من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الخامس في التعريف ببعض من رحل من الأندلسيين إلى بلاد المشرق الزاكية العرار (١١)
وصانك من قد صنت في حقه دمي ... وغيرك ن ثوب المروءة يسلب ولم يزل الوزير - لا أزال الله عنه رضاه - يحمي جانبي، إلى أن أصابتني فيه العين، فأصابه الحين، فقلت في ذلك:
وطيب نفسي أنّه مات عندماتناهى ولم يشمت به كلّ حاسد
ويحكم فيه كلّ من كان حاكماًعليه ويعطي الثأر كلّ معاند وقلت أرثيه:
بكت لك حتى الهاطلات السواكبوشقّت جيوباً فيك حتّى السحائب
فكيف بمن دافعت عنه ومن بهأحاطت وقد بوعدت عنه المصائب
ألا فانظروا دمعي فأكثره دمٌولا تذهبوا عني فإنّي ذاهب
وقولوا لمن قد ظلّ يندب بعدهوفاؤك لو قامت عليك النوادب
لعمرك ما في الأرض وافٍ بذمّةٍأيصمت إدريس ومثلي يخاطب
دعوتك يا من لا أقوم بشكرهفهل أنت لي بعد الدعاء مجاوب
أيا سيّداً قد حال بيني وبينهترابٌ حوت ذكراك منه الترائب
لمن أشتكي إن جار بعدك ظالمّعليّ وإن نابت جنابي النّوائب
لمن أرتجي عند الأمير بمنطقٍتحفّ به حولي المنى والمواهب وهي طويلة، ومنها قبيل الختم:
وقد كنت أختار الترحّل قبل أنيصيبك سهمٌ للمنيّة صائب
ولكن قضاء الله من ذا يردّهفصبراً فقد يرضى الزمان المغاضب
ومنها، وهو آخرها:
وإنّي لأدري أنّ في الصبر راحةًإذا لم تكن فيه عليّ مثالب
وإن لم يؤب من كنت أرجو انتصاره ... عليك فلطف الله نحوي آيب قال رحمه الله تعالى: ولما قدمت مصر والقاهرة أدركتني فيهما وحشة، وأثار لي تذكّر ما كنت أعهد بجزيرة الأندلس من المواضع المبهجة التي قطعت بها العيش غضّاً خصيباً، وصحبت بها الزمان ولبست الشباب قشيباً، فقلت:
هذه مصر فأين المغربمذ نأى عني دموعي تسكب
فارقته النّفس جهلاً إنّمايعرف الشيء إذا ما يذهب
أين حمصٌ أين أيامي بهابعدها لم ألق شيئاً يعجب
كم تقضّى لي بها من لذةٍحيث للنهر خريرٌ مطرب
وحمام الأيك تشدو حولناوالمثاني في ذراها تصخب
أيّ عيشٍ قد قطعناه بهاذكره من كلّ نعمى أطيب
ولكم بالمرج لي من لذةٍبعدها ما العيش عندي يعذب
والنواعير التي تذكارهابالنّوى عن مهجتي لا تسلب
ولكم في شنتبوسٍ من منىًقد قضيناه ولا من يعتب
[حيث هاتيك الشراجيب التيكم بها من حسن بدر معصب]
وغناءٌ كلّ ذي فقرٍ لهسامعٌ غصباً ولا من يغصب
بلدةٌ طابت وربٌّ غافرٌليتني ما زلت فيها أذنب
أين حسن النيل من نهرٍ بهاكلّ نغماتٍ لديه تطرب
كم به من زورقٍ قد حلّهقمرٌ ساقٍ وعودٌ يضرب
لذة النّاظر والسمع علىشمّ زهرٍ وكؤوسٍ تشرب
كم ركبناها فلم تجمح بناولكم من جامحٍ إذ يركب
طوعنا حيث اتجهنا لم نجدتعباً منها إذا ما نتعب
قد أثارت عثيراً يشبههنثر سلكٍ فوق بسطٍ ينهب
كلّما رشنا لها أجنحةًمن قلاعٍ ظلت منها تعجب
كطيورٍ لم تجد ريّاً لهافبدا للعين منها مشرب
بل على الخضراء لا أنفكّ منزفرةٍ في كلّ حين تلهب
حيث للبحر زئيرٌ حولهاتبصر الأغصان منه ترهب
كم قطعنا الليل فيها مشرقاًبحبيبٍ ومدامٍ يسكب
وكأنّ البحر ثوبٌ أزرقٌفيه للبدر طرازٌ مذهب
وإلى الحور حنيني دائماًوعلى شنّيل دمعي صيّب
حيث سلّ النهر عضباً وانثنتفوقه القضب وغنّى الربرب
وتشفّت أعين العشّاق منحور عينٍ بالمواضي تحجب
ملعبٌ للهو مذ فارقتهما ثناني نحو لهوٍ ملعب
وإلى مالقةٍ يهفو هوىًقلب صبٍّ بالنوى لا يقلب
أين أبراجٌ بها قد طالماحثّ كأسي في ذراها كوكب
حفّت الأشجار عشقاً حولناتارةً تنأى وطوراً تقرب
جاءت الريح بها ثم انثنتأتراها حذرت من ترقب
وعلى مرسيةٍ أبكي دماًمنزلٌ فيه نعيمٌ معشب
مع شمسٍ طلعت في ناظريثم صارت في فؤادي تغرب
هذه حالي، وأمّا حالتيفي ذرا مصر ففكر متعب
سمعت أذني محالاً، ليتهالم تصدّق ويحها من يكذب
وكذا الشيء إذا غاب انتهوافيها وصفاً كي يميل الغيّب
ها أنا فيها فريدٌ مهملٌوكلامي ولساني معرب
وأرى الألحاظ تنبو عندماأكتب الطرس أفيه عقرب
وإذا أحسب في الديوان لميدر كتّابهم ما أحسب
وأنادى مغربيّاً، ليتنيلم أكن للغرب يوماً أنسب
نسبٌ يشرك فيه خاملٌونبيهٌ، أين منه المهرب
أتراني ليس لي جدٌّ لهشهرةٌ أو ليس يدرى لي أب
سوف أثني راجعاً لا غرّنيبعد ما جرّبت برقٌ خلّب وقال بقرمونة متشوقاً إلى غرناطة:
أغثني إذا غنّى الحمام المطرّببكأسٍ بها وسواس فكري ينهب
ومل ميلةً حتى أعانق أيكةًوألثم ثغراً فيه للصّبّ مشرب
ولم أر مرجاناً ودرّاً خلافهيطيف به وردٌ من الشهد أعذب
فديتك من غصنٍ تحمّله نقاًتطلّع أعلاه صباحٌ وغيهب
وجنّته جنّات عدنٍ وفي لظىًفؤادي وما لي من ذنوبٍ تعذب
ويعذلني العذّال فيه وإنّنيلأعصي عليه من يلوم ويعتب
لقد جهلوا، هل عين حياتي أنثنيإذا نمّقوا أقوالهم وتألّبوا
يقولون لي قد صار ذكرك مخلقاًوأصبح كلٌّ في هواه يؤنّب
وعرضك مبذولٌ، وعقلك تالفٌوجسمك مسلوبٌ، ومالك ينهب
فقلت لهم عرضي وعقلي والعلاوفخري لا أرضى بها حين يغضب
جنونٌ أبى أن لا يلين لعازمٍبسحرٍ بآيات الرّقى ليس يذهب
فقالوا ألا قد خان عهدك قلت لميخن من إذا قرّبته يتقرّب
وكم دونه من صارم ومثقّفٍفيا من رأى بدراً بهذين يحجب
على أنّه يستسهل الصعب عندمايزور فلا يجدي حمىً وترقّب
وكم حيلةٍ تترى على إثر حالةٍوذو الودّ من يحتال أو يتسبب
على أنّه لو خان عهدي لم أزلله راعياً، والرعي للصبّ أوجب
فأين زمانٌ لم يخنّي ساعةًبه وهو منّي في التنعّم أرغب
ولا فيه من بخلٍ ولا بي قناعةٌكلانا بلذّات التواصل معجب
ويا ربّ يومٍ لا أقوم بشكرهعلى أنّني ما زلت أثني وأطنب
على نهر شنّيلٍ وللقضب حولنامنابر ما زالت بها الطّير تخطب
وقد قرعت منه سبائك فضّةخلال رياضٍ بالأصيل تذهّب
شربنا عليها قهوةً ذهبيّةًغدت تشرب الألباب أيّان تشرب
كأن ياسميناً وسط وردٍ تفتّحتأزاهره أيّان في الكأس تسكب
إذا ما شربناها لنيل مسرّةٍتبسّم عن درٍّ لها فتقطّب
أتت دونها الأحقاب حتى تخالهاسراباً بآفاق الزّجاجة يلعب
نعمنا بها واليوم قد رقّ بردهإلى أن رأينا الشمس عنّا تغرّب
فقالوا ألا هاتوا السراج فكلّ مندرى قدر ما في الكأس أقبل يعجب
وقال ألا تدرون ما في كؤوسكمفلا كأس إلا وهو في الليل كوكب
كواكب أمست بين شرب ولم نخلبأنّ النجوم الزّهر تدنو وتغرب
ظللنا عليها عاكفين وليلنانهارٌ إلى أن صاح بالأيك مطرب
فلم نثن عن دين الصّبوح عنانناإلى أن غدا من ليس يعرف يندب
صرعنا فأمسى يحسب السكر قد قضىعلينا، وذاك السكر أشهى وأعجب
وكم ليلةٍ في إثر يومٍ وعذّليوعذّل من يصغي لقولي خيّب
فيا ليت ما ولّى معادٌ نعيمه ... وأيّ نعيمٍ عند من يتغرّب قال: وقلت بإشبيلية ذاكراً لوادي الطّلح، وهو بشرق إشبيلية ملتف الأشجار، كثير مترنم الأطيار، وكان المعتمد بن عباد كثيراً ما ينتابه مع رميكيّته، وأولي أنسه ومسرته:
سائل بوادي الطّلح ريح الصّباهل سخّرت لي في زمان الصّبا
كانت رسولاً فيه ما بيننالن نأمن الرّسل ولن نكتبا
يا قاتل الله أناساً إذااستؤمنوا خانوا، فما أعجبا
هلاّ رعوا أنّا وثقنا بهموما اتخذنا عنهم مذهبا
يا قاتل الله الذي لم يتبمن غدرهم من بعد ما جرّبا
واليمّ لا يعرف ما طعمهإلاّ الذي وافى لأن يشربا
دعني من ذكر الوشاة الألىلمّا يزل فكري بهم ملهبا
واذكر بوادي الطّلح عهداً لنالله ما أحلى وما أطيبا
بجانب العطف وقد مالت الأغصان والزهر يبثّ الصّبا
والطير مازت بين ألحانهاوليس إلاّ معجباً مطربا
وخانني من لا أسمّيه منشحٍّ أخاف الدهر أن يسلبا
قد أترع الكأس وحيّا بهاوقلت أهلاً بالمنى مرحبا
أهلاً وسهلاً بالذي شئتهيا بدر تمٍّ مهدياً كوكبا
لكنني آليت أسقى بهاأو تودعنها ثغرك الأشنبا
فمجّ لي في الكأس من ثغرهما حبّب الشرب وما طيّبا
فقال: ها لثمي نقلاً ولاتشمّ إلاّ عرفي الأطيبا
فاقطف بخدي الورد والآس والنسرين لا تحفل بزهر الرّبى
أسعفته غصناً غدا مثمراًومن جناه ميسه قرّبا
قد كنت ذا نهيٍ وذا إمرةٍحتّى تبدّى فحللت الحبا
ولم أصن عرضي في حبّهولم أطع فيه الذي أنّبا
حتى إذا ما قال لي حاسديترجوه والكوكب أن يغربا
أرسلت من شعري سحراً لهييسّر المرغب والمطلبا
وقال عرّفه بأنّي سأحتال فما أجتنب المكتبا
فزاد في شوقي له وعدهولم أزل مقتعداً مرقبا
أمدّ طرفي ثم أثنيه منخوف أخي التنغيص أن يرقبا
أصدّق الوعد وطوراً أرىتكذيبه والحرّ لن يكذبا
أتى ومن سخّره بعدماأيأس بطئاً كاد أن يغضبا
قبّلت في الترب ولم أستطعمن حصر اللّقيا سوى مرحبا
هنّأت ربعي إذ غدا هالةًوقلت: يا من لم يضع أشعبا
بالله مل معتنقاً لاثماًفمال كالغصن ثنته الصّبا
وقال ما ترغب قلت: اتئدأدركت إذ كلّمتني المأربا
فقال: لا مرغب عن ذكر ماترغبه، قلت: إذاً مركبا
فكان ما كان، فوالله ما ... ذكرته دهري أو أغلبا قال: وقلت باقتراح الملك الصالح نور الدين صاحب حمص أن أكتب بالذهب على تفاحة عنبر قدمها لابن عمه الملك الصالح ملك الديار المصرية:
أنا لون الشباب والخال أهديت لمن قد كسا الزمان شبابا
ملك العالمين نجم بين أيوب، لا زال في المعالي مهابا
جئت ملأى من الثناء عليهمن شكور إحسانه والثوابا
لست ممّن له خطابٌ ولكن ... قد كفاني أريج عرفي خطابا قال: ولما أنشد أبو عبد الله ابن الأبّار كاتب ملك إفريقية لنفسه:
لله دولابٌ يدور كأنّهفلكٌ ولكن ما ارتقاه كوكب
هامت به الأحداق لمّا نادمتمنه الحديقة ساقياً لا يشرب
نصبته فوق النهر أيدٍ قدّرتترويحه الأرواح ساعة ينصب
فكأنّه وهو الطليق مقيّدٌوكأنّه وهو الحبيس مسيّب
للماء فيه تصعّدٌ وتحدّرٌ ... كالمزن يستسقي البحار ويسكب حلف أبو عبد الله ابن أبي الحسين ابن عمي أن يصنع في ذلك شيئاً، فقال:
ومحنيّة الأضلاع تحنو على الثرىوتسقي نبات الترب درّ الترائب
تعدّ من الأفلاك أنّ مياههانجومٌ لرجم المحل ذات ذوائب
وأعجبها رقص الغصون ذوابلاًفدارت بأمثال السيوف القواضب
وتحسبها والروض: ساقٍ وقينةفما برحا ما بين شادٍ وشارب
وما خلتها تشكو بتحنانها الصدىومن فوق متنيها اطّراد المذانب
فخذ من مجاريها ودهمة لونا ... بياض العطايا في سواد المطالب " ثم كلفت في أن أقول في ذلك، وأنا أعتذر بأن هذين لم يتركا لي ما أقول:
وذات حنينٍ لا تزال مطيفةًتئنّ وتبكي بالدموع السواكب
كأنّ أليفاً بان عنها فأصبحتبمربعه كالصّبّ بعد الحبائب
إذا ابتسمت فيها الرياض شماتةًترعها بأمثال السيوف القواضب
فكم رقصت أغصانها فرمت لهانثاراً كما بدّدت حلي الكواعب
لقد سخطت منها الثغور وأرضت القدود ولم تحفل بتثريب عائب
شربت على تحنانها ذهبيّةًذخيرة كسرى في العصور الذواهب
فهاجت لي الكأس ادّكار مغاضبٍفحاكيتها وجداً بذاك المغاضب
فلا تدع التبريز في كثرة الهوىفلولاي كانت في إحدى العجائب قال: وقلت بغرناطة:
باكر اللهو ومن شاء عتبلا يلذّ العيش إلاّ بالطّرب
ما توانى من رأى الزهر زهاوالصّبا تمرح في الرّوض خبب
وشذاه صانه حتّى اغتدىبين أيدي الريح غصباً ينتهب
يا نسيماً عطّر الأرجاء، هلبعثوا ضمنك ما يشفي الكرب
هم أعلّوه وهم يشفونهلا شفاه الله من ذاك الوصب!
خلع الروض عليه زهرهحين وافى من ذراكم فعل صبّ
فأبى إلا شذاه فانثنىحاملاً من عرفه ما قد غصب
لست ذا نكرٍ لأن يشبهكممن بعثتم، غير ذا منه العجب
غالب الأغصان في بدأتهثمّ لمّا زاد أعطته الغلب
فبكى الطّلّ عليها رحمةًأو بكى من وعظ طيرٍ قد خطب
كلّ هذا قد دعاني للّتيملكت رقّي على مرّ الحقب
قهوةٌ أبسم من عجب لهاعندما تسم عجباً عن حبب
حاكت الخمر فلما شعشعتقلت ما للخمر بالماء التهب
وبدت من كأسها لي فضّةٌملئت إذ جمدت ذوب الذهب
سقّينها من يدي مشبههابالذي يحويه طرفٌ وشنب
لا جعلت الدهر نقلي غير مالذّ لي من ريق ثغرٍ كالضّرب
لا جعلت الدهر ريحاني سوىما بخدّيه من الورد انتخب
لم أزل أقطع دهري هكذاوكذا أقطع منه المرتقب
حبّذا عيشٌ قطعناه لدىمعطف الخابور ما فيه نصب
مع من لم يدر يوماً ما الجفامن أراح الصبّ فيه من تعب
كلّ ما يصدر منه حسنٌلم يذقني في الهوى مرّ الغضب
أيّ عيشٍ سمح الدهر به ... كلّ نعمى ذهبت لمّا ذهب قال: ودخلت بتونس مع أبي العباس الغسّاني حمّاماً، فنظرنا إلى غلمان في نهاية الحسن ونعومة الأبدان، فقلت مخاطباً له:
دخلت حمّاماً وقصدي بهتنعيم جسمٍ فغدا لي عذاب
وقلت لظىً فاعترضت حورهوقلت عدنٌ فنهاني التهاب
وأنت في الفضل إمامٌ فكنفي الحكم ممن حاز فصل الخطاب فقال:
لا تأمن الحمّام في فعلهفليس ما يأتيه عندي صواب
فما أرى أخدع منه ولاأكذب إلاّ أن يكون السّراب
يبدي لك الغيد كحور الدّمىويلبس الشيخ برود الشّباب
ظنّ به النّار فلا جنّةٌللحسن إلاّ ما حوته الثياب [نقول عن ابن سعيد]
[بناء الهودج بروضة مصر]
ومن فوائده، أعني ابن سعيد رحمه الله تعالى - في كتابه المحلى بالأشعار " نقلاً عن القرطي - قضية بناء الهودج بروضة مصر، وهو من منتزهات الخلفاء الفاطميين العظيمة العجيبة البناء البديعة، وذلك أنه يقال: إن الباني له الخليفة الآمر بأحكام الله، للبدوية التي غلب عليه حبها، بجوار البستان المختار، وكان يتردد إليه كثيراً وقتل وهو متوجه إليه، وما زال منتزهاً للخلفاء من بعده.
وقد أكثر الناس في حديث البدوية وابن ميّاح من بني عمها، وما يتعلق بذلك من ذكر الآمر، حتى صارت رواياتهم ي هذا الشأن كحديث البطال وألف ليلة وليلة وما أشبه ذلك، والاختصار منه أن يقال: إن الآمر قد كان بلي بعشق الجواري العربيات، وصارت له عيون في البوادي، فبلغه أن بالصعيد جارية من أكمل العرب وأظرفهم، شاعرة جميلة، فيقال: إنه تزيا بزي بداة
الأعراب، وكان يجول في الأحياء إلى أن انتهى إلى حيها، وبات هنالك، وتحيل حتى عاينها هناك، فما ملك صبره، ورجع إلى مقر ملكه، وأرسل إلى أهلها يخطبها، وتزوجها، فلما وصلت إليه صعب عليها مفارقة ما اعتادت، وأحبت أن تسرّح طرفها في الفضاء، ولا تنقبض نفسها تحت حيطان المدينة، فبنى لها البناء المشهور، في جزيرة الفسطاط المعروف بالهودج، وكان غريب الشكل على شط النيل، وبقيت متعلقة الخاطر بابن عم لها ربّيت معه، يعرف بابن ميّاح، فكتبت إليه من قصر الآمر:
يا ابن ميّاحٍ إليك المشتكىمالكٌ من بعدكم قد ملكا
كنت في حيي طليقاً آمراًنائلاً ما شئت منكم مدركا
فأنا الآن بقصرٍ موصدٍلا أرى إلاّ حبيساً ممسكا
كم تثنينا كأغصان اللوىحيث لا نخشى علينا دركا فأجابها بقوله:
بنت عمّي والتي غذّيتهابالهوى حتى علا واحتنكا
بحت بالشكوى وعندي ضعفهالو غدا ينفع منّا المشتكى
مالك الأمر إليه يشتكى ... هالكٌ، وهو الذي قد أهلكا قال: وللناس في طلب ابن ميّاح واختفائه أخبار تطول.
وكان من عرب طيء في عصر الآمر طراد بن مهلهل، فقال وقد بلغته هذه الأبيات:
ألا بلّغوا الآمر المصطفىمقال طرادٍ ونعم المقال
قطعت الأليفين عن ألفةٍبها سمر الحيّ حول الرحال
كذا كان آباؤك الأكرمون ... سألت فقل لي جواب السؤال فقال الخليفة الآمر لما بلغته الأبيات: جواب سؤاله قطع لسانه على فضوله، فطلب في أحياء العرب فلم يوجد، فقيل: ما أخسر صفقة طراد، باع عدة أبيات بثلاثة أبيات.
[مكين الدولة ابن حديد]
وكان بالإسكندرية مكين الدولة أبو طالب أحمد بن عبد المجيد بن أحمد ابن الحسن بن حديد، له مروءة عظيمة، ويحتذي أفعال البرامكة، وللشعراء فيه أمداح كثيرة، ومدحه ظافر الحداد وأمية أبو الصّلت وغيرهما، وكان له بستان يتفرّج فيه، به جرن كبير من رخام، وهو قطعة واحدة ينحدر فيه الماء فيبقى كالبركة من كبره، وكان يجد في نفسه برؤيته زيادة على أهل التنعم والمباهاة في عصره، فوشي به للبدوية محبوبة الآمر، فسألت الآمر في حمل الجرن إليها، فأرسل إلى ابن حديد في إحضار الجرن، فلم يجد بدّاً من حمله من البستان، فلما صار إلى الآمر أمر بعمله في الهودج [وتركيبه هنالك]، فقلق ابن حديد، وصارت في قلبه حزازة من أخذ الجرن، فأخذ يخدم البدوية وجميع من يلوذ بها بأنواع الخدم العظيمة الخارجة عن الحد في الكثرة، حتى قالت البدوية: هذا الرجل أخجلنا بكثرة تحفه، ولم يكلفنا قط أمراً نقدر عليه عند
الخليفة مولانا، فلمّا قيل له عنها هذا القول قال: ما لي حاجة بعد الدعاء لله بحفظ مكانها وطول حياتها في عزّ غير ردّ السّقيّة التي قلعت من داري التي بنيتها في أيامهم من نعمتهم تردّ إلى مكانها، فتعجبت من ذلك، وردتها عليه، فقيل له: قد حصلت في حد أن خيّرتك البدوية في جميع المطالب، فنزلت همتك إلى قطعة حجر، فقال: أنا أعرف بنفسي، ما كان لها أمل سوى أن لا تغلب في أخذ ذلك الحجر من مكانه، وقد بلغها الله تعالى أملها.
وكان هذا المكين متولي قضاء الإسكندرية ونظرها في أيام الآمر، وبلغ من علو همته وعظيم مروءته أن سلطان الملوك حيدرة أخا الوزير المأمون ابن البطائحي لما قلده الآمر ولاية ثغر الإسكندرية سنة سبع عشرة وخمسمائة، وأضاف إليها الأعمال البحرية، ووصل إلى الثغر - وصف له الطبيب دهن الشمع بحضرة القاضي المذكور، فأمر في الحال بعض غلمانه بالمضيّ إلى داره لإحضار دهن الشمع، فما كان أكثر من مسافة الطريق إلاّ وقد أحضر حقّاً مختوماً، فكّ عنه فوجد فيه منديل لطيف مذهب على مراق بلور فيه ثلاثة بيت كل بيت عليه قبة ذهب مشبكة مرصعة بياقوت وجوهر: بيت دهن ممسك، وبيت دهن بكافور، وبيت دهن بعنبر طيب، ولم يكن فيه شيء مصنوع لوقته، فعندما أحضره الرسول تعجب المؤتمن والحاضرون من علو همته، فعندما شاهد القاضي ذلك بالغ في شكر إنعامه، وحلف بالحرام إن عاد إلى ملكه، وكان جواب المؤتمن: وقد قبلته منك لا لحاجة إليه، ولا نظر في قيمته، بل لإظهار هذه الهمة وإذاعتها، وذكر أن قيمة هذا المداف وما عليه خمسمائة دينار.
فانظر، رحمك الله تعالى، إلى من يكون دهن الشمع عنده في إناء قيمته خمسمائة دينار، ودهن الشمع لا يكاد أكثر الناس يحتاج إليه، فماذا تكون ثيابه
وحلى نسائه وفرش داره وغير ذلك من التجملات وهذا إنما هو حال قاضي الإسكندرية ومن قاضي الإسكندرية بالنسبة إلى أعيان الدولة بالحضرة! وما نسبة أعيان الدولة وإن عظمت أحوالهم إلى أمر الخلافة وأبّهتها إلا يسير حقير.
وما زال الخليفة الآمر يتردد إلى الهودج المذكور إلى أن ركب يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة سنة يريد الهودج، وقد كمن له عدة من النزارية على رأس الجسر من ناحية الروضة، فوثبوا عليه وأثخنوه بالجراحة، وحمل في العشاري إلى اللؤلؤة، فمات بها، وقيل: قبل أن يصل إليه، وقد خرب هذا الهودج، وجهل مكانه من الروضة، ولله عاقبة الأمور، نقل ذلك كلّه الحافظ المقريزي، رحمه الله تعالى.
[الشهاب التلعفري]
قال النور ابن سعيد، ومن خطه نقلت: لما نزلنا بتلّعفر حين خرجنا من سنجار إلى الموصل سألت أحد شيوخنا عن والد شهاب الدين التّلّعفري، فقال: أنا أدركته، وكان كثير التجول، وأنشدني لنفسه في عيد أدركه في غير بلده:
يبتهج الناس إذا عيّدواوعند سرّائهم أكمد
لأنّني أبصر أحبابهمومقلتي محبوبها تفقد
قال: وخرج ابنه الشهاب أجول منه شخصاً وشعراً، وصدق فيما قاله، وأنشد ابن سعيد للشهاب التلعفري:
لك ثغرٌ كلؤلؤٍ في عقيقٍورضابٌ كالشّهد أو كالرّحيق
وجفونٌ لم يمتشق سيفها إلاّ لمغرّى بقدّك الممشوق
تهت عجباً بكلّ فنّ من الحسن جليلٍ وكلّ معنى دقيق
وتفردت بالجمال الذي خلاّك مستوحشاً بغير رفيق
باللحاظ التي بها لم تزل ترشق قلبي وبالفوام الرّشيق
لا تغر بالغوير إذ تتثنّىفيه أعطاف كلّ غصن وريق
واثن محمرّ ورد خدّيك واستر ... هـ وإلاّ ينشقّ قلب الشقيق قال ابن سعيد: وحظي الشهاب التلعفري بمنادمة الملوك، وكونهم يقدمونه، ويقبلون على شعره، وعهدي به لا ينشد أحدٌ قبله في مجلس الملك الناصر، على كثرة الشعراء، وكثرة من يعتني بهم، ولما جمعت للملك الناصر كتاب ملوك الشعر جعلت ملك شعر الشهاب البيت الرابع من المقطوعة المتقدمة، فإنّه كان كثيراً ما ينشده وينوه به. والتشفي من ذكر الشهاب ومحاسن شعره له مكان بكتاب الغرة الطالعة في فضلاء المائة السابعة وهو الآن عند الملك المنصور صاحب حماة قد علت سنّه، وما فارقه غرامه ودنّه، انتهى.
[العادل بن أيوب]
ولما أجرى ابن سعيد في بعض مصنفاته ذكر الملك العادل بن أيوب قال ما نصّه: وكان من أعظم السلاطين دهاء وحزماً، وكان يضرب به المثل في إفساد القلوب على أعدائه وإصلاحها له، ويحكى أنه بشّره شخص بأن أميراً من أمراء الأفضل ابن صلاح الدين فسد عليه، فأعطاه مالاً جزيلاً، وأرسل مستخفياً إلى المذكور يزيده بصيرة في الانحراف عن الأفضل، ويعده بما يفسد الصالح فكيف الفاسد، قال: وكان يمنع حتى يوصف بالبخل، ويجود في مواضع الجود حتى يوصف بالسّماح، وكان صلاح الدين - وهو السلطان - يأخذ برأيه، وقدّم له أحد المصنفين كتاباً مصوراً في مكايد الحروب ومنازلة المدن، وهو حينئذ على عكّا محاصراً للفرنج، فقال له: ما نحتاج إلى هذا الكتاب ومعنا أخونا أبو بكر، وكان كثير المداراة والحزم، ومن حكاياته في ذلك أن أحد الأشياخ من خواصّه قال له يوماً، وهو على سماطه يأكل: يا خوند، ما وفيت معي ولا رعيت سابق خدمتي، وكلمه بدالّة السن وقدم الصحبة قبل الملك، فقال لمماليكه، انظروا سوطه، فجسّوا الكمران؛ وقال: خذوا الصرة التي فيه، فوجدوا صرّة، فقال: افتحوها، ففتحوها فإذا فيها ذرور، فقال العادل: كل من هذا الذرور، فتوقف، وعلم أنه مطّلع على أنه سم، فقال: كيف نسبتني إلى قلة الوفاء، وأنا منذ سنين أعلم أنك تريد أن تسمني بهذا السم، وقد جعل لك الملك الفلاني على ذلك عشرة آلاف دينار، فلا أنا أمكنتك من نفسي، ولا أشعرتك، لئلا يكون في ذلك ما لا خفاء به، وتركتك على
حالك، وأنا مع هذا لا أغير عليك نعمة، ثم قال: ردوا سمه إلى كمرانه، لا أبقى الله تعالى عليه إن قدر وأبقى علي، فجعل يقبّل الأرض ويقول: هكذا والله كان، وأنا تائب لله تعالى، ثم إن الشيخ جدّد توبة، واستأنف أدباً آخر وخدمة أخرى، وكانت هذه الفعلة إحدى عجائب العادل.
قال: وكان كثير المصانعات حتى إنّه يصوغ الحلي الذي يصلح لنساء الفرنج ويوجّه في الخفية إليهنّ، حتى يمسك أزواجهنّ عن الحركة، وله في ذلك مع ملوك الإسلام ما يطول ذكره.
ولما خرج ابن أخيه المعز إسماعيل بن طغتكين باليمن، وخطب لنفسه بالخلافة، وكتب له أن يبايعه وخطب له في بلاده، كان في الجماعة من أشار إلى النظر في توديه عسكر له في البر والبحر، وإنفاق الأموال قبل أن يتفاقم أمره، فضحك وقال: من يكون عقله هذا العقل لا يحوج خصمه إلى كبير مؤونة، أنا أعرف كيف أفسد عليه حاله في بلاده، فضلاً عن أن يتطرق فساده لبلادي، ثم إنه وجّه في السر لأصحاب دولته بالوعد والوعيد وقال لهم: أنتم تعلمون بعقولكم أن هذا لا يسوغ لي، فكيف يسوغ له وقد أدخل نفسه في أمر لا يخرج منه إلا بهلاكه، فاحذروا أن تهلكوا معه، واتعظوا بالآية " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار " وما لهذا عقل يدبر به نفسه، فكيف عن تدبير خاصته إليكم " ولتعلمنّ نبأه بعد حينٍ " فعندما وعت أسماعهم هذا وتدبروه بعقولهم قبضوا عليه وقتلوه، وعادت البلاد للعادل، وقال للمشيرين عليه في أول الأمر بتجهيز العسكر: قد كفينا المؤونة بأيسر شيء من المال، ولو حاولناه بما أشرتم به لم تقم خزائن ملكنا بالبلوغ إلى غايته.
وكان - على ما بلغه من عظمة السلطان، واتساع الممالك - يحكي ما جرى له في زمان خلوّه من ذلك، ويحب الاستماع لنوادر أنذال العالم، واشتهر في خدمته مساخر أشهرهم خضير صاحب البستان المشهور عند الربوة بغوطة دمشق، ومن نوادره الحارّة معه أنه سمعه يوماً وهو يقول في وضوئه: اللهم حاسبني حساباً يسيراً، ولا تحاسبني حساباً عسيراً، فقال له: يا خوند على أي شيء يحاسبك حساباً عسيراً إذا قال لك: أين أموال الخلق التي أخذتها فقل له: تراها بأمانتها في الكرك، وكان قد صنع بهذا المعقل الحسرات، سميت بذلك لأن من رآها، يتحسر إذا نظرها، ولا يستطيع على شيء منها بحيلة، وهي خوابٍ مفروغةٍ من ذهب وفضة تركت بمرأى من الناظري ليشتهر ذلك في الآفاق.
وقال العادل مرة، وقد جرى ذكر البرامكة وأمثالهم ممّن ذكر في كتاب المستجاد في حكايات الأجواد: إنما هذا كذب مختلق من الورّاقين ومن المؤرخين، يقصدون بذلك أن يحركوا همم الملوك والأكابر للسخاء وتبذير الأموال، فقال خضير: يا خوند، ولأي شيء لا يكذبون عليك
قال ابن سعيد: من وقف على حكايات أبي العيناء مع عبيد الله بن سليمان يجد مثل هذه الحكاية.
قال ابن سعيد: ووجدت الشهاب القوصي قد ذكر السلطان العادل في كتاب " [تاج] المعاجم " وابتدأ الكتاب المذكور بمحاسنه والثناء عليه وخرّج عنه الحديث النبوي عن الحافظ السّلفي، وتمثّل فيه عند وفاته:
ألام على بكائي خير ملكٍقلّ له بكائي بالنّجيع
به كان الشباب جميع عمريودهري كله زمن الربيع
ففرّق بيننا زمنٌ خؤون ... له شغف بتفريق الجميع قال ابن سعيد: ودفن العادل بالمدرسة العادلية بدمشق، وكان أنشأها للشافعية، وهي في نهاية الحسن، وبها خزانة كتب، فيها تاريخ ابن عساكر، وذيّل هذا التاريخ واختصره أبو شامة، سمعت عليه منه هنالك ما تيسر أيام إقامتي بدمشق.
وأولاد العادل ملوك البلاد في صدر هذه المائة السابعة، منهم الكامل والمعظم والأشرف، وهؤلاء الثلاثة شهروا بالفضل وحب الفضلاء وقول الشعراء، انتهى.
[المرذغاني]
وقال ابن سعيد، في ترجمة الرئيس صفي الدين أحمد بن سعد المرذغاني، وهو من بيت وزارة ورئاسة بدمشق: إن من شعره قوله:
كيف طابت نفوسكم بفراقيوفراق الأحباب ومرّ المذاق
لو علمتم بلوعتي وصباباتي ووجدي وزفرتي واحتراقي
لرثيتم للمستهام المعنّى ... ووفيتم بالعهد والميثاق قال ابن سعيد: وقفت على ذكر هذا الرئيس في كتاب تاج المعاجم ووجدت صاحبه الشهاب القوصي قد قال: أخبرني بدمشق أنه قد كان عزم على السفر منها إلى مصر، لأمر ضاق به صدره، فهتف به هاتف في النوم، وأنشده:
يا أحمد اقنع بالذي أعطيتهإن كنت لا ترضى لنفسك ذلّها
ودع التكاثر في الغنى لمعاشرأضحوا على جمع الدراهم ولّها
واعلم بأنّ الله ﷻ ... لم يخلق الدنيا لأجلك كلّها فانثنى عزمه عن الحركة، ثم بلغ ما أمّله دون سفر.
[دفتر خوان الدمشقي]
وقال ابن سعيد، في ترجمة المنتجب أحمد بن عبد الكريم الدمشق المعروف بدفتر خوان، وهو الذي يقرأ الدفاتر بين أيدي الملوك والأكابر: إنّه كان يقرأ الدفاتر بين يدي العادل بن أيوب، وكان يكتب له بالأشعار في المواسم والفصول، فينال من خيره، وكتب له مرّة وقد أظل الشتاء في دمشق فقال:
مولاي جاء الشتاءوالكيس منها خلاء
لا زال يجري بما ترتضي علاك القضاء
وكلّ كافٍ إليه ... يحتاج فيه التواء فقال له العادل: هذا الضمير الذي في البيت الأول على ماذا يعود قال: بحسب مكارم السلطان، إن شئت على الدراهم، وإن شئت على الدنانير! فضحك وقال: هت كيسك، فأخرج له كيساً يسع قدر مائة دينار، فملأه
له، وقال: أظنّه كان معدّاً عندك، فقال: مثل السلطان من يكون جوده مظنوناً.
وكتب إليه مرّة وقد أملق:
انظر إليّ بعين جودك مرّةًفلعلّ محروم المطالب يرزق
طير الرجاء على علاك محلق ... وأظنّه سيعود وهو مخلق فأعطاه جملة دنانير، وقال له: اشتر بهذه ما تخلّق به طير رجائك، انتهى.
[الزناطي وابن الربيب]
وأنشد ابن سعيد رحمه الله تعالى لبعض المغربة، وهو أبو الحسن علي بن مروان الزناطي الكاتب:
أنس أخي الفضل كتابٌ أنيقأو صاحبٌ يعنى بودٍّ وثيق
فإن تعره دون رهن بهتخسره أو تخسر وداد الصديق
وربّما تخسر هذا وذا ... فاسمع رعاك الله نصح الشفيق قال: وأجابه المخاطب بهذه الأبيات، وهو ابن الرّبيب، بنثر نصّه:
مثلك يفيد تجربة قد نفق عليها عمر، وضل عن فوائدها غرّ غمر، وقد أنفذت رهناً لا يسمح بإخراجه من اليد إلا ليدك، فتفضل بتوجيه الجزء الأول، فأنا أعلم أنّه عندك مثل ولدك، قل: فوجهه ومعه بطاقة صغيرة فيها: يا أخي، إن عرّضت بولدي فكذلك كن مع والدي وقد توارثنا العقوق كابراً عن كابر، فكن شاكراً فإنّي صابر.
ثم قال ابن سعيد: وتفاقم أمر ولده فقيّده بقيد حديد وقال فيه:
لي ولدٌ يا ليتهلم يك عندي يخلق
يجهد في كل الذييرغم وهو يعشق
وإن أكن قيّدته ... دمعي عليه مطلق وذكر ابن سعيد أن الكاتب أبا الحسن المذكور كان كثيراً ما يستعير الكتب، فإذا طلبت منه فكأنّها ما كانت، فذكر لبعض أصحابه - وهو ابن الربيب المؤرخ - أن عنده نسخة جليلة من تاريخ عريب الذي لخص فيه تاريخ الطبري واستدرك عليه ما هو من شرطه وذيل ما حدث بعده، فأرسل إليه في استعارتها، فكتب إليه: يا أخي، سدّد الله آراءك، وجعل عقلك أمامك لا وراءك، ما يلزمني من كونك مضيّعاً أن أكون كذلك، والنسخة التي رمت إعارتها هي مؤنسي إذا أوحشني الناس، وكاتم سرّي إذا خانوني، فما أعيرها إلا بشيء أعلم أنك تتأذّى بفقده إذا فقد جزء من النسخة، وأنا الذي أقول:
أنس أخي الفضل كتاب أنيقإلى آخره
وأنشد للكاتب أبي الحسن المذكور:
إنّ ذاك العذار قام بعذريوفشا فيه للعواذل سرّي
ما رأينا من قبل ذلك مسكاًصاغ منه الإله هالة بدر
أيّ آسٍ من حول جنّة وردٍ ... ليس منه آسٍ مدى الدهر يبري ولما اشتد مرضه بين تلمسان وفاس قال هذه الأبيات، وأوصى أن تكتب على قبره:
ألا رحم الله حيّاً دعالميتٍ قضى بالفلا نحبه
تمرّ السّوافي على قبرهفتهدي لأحبابه تربه
وليس له عملٌ يرتجىولكنّه يرتجي ربّه رجع إلى نظم ابن سعيد المترجم به، فنقول:
وقال لما سار المعظم من حصن كيفا، وآل أمره إلى الملك، ثم القتل والهلك:
ليت المعظم لم يسر من حصنهيوماً ولا وافى إلى أملاكه
إن العناصر إذ رأته مكمّلاً ... حسدته فاجتمعت على إهلاكه ومما نقلته من ديوانه الذي رتبه على حروف المعجم قوله، رحمه الله تعالى - وقلت بالقاهرة على لسان من كلّفني ذلك:
شرف الدين أبن لي ما السببفي انقلاب الدهر لي عند الغضب
فلتدم غضبان أظفر بالمنىليس لي في غير هذا من أرب
إنّما ظهرك عندي قبلةٌ ... ووضوئي الدهر من ذاك الشّنب وأستغفر الله من قول الكذب، قال: وقلت بإشبيلية:
قد جاء نصر الله والفتحوالصبح لمّا رضيت صبح
فهنّئوني بارتجاع المنىلولا الرّضى ما برح البرح
يا أورقاً يا غصناً يا نقاًيا ظبيةً بالليل يا صبح
يصحو جميع الناس من سكرهمولست من سكركم أصحو
بلغت فيه غايةً لم يبنغايتها التفسير والشرح
ونصح العذّال، من لي بأنيعذلني عن غيّك النصح وقلت بإشبيلية:
وضح الصبح فأين القدحيعرف اللذات من يصطبح
ما ترى الليل كطرفٍ أدهمٍوضياء الفجر فيه وضح
والثرى دبّجه درّ النّدىوعلى الأغصان منه وشح
ومدير الراح لم يعد المنىكلّ ما يأتي به مقترح
في بطاح المرج قد نادمنيرشأٌ من سكره ينبطح
جعل المسواك ستراً للمنىفكأن قبّل فاه قزح
كلّما شئت الذي قد شاءهفحنى لي كاسه أفتتح
ما أبالي أن رآني كاشحٌأم رآني من لديه نصح
هكذا العيش ودع عيش الذيخاف من نقدٍ إذا يفتضح وقلت بشريش:
طاب الشّراب لمعشرٍسلبوا المروءة فاستراحوا
لا يعرفون تستّراًالسكر عندهم مباح
متهتكون لدى المنىوفسادهم فيها صلاح
ساقيهم متبذّلٌهل يمنع الماء القراح
غصنٌ يميل به الصّباردّته طوع الراح راح
طوع الأماني، كلّ مايأتي به فهو اقتراح
ما إن نبالي إن بداأن لا يلوح لنا الصباح
ما زلت أرشف ثغرهوعليه من عضدي وشاح
والقلب يهفو طائراًولعاً ولا يخشى افتضاح
ولو أنّنا نخشاه كان لنا من الظّلما جناح
لكنّنا في عصبةٍما في تهتّكهم جناح
لا ينكرون سوى ثقيلٍ لا يميل به مزاح
أفنى الذي قد جمّعوهـ الكأس والحدق الملاح وقلت بأركش:
قم هاتها لاح الصباحما العيش إلا الإصطباح
مع فتيةٍ ما دأبهمإلاّ المروءة والسّماح
جرّبتهم فوجدتهمما للمنى عنهم براح
يثنيهم نحو الصّبانقر المثاني والمراح
ما نادموا شخصاً فكان لهم بخدمته استراح
بل يعرفون مكانهفله إذا شاء اقتراح
هم يتعبون وضيفهمما دام عندهم يراح
ما إن يملّون النزيل وبالرضى منه السراح
يدعونه بأجلّ مايدعى به الحرّ الصّراح
حتى إذا ما بان كدّر عيشهم منه انتزاح
فعلى مثالهم يباح لي المدامع والنواح
كرهاً فقدتهم فمالي بعد بعدهم ارتياح
لله شوقي إن هفتمن نحو أرضهم الرياح
فهناك قلبي طائرٌ ... لهم ومن شوقي جناح قال: وقلت بمدينة ابن السليم في وصف كلب صيد أسود في عنقه بياض:
وأدهم دون حليٍ ظلّ حاليكأن ليلاً يقلّده صباح
يطير وما له ريش ولكنمتى يهفو فأربعه جناح
تكلّ الطير مهما نازعتهوتحسده إذا مرق الرياح
له الألحاظ مهما جاء سلكٌومهما سار فهي له وشاح قال: وقلت بنيل مصر:
يا نيل مصرٍ أين حمص ونهرهاحيث المناظر أنجمٌ تلتاح
في كلّ شطٍّ للنّواظر مسرحٌتدعو إليه منازحٌ وبطاح
وإذا سبحت فلست أسبح خائفاً ... ما فيه تيّارٌ ولا تمساح قال: وقلت وقد حضرت مع إخوان لي بموضعٍ يعرف بالسلطانية على نهر إشبيلية وقد مالت الشمس للغروب:
رقّ الأصيل فواصل الأقداحاواشرب إلى وقت الصباح صباحا
وانظر لشمس الأفق طائرةً وقدألقت على صفح الخليج جناحا
فاظفر بصفو الأفق قبل غروبهاواستنطق وحثّ الراحا
متع جفونك في الحديقة قبل أنيكسو الظلام جمالها أمساحا وقلت بمرسيّة:
أقلقه وجده فباحاوزاد تبريحه فناحا
ورام يثني الدموع لمّاجرت فزادت له جماحا
يا من جفا فارفقن عليهمستعبداً لا يرى السراحا
يكابد الموت كلّ حينٍلو أنّه مات لاستراحا
ينزو إذا ما لرياح هبّتكأنّه يعشق الرياحا
يسألها عن ربوع حمصٍلمّا نما عرفها وفاحا
كم قد بكى للحمام كيما ... يعيره نحوها جناحا قال: وخرجت مرّة مع أبي إسحاق إبراهيم بن سهر الإسرائيلي إلى مرج الفضة بنهر إشبيلية فتشاركنا في هذا الشعر:
غيري يميل إلى كلام اللاحيويمدّ راحته لغير الراح
لا سيما والغصن يزهو زهرهويميل عطف الشارب المرتاح
وقد استطار القلب ساجع أيكةٍمن كلّ ما أشكوه ليس بصاح
قد بان عنه جناحه عجباً لهمن جانحٍ للعجز حلف جناح
بين الرياض وقد غدا في مأتمٍوتخاله قد ظلّ في أفراح
الغصن يمرح تحته والنهر فيقصفٍ تزجّيه يد الأرواح
وكأنّما الأنشام فوق جنانهأعلام خزٍّ فوق سمر رماح
لا غرو أن قامت عليه أسطرٌلمّا رأته مدرّعاً لكفاح
فإذا تتابع موجه لدفاعهمالت عليه فظلّ حلف صياح قال: وقلت بمالقة متشوّقاً إلى الجزيرة الخضراء:
يا نسيماً من نحو تلك النواحيكيف بالله نور تلك البطاح
أسقتها الغمام ريّاً فلاحتفي رداءٍ ومئزرٍ ووشاح
أم جفته فصيّرته هشيماًتركته تذروه هوج الرياح
يا زماني بالحاجبيّة إنّيلست من سكر ما سقيت بصاحي
آه ممّا لقيت بعدك من هـمّ وشوقٍ وغربةٍ وانتزاح
أين قومٌ ألفتهم فيك لمّاقرّب الدهر آذنوا بالرّواح
تركوني أسير وجدٍ وشوقٍما لقلبي من الجوى من سراح
أسلموني للويل حتى تولواوأصاخوا ظلماً لقول اللّواحي
أعرضوا ثمّ عرّضوني لشوقٍترك القلب مثخناً بجراح
أسهر الليل لست أغفي لصبحٍأترى النوم ذاهباً بالصباح
قد بدا يظهر النّجوم حليّاًوهو من لبسة الصبا في براح
مسبلاً ستره منعّم بالٍوجفوني من سهده في كفاح
أيها الليل لا تؤمّل خلوداًعن قريبٍ يمحو ظلامك ماح
ويلوح الصباح مشرق نورٍفيه للمستهام بدء نجاح
إنّ يوم الفراق بدّد شمليطائراً ليته بغير جناح
حالك اللّون شبه لونك فاعزبعن عياني يا شبه طير انتزاح
وإذا ما بدا الصباح فما يشبه إلاّ لون الخدود الملاح وقلت بالجزيرة الخضراء:
قد رفعت راية الصّباحتدعو النّدامى للاصطباح
فبادروا للصّبوح إنّيقد بعت في غيّه صلاحي
ولا تميلوا عن رشف ثغرٍوسمع شدوٍ وشرب راح
وأنت يا من يروم نصحيقد يئس القوم من فلاحي
فلست أصغي إلى نصيحٍ ... ما نهضت بالكؤوس راحي قال: وقلت أمدح ملك إفريقية وأهنئه بقتل ثائر من زناتة يدّعي أنه من نسل يعقوب المنصور:
برّح بي من ليس عنه براحومن رأى قتلي حلالاً مباح
من صرّح الدمع بحبّي لهوما لقلبي عن هواه سراح
ظبيٌ عدمت الصبح مذ صدّنيوكيف لا يعدم وهو الصباح
مورّد الخدّ سهيّ اللّمىمنعّم الرّدف جديب الوشاح
تظنه من قلبه جلمداًومنه للماء يجفني انسياح
لردفه أضعف من صبّهولم أزل من لحظه في كفاح
نشوان من ريقته عربدتأجفانه بالمرهفات الصّفاح
فها أنيني خافتٌ مثل ماأنا أسيرٌ مثخنٌ بالجراح
يا قاتلي صدّاً أما تستحيأن تلزم البخل بأرض السّماح
من ذا الذي يبخل في تونسٍوالملح فيها صار عذباً قراح
وأصبحت أرجاءها جنّةًمبيضّة الأبراج خضر البطاح
لولا ندى يحيى وتدبيرهما برحت تغبرّ منها النّواح
لكن يداه سحبٌ كلّماحلّت بأرضٍ حلّ فيها النجاح
هذا وقد آمن من حلّهاوحفّها، من غربة وانتزاح
كم شتّتوا من قبل تأميرهوحكّمت فيهم عوالي الرماح
يا سائراً يرجو بلوغ المنىباكرا ذرا يحيى وقل لا رواح
وحيّه بالمدح فهو الذييهتزّ كالهنديّ حين امتداح
بالشرق والغرب غدا ذكرهيحثّ من حمدٍ وشكرٍ جناح
ساعده السعد وأضحت له الآمال لا تجري بغير اقتراح
ويسّر الله له ملكهمن غير أن يشهر فيه السلاح
وكلّ من كان على غيرهذا منعةٍ أمسى به مستباح
وكم جموحٍ عندما قام بالأمر رأى القهر فخلّى الجماح
كفٌّ بكفٍّ للنّدى والردىبها معانٌ وهي خرسٌ فصاح
حتى لقد أحسب من سعدهتجري على ما ترتضيه الرياح
قولوا ليعقوب فماذا جنىوابن أبي حمزة ماذا استباح
قد أصبحا من فوق جذعين لايؤنسهم غير هبوب الرياح
واسأل عن الداعي والدعيّ الذيحاول أمراً كان عنه انضراح
أكان من صيّره والداًبزعمه أمّل فيه فلاح
شكراً لسعدٍ لم يدع فرقةًقد صيّر الملك كضرب القداح
راموا بلا جاهٍ ولا محتدٍما حزت بالحقّ فكان افتضاح
زناتةٌ يهنيكم فعلكمعاجلكم ثائركم باجتياح
كفّر ما قدّمتم آخرٌوالخير لن يبرح للشرّ ماح
عهدي به في موكب الملك مابينكم نشوان من غير راح
يحسب أنّ الأرض ملكٌ لهوروحه ملكٌ لسمر الرماح
غدا بعزّ الملك لكنّهأهون مملوكٍ على الأرض راح
جاءوا به يمرح في عزّهوهم أزالوا عنه ذاك المراح
توقّعوا في القرب منه الردى:من صحبة الأجرب يخشى الصّحاح
فأسرعوا نحوك يبغون ماعوّدتهم من عطفةٍ والتماح
فغادروه جانياً غدرهلطائر البين عليه نياح
فالحمد لله على كلّ ماسنّى لك السعد برغم اللّواح
مثلك لا ينفد ما شادهفلست تأتي الدهر إلاّ صلاح
لا زلت في عزٍّ وفي مكنةٍوفي سرورٍ دائمٍ وانفساح قال: وقلت ببنيونش موضع الفرجة بسبتة:
اشرب على بنيونشٍبين السواني والبطاح
مع فتيةٍ مثل النجوم لهم إذا مرّوا جماح
ساقيهم متبذّلٌلا يمنع الماء القراح
كلٌّ يمدّ يمينهما في الذي يأتي جناح
هبّوا عليه كلّماهبّت على الروض الرياح
طوع الأماني كلّ مايأتي به فهو اقتراح
عانقته حتّى تركت بخصره أثر الوشاح وقلت بإشبيلية:
أوجه صبحٍ أم الصّباحولحظها أن ظبى الصّفاح
وثغرها أم نظيم درٍّوريقها أم سلاف راح
وقدّها أم قوام غصنٍوعرفها أم شذا البطاح
يا حبّذا زورةٌ تأتّتمنها علىغفلة اللّواح
فلم أصدّق بها سروراًوظلت نشوان دون راح
أما منعت السلام دهراًولا رسولٌ سوى الرياح
قالت: ألا فانس ما تقضّىفمن يدّع ما مضى استراح
يا حبّذاها وقد تأتّتمن دون وعدٍ ولا اقتراح
زارت ومن نورها دليلٌوالليل قد أسبل الجناح
أخفت سراها فباح نشرٌلها بعرفٍ فشا وفاح
وافت فأمسى فمي مداماًوساعداي لها وشاح
كأنّما بتّ بين روضٍوالغصن والورد والأقاح
فبينما الشمل في انتظامٍإذ سمعت داعي الفلاح
فغادرتني، فقلت: غدراًقالت: أما تحذر افتضاح
ولّت وما خلت من صباحٍيبدو على إثره صباح قال: وقلت بتونس:
لا مرحباً بالتين لمّا بدايسحب من ليلٍ عليه الوشاح
ممزّق الجلباب يحكي ضحىًهامة زنجيٍّ عليها جراح
وإن تصحّفه فلا حبّذاما قد أتى تصحيفه بانتزاح وقلت بالجزيرة الخضراء، وقد كلّفت ذلك:
غرامي بأقوال العدا كيف ينسخوعهدي وقد أحكمته كيف يفسخ
كلامكم لا يدخل السمع نصحهولكن إذا حرضتم فهو يرسخ
وبي بدر تمٍّ قد ذللت لحسنهفمن ذا الذي فيما أتيت يوبّخ
إذا خاصموني في هواه خصمتهمويبغون تنقيصي بذاك فأشمخ
أرى أنّ لي فضلاً على كلّ عاشقٍفقصّتنا في الدّهر ممّا يؤرّخ
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع