبح ومغتبق، والدولاب يئنّ كناقة إثر الحوار، أو كثكلى من حرّ الأوار، والجوّ قد عنبرته أنواؤه، والروض قد رشّته
أنداؤه، والأسد قد فغرت أفواهها، ومجت أمواهها، فقال:
يا منظراً إن نظرت بهجتهأذكرني حسن جنّة الخلد
تربة مسكٍ، وجوّ عنبرةٍ،وغيم ندّ، وطشّ ما ورد
والماء كاللاّزورد قد نظمتفيه اللآلي فواغر الأسد
كأنما جائل الحباب بهيلعب في جانبيه بالنرد
تراه يزهو إذا يحلّ به المأمون زهو الفتاة بالعقد
تخاله إن بدا به قمراًتمّاً بدا في مطالع السّعد
كأنّما ألبست حدائقهما حاز من شيمةٍ ومن مجد
كأنّما جادها فروّضهابوابلٍ من يمينه رغد
لا زال في رفعةٍ مضاعفةٍ ... متمّم الرّفد وادي الزّند وقال في وصف هذا المجلس بعينه، في الكتاب الذي أفرده لترجمة ابن السّيد، ما صورته: فمن ذلك أنّه حضر مع القادر بالله بن ذي النون بمجلس الناعورة بطليطلة في المنية المتناهية البهاء والإشراق، المباهية لزوراء العراق، التي ينفح شذاها العطر، ويكاد من الغضارة يمطر، والقادر بالله ﵀ قد التحف الوقار وارتداه، وحكّم العقر في جوده ونداه، والمجلس يشرق كالشمس في الحمل، ومن حواه يبتهج كالنفس عند منال الأمل، والزهر عبق، وعلى ماء النهر مصطبح ومغتبق، والدولاب يئنّ كناقة إثر حوار، إلى آخر ما سبق.
وقال ابن ظافر في وصف هذا المجلس حاذياً حذو الفتح، ما صورته:
حضر الأستاذ أبو محمد ابن السّيد عند المأمون ابن ذي النون في بعض منتزهاته، في وقت طاب نعيمه، وسرت بالسعودنجومه، والروض قد أجاد وشيه راقمه، والماء قد جرت بين الأعشاب أراقمه، وثمّ بركة مملوّة، كأنّها مرآة مجلوّة، قد اتخذت سباع الصّفر بشاطئها غاباً، ومجّت بها من سائغ الماء لعاباً، فكأنّها آساد عين، أدلعت ألسنة من لجين، وهي لا تزال تقذف الماء ولا تفتر، وتنظم لآلي الحباب بعدما تنثر، فأمره بوصف ذلك الموضع، الذي تخد إليه ركائب القلوب وتوضع، فقال بديهاً يا منظراً ... إلخ، انتهى.
ثم قال الفتح في هذا التصنيف بعد كلام في المذكور، ما نصّه: وما أبدع قوله في وصف الراح، والحضّ على النّبذ للهموم والاطّراح، بمعاطاة كاسها، وموالاة إيناسها، ومعاقرة دنانها، واهتصار ثمار الفتوّة وأفنانها، والإعراض عن الأيّام وأنكادها، والجري في ميدان الصّبوة إلى أبعد آمادها:
سلّ الهموم إذا نبا زمنبمدامة صفراء كالذّهب
مزجت فمن درّ على ذهبٍطافٍ ومن حببٍ على لهب
وكأنّ ساقيها يثير شذا ... مسكٍ لدى الأقوام منتهب ولله هو فقد ندب إلى المندوب، وذهب إلى مداواة القلوب من الندوب، وإبرائها من الآلام، وإهدائها كلّ تحيّةٍ وسلام، وإبهاجها بآصال وبكر، وعلاجها من هموم وفكر، في زمن حلي عاطله، وجلي في أحسن الصور
باطله، ونفقت محالاته، وطبقت أرضه وسماءه استحالاته، فليثه كأسد، وذئبه مستأسد، وحفّاثه تنمّر، وبغاثه قد استنسر، فلا استراحة إلا في معاطاة حميّا، ومواخاة وسيم المحيّا، وقد كان ابن عمار ذهب مذهبه، وفضّضه بالإبداع وذهّبه، حين دخل سرقسطة ورأى غباوة أهلها، وتكاثف جهلها، وشاهد منهم من لا يعلم معنى ولا فصلاً، وواصل من لا يعرف قطعاً ولا وصلاً، فأقبل على راحه يتعاطاها، وعكف عليها ما تعدّاها ولا تخطّاها، حتى بلغه أنهم نقموا معاقرته العقار، وجالت ألسنتهم في توبيخه مجال ذي الفقار، فقال:
نقمتم عليّ الرّاح أدمن شربهاوقلتم فتى راحٍ وليس فتى مجد
ومن ذا الذي قاد الجياد إلى الوغىسواي ومن أعطى كثيراً ولم يكد؟
فديتكم لم تفهموا السّرّ، إنّما ... قليتكم جهدي فأبعدتكم جهدي ودعي ابن السّيد ليلة إلى مجلس قد احتشد فيه الأنس والطرب، وقرع فيه السرور نبعه بالغرب، ولاحت نجوم أكواسه، وفاح نسيم رنده وآسه، وأبدت صدور أباريقه أسرارها، وضمّت عليه المجالس أزرارها، والراح يديرها أهيف أوطف، والأماني تجنى وتقطف، فقال:
يا ربّ ليلٍ قد هتكت حجابهبمدامةٍ وقّادة كالكوكب
يسعى بها أحوى الجفون كأنّهامن خدّه ورضاب فيه الأشنب
بدران بدرٌ قد أمنت غروبهيسعى ببدر جانح للمغرب
فإذا نعمت برشف بد غاربفانعم برشفة طالعٍ لم يغرب
حتى ترى زهر النّجوم كأنّهاحول المجرّة ربربٌ في مشرب
والليل منحفزٌ يطير غرابه ... والصّبح يطرده ببازٍ أشهب ثم قال الفتح، بعد كلام كثير، ما صورته: ودخل - يعني ابن السّيد - سرقسطة أيام المستعين وهي جنّة الدنيا، وفتنة المحيا، ومنتهى الوصف، وموقف السرور والقصف، ملك نمير البشاشة، كثير الهشاشة، وملك أبهج الفناء، أرج الأرجاء، يروف المجتلي، ويفوق النجم المعتلي، وحضرة منسابة الماء، منجابة السماء، يبسم زهرها، وينساب نهرها، وتتفتح خمائلها، وتتضوع صباها وشمائلها، والحوادث لا تعترضها، والكوارث لا تقرضها، ونازلها من عرس إلى موسم، وآملها متصل بالأماني ومتّسم، فنزل منها في مثل الخورنق والسدير، وتصرف فيها بين روضة وغدير، فلم يخف على المستعين احتلاله، ولم تخف لديه خلاله، فذكره معلماً به ومعرّفاً، وأحضره منوّهاً به ومشرّفاً، وقد كان فرّ من ابن رزين، فرار السرور من نفس الحزين، وخلص من اعتقاله، خلوص السيف من صقاله، فقال يمدحه:
هم سلبوني حسن صبري إذ بانوابأقمار أطواق مطالعها بان
لئن غادروني باللوى إنّ مهجتيمسايرة أظعانهم حيثما كانوا
سقى عهدهم بالخيف عهد غمائمينازعها نهرٌ من الدمع هتّان
أأحبابنا هل ذلك العهد راجعٌوهل لي عنكم آخر الدهر سلوان
ولي مقلةٌ عبرى وبين جوانحيفؤادٌ إلى لقياكم الدهر حنّان
تنكرت الدنيا لنابعد بعدكموحفّت بنا من معضل الخطب ألوان
أناخت بنا في أرض شنتمريّةٍهواجس ظنّ خان والظنّ خوان
وشمنا بروقاً للمواعيد أتعبتنواظرنا دهراً ولم يهم تهتان
فسرنا وما نلوي على متعذرإذا وطنٌ أقصاك آوتك أوطان
ولا زاد إلاّ ما انتشته من الصّباأنوفٌ وحازته من الماء أجفان
رحلنا سوام الحمد عنها لغيرهافلا ماؤها صدّا ولا النبت سعدان
إلى ملك حاباه بالمجد يوسفوشاد له البيت الرفيع سليمان
إلى مستعين بالإله مؤيّدٍ،له النصر حزبٌ والمقادير أعوان
جفتنا بلا جرم كأنّ مودّةًثنى نحونا منها الأعنّة شنآن
ولو لم تفد منّا سوى الشّعر وحدهلحقّ لنا برٌّ عليه وإحسان
فكيف ولم نجعل بها الشّعر مكسباًفيوجب للمكدي جفاءٌ وحرمان
ولا نحن ممن يرتضي الشعر خطّةوإن قصرت عن شأونا فيه أعيان
ومن أوهمته غير ذاك ظنونهفثمّ مجال للمقال وميدان
خليليّ من يعدي على زمن لهإذا ما قضى حيفٌ عليّ وعدوان
وهل ريء من قبلي غريق مدامعٍيفيض بعينيه الحيا وهو حرّان
وهل طرفت عين لمجدٍ ولم يكنلها مقلة من آل هود وإنسان
وبوجه ابن هودٍ كلما أعرض الورىصحيفة إقبال لها البشر عنوان
فتى المجد في برديه بدرٌ وضيغموبحرٌ وقدسٌ ذو الهضاب ثهلان
من النفر الشّمّ الذين أكفّهمغيوث ولكنّ الخواطر نيران
ليوث شرىً ما زال منهم لدى الوغىهزبرٌ بيمناه من السّمر ثعبان
وهل فوق ما قد شاد مقتدرٌ لهمومؤتمن بالله لقياه إيمان
ألا ليس فخر في الورى غير فخرهموإلاّ فإنّ الفخر زور وبهتان
فيا مستعيناً مستعاناً لمن نبابه وطن يوماً وعضّته أزمان
كسوتك من نظمي قردة مفخريباهي بها جيد الزمان ويزدان
وإن قصرت عمّا لبست فربّماتجاور درٌّ في النظام ومرجان
معانٍ حكت غنج الحسان كأنّنيبهن حبيب أو بطليوس بغداد
إذا غرست كفّاك غرس مكارم ... بأرضي أجنتك الثنا منه أغصان وقال في وصف مجلس لأبي عيسى ابن لبّون أحضر إليه ابن السّيد منوهاً بقدره، ما صورته: وأحضره إلى مجلس نام عنه الدهر وغفل، وقام لفرط أنسه واحتفل، قد بانت صروفه، ودنت من الزائر قطوفه، وقال: هلمّ بنا إلى الاجتماع بمذهبك، والاستمتاع بما شئته ببراعة أدبك، فأقاموا يعملون كاسهم، ويصلون إيناسهم، وباتوا ليلهم ما طرقهم نوم، ولا عداهم عن طيب اللّذّات سوم.
ثم قال بعد كلام كثير: وحضر ابن السّيد عند عبد الرحمن الظافر بن ذي النون مجلساً رفعت في المنى لواءها، وخلعت عليه أضواءها، وزفّت
إليه المسرات أبكارها، وفارقت إليه الطير أوكارها، فقال يصفه:
[ومجلس جمّ الملاهي أزهراألذّ في الأجفان من طعم الكرى]
لم تر عيني مثله ولا ترىأنفس في نفسي وأبهى منظرا
إذا تردّى وشيه المصوّرامن حوك صنعاء وحوك عبقرا
ونسج قرقوب ونسج تستراخلت الربيع الطلق فيه نوّرا
كأنّما الإبريق حين قرقراقد أمّ لثم الكأس حين فغرا
وحشيّة ظلّت تناغي جؤذراترضعه الدّرّ ويرنو حذرا
كأنّما مجّ عقيقاً أحمراأو فتّ من ريّاه مسكاً أذفرا
أو عابد الرحمن يوماً ذكرافنمّ مسكاً ذكره وعنبرا
الظافر الملك الذي من ظفرابقربه نال العلاء الأكبرا
لو أنّ كسرى راءه أو قيصراهلّل إكباراً له وكبّرا
تبدي سماء الملك منه قمراإذا حجاب المجد عنه سفرا
يا أيها المنضي بالسّرىتبغي غمام المكرمات الممطرا [من ترجمة ابن العطار]
وقال الفتح في ترجمة الأديب أبي القاسم ابن العطار، ما صورته:
هو أحد أدباء إشبيلية ونحاتها، العامرين لأرجاء المعارف وساحاتها، ولولا مواصلة راحاته، وتعطيل بكره وروحاته، وموالاته للفرج، ومغالاته في عرف للأنس أو أرج، لا يعرّج إلا على ضفة نهر، ولا يلهج إلا بقطعة
زهر، ولا يحفل بملام، ولا يتنقل إلى في طاعة غلام، ناهيك من رجل مخلوع العنان في ميدان الصبابة، مغرم بالحسان غرام يزيد بحبابة، لا تراه إلا في ذمّة انهماك، ولا تلقاه إلا في لمّة انتهاك، رافعاً لرايات الهوى، فارعاً لثنيّات الجوى، لا يقفر فؤاده من كلف، ولا يبيت إلاّ رهن تلف، أكثر خلق الله تعالى علاقة، وأحضرهم لمشهد خلاقة، مع جزالةٍ تحرك السكون وتضحك الطير في الوكون، وقد أثبتّ له ما يرتجله في أوقات أنسه وساعاته، وينفث به أثناء زفراته ولوعاته، فمن ذلك ما قاله في يوم ركب فيه النهر على عادات انكشافه، وارتضاعه لثغور اللذّات وارتشافه:
عبرنا سماء النهر والجوّ مشرقٌوليس لنا إلا الحباب نجوم
وقد ألبسته الأيك برد ظلالهاوللشمس في تلك البرود رقوم وله فيه:
مررنا بشاطي النهر بين حدائقٍبها حدق الأزهار تستوقف الحدق
وقد نسجت كف النسيم مغاضةعليه وما غير الحباب لها حلق وله:
هبت الريح بالعشي فحاكتزردة للغدير ناهيك جنه
وانجلى البدر بعد هدء فصاغتكفّه للقتال منه أسنّه
وقوله:
لله بهجة منزهٍ ضربت بهفوق الغدير رواقها الأنشام
فمع الأصيل النهر درعٌ سابغٌومع الضّحى يلتاح منه حسام وله:
ما كالعشيّة في رواء جمالهاوبلوغ نفسي منتهى آمالها
ما شئت شمس الأرض مشرقة السّناوالشمس قد شدّت مطيّ رحالها
في حيث تنساب المياه أراقماًوتعيرك الأفياء برد ظلالها وله:
لله حسن حديقة بسطت لنامنها النفوس سوالفٌ ومعاطف
تختال في حلل الربيع وحليهومن الربيع قلائدٌ ومطارف [من ترجمة ابن عمّار]
وقال الفتح في ترجمة ابن عمار: أخبرني ذو الوزارتين الأجلّ أبو المطرّف ابن عبد العزيز أنّه حضر معه عند المؤتمن في يوم جادت فيه السماء بهطلها، وأتبعت وبلها بطلّها، وأعقب رعدها برقها وانسكب دراكاً ودقها، والأزهار قد تجلّت من كمامها، وتحلّت بدرّ غمامها، والأشجار قد جلي صداها، وتوشّحت بنداها، وأكؤس الراح كأنّها كواكب تتوقّد، تديرها أنامل تكاد من اللطافة تعقد، إذا بفتىً من فتيان المؤتمن أخرس لا يفصح،
ومستعجم لا يبين ولا يوضح، متنمّر تنمّر الليث، متشمّر كالبطل الفارس عند الغيث، وقد أفاض على نفسه درعاً، تضيق بها الأسنّة ذرعاً، وهو يريد استشارة المؤتمن في التوجّه إلى موضع بعثه إليه ووجّهه، وكلّ من صده عنه نهره ونهجه، حتى وصل إلى مكان انفراده، ووقف بإزاء وساده، فلمّا وقعت عين ابن عمّار عليه، أشار بيده إليه، وقرّبه واستدناه، وضمّه إليه كأنّه تبنّاه، وحدّ أن يخلع عنه ذلك الغدير، وأن يكون هو الساقي والمدير، فأمره المؤتمن بخلعه، وطاعة أمره وسمعه، فنضاه عن جسمه، وقام يسقي على حكمه ورسمه، فلمّا دبت فيه الحميّا، وشبت غرامه بهجة ذلك المحيّا، واستنزلته سورة العقار، من مرقب الوقار، قال:
وهويته يسقي المدام كأنّهقمرٌ يدور بكوكب في مجلس
متأرّج الحركات تندى ريحهكالغصن هزّته الصّبا بتنفّس
يسعى بكأسٍ في أنامل سوسنٍويدير أخرى من محاجر نرجس
يا حامل السيف الطويل نجادهومصرّف الفرس القصير المحبس
إيّاك بادرة الوغى من فارسٍخشن القناع على عذار أملس
جهمٍ وإن حسر اللّثام فإنّماكشف الظلام عن النهار المشمس
يطغى ويلعب في دلال عذارهكالمهر يمرح في اللجام المجرس
سلم فقد قصف القنا غصن النقاوسطا بليث الغاب ظبي المكنس
عنّا بكاسك، قد كفتنا مقلةحوراء قائمة بسكر المجلس
وأورد هذه القصة صاحب البدائع بقوله: حضر أبو المطرّق ابن عبد العزيز عند المؤتمن بن هود في يوم أجرى الجوّ فيه أشقر برقه، ورمى بنبل ودقه، وتحملت الرياح في أوقار السحاب على أعناقها، وتمايلت قامات الأغصان في الحلل الخضر من أوراقها، والرياح قد أشرقت نجومها في بروج الراح، وحاكت شمسها شمس الأفق فتلفعت بغيوم الأقداح، ومديرها قد ذاب ظرفاً فكاد يسيل من إهابه وأخجل خدّها حسناً فتظلل بعرق حبابه، إذا بفتى من فتيان المؤتمن قد أقبل متدرّعاً كالبدر اجتاب سحاباً، والخمر قد اكتست حباباً، وقد جاء يريد استشارة المؤتمن في الخروج إلى موضع كان عوّل فيه عليه، وأمره أن يتوجّه إليه، فحين لمحه ابن عمار والسكر قد استحوذ على لبّه، وبثّ سراياه في ضواحي قلبه، جدّ في أن يستخرج تلك الدرة من ماء ذلك الدّلاص، وأن يجلّي عنه سهكه كما يجلّى الخبث عن الخلاص، وأن يكون هو الساقي، فأمره المؤتمن بقبول أمره وامتثاله، واحتذاء مثاله، فحين ظهرت تلك الشمس من حجبها، ورميت شياطين النفوس من كميت المدام بشهبها، ارتجل ابن عمار وهويته ... إلخ إلا أنّه قال إثر قوله:
إيّاك بادرة الوغى من فارسما صورته:
يضع السنان على العذار الأملسولابن عمار الرائية المشهورة في مدح المعتضد عباد والد المعتمد، وهي:
أدر المدامة فالنسيم قد انبرىوالنجم قد صرف العنان عن السّرى
والصبح قد أهدى لنا كافورهلمّا استردّ الليل منّا العنبرا
والروض كالحسنا كساه زهرهوشياً وقلّده نداه جوهرا
أو كالغلام زها بورد خدودهخجلاً وتاه بآسهنّ معذّرا
روضٌ كأنّ النهر فيه معصمٌصافٍ أطلّ على رداء أخضرا
وتهزه ريح الصّبا فتخالهسيف ابن عباد يبدّد عسكرا
عبّادٌ المخضرّ نائل كفّهوالجوّ قد لبس الرداء الأغبرا
ملكٌ إذا ازدحم الملوك بموردٍونحاه لا يردون حتى يصدرا
أندى على الأكباد من قطر الندىوألذّ في الأجفان من سنة الكرى
يختار إذ يهب الخريدة كاعباًوالطّرف أجرد والحسام مجوهرا
قدّاح زند المجد لا ينفكّ مننار الوغى إلاّ إلى نار القرى
لا خلق أقرأ من شفار حسامهإن كنت شبّهت المواكب أسطرا
أيقنت أنّي من ذراه بجنّةلمّا سقاني من نداه الكوثرا
وعلمت حقاً أنّ ربعي مخصبٌلمّا سألت به الغمام الممطرا
من لا توازنه الجبال إذا احتبىمن لا تسابقه الرياح إذا جرى
ماضٍ وصدر الرمح يكهم والظّباتنبو وأيدي الخيل تعثر في الثرى
قاد الكتائب كالكواكب فوقهممن لأمهم مثل السّحاب كنهورا
من كلّ أبيض قد تقلّد أبيضاًعضباً وأسمر قد تقلّد أسمرا
ملك يروقك خلقه أو خلقهكالرّوض يحسن منظراً أو مخبرا
أقسمت باسم الفضل حتى شمتهفرأيته في بردتيه مصوّرا
وجهلت معنى الجود حتى زرتهفقرأته في راحتيه مفسّرا
فاح الثرى متعطّراً بثنائهحتى حسبنا كلّ ترب عنبرا
وتتوّجت بالزّهر صلع هضابهحتى ظننّا كلّ هضب قيصرا
هصرت يدي غصن الغنى من كفّهوجنت به روض السّرور منوّرا
حسبي على الصّنع الذي أولاه أنأسعى بجدّ أو أموت فأعذرا
يا أيّها الملك الذي حاز العلاوحباه منه بمثل حمدي أنورا
السيف أفصح من زيادٍ خطبةًفي الحرب إن كانت يمينك منبرا
ما زلت تغني من عنا لك راجياًنيلاً وتفني من عتا وتجبّرا
حتى حللت من الرياسة محجراًرحباً وضمّت منك طرفاّ أحورا
شقت بسيفك أمّةٌ لم تعتقدإلاّ اليهود وإن تسمّت بربرا
أثمرت رمحك من رؤوس ملوكهملمّا رأيت الغصن يعشق مثمرا
وصبغت درعك من دماء كماتهملمّا علمت الحسن يلبس أحمرا
وإليكها كالروض زارته الصّباوحنا عليه الطّلّ حتى نوّرا
نمّقتها وشياً بذكرك مذهباًوفتقتها مسكاً بحمدك أذفرا
من ذا ينافحني وذكرك مندلٌأوردته من نار فكري مجمرا
فلئن وجدت نسيم مدحي عاطراًفلقد وجدت نسيم برّك أعطرا
[من ترجمة ابن وهبون]
وقال في ترجمة عبد الحليل بن وهبون المرسي: ركب بإشبيلية زورقاً في نهرها الذي لا تدانيه الصّراة، ولا يضاهيه الفرات، في ليلة تنقبت بظلمتها، ولم يبد وضحٌ في دهمتها، وبين أيديهم شمعتان قد انعكس شعاعهما في اللجّة، وزاد في تلك البهجة، فقال:
كأنّما الشّمعتان إذ سمتاخدّا غلامٍ محسّن الغيد
وفي حشا النهر من شعاعهما ... طريق نار الهوى إلى كبدي وكان معه غلام البكري معاطياً للراح، وجارياً في ميدان ذلك المراح، فلمّا جاء عبد الجليل بما جاء، وحلّى للإبداع الجوانب والأرجاء، حسده على ذلك الارتجال، وقال بين البطء والاستعجال:
أعجب بمنظر ليلةٍ ليلاءتجنى بها اللذّات فوق الماء
في زورقٍ يزهو بغرّة أغيدٍيختال مثل البانة الغيناء
قرنت يداه الشمعتين بوجههكالبدر بين النّسر والجوزاء
والتاح تحت الماء ضوء جبينهكالبرق يخفق في غمام سماء [من ترجمة ابن طاهر]
وقال الفتح ﵀: دعيت يوماً إلى منية المنصور بن أبي عامر ببلنسية،
وهي منتهى الجمال، ومزهى الصّبا والشمال، على وهي بنائها، وسكنى الحوادث برهة بفنائها، فوافيتها والصبح قد ألبسها قميصه، والحسن قد شرح بها عويصه، وبوسطها مجلس قد تفتّحت للروض أبوابه، وتوشّحت بالأزر الذهبية أثوابه، يخترقه جدول كالحسام المسلول، وينساب فيه انسياب الأيم في الطّلول، وضفّاته بالأدواح محفوفة، والمجلس يروق كالخريدة المزفوفة، وفيه يقول عليّ بن أحمد أحد شعرائها، وقد حلّه مع طائفة من وزرائها:
قم سقّني والرياض لابسةٌوشياً من النّور حاكه القطر
في مجلسٍ كالسماء لاح بهمن وجه من قد هويته بدر
والشمس قد عصفرت غلائلهاوالأرض تندى ثيابها الخضر
والنهر مثل المجرّ حفّ به ... من الندامى كواكبٌ زهر فحللت ذلك المجلس وفيه أخدان، كأنّهم الولدان، وهم في عيش لدن، كأنّهم في جنّة عدن، فأنخت لديهم ركائبي وعقلتها، وتقلدت بهم رغائبي واعتقلتها، وأقمنا نتنعم بحسنه طول ذلك اليوم، ووافى الليل فذدناعن الجفون طروق النوم، وظللنا بليلة كأن الصبح منها مقدود، والأغصان تميس كأنّها قدود، والمجرّة تتراءى نهراً، والكواكب تخالها في الجو زهراً، والثريّا كأنّها راحة تشير، وعطارد لنا بالطرب بشير، فلمّا كان من الغد وافيت الرئيس أبا عبد الرحمن زائراً، فأفضنا في الحديث إلى أن أفضى بنا إلى ذكر
منتزهنا بالأمس، وما لقينا فيه من الأنس، فقال لي: ما بهجة موضع قد بان قطينه وذهب، وسلب الزمان بهجته وانتهب، وباد فلم يبق إلاّ رسمه، ومحاه الحدثان فما كاد يلوح وسمه، عهدي به عندما فرغ من تشييده، وتنوهي في تنسيقه وتنضيده، وقد استدعاني إليه المنصور في يوم حلّت فيه الشمس برج شرفها، واكتست الأرض بزخرفها، فحللت به والدوح تميس معاطفه، والنّور يخجله قاطفه، والمدام تطلع به وتغرب، وقد حلّ به قحطان ويعرب، وبين يدي المنصور مائة غلام ما يزيد أحدهم على العشر غير أربع، ولا يحل غير الفؤاد من مربع، وهم يديرون رحيقاً، خلتها في كأسها درّاً أو عقيقاً، فأقمنا والشّهب تغازلنا، وكأن الأفلاك منازلنا، ووهب المنصور في ذلك اليوم ما يزيد على عشرين ألفاً من صلات متصلات، وأقطع ضياعاً، ثم توجع لذلك العهد، وأفصح بما بين ضلوعه من الوجد، وقال:
سقياً لمنزلة اللّوى وكثيبهاإذ لا أرى زمناً كأزماني بها [من رسالة للفتح]
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع