من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب السابع في نبذة مما من الله تعالى به على أهل الأندلس من توقد الأذهان، وبذلهم (١٢)
وكان الذي قلت:
ودولاب يئنّ أنين ثكلىولا فقداً شكاه ولا مضرّه
ترى الأزهار في ضحكٍ إذا مابكى بدموع عين منه ثرّه
حكى فلكاً تدور به نجومٌتؤثّر في سرائرنا المسرّه
يظلّ النجم يشرق بعد نجمٍ ... ويغرب بعد ما تجري المجرّه فعجبنا من اتفاقنا، وقضى العجب منه سائر رفاقنا، انتهى.
رجع:
وكان لأبي محمد عبد الله بن شعبة الوادي آشي ابنٌ شاعرٌ، فعرض عليه شعراً نظمه، فأعجبه، فقال:
شعرك كالبستان في شكلهيجمع بين الآس والورد
فاصنع به إن كنت لي طائعاً ... ما يصنع الفارس بالبند ولشاعر الأندلس أبي عبد الله ابن الحداد الوادي آشي، وهو من رجال الذخيرة:
لزمت قناعتي وقعدت عنهمفلست أرى الوزير ولا الأميرا
وكنت سمير أشعاري سفاهاً ... فعدت بها لفلسفتي سميرا وله في العروض تأليفٌ مزج فيه بين الأنحاء الموسيقية، والآراء الخليلية، ورد فيه على السرقسطي المنبوز بالحمار.
وله في المعتصم بن صمادح:
لعلّك بالوادي المقدّس شاطئفكالعنبر الهنديّ ما أنا واطئ
وإنّي في ريّاك واجد ريحهمفجمر الأسى بين الجوانح ناشئ
ولي في الّرى من نارهم ومنارهمهداةٌ حداةٌ، والنجوم طوافئ
لذلك ما حنّت ركابي وحمحمتعرابي وأوحى سيرها المتباطئ
فهل هاجها ما هاجني ولعلّهاإلى الوخد من نيران قلبي لواجئ
رويداً فذا وادي لبيني وإنّهلورد لباناتي وإنّي لظامئ
موارد تهيامي ومسرح ناظري ... فللشوق غاياتٌ بها ومبادئ واعترض عليه بعضهم بأنه همز في هذه القصيدة ما لا يهمز، فقال:
عجبت لغمازين علمي بجهلهموإنّ قناتي لا تلين على الغمز
تجلّت لهم آيات فهمي ومنطقيمبيّنة الإعجاز ملزمة العجز
ولاحت لهم همزيةٌ أوحديةٌوويلٌ بها ويلٌ لذي الهمز واللمز
رموها بنقصٍ بينت فيه نقصهمومن لمس الأفعى شكا ألم النكز
فإن أنكرت أفهامهم بعض همزهافقد عرفت أكبادهم صحّة الهمز وله وهو مما يتغنى به بالأندلس:
فذر العقيق مجانباً لعقوقهودع العذيب عذيب ذات الخال
أفقٌ محلّى بالقواضب والقناللأغيد المعطار لا المعطال
حجبوك إلاّ من توهّم خاطريوحموك إلاّ من تصوّر بالي
والقارظان حميل صبري والكرىفمى أرجّي منك طيف خيال ومن بدائعه قوله:
سامح أخاك إذا أتاك بزلّةٍفخلوص شيء قلما يتمكّن
في كلّ شيء آفةٌ موجودةٌ ... إنّ السراج على سناه يدخّن وأنشد أحد الأدباء هذين البيتين متمثلاً، فأعجبا المعتصم، وسأل عن قائلهما، فأخبر، فتبسم وقال: أتعرف إلى من أشار بهذا المعنى قال: ما أعرف إلا أنه مليح، فقال المعتصم: كنت في الصبا وهو معي ألقب بسراج الدولة، فقاتله الله ما أشعره، فسلوه، فلما باحثوه في ذلك أقر بحسن حدس المعتصم. واكتنفته سعايات، وكان ممن يغلب لسانه على عقله، ففر من المرية، وحبس أخوه بها فقال:
الدهر لا ينفكّ من حدثانهوالمرء منقادٌ لحكم زمانه
وعلمت أن السعد ليس بمنجحما لا يكون السعد من أعوانه
والجدّ دون الجدّ ليس بنافع ... والرمح لا يمضي بغير سنانه وبلغت الأبيات المعتصم فقال: شعره أعقل منه، صدق فإنّه لا يتهيأ له صلاح عيش إلا بأخيه، وهو منه بمنزلة السنان من الرمح، ثم أمر بإطلاقه ولحاقه به.
ولما قال في المعتصم:
يا طالب المعروف دونك فاتركندار المرية وارفض ابن صمادح
رجل إذا أعطاك حبّة خردلألقاك في قيد الأسير الطائح
لو قد مضى لك عمر نوحٍ عندهلا فرق بينك والبعيد النازح اغتاظ عليه، وأبعده، ففر عن بلده
ومن المنسوب إليه في النساء:
خن عهدها مثل ما خانتك منتصفاًوامنح هواها بنسيان وسلوان
فالغيد كالروض في خلق وفي خلقإن مرّ جانٍ أتى من بعده جان وله:
حيثما كنتا ظاغناً أو مقيما ... دم رفيعاً وعش منيعاً سليما وقال ابن دحية في " المطرب ": إن من المجيدين في الجدّ والهزل، ورقيق النظم والجزل، صاحبنا الوزير أبا بلال، وقال لي: إنه كان وبرد شبابه قشيب، وغصن اعتداله رطيب، بقميص النسك متقمص، وبعلم الحديث متخصص، فاجتاز يوماً وبيده مجلد من صحيح مسلم بقصر بعض ملوك الأكابر، ومن بعض مناظره ناظر، ومجلسه بخواص ندمائه حالٍ، وصوت المثاني والمثالث عالٍ، فقال: أطلعوا لنا هذا الفقيه، فعلنا نضحك منه. فلما مثل بين يديه وحيا، أمر الساقي بمناولته كأس الحميا، فتقبض متأففاً، وأبدى تمعراً وتقشفاً، والسلطان يستغرب ضحكاً بما هجم عليه، ويد
الساقي مدودة إليه، واتفق أن انشقت من ذاتها الزجاجة، فظهر من السلطان التطير من ذلك، فأنشد الفقيه مرتجلاً:
ومجلس بالسّرور مشتمللم يخل فيه الزجاج من أدب
سرى بأعطافه يرنّحه ... فشقّ أثوابه من الطرب فسر السلطان وسري عنه، واستحسن من الفقيه ما بدا منه، وأمر له بجائزة سنية، وخلعة رائقة [بهية].
وماأحسن قول ابن البراق:
يا سرحة الحيّ يا مطولشرح الذي بيننا يطول
ولي ديون عليك حلّتلو أنّه ينفع الحلول وقوله:
انظر إلى الوادي إذا ماغرّدتأطياره شقّ النسيم ثيابه
أتراه أطربه الهديل وزادهطرباً وحقّك أن حللت جنابه وله في الغلام على فمه أثر المداد:
يا عجباً للمداد أضحىعلى فمٍ ضمّن الزّلالا
كالفار أضحى على الحميّا ... واللّيل قد لامس الهلالا وكتب أبو محمد عبد الله بن عذرة إلى بعض أصحابه من الأسر في طليطلة:
لو كنت حيث تجيبنيلأذاب قلبك ما أقول
يكفيك منّي أننيلا أستقلّ من الكبول
وإذا أردت رسالةلكم فما ألفي رسول
هذا وكم بتنا وفيأيماننا كأس الشّمول
والعود يخفق والدخان العنبريّ به يجول
حال الزمان ولم يزل ... مذ كنت أعهده يحول ولأبي الحسن علي بن مهلهل الجلياني في أبي بكر ابن سعيد صاحب أعمال غرناطة في دولة الملثمين:
لولا النهود لما عراك تنهّدوعلى الخدود القلب منك يخدّد
يا نافذاً قلبي بسهم جفونه ... ما لي على سهم رميت به يد وقال أبو زكريا يحيى بن مطروح في غلام كاتب أطل عذاره:
يا حسنه كاتباً قد خطّ عارضهفي خدّه حاكياً ما خطّ بالقلم
لام العذول عليه حين أبصرهفقلت دعني فزين البرد بالعلم
وانظر إلى عجب ممّا تلوم بهبدرٌ له هالة قدّت من الظّلم
قولوا عن البحر ما شئتم ولا عجبٌ ... من عنبر الشّحر او من در مبتسم وله، وقد عزل عن مالقة والٍ غير مرضي، ونزل المطر على إثره، وكان الناس في جدب:
وربّ والٍ سرّنا عزلهفبعضنا هنّأه البعض
قد واصلتنا السّحب من بعدهولذّ في أجفاننا الغمض
لو لم يكن من نجسٍ شخصه ... ما طهّرت من بعده الأرض وكان الكاتب أبو بكر محمد بن نصر الأوسي مختصاً بوزير عبد المؤمن أبي جعفر ابن عطية، فقال فيه:
أبا جعفر نلت الذي نال جعفرولا زلت بالعليا تسرّ وتحبر
عليك لنا فضل وبرٌّ وأنعمٌ ... ونحن علينا كلّ مدح يحبّر وحدث من حضر مجلس الوزير ابن عطية وقد أحس من عبد المؤمن التغير الذي أفضى إلى قتله، وقد افتتح ابن نصر مطلع هذه القصيدة، فتغير وجه أبي جعفر، لأن جعفر بن يحيى كان آخر أمره الصلب، فكأن هذا عمّم الدعاء، والعجب أنه قتل مثل جعفر بعد ذلك.
وهذا الشاعر هو القائل:
وما أنا عن ذاك الهوى متبدّلٌوذا الغدر بالإخوان غير كريم
بغيرك أجري ذكر فضلك في الندىكما قد جرى بالروض هبّ نسيم
وإن كان عندي للجديد لذاذة ... فلست بناسٍ حرمةً لقديم ولأبي عبد الله محمد بن علي اللوشي يخاطب صاحب " المسهب ":
بي إليكم شوقٌ شديدٌ ولكنليس يبقى مع الجفاء اشتياق
إن يغيّركم الفراق فودّيلو خبرتكم يزيد فيه الفراق وله:
لو أنّ لي قلباً كقلبك كنت أهجر هجركا
يكفيك أنّك قد نسيت ولست أنسى ذكركا
ومن العجائب أنّنيأفنى وأكتم سرّكا
كن كيفما تختارهفالحبّ يبسط عذركا وله:
هل عندكم علمٌ بما فعلت بناتلك الجفون الفاتكات بضعفها
نصحاً لكم أن تأمنوها إنّها ... سحر النّهى ما تبصرون بطرفها ولابنه أبي محمد عبد المولى، وكان ماجناً، لما نعي إليه وهو على الشراب أحد أصحابه مرتجلاً:
إنّما دنياك أكلٌوشرابٌ وقحاب
ثم من بعد صراخٌووداعٌ وتراب وله:
يا نديم اشرب على أفقٍ صقيلٍ وحديقه
واسقني ثمّ اسقني ثمّ اسقني خمراً وريقه
من غزالٍ تطلع الشمس بخدّيه أنيقه
لا تفوّت ساعة منكأس خمرٍ وعشيقه
واجتنب ما سخرت جهلاً له هذي الخليقه
رغبوا في باطل زور بزهدٍ في الحقيقه
ليس إلا ما تراه ... أنا أدرى بالطريقه قال أبو عمران موسى بن سعيد: قلنا له: ما هذا الاعتقاد الفاسد الذي لا ينبغي لأحد أن يصحبك به فقال: هذا قول لا فعل، وقد قال الله تعالى:
﴿ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون﴾ (الشعراء:).
ثم قال ابن سعيد: ولولا أن حاكي الكفر ليس بكافر ماذكرتها، وهذا منزع من قال من المجوس:
خذ من الدّنيا بخطٍّقبل أن ترحل عنها
فهي دارٌ لا ترى منبعدها أحسن منها وهذا كفرٌ صراح، وقائله قد تقمص كفراً، اللهم غفراً
وطلب منه بعض الأرذال، أن يكتب له شفاعة عند أحد العمال، فكتب له رسالة فيها هذه الأبيات:
كتبته مولاي في طالعما طار فيه طائر اليمن
وفكرةٌ حائلةٌ والحشاينهب بالهمّ وبالحزن
كلّفنيه ساقطٌ أخرقٌمشتهرٌ بالطحن والقرن
أكذب خلق الله أرداهمأخوفهم في الخوف والأمن
يكفر ما يسدى إليه ولايعذر خلقاً سيء الظنّ
فإن صنعت الخير ألفيتهشراً وأضحى المجد ذا غبن
وانتقد الناس عليك الذيتسدي له في أيّ مافنّ
فافعل به ما هو أهلٌ لهواسمعه تفسيراً ولا أكني
أهنه واصفعه ولا تترك البوّاب يكرمه لدى الإذن
واقطع بفيه القول واحرمه منردّ جوابٍ أنسه يدني
وكلما استنبط رأياً فسفهه ودعه مسخن الجفن
فهو إذا أكرمته فاسدوصالحٌ بالهون واللّعن
شفاعتي في مثله هذه ... فلا سقله هاطل المزن ودفع إليه الكتاب مختوماً، فسر به، وحمله إلى العامل، وسافر إليه أياماً، فلما دفعه إليه قرأه وضحك، ودفعه إلى من يشاركه في ذلك من أصحابه، فوعده بخير وأخرجه إلى شغل لم يرضه، فلما عاد منه قال له: أخرجتني لأرذل شغل وأخسه فما فائدة الشفاعة إذن فقال له: أوتريد أن أفعل معك ما تقتضيه شفاعة صاحبك قال: لا أقل من ذلك، قأمر من يأتيه بالأبيات، فقرئت عليه، فانصرف في أسوإ حال، فلما دخل غرناطة - وكان عبد المولى تزوج فيها امرأة اغتبط بها - تزيا هذا الرجل بزي أهل البادية، وزور كتاباً على لسان زوجة لعبد المولى في بلدة أخرى، وقال في الكتاب: وقد بلغني أنك تزوجت غيري، وأردت أن أكتب إليك في أن تطلقني، فوصلني كتابك تعرفني فيه أن الزوجة الجديدة لم توافق اختيارك، وأنك ناظر في طلاقها، فردني ذلك عما عزمت عليه، فانظر في تعجيل ما وعدت به من طلاقها، فإنك إن لم تفعل لم أبق معك أبداً، فلما مر بدار عبد المولى رأى جارية زوجته فقال لها: أنا رجل بدوي اتيت من عند فلانة زوجة أبي محمد عبد المولى، فعندما سمعت ذلك أعلمت ستها، وأخذت الكتاب، فوقفت على مافيه غير شاكة في صحته، فلما دخل عبد المولى وجدها على خلاف ما فارقها عليه، فسألها عن حالها، فقالت: أريد الطلاق، فقال: ماسبب هذا وأنا ارغب الناس فيك فألقت إليه الكتاب، فلما وقف عليه حلف لها أن هذا ليس بصحيح، وأن عدواً له اختلقه عليه، فلم يفد ذلك عندها شيئاً، ولم يطب له بعد ذلك معها عيش، فطلقها، وعلم أن ذلك الرجل هو الذي فعل ذلك، فقال له: لا جزاك الله خيراً، ولا أصلح لك حالاً! فقال: وأنت كذلك، فهذه بتلك، والبادي أظلم، فما كان ذنبي عندك حين كتبت في حقي ما كتبت فقال له: مثلك لا يقول " ماذنبي " أنت كلك ذنوب:
ألست بألأم الثّقلين طرّاًوأثقلهم وافحشهم لسانا
فمهما تبغ برّاً عند شخصتزد منه بما تبغي هوانا فانصرف عنه عالي اللسان بلعنته
وكان أحد بني عبد المؤمن قد ألزمه أن ينسخ له كتاباً بموضع منفرد، فخطر له يوماً جلد عميرة، واتفق أن مر السيد يوماً بذلك الموضع، فنظر إليه في تلك الحال، فقال له السيد: ما تصنع فقال: الدواة جفت، ولم أجد ما أسقيها به إلا ماء ظهري، فضحك السيد، وأمر له بجارية، فقال:
قل للعميرة طلّقت بعد طول زواج
قد كان مائي ضياعاًيمرّ في غير حاج
حتى حباني بحسناء قابلٍ للنتاج
فكان ناقل خمرٍمن حنتم لزجاج
كانت تمرّ ضياعاًفأصبحت كالسراج وقال حاتم بن سعيد:
جنّبوني عن المدامة إلاعند وقت الصباح أو في الأصيل
واشفعوها بكلّ وجه مليحودعوني من كلّ قالٍ وقيل
وإذا ماأردتم طيب عيشيفاحجبوني عن كلّ وجهٍ ثقيل وقال مالك بن محمد بن سعيد:
أتاني زائراً فبسطت خدّيله ويقلّ بسط الخدّ عندي
فقلت له أيا مولاي ألفاًفقال وأنت ألفاً عبد عبدي
وعانقني وقبّلني ونادىبلطف منه كيف رأيت وعدي وقال في استهداء مقص:
ألا قل نعم في مطلب قد حكاه لايفصّل إذ نبغي الوصال موصّلا
نشقّ به صدر النهار وقد بداظلاماً بأمثال النجوم مكلّلا وقال:
سارت كبدرٍ وليل الخدر يسترهاولو بدا وجهها جاءتك بالفلق
ودونها من صليل اللامعات حمىً ... فالبرق والرعد دون الشمس في الأفق واجتمع بغرناطة محمد بن غالب الرصافي الشاعر المشهور ومحمد ابن عبد الرحمن الكتندي الشاعر وغيرهما من الفضلاء والرؤساء، فأخذوا يوماً في أن يخرجوا لنجد أو لحور مؤمل، وهما منتزهان من أشرف وأظرف منتزهات غرناطة، ليتفرجوا ويصقلوا الخواطر بالتطلع في ظاهر البلد، وكان الرصافي قد أظهر الزهد وترك الخلاعة، فقالوا: ما لنا غنى عن أبي جعفر ابن سعيد، اكتبوا له، فصنعوا هذا الشعر وكتبوا له، وجعلوا تحته أسماءهم:
بعثنا إلى ربّ السّماحة والمجدومن ما له في ملّة الظرف من ندّ
ليسعدنا عند الصبيحة في غدٍلنسعى إلى الحور المؤمل أو نجد
نسرّح منّا أنفساً من شجونهاثوت في شجونٍ هنّ شرٌّ من اللحد
ونظفر من بخل الزّمان بساعةألذّ من العليا وأشهى من الحمد
على جدول ما بين ألفاف دوحةتهزّ الصّبا فيها لواء من الرّند
ومن كان ذا شربٍ يخلّى بشأنهومن كان ذا زهدٍ تركناه للزّهد
وما ظرفه يأبى الحديث على الطّلىولا أن يديل الهزل حيناً من الجدّ
تهزّ معاني الشعر أغصان ظرفهويمرح في ثوب الصبابة والوجد
وما نغّص العيش المهنّأ غير أنيمازجه تكليف ما ليس بالودّ
نظمنا من الخلاّن عقد فرائدولما نجد إلاّك واسطة العقد
فماذا تراه لا عدمناك ساعةًفنحن بما تبديه في جنّة الخلد
ورشدك مطلوب وامرك نحوه ارتقابٌ وكلٌّ منك يهدي إلى الرشد فكان جوابه لهم:
هو القول منظوماً أو الدرّ في العقدهو الزّهر نفّاح الصبا أم شذا الودّ
أتاني وفكري في عقالٍ من الأسىفحلّ بنفث السّحر ما حلّ من عقد
ومن قبل علمي أين مبعث وجههعلمت جناب الورد من نفس الورد
وايقنت ان الدهر ليس براجعلتقديم عصرٍ أو وقوفٍ على حدّ
فكلّ أوانٍ فيه أعلام فضلهترادف موج البحر رداً إلى ردّ
فكم طيها من فائتٍ متردّميهزّ بما قد أضمرت معطف الصّلد
قيا من بهم تزهى المعالي ومن لهمقياد المعاني ما سوى قصدكم قصدي
فسمعاً وطوعاً للّذي قد أشرتمبه لا أرى عنه مدى الدهر من بدّ
فقوموا على اسم الله نحو حديقةٍمقلّدة الأجياد موشية البرد
بها قبّةٌ تدعى الكمامة فاطلعوابها زهراً أذكى نسيماً من الندّ
وعندي ما يحتاج كلّ مؤمّلٍمن الرّاح والمعشوق والكتب والنرد
فكلٌّ إلى ماشاءه لست ثانياًعناناً له إنّ المساعد ذو الودّ
ولست خليّاً من تأنس قينةٍإذا ما شدت ضلّ الخليّ عن الرشد
لها ولدٌ في حجرها لا تزيلهأوان غناء ثمّ ترميه بالبعد
فيا ليتني قد كنت منها مكانهتقلّبني ما بين خصر إلى نهد
ضمنت لمن قد قال إنّي زاهدٌإذا حلّ عندي أن يحول عن الزهد
فإن كان يرجو جنّة الخلد آجلاً ... فعندي له في عاجلٍ جنّة الخلد فركبوا إلى جنته، فمر لهم أحسن يومٍ على ما اشتهوا، ومازالوا بالرصافي إلى أن شرب لما غلب عليه الطرب، فقال الكتندي:
غلبناك عمّا رمته يا ابن غالببراحٍ وريحانٍ وشدوٍ وكاعب فقال أبو جعفر:
بدا زهده مثل الخضاب فلم يزل ... به ناصلاً حتى بدا زور كاذب فلما غربت الشمس قالوا: ما رأينا أقصر من هذا اليوم، وما ينبغي ان يترك بغير وصف، فقال أبو جعفر: أنا له، ثم قال بعد فكرة، وهو من عجائبه التي تقدم بها المتقدمين وأعجز المتأخرين:
لله يوم مسرّةٍأضوا وأقصر من ذباله
لما نصبنا للمنىفيه بأوتارٍ حباله
طار النّهار به كمرتاع فأجفلت الغزاله
فكأنّنا من بعده ... بعنا الهداية بالضّلاله والنهار: ذكر الحبارى، وإليه أشار بقوله " طار النهار " والغزالة: الشمس، ولا يخفى حسن التوريتين، فسلم له الجميع، تسليم السامع المطيع.
وعلى ذكر الغزالة في هذا الموضع فلأبي جعفر أيضاً فيها، وهو من بدائعه، قوله:
بدا ذنب السرحان ينبئ أنّهتقدّم سبتٌ والغزالة خلفه
ولم ترعيني مثله من متابعلمن لا يزال الدهر يطلب حتفه وقوله:
اسقني مثل ما أنار لعينيشفقٌ ألبس الصباح جماله
قبل أن تبصر الغزالة تستدرج منه على السماء غلاله
وتأمّل لعسجد سال نهراًكرعت فيه، أو تقضّى، غزاله ومن نظم أبي جعفر قوله:
لو لم يكن شدو الحمائم فاضلاًشدو القيان لما استخف الأغصنا
طربٌ ثنى حتّى الجماد ترنحاًوافاض من دمع السحائب أعينا وقوله:
في الروض منك مشابهٌ من أجلهايهفو له طرفي وقلبي المغرم
الغصن قدٌّ، والأزاهر حلية،والورد خدٌّ، والأقاحي مبسم وقوله:
ألا حبّذا نهر إذا ما لحظتهأبى أن يردّ اللحظ عن حسنه الأنس
ترى القمرين الدهر قد عنيا به ... يفضّضه بدرٌ وتذهبه شمس وقوله، وقد مر بقصر من قصور أمير المؤمنين عبد المؤمن وقد رحل عنه:
قصر الخليفة لا أخليت من كرمٍوإن خلوت من الأعداد والعدد
جزنا عليك فلم تنقص مهابتهوالغيل يخلو وتبقى هيبة الأسد
وقوله من أبيات:
سرّح لحاظك حيث شئت فإنّهفي كلّ موقع لحظةٍ متأمّل وقوله أيضاً:
ولقد قلت للذي قال حلّواههنا: سر فإننا ما سئمنا
لا تعيّن لنا مكاناً ولكنحيثما مالت اللواحظ ملنا وقال:
ألا هاتها إنّ المسرّة قربهاوما الحزن إلاّ في توالي جفائها
مدام بكى الإبريق عند فراقهافأضحك ثغر الكاس عند لقائها وقال:
عرّج على الحور وخيّم بهحيث الأماني ضافيات الجناح
واسبق له قبل ارتحال النّدىولا تزره دون شادٍ وراح
وكن مقيماً منه حيث الصّباتمتار مسكاً من أريج البطاح
والقضب مال البعض منها علىبعض كما يثني القدود ارتياح
وسقّ جيب الصبح نور كماشقّت جيوب الطلّ منها الرّياح
لم أحص كم غاديته ثابتاًواسترقصتني الراح عند الرواح وقوله:
ألا حبّذا روضٌ بكرنا له ضحىًوفي جنبات الروض للطّل أدمع
وقد جعلت بين الغصون نسيمةٌتمزّق ثوب الطلّ منها وترقع
ونحن إذا ما ظلّت القضب ركّعاًنظلّ لها من هزة السكر نركع
وكان ابن الصابوني في مجلس أحد الفضلاء بإشبيلية، فقدم فيما قدم خيار، فجعل أحد الأدباء يقشرها بسكين، فخطف ابن الصابوني السكينمن يده، فألح عليه في استرجاعها، فقال له ابن الصابوني: كف عني وإلا جرحتك بها، فقال له صاحب المنزل: اكفف عنه لءلا يجرحك ويكون جرحك جباراً، تعريضاً بقول النبي ﷺ " جرح العجماء جبار "، فاغتاظ ابن الصابوني، وخرج من الاعتدال، وأخطأ بلسانه، وما كف إلا بعد الرغبة والتضرع.
ومن نظم ابن الصابوني:
بعثت بمرآةٍ إليك بديعةٍفأطلع بسامي أفقها قمر السعد
لتنظر فيها حسن وجهك منصفاًوتعذرني فيما أكنّ من الوجد
فأرسل بذال الخدّ لحظك برهةًلتجني منه ما جناه من الورد
مثالك فيها منك أقرب ملمساًوأكثر إحساناً وأبقى على العهد وقوله في لابس أحمر:
أقبل في حلّةٍ مورّدةٍكالبدر في حلّة من الشّفق
تحسبه كلّما أراق دمي ... يمسح في ثوبه ظبى الحدق ورحل إلى القاهرة والإسكندرية فلم يلتفت إليه، ولا عول عليه، وكان شديد الانحراف، فانقلب على عقبه يعض يديه، على ماجرى عليه، فمات عند إيابه إلى الإسكندرية كمداً، ولم يعرف له بالديار المصرية مقدار.
وحضر يوماً بين يدي المعتضد الباجي ملك إشبيلية وقد نثرت أمامه جملة من دنانير سكت باسمه، فأنشد:
قد فخر الدينار والدرهملمّا علا ذين لكم ميسم
كلاهما يفصح عن مجدكم ... وكلّ جزءٍ منه فرد فم ومر فيها إلى أن قال في وصف الدنانير:
كأنها الأنجم والبعد قد ... حقّق عندي أنّها الأرجم فأشار السلطان إلى وزيره، فأعطاه منها جملة، وقال له: بدل هذا البيت لئلا يبقى ذماً.
وكان يلقب بالحمار، ولذا قال فيه ابن عتبة الطبيب:
يا عير حمصٍ عيرتك الحمير ... بأكلك البرّ مكان الشّعير وهو أبو بكر محمد ابن الفقيه أبي العباس أحمد بن الصابوني شاعر إشبيلية الشهير الذكر، والذي أظهره مأمون بني عبد المؤمن، وله فيه قصائد عدة، منها قوله في مطلع:
استول سبّاقاً على غاياتهانجح الأمور يبين في بدآتها وله الموشحات المشهورة، رحمه الله تعالى
ومن حكايات الصبيان أن ابن أبي الخصال، وهو من شقورة، اجتاز بأبدة وهو صبي صغير يطلب الأدب، فأضافه بها القاضي ابن مالك،
ثم خرج معه إلى حديقة معروشة، فقطف لهما منها عنقوداً أسود، فقال القاضي:
انظر إليه في العصافقال ابن أبي الخصال:
كرأس زنجي عصىفعلم أنه سيكون له شأن في البيان
وحدث أبو عبد الله ابن زرقون أن أبا بكر ابن المنخل وأبا بكر الملاح الشلبيين كانا متواخيين متصافيين، وكان لهما ابنان صغيران قد برعا في الطلب، وحازا قصب السبق في حلبة الأدب، فتهاجى الابنان بأقذع هجاء، فركب ابن المنخل في سحر من الأسحار مع ابنه عبد الله، فجعل يعتبه على هجاء بني الملاح ويقول له: قد قطعت مابيني وبين صديقي وصفيي أبي بكر في إقذاعك في ابنه، فقال له ابنه: إنه بدأني والبادي أظلم، وإنما يجب أن يلحى من بالشر تقدم، فعذره أبوه، فبينما هما على ذلك إذ أقبلا على واد تنق فيه الضفادع، فقال أبو جعفر لابنه: أجز:
تنقّ ضفادع الواديفقال ابنه:
بصوتٍ غير معتادفقال الشيخ:
كأنّ نقيق مقولهافقال ابنه:
بنو الملاح في النادي ...
فلما أحست الضفادع بهما صمتت، فقال أبوبكر:
وتصمت مثل صمتهمفقال ابنه:
إذا اجتمعوا على زادفقال الشيخ:
فلا غوثٌ لملهوففقال الابن:
ولا غيثٌ لمرتاد ... ولا خفاء أن هذه الإجازة لو كانت من الكبار لحصلت منها الغرابة، فكيف ممن هو في سن الصبا.
ومن حكايات النصارى واليهود من أهل الأندلس - أعادها الله تعالى إلى الإسلام عن قريب، إنه سميع مجيب - ما حكي أن ابن المرعزي النصراني الإشبيلي أهدى كلبة صيد للمعتمد بن عباد وفيها يقول:
لم أر ملهىً لذي اقتناصومكبساً مقنع الحريص
كمثل خطلاء ذات جيدأتلع في صفرة القميص
كالقوس في شكلها ولكنتنفذ كالسهم للقنيص
إن تخذت أنفها دليلاًدلّ على الكامن العويص
لو أنها تستثير برقاًلم يجد البرق من محيص
ومنها في المديح:
يشفع تنويله بودّشفع القياسات بالنّصوص وقال:
الله أكبر أنت بدرٌ طالعٌوالنّقع دجنٌ والكماة نجوم
والجود أفلاكٌ وأنت مديرهاوعدوّك الغاوي وهنّ رجوم وقال:
نزلت في آل مكحول وضيفهمكنازل بين سمع الأرض والبصر
لا تستضيء بضوء في بيوتهم ... ما لم يكن لك تطفيلٌ على القمر وسببهما أنه نزل عندهم فلم يوقدوا له سراجاً.
[شعراء اليهود]
وقال نسيم الإسرائيلي:
يا ليتني كنت طيراًأطير حتى أراكا
بمن تبدّلت غيري ... أو لم تحل عن هواكا هو شاعر وشاحمن أهل إشبيلية، وذكره الحجاري في المسهب.
وقال إبراهيم بن سهل الإسرائيلي في أصفر ارتجالاً:
كان محيّاك له بهجةحتى إذا جاءك ماحي الجمال
أصبحت كالشمعة لما خبا ... منها الضياء اسودّ فيها الذّبال وهو شاعر إشبيلية ووشاحها، وقرأ على أبي علي الشلوبين وابن الباج وغيرهما، وقال العزّ في حقه، وكان أظهر الإسلام، ما صورته: كان يتظاهر بالإسلام، ولا يخلو مع ذلك من قدح واتهام، انتهى. وسئل بعض المغاربة عن السبب في رقة نظم ابن سهل، فقال: لأنه اجتمع فيه ذلان، ذل العشق، وذل اليهودية. ولما غرق قال فيه بعض الأكابر: عاد الدر إلى وطنه. ومن نظم ابن سهل المذكور قوله:
وألمى بقلبي منه جمرٌ مؤجّجٌتراه على خدّيه يندى ويبرد
يسائلني من أي دين مداعباًوشمل اعتقادي في هواه مبدّد
فؤادي حنيفي، ولكنّ مقلتيمجوسية من خدّه النار تعبد ومنه قوله:
هذا أبو بكر يقود بوجههجيش الفتور مطرّز الرايات
أهدى ربيع عذاره لقلوبناحرّ المصيف فشبّها لفحات
خدٌّ جرى ماء النعيم بجمره ... فاسودّ مجرى الماء في الجمرات وذكر الحافظ أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد الفهري في رحلتهالكبيرة القدر والجرم المسماة ب " ملء العيبة فيما جمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين مكة وطيبة " خلافاً في إسلام ابن سهل باطناً، وكتب على هامش هذا الكلام الخطيب العلامة سيدي أبو عبد الله ابن مرزوق ما نصه: صحح لنا من أدركناه من أشياخنا أنه مات على دين الإسلام، انتهى.
ورأيت في بعض كتب الأدب بالمغرب أنه اجتمع جماعة مع ابن سهل في مجلس أنس، فسألوه لما أخذت منه الراح عن إسلامه: هل هو في الظاهر والباطن أم لا فأجابهم بقوله: للناس ما ظهر، ولله ما استتر، انتهى.
واستدل بعضهم على صحة إسلامه بقوله:
تسلّيت عن موسى بحبّ محمدٍهديت ولولا الله ما كنت أهتدي
وما عن قلىً قد كان ذاك، وإنّما ... شريعة موسى عطّلت بمحمد وله ديوان كبير مشهور بالمغرب، حاز به قصب السبق في النظم والتوشيح.
وماأحسن قوله من قصيدة:
تأمّل لظى شوقي وموسى يشبّها" تجد خير نار عندها خير موقد " وأنشد بعضهم له قوله:
لقد كنت أرجو أن تكون مواصليفأسقيتني بالبعد فاتحة الرعد
فبالله برّد ما بقلبي من الجوى ... بفاتحة الأعراف من ريقك الشهد وقال الراعي رحمه الله تعالى: سمعت شيخنا أبا الحسن علي بن سمعة الأندلسي رحمه الله تعالى يقول: شيئان لا يصحان: إسلام إبراهيم بن سهل، وتوبة الزمخشري من الاعتزال، ثم قال الراعي: قلت: وهما في مروياتي، أما إسلام إبراهيم بن سهل فيغلب على ظني صحته لعلمي بروايته، وأما الثاني - وهو توبة الزمخشري - فقد ذكر بعضهم أنه رأى رسماً بالبلاد المشرقية محكوماً فيه يتضمن توبة الزمخشري من الاعتزال فقوي جانب الرواية، انتهى باختصار.
وقال الراعي أيضاً ما نصه: وقد نكت الأديب البارع إبراهيم بن سهل الإسرائيلي الأندلسي على الشيخ أبي القاسم في تغزله حيث قال:
أموسى أيا بعضي وكلّي حقيقةوليس مجازاً قولي الكلّ والبعضا
خفضت مكاني إذ جزمت وسائليفكيف جمعت الجزم عندي والخفضا
وفي هذا دليل على أن يهود الأندلس كانوا يشتغلون بعلم العربية، فإن إبراهيم قال هذين البيتين قبل إسلامه، والله تعالى أعلم. وقد روينا أنه مات مسلماً غريقاً في البحر، فإنه كان حقاً فالله تعالى رزقه الإسلام في آخر عمره والشهادة، انتهى.
ومن نظم ابن سهل في التوجيه باصطلاح النحاة قوله:
رفعت عوامله وأحسب رتبتيبنيت على خفض فلن تتغيرا ومنه:
تنأى وتدنو والتفاتك واحدٌكالفعل يعمل ظاهراً ومقدّرا وقوله:
إذا كان نصر الله وقفاً عليكمفإنّ العدا التنوين يحذفه الوقف وقوله:
ليتني نلت منه وصلاً وأجلىذلك الوصل عن صباح المنون
وقرأنا باب المضاف عناقاًوحذفنا الرقيب كالتنوين وقوله:
بنيت بناء الحرف خامر طبعهفصار لتأثير العوامل مانعا وقوله:
لك الثناء فإن يذكر سواك بهيوماً فكالرابع المعهود في البدل
يعني الغلط، وقوله:
إذا اليأس ناجى النفس منك بلن ولاأجابت ظنوني ربّما وعساني وقوله:
وقلت عساه عن أقمت يرقّ ليوقد نسخت لا عنده ما اقتضت عسى وقوله:
ينفي لي الحال ولكنّهيدخل لا في كل مستقبل وقوله:
خفضت مقامي إذ جزمت وسائليفكيف جمعت الجزم عندي والخفضا وقوله في غلام شاعر:
كيف خلاص القلب من شاعرٍرقت معانيه عن النّقد
يصغر نثر الدرّ عن نثرهونظمه جلّ عن العقد
وشعره الطائل في حسنه ... طال على النابغة الجعدي وحدث أبو حيان عن قاضي القضاة أبي بكر محمد بن أبي نصر الفتح بن علي الأنصاري الإشبيلي بغرناطة أن إبراهيم بن سهل الشاعر الإشبيلي كان يهودياً ثم أسلم، ومدح رسول الله ﷺ بقصيدة طويلة بارعة، قال أبو حيان: وقفت عليها، وهي من أبدع مانظم في معناها، وكان سن ابن سهل حين غرق نحو الأربعين سنة، وذلك سنة تسع وأربعين وستمائة، وقيل: إنه جاوز الأربعين، وكان يقرأمع المسلمين ويخالطهم، وما أحسن قوله:
مضى الوصل إلاّ منية تبعث الأسىأداري بها همّي إذا الليل عسعسا
أتاني حديث الوصل زوراً على النوىأعد ذلك الزور اللّذيذ المؤنسا
ويا أيّها الشوق الذي جاء زائراًأصبت الأماني خذ قلوباً وأنفسا
كساني موسى من سقام جفونهرداء وسقّاني من الحبّ أكؤسا ومن أشهر موشحاته قوله:
ليل الهوى يقظانوالحبّ ترب السّهر
والصبر لي خوّانوالنوم عن عيني بري وقد عارضه غير واحد فما شقوا له غباراً
وأما إبراهيم بن الفخار اليهودي فكان قد تمكن عند الأذفونش ملكطليطلة النصراني، وصيره سفيراً بينه وبين ملوك المغرب، وكان غارفاً بالمنطق والشعر، قال ابن سعيد: أنشدني لنفسه يخاطب أديباً مسلماً كان يعرفه قبل أن تعلو رتبته ويسفر بين الملوك، ولم يزده على ما كان يعامله به من الإذلال، فضاق ذرع ابن الفخار وكتب إليه:
أيا جاعلاً أمرين شبهين مالهمن العقل إحساسٌ به يتفقّد
جعلت الغنى والفقر والذلّ والعلاسواءً فما تنفكّ تشقى وتجهد
وهل يستوي في الأرض نجد وتلعةفتطلب تسهيلاً وسيرك مصعد
وما كنت ذا ميز لمن كنت طالباًبما كنت في حال الفراغ تعوّد
وقد حال ما بيني وبينك شاغلٌفلا تطلبنّي بالذي كنت تعهد
فإن كنت تأبى غير إقدام جاهلٍفإنك لا تنفكّ تلحى وتطرد
ألا فأت في أبوابه كلّ مسلكولا تك محلاً حيثما قمت تقعد قال ابن سعيد: وأنشدني لنفسه:
ولمّا دجا ليل العذار بخدّهتيقنت أنّ الليل أخفى وأستر
وأصبح عذّالي يقولون صاحبٌفأخلو به جهراً ولا أتستّر وقال يمدح الأذفونش لعنهما الله تعالى:
حضرة الأذفنش لا برحتغضة أيامها عرس
فاخلع النعلين تكرمةً ... في ثراها إنّها قدس قال: وأدخلوني إلى بستان الخليفة المستنصر، فوجدته في غاية الحسن كأنه الجنة، ورأيت على بابه بواباً في غاية القبح، فلما سألني الوزير عن حال فرجتي قلت: رأيت الجنة إلا أني سمعت أن الجنة يكون على بابها رضوان، وهذه على بابها مالك، فضحك واخبر الخليفة بما جرى، فقال له: قل له إنا قصدنا ذلك، فلو كان رضوان عليها بواباً لخشينا أن يرده عنها، ويقول له: ليس هذا موضعك، ولما كان هناك مالك أدخله فيها، وهو لا يدري ما وراءه، ويخيل أنها جهنم، قال: فلما أعلمني الوزير بذلك قلت له: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ (الأنعام:).
وكان في زمان الياس بن المدور اليهودي الطبيب الرندي طبيب آخر كان يجري بينهما من المحاسدة ما يجري بين مشتركين في صنعة، فأصلح الناس بينهما مراراً، وظهر لإلياس من ذلك الرجل الطبيب ما ينفر الناس منه فكتب إليه:
لا تخدعنّ فما تكون مودّةما بين مشتركين أمراً واحدا
انظر إلى القمرين حين تشاركا ... بسناهما كان التلاقي واحدا يعني أنهما معاً لما اشتركا في الضياء وجب التحاسد بينهما والتفرقة: هذا يطلع ليلاً وهذه تطلع نهاراً، واعتراضهما يوجب الكسوف.
وكتب أيوب بن سليمان المرواني إلى بسام بن شمعون اليهودي الوشقي في يوم مطير: لما كنت - وصل الله تعالى إخاءك وحفظك - مطمح نفسي، ومنزع اختياري من أبناء جنسي، على جوانبك أميل، وأرتع في رياض خلقك الجميل، هزتني خواطر الطرب والارتياح، في هذا اليوم المطير، الداعي بكاؤه إلى ابتسام الأقداح، واستنطاق البم والزير، فلم أر معيناً على ذلك، ومبلغاً إلى ما هنالك، إلا حسن نظرك، وتجشمك من المكارم ماجرت به عادتك، وهذا يوم حرم الطرف فيه الحركة، وجعل في تركها الخير والبركة، فهل توصل مكرمتك أخاك إلى التخلي معك في زاوية، متكءاً على دن مستنداً إلى خابية، ونحن خلال ذلك نتجاذب أهداب الحديث الذي لم يبق من اللذات إلا هو، ونجيل الألحاظ فيما تعودت عندك من المحاسن والأسماع في أصناف الملاهي، وأنت على ذلك قدير، وكرمك بتكلفه جدير:
ولا يعين المرء يوماً علىراحته إلاّ كريم الطباع
وها أنا والسمع مني إلى الباب وذو الشوق حليف استماع
فإن أتى داعٍ بنيل المنى ... ودّع أشجاني ونعم الوداع وهذا المرواني من ذرية عبد العزيز أخي عبد الملك بن مروان، وهو من أهل المائة السادسة.
وكانت بالأندلس شاعرة من اليهود يقال لها قسمونة بنت إسماعيل اليهودي، وكان أبوها شاعراً، واعتنى بتأديبها، وربما صنع من الموشحة قسماً فأتمتها هي بقسم آخر، وقال لها أبوها يوماً: أجيزي:
لي صاحبٌ مهجةٍ قد قابلتنعمى بظلمٍ واستحلّت جرمها ففكرت غير كثير وقالت:
كالشمس منها البدر يقبس نوره ... أبداً ويكسف بعد ذلك جرمها فقام كالمختبل، وضمها إليه، وجعل يقبل رأسها، ويقول: أنت والعشر كلمات أشعر مني.
ونظرت في المرآة فرأت جمالها وقد بلغت أوان التزويج ولم تتزوج، فقالت:
أرى روضةً قد حان منها قطافهاولست أرى جانٍ يمدّ لها يدا
فوا أسفا يمضي الشّباب مضيّعاًويبقى الّذي ماإن أسمّيه مفردا فسمعها أبوها، فنظر في تزويجها
وقالت في ظبية عندها:
يا ظبيةً ترعى بروضٍ دائماًإنّي حكيتك في التوحّش والحور
أمسى كلانا مفرداً عن صاحبٍ ... فلنصطبر أبداً على حكم القدر واستدعى أبو عبد الله محمد بن رشيق القلعي ظثم الغرناطي بعض أصحابه إلى أنس، بقوله:
سيدي عندي أترجٌّ ونارنجٌ وراح
وجنى آسٍ وزهرٍوحمانا لا يباح
ليس إلاّ مطربٌ يسلي النّدامى، والملاح
ومكانٌ لانهتاكٍقد نأى عنه الفلاح
لا يرى يطلع فيهدون أكواسٍ صباح
فيه فتيانٌ لهم فيلذة العيش جماح
طرحوا الدّنيا يساراًفاستراحت واستراحوا
لا كقومٍ أوجعتهملهم فيها نباح وله:
قال العذول: إلى كمتدعو لمن لا يجيب
فقلت: ليس عجيباًأن لا يجيب حبيب
هوّن عليك فإنّي ... من حبّه لا أتوب قال أبو عمران ابن سعيد: دخلت عليه وهو مسجون بدار الأشراف بإشبيلية، وقد بقي عليه من مال السلطان اثنا عشر ألف دينار قد أفسدها في لذات نفسه، فلما لمحني أقبل يضحك ويشتغل بالنادر والحكايات الطريفة، فقلت له: قالوا: إنك أفسدت للسلطان اثني عشر ألف دينار، وما أحسبك إلا زدت على هذا العدد لما أراك فيه من المسرة والاستبشار، فزاد ضحكاً، وقال: يا أبا عمران، أتراني إذا لزمت الهم والفكر يرجع علي ذلك العدد الذي أفسدت ثم فكر ساعة وأنشدني:
ليس عندي من الهموم حديثٌكلّما ساءني الزمان سررت
أتراني أكون للدهر عوناًفإذا مسّني بضرّ ضجرت
غمرةٌ ثم تنجلي فكأنّي ... عند إقلاع همّها ما ضررت وقال النحوي اللغوي أبو عيسى لب بن عبد الوارث القلعي:
بدا ألف التعريف في طرس خدّهفيا هل تراه بعد ذاك ينكر
وقد كان كافوراً فهل أنا تاركله عندما حيّاه مسك وعنبر
وما خير روضٍ لا يرفّ نباتهوهل أفتن الأثواب إلاّ المشهر وقال:
أبى لي أن أقول الشّعر أنّيأحاول أن يفوق السحر شعري
وأن يصغي إليه كلّ سمعٍ ... ويعلق ذكره في كلّ صدر قال الحجاري: أخبرني أنه أحب أحد أولاد الأعيان ممن كان يقرأ عليه، فلما خلا به شكا إليه ما يجده، فقال له: الصبيان يفطنون بنا، فإذا أردت أن تقول شيئاً فاكتبه لي في ورقة، [قال]: فلما سمعت ذلك منه تمكن الطمع مني فيه، وكتبت له:
يا من له حسنٌ يفوق به الورىصل هائماً قد ظلّ فيك محيّرا
وامنن عليه بقبلةٍ أو غيرها ... إن كنت تطمع في الهوى أن تؤجرا وكتبت بعدها من الكلام ما رأيته، فلما حصلت الورقة عنده كتب إلي في غيرها: أنا من بيتٍ عادة أهله أن يكونوا اسم فاعل لا اسم مفعول، وإنما أردت أن يحصل عندي خطك شاهداً على ما قابلتني به لئلا أشكوك إلى أبي فيقول لي: حاش لله أن يقع الفقيه في هذا، وإنما أنت خبيث، رأيته يطالبك بالتزام الحفظ فاختلقت عليه لأخرجك من عنده، فأبقى معذباً معك ومعه، وإن
أنا أوقفته على خطك صدقني واسترحت، ولكن لا أفعل هذا إلا إذا لم تنته عني، وإن انتهيت فلا أخبر به أحداً، قال ابن عبد الوارث: فلما وقفت على خطه علمت قدر ما وقعت فيه، وجعلت أرغب إليه في أن يرد الرقعة إلي، فأبى وقال: هي عندي رهن على وفائك بأن لا ترجع تتكلم في ذلك الشأن، قال: فكان والله يبطل القراءة ولا أجسر أكلمه، لأني رأيت صيانتي وناموسي قد حصل في يده، وتبت من ذلك الحين عن هذا وأمثاله.
وقال جابر بن خلف الفحصي - وكان في خدمة عبد الملك بن سعيد، وقرأمع أبي جعفر ابن سعيد وتهذّب معه - يخاطبه حين عاثت الذئاب في غنمه:
أيا قائداً قد سما في العلاوساد علينا بذاتٍ وجدّ
غدا الذئب في غنمي عائثاًوقد جئت مستعدياً بالأسد وكثر عليه الدين، فكتب إليه أيضاً:
أفي أيّامك الغرّأموت كذا من الضرّ
وأخبط في دجى همّيووجهك طلعة الفجر فضحك وأدى دينه
ولما خلع أهل المرية طاعة عبد المؤمن، وقتلوا نائبه ابن مخلوف، قدموا عليهم أبا يحيى ابن الرميمي، ثم كان عليه من النصارى ما علم، ففر إلى مدينة فاس، وبقي بها ضائعاً حاملاص، يسكن في غرفة، ويغيش من النسخ، فقال:
أمسيت بعد الملك في غرفةٍضيقة الساحة والمدخل
تستوحش الأرزاق من وجههافما تزال الدّهر في معزل
النسخ بالقوات لديها ولا ... تقرعها كفّ أخٍ مفضل وأنشدها لبعض الأدباء، فبينما هو ليلة ينسخ بضوء السراج إذا بالباب يقرع، ففتحه، فإذا شخص متنكر لا يعرفه، وقد مد يده إليه بصرة فيها جملة دنانير، وقال: خذها من كف أخ لا يعرفك ولا تعرفه، وأنت المفضل بقبولها، فأخذها، وحسن بها حاله.
وقال له بعضٌ: هذا شعرك أيام خلعك، فهل قلت أيام أمرك قال: نعم، لما قتل أهل المرية ابن مخلوف عامل عبد المؤمن وأكرهوني أن أتولى أمرهم قلت:
أرى فتناً تكشّف عن لظاهارمادٌ بالنّفاق له انصداع
وآل بها النظام إلى انتثارٍوساد الأسافل والرعاع
سأحمل كلّ ما جشّمت منها ... بصدرٍ فيه للهول اتساع وأصل بني الرميمي من بني أمية ملوك الأندلس، ونسبوا إلى رميمة قريةٍ من أعمال قرطبة.
وقال أبو بحر يوسف بن عبد الصمد:
فوصلت أقطاراً لغير أحبّةٍومدحت أقواماً بغير صلات
أموال أشعاري نمت فتكاثرتفجعلت مدحي للبخيل زكاتي وهذا من غريب المعاني
وفي بني عبد الصمد يقول بعض أهل عصرهم، لما رأى من كثرة عددهم، والتباسهم بالسلطان:
ملأت قلبي هموماً مثل ماملأ الدّنيا بنو عبد الصمد
كاثر الشيخ أبوهم آدماًفغدا أكثر نسلاً وولد
كلهم ذئب إذا آمنته ... والرّعايا بينهم مثل النّقد وكان الوزير الكاتب أبو جعفر أحمد بن عباس وزير زهير الصقلبي ملك المرية بذ الناس في وقته بأربعة أشياء: المال، والبخل، والعجب، والكتابة، قال ابن حيان: وكان قبل محنته صير هجيراه أوقات لعب الشطرنج أو ما يسنح له هذا البيت:
عيون الحوادث عني نيام ... وهضمي على الدهر شيء حرام وذاع هذا البيت في الناس حتى قلب له مصراعه الأخير بعض الأدباء فقال:
سيوقظها قدرٌ لا ينام ... وكان حسن الكتابة، جميل الخط، مليح الخطاب، عزيز الأدب، قوي المعرفة، مشاركاً في الفقه، حاضر الجواب، جماعاً للدفاتر، حتى بلغت أربعمائة ألف مجلد، وأما الدفاتر المخرومة فلم يوقف على عددها لكثرتها، وبلغ ماله خمسمائة ألف مثقال جعفرية سوى غير ذلك، وكان مقتله بيد باديس ابن حبوس ملك غرناطة، وكفى دليلاً على إعجابه قوله:
لي نفس لا ترتضي الدهر عمراًوجميع الأنام طرّاً عبيدا
لو ترقّت فوق السّماك محلاًّلم تزل تبتغي هناك صعودا
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع