تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

رجع إلى نثر ابن الخطيب رحمه الله تعالى (٥)

من عبد هداه، ومستقري مواقع نداه، ومزاحم أبناء أنصاره في منتداه، وبعض سهامه المفوقة إلى نحور عداه، مؤمل العتق من النار بشفاعته، ومحرز طاعة الجبار بطاعته، الآمن باتصال رعيه من إهمال الله تعالى وإضاعته، متخذ الصلاة عليه وسائل نجاة، وذخائر في الشدائد مرتجاة، متاجر بضائعها غير مزجاة، الذي ملأ بحبه جوانح صدره، وجعل فكره هالة لبدره، وأوجب حقه على قدر العبد لا على قدره، محمد بن يوسف بن نصر الأنصاري الخزرجي، نسيب سعد بن عبادة من أصحابه، وبوارق سحابه، وسيوف نصرته، وأقطاب دار هجرته، ظلله الله تعالى يوم الفزع الأكبر من رضاك عنه بظلال الأمان، كما أنار قلبه من هدايتك بأنوار الهدى والإيمان، وجعله

من أهل السياحة في فضاء حبك والهيمان:

كتبه إليك يا رسول الله - واليراع تقتضي الهيبة صفرة ونه، والمداد يكاد أن يحول سواد جونه، وورقة الكتاب يخفق ؤادها حرصاً على حفظ اسمك الكريم وصونه، والدمع يقطر به الحروف وتفصل الأسطر، وتوهم المثول، بمثواك المقدس لا يمر بالخاطر سواه ولا يخطر، عن قلب بالبعد عنك قريح، وجفن بالبكاء جريح، وتأوه عن تبريح، كلما هب من أرضك نسيم ريح، وانكسار ليس له إلا جبرك، واغتراب لا يؤنس فيه إلا قربك، وإن يقض فقبرك، وكيف لا يسلم في مثلها الأسى، ويوحش الصباح والمسا، ويرجف جبل الصبر بعدما رسا، لولا لعل وعسى، فقد سارت الركبان إليك ولم يقض مسير، وحومت الأسراب عليك والجناح كسير، وعدت الآمال فاخلفت، وحلفت العزائم فلم تف بما حلفت، ولم تحصل النفس من تلك المعاهد ذات الشرف الأثيل، إلا على التمثيل، ولا من المعالم المتمسة التنوير، إلا على التصوير، مهبط وحي الله تعالى ومتنزل أسمائه، ومتردد ملائكة سمائه، ومدافن أوليائه، وملاحد أصحاب خيرة أنبيائه، رزقني الله تعالى الرضى بقضائه، والصبر على جاحم البعد ورمضائه - من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى دار ملك الإسلام بالأندلس قاصية سيلك، ومسحبة رجلك يا رسول الله وخيلك، وأنأى مطارح دعوتك ومساحب ذيلك، حيث مصاف الجهاد في سبيل الله وسبيلك قد ظللها القتام، وشهبان الأسنة أطلعها منه الإعتام، وأسواق بيع النفوس من الله تعالى قد تعدد بها الأيامى والأيتام، حيث الجراح قد تحلت بعسجد نجيعها النحور، والشهداء نتحف بها الحور، والأمم الغريبة قد قطعها عن المدد البحور، حيث المباسم المفترة، تجلوها المصارع البرة، فتحييها بالعراء ثغور الأزاهر، وتندبها صوادح الأدواح برنات تلك المزاهر، وتحلي السحاب أشلاءها المعطلة من ظلها بالجواهر، وحيث الإسلام من عدوه المكايد بمنزلة

قطرة من عارض غمام، وحصاة من ثبير أوشمام، وقد سدت الطريق، وأسلم الفراق الفريق، وأغص الريق، ويئس من الساحل الغريق، إلا أن الإسلام بهذه الجهة المتمسكة بحبل الله تعالى وحبلك، المهتدية بأدلة سبلك، سالم والحمد لله تعالى من الانصداع، محروس بفضل الله تعالى من الابتداع، مقدود من جديد الملة، معدوم فيه وجود الطوائف المضلة، إلا ما يخص الكفر من هذه العلة، والاستظهار على جمع الكثرة من جموعه بجمع القلة.

ولهذه الأيام يا رسول الله أقام الله تعالى أوده براً بوجهك الوجيه ورعياً، وإنجازاً لوعدك وهوالذي لا يخلف وعداً ولا يخيب سعياً، وفتح لنا فتوحاً أشعرتنا برضاه عن وطننا الغريب، وبشرتنا منه تعالى بغفر التقصير ورفع التثريب، ونصرنا وله المنة على عبدة الصليب، وجعل لألفنا الرديني ولامنا السردي حكم التغليب، وإذا كانت الموالي التي طوقت الأعناق مننها، وقررت العوائد الحسان سيرها وسننها، تبادر إلها نوابها الصرحاء وخدامها النصحاء بالبشائر، والمسرات التي تشاع في العشائر، وتجلولديها نتائج أيديها، وغايات مباديها، وتتاحفها وتهاديها، بمجاني جناتها وأزاهر غواديها، وتطرف محاضرها بطرف بواديها، فبابك يا رسول الله أولى بذلك وأحق، ولك الحق الحق، والحر منا عبدك المسترق، حسبما سجله الرق، وفي رضاك من كل من يلتمس رضاه المطمع، ومثواك المجمع، وملوك الإسلام في الحقيقة عبيد سدتك المؤملة، وخول مثابتك المحسنة بالحسنات المجملة، وشهب تعشوإلى بدورك المكملة، وبعض سيوفك المقلدة في سبيل الله تعالى المحملة، وحرسة مهادك، وسلاج جهادك، وبروق عهادك.

وإن مكفول احترامك الذي لا يخفر، وربي إنعامك الذي لا يكفر، وملتحف جاهك الذي يمحى ذنبه بشفاعتك إن شاء الله تعالى ويغفر، يطالع روضة الجنة المفتحة أبوابها بمثواك، ويفاتح صوان القدس الذي أجنك وحواك

وينثر بضائع الصلاة عليك بين يدي الضريح الذي طواك، ويعرض جنى ما غرست وبذرت، ومصداق ما بشرت به لما بشرت وأنذرت، وما انتهى إليه طلق جهادك، ومصب عهادك، لتقر عين نصحك التي أنام العيون الساهرة هجوعها، وأشبع البطون، ورواها ظمؤها في الله تعالى وجوعها، وإن كانت الأمور بمرأى من عين عنايتك، وغيبها متعرف بين إفصاحك وكنايتك، ومجمله يا رسول الله صلى الله عليك، وبلغ وسيلتي إليك، هوا، الله سبحانه لما عرفني لطفه الخفي في التمحيص، المقتضي عدم المحيص، ثم في التخصيص، المغني بعيانه عن التنصيص، وفق ببركاتك السارية رحماتها في القلوب، ووسائل محبتك العائدة بنيل المطلوب، إلى استفادة عظة واعتبار، واغتنام إقبال بعد إدبار، ومزيد استبصار، واستعانة بالله تعالى وانتصار، فسكن هبوب الكفر بعد إعصار، وحل مخنق الإسلام بعد حصار، وجرت على سنن السنة بحسب الاستطاعة والمنة السيرة، وجبرت بجاهك القلوب الكسيرة، وسهلت المآرب العسيرة، ورفع بيد العزة الضيم، وكشف بنور البصيرة الغيم، وظهر القليل على الكثير، وباء الكفر بخطة التعثير، واستوى الدين الحنيف على المهاد الوثير، فاهتبلنا يا رسول الله غرة العدو وانتهزناها، وشمنا صوارم عزة الغدووهززناها، وأزحنا علل الجيوش وجهزناها.

فكان مما ساعد عليه القدر، والخطب المبتدر، والورد الذي حسن بعده الصدر، أننا عاجلنا مدينة برغه، وقد جرعت الأختين مالقة ورندة، من مدائن دينك، ومزابن ميادينك، أكواس الفراق، وأذكرت مثل من بالعراق، وسدت طرق التزاور عن الطراق، وأسألت المسيل بالنجيع المراق، في مراصد المراد والمراق، ومنعت المراسلة مع هدير الحمام، لا بل مع طيف المنام عند الإلمام، فيسر اله تعالى اقتحامها، وألحمت بيض الشفار

في زرق الكفار إلحامها، وأزال السيوف من بين تلك الحروف إقحامها، فانطلق المسرى، واستبشرت القواعد الحسرى، وعدمت بطريقها المخيف مصارع الصرعى ومثاقف الأسرى، والحمد لله على فتحه الأسنى، ومنحه الأسرى، ولا إله إلا هومنفل قيصر وكسرى، وفاتح مغلفاتهما المنيعة قسراً؛ واستولى الإسلام منها على قرار جنات، وأم بنات، وقاعدة حصون، وشجرة غصون، طهرت مساجدها المغتصبة المكرهة، وفجع بحفظها الفيل الافيل وأربرهة، وانطلقت بذكر الله الألسنة المدرهة، وفاز بسبق ميدانها جيادك الفرهة، هذا وطاغية الروم على توفر جموعه، وهول مرئيه ومسموعه، قريب جواره، بحيث يتصل خواره، وقد حرك إليها الحنين حواره.

" ثم نازل المسلمون بعدها شجا الإسلام الذي أعيا النطاسي علاجه، وكرك هذا القطر الذي لا تطاول أعلامه ولا تصاول أعلاجه، وركاب الغارات التي تطوي المراحل إلى مكايدة المسلمين طي البرود، وحجر الحيات التي لا تخلع على اختلاف الفصول جلود الزرود، ومنغص الورود في العذب المورود، ومقض المضاجع، وحلم الهاجع، ومجهز الخطب الفاجئ الفاجع، ومستدرك فاتكة الراجع، قبل هبوب الطائر الساجع، حصن آشر حماه الله تعالى دعاء لا خبراً، كما جعله للمتفكرين في قدرته معتبراً، فأحاطوا به إحاطة القلادة بالجيد، وأذلوا عزته بعزة ذي العرش المجيد، وحفت به الرايت يسمها وسمك، ويلوح في صفحاتها اسم الله تعالى واسمك، فلا ترى إلا نفوساً تتزاحم على مورد الشهادة أسرابها، وليوثاً يصدق في الله تعالى ضرابها، وأرسل الله عليها رجزاً إسرائيلياً من جراد السهام، تش آياته عن الإفهام،

وسدد إلى الجبل النفوس القابلة للإلهام، من بعد الاستغلاق والاستبهام، وقد عبثت جوارح صخوره في قنائص الهام، وأعيا صعبه على الجيش اللهام، فأخذ مسائغه النقض والنقب، ورغا فوق أهله السقب، ونصبت المعارج والمراقي، وقرعت المناكب والتراقي، واغتنم الصادقون مع الله تعالى الحظ الباقي، وقال الشيهد السابق: يا فوز استباقي، ودخل البلد فألحم السيف، واستلبت البحت والزيف، ثم استخلصت القصبة فعلت أعلامك في أبراجها المشيدة، وظفر ناشد دينك منها بالنشيدة، وشكر الله تعالى في قصدها مساعي النصائح الرشيدة، وعمل ما يرضيك يا رسول الله في سد ثلمها، وصون مستلمها، ومداواة ألمها، حرصاً على الاقتداء في مثلها بأعمالك، والاهتداء بمشكاة كمالك، ورتب فيها الحماة تشجي العدو، وتصل في مرضاة الله تعالى، ومرضاتك برواحها الغدو.

ثم كان الغزوإلى مدينة إطريرة بنت حاضرة الكفر إشبيلية التي أظلتها بالجناح الساتر، وأنامتها في ضمان الأمان للحسام الباتر، وقد وتر الإسلام من هذه المومسة البائسة بوتر الواتر، وأحفظ منها بأذى الوقاح المهاتر، لما جرته على أسرة من عمل الخاتل الخاتر، حسب المنقول لا بل المتواتر، فطوى إليها المسلمون المدى النازح، ولم تشك المطي الروازح، وصدق الجد جدها المازح، وخففت فوق أوكارها أجنحة الأعلام، وغشيتها أفواج الملائكة الموسومة وظلال الغمام، وصابت من السهام ودق الرهام، وكاد يكفي السهام على الأرض ارتجاج أجوائها بكلمة الإسلام، وقد صم خاطب عروس الشهادة

عن الملام، وسمح بالعزيز المصون مبايع الملك العلام، وتكلم لسان الحديد الصامت وصمت إلا بذكر الله لسان الكلام، ووفت الأوتار بالأوتار، ووصل بالخطي ذرع الأبيض البتار، وسلطت النار على أربابها، وأذن الله تعالى في تبار تلك الأمة وتبابها، فنزلوا على حكم السيف آلافاً، بعد أن أتلفوا بالسلاح إتلافاً، واستوعب المقاتلة كتافاً، وقرنوا في الجدل أكتافاً أكتافاً، وحملت العقائل والخرائد، والولدان والولائد، إركاباً من فوق الظهور وإردافاً، وأقلت منها أأفلاك الحمول بدوراً تضيء من ليالي المحاق أسدافاً، وامتلأت الأيدي من المواهب والغنائم، بما لا يصوره حلم النائم، وتركت العوافي تتداعى إلى تلك الولائم، وتفنن من مطاعمها في الملائم، وشنت الغارات على حمص فجلت خارجها مغاراً، وكست كبار الروم بها صغاراً، وأجحرت أبطالها إجحاراً، واستاقت من النعم ما لا يقبل الحصر استبحاراً.

ولم يكن إلا أن عدل القسم، واستقل بالقفول العزيز الرسم، ووضح من التوفيق الوسم، فكانت الحركة إلى قاعدة جيان قيعة الظل الأبرد، ونسيجة المنوال المفرد، وكناس الغيد الخرد، وكرسي الإمارة، وبحر العمارة، ومهوى هوى الغيث الهتون، وحزب التين والزيتون، حيث خندق الجنة تدنولأهل النار مجانيه، وتشرق بشواطئ الأنهار إشراق الأزهار زهر مبانيه، والقلعة التي تختمت بنان شرفاتها بخواتيم النجوم، وهمت من دون سحابها البيض سحائب الغيث السجوم، والعقيلة التي أبدى الإسلام يوم طلاقها، وهجوم فراقها، سمة الوجوم لذلك الهجوم، فرمتها البلاد المسلمة بأفلاذ أكبادها الوادعة، وأجابت منادي دعوتك الصادقة الصادعة، وحبتها بالفادحة الفادعة، فغصت الربى والوهاد بالتكبير والتهليل، وتجاوبت الخيل بالصهيل، وانهالت الجموع المجاهدة في الله تعالى انهيال الكثيب المهيل، وفهمت نفوس العباد المجاهدة في الله تعالى حق الجهاد معاني التيسير من ربها والتسهيل، وسفرت الرايات عن المرأى الجميل، وأربت المحلات المسلمة على التأميل، ولما صبحتها

النواصي المقبلة الغرر والأعلام المكتتبة الطرر، برز حاميتها مصحرين، وللحوزة المستباحة منتصرين، فكاثرهم من سرعان الأبطال رجل الدبا، ونبت الوهاد والربى، فأقحموهم من وراء السور، وأسرعت أقلام الرماح في بسط عددهم المكسور، وتركت صرعاهم ولائم للنسور، ثم اقتحموا ربض المدينة الأعظم ففرعوه، وجدلوا من دافع عن أسواره وصرعوه، وأكواس الحتوف جرعوه، ولم يتصل أولى الناس بأخراهم، ويحمد بمخيم النصر العزيز سراهم، حتى خذل الكافر الصبر وأسلم الجلد، ونزل على المسلمين النصر فدخل البلد، وطاح في السيل الجارف الوالد منه والولد، وأتهم المطرف والمتلد، فكان هولاً بعيد الشناعة، وبعثاً كقيام الساعة، أعجل المجانيق عن الركوع والسجود، والسلالم عن مطاولة النجود، والأيدي عن ردم الخنادق والأغوار، والأكبش عن مناطحة الأسوار، والنفوط عن إصعاق الفجار، وعمد الحديد، ومعاول البأس الشديد، عن نقب الأبراج ونقض الأحجار، فهيلت الكثبان، وأبيد الشيب والشبان، وكسرت الصلبان، وفجع بهدم الكنائس الرهبان، وأهبطت النواقيس من مراقيها العالية وصروحها المتعالية، وخلعت ألسنتها الكاذبة، ونقل ما استطاعته الأيدي المجاذبة، وعجزت عن الأسلاب ذوات الظهور، وجلل الإسلام شعار العز والظهور، بما خلت عن مثله سوالف الدهور والأعوام والشهور، وأعرست الشهداء ومن النفوس المبيعة من الله تعالى نحل الصدقات والمهور، ومن بعد ذلك هدم السور، ومحيت عن محيطه المحكم السطور، وكاد يسير ذلك الجبل الذي اقتعدته ويدك ذلك الطور، ومن بعد ما خرب الوجار، عقرت الأشجار، وعفر المنار، وسلطت على بنات

التراب والماء والنار، وارتحل عنها المسلمون وقد عمتها المصائب، وأصمى لبتها السهم الصائب، وجللتها القشاعم العصائب، فالذئاب في الليل البهيم تعسل، والضباع من الحدب البعيد تنسل، وقد ضاقت الجدل عن المخانق، وبيع العرض الثمين بالدائق، وسبكت أسورة الأسوار، وسويت الهضاب بالأغوار، واكتسحت الاحواز القاصية سرايا الغوار، وحجبت بالدخان مطالع الأنوار، وتخلفت قاعتها عبرة للمعتبرين وعظة للناظرين، وآية للمستبصرين، ونادى لسان الحمية، يا لثارات الإسكندرية، فأسمع آذان المقيمين والمسافرين، وأحق الله الحق بكلماته وقطع دابر الكافرين.

ثم كانت الحركة إلى أختها الكبرى، ولدتها الحزينة عليها العبرى، مدينة أبدة ذات العمران المستبحر، والربض الخرق المصحر، والمباني الشم الأنوف، وعقائل المصانع الجمة الحلي والشنوف، والغاب الأنوف، بلدة التجر، والعسكر المجر، وأفق الضلال الفاجر الكذب على الله تعالى الكاذب الفجر، فخذل الله تعالى حاميتها التي يعيي الحسبان عدها، وسجر بحورها التي لا يرام مدها، وحقت عليها كلمة الله تعالى التي لا يستطاع ردها، فدخلت لأول وهلة، واستوعب جمها والمنة لله تعالى في نهلة، ولم يكف السيف من عليها ولا مهلة، فلا تناولها العفا والتخريب، واستباحها الفتح القريب، وأسند عن عواليها حديث النصر الحسن الغريب، وأقعدت أبراجها من بعد القيام والانتصاب، وأضرعت مسيفها لهول المصاب، انصرف عنها المسلمون بالفتح الذي عظم صيته، والعز الذي سما طرفه واشرأب ليته، والعزم الذي حمد مسراه ومبينه، والحمد لله ناظم الأمر وقد راب شتيته، وجابر الكسر وقد أفات الجبر مفتيه.

ثم كان الغزوإلى أم البلاد، ومثوى الطارف والتلاد، قرطبة، وما قرطبة المدينة التي على عمل أهلها في القديم بهذا الإقليم كان اعمل، والكرسي الذي بعصاه رعي الهمل، والمصر الذي له في خطة المعمور الناقة والجمل، والأفق الذي لشمس الخلافة العبشمية الحمل، فخيم الإسلام بعقوتها المستباحة، وأجاز نهرها المعيي على السباحة، وعم دوحها الأشب بواراً، وأدار المحلات بسورها سواراً، وأخذ بمخنقها حصاراً، وأعمل النصر بشجر يصلها اجتناءً ما شاء واهتصاراً، وجدل من أبطالها من لم يرض انحجاراً، فأعمل إلى المسلمين إصحاراً، حتى فرغ بعض جهاتها غلاباً جهاراً، ورفعت الأعلام إعلاماً بعز الإسلام وإظهاراً، فلولا استهلال الغوادي، وأن أتى الوادي، فأفضت إلى فتح الفتوح تلك المبادي، ولقضى تفثه العاكف والبادي، فاقتضى الرأي ولذنب الزمان في اغتصاب الكفر إياها متاب، تعمل ببشراه بفضل الله تعالى أقتاد وأقتاب، ولكل أجل كتاب أن يراض صعبها حتى يعود ذلولاً، وتعفى معاهدها الآهلة فتترك طلولاً، فإذا فجع الله تعالى بمارج النار طوائفها المارجة، وأباد بخارجها الطائرة والدارجة، خطب السيف منها أم خارجة، فعند ذلك أطلقنا بها ألسنة النار ومفارق الهضاب بالهشيم قد شابت، والغلات المستغلات قد دعا بها القصل فما ارتابت، وكأن صحيفة نهرها لما

أضرمت النار في ظهرها ذابت، وحيته فرت أمام الحريق فانسابت، وتخلفت لغمائم الدخان عمائم تلويها برؤوس الجبال أيدي الرياح، وتنشرها بعد الركود أيدي الاجتياح، وأغريت بأقطارها الشاسعة، وجهاتها الواسعة، جنود الجوع، وتوعدت بالرجوع، فسلب لتوقع الهجوم منزور الهجوع، فأعلامها خاشعة خاضعة، وولدانها لثدي البؤس راضعة، والله سبحانه يوقد بخبر فتحها القريب ركاب البشرى، وينشر رحمته قبلنا نشراً.

ثم تنوعت يا رسول اله لهذا العهد أحوال العدوتنوعاً يوهم إفاقته من الغمرة، وكادت فتنته تؤذن بخمود الجمرة، وتوقع الواقع، وحذر ذلك السم الناقع، وخيف الخرق الذي يحار فيه الراقع، فتعرفنا عوائد الله سبحانه ببركة هدايتك، وموصول عنايتك، فأنزل النصر والسكينة، ومكن العقائد المكينة، فثابت العزائم وهبت، واطردت عوائد الإقدام واستتبت، وما راع العدوإلا خيل الله تعالى تجوس خلاله، وشم الحق توجب ظلاله، وهداك الذي هديت يدحض ضلاله، ونازلنا حصني قنبيل والحائر، وهما معقلان متجاوران يتناجى منهما الساكن سراراً، وقد اتخذا بين النجوم قراراً، وفصل بينهما حسام النهر يروق غراراً، والتف معصمه في حلة العصب وقد جعل الجسر سواراً، وفخذل الصليب بذلك الثغر من تولاه، وارتفعت أعلام الإسلام بأعلاه، وتبرجت عروس الفتح المبين بمجلاه، والحمد لله تعالى على ما أولاه.

ثم تحركنا على تفثة تعدي ثغر المواسطة على عدوة المساور في المضاجع، ومصحبه بالفاجئ الفاجع، فنازلنا حصن روطة الآخذ بالكظم، المعترض بالشجا اعتراض العظم، وقد شحنه العدومدداً بئيساً، ولم يأل اختياره رأياً ولا تلبيساً، فأعيا داؤه، واستقلت بالمدافعة أعداؤه، ولما أتلع إليه جيد المنجنيق،

وقد برك عليه بروك الفنيق، وشد عصام العزم الوثيق، لجأ أهله إلى التماس العهود والمواثيق، وقد غصوا بالريق، وكاد يذهب بأبصارهم لمعان البريق، فسكناه من حامية المجاهدين بمن يحمي ذماره، ويقرر اعتماره، واستولى أهل الثغور إلى هذا الحد على معاقل كانت مستغفلة ففتحوها؛ وشرعوا أرشية الرماح إلى قلب قلوبها فمتحوها.

ولم تكد الجيوش المجاهدة تنفض عن الأعراف متراكم الغبار، وترخي عن آباط خيلها شد حزم المغار، حتى عاودت النفوس شوقها، واستتبعت ذوقها، وخطبت التي لا فوقها، وذهبت بها الآمال إلى الغاية القاصية، والمدارك المتصاعبة على الأفكار المتعاصية، فقصدنا الجزيرة الخضراء باب هذا الوطن الذي منه طرق وادعه، ومطلع الحق الذي صدع الباطل صادعه، وثنيه الفتح التي برق منا لامعه، ومشرف الهجوم الذي لم تكن لتعثر على غيره مطامعه، وفرضة المجاز التي لا تنكر، ومجمع البحرين في بعض ما يذكر، حيث يتقارب الشطان، ويتوازى الخطان، وكاد أن تلتقي حلقتنا البطان، وقد كان الكفر قدر قدر هذه الفرضة التي طرق منها حماه، ورماه الفتح الأول بما رماه، وعلم أن لا تتصل أيدي المسلمين بإخوانهم إلا من تلقائها، وأنه لا يعدم المكروه مع بقائها، فأجلب عليها برجله وخيله، وسد أفق البحر بأساطيله، ومراكب أباطيله، بقطع ليله، وتداعى المسلمون بالعدوتين إلى استنقاذها من لهواته، أوإمساكها من دون مهواته، فعجز الحول، ووقع بملكه إياها القول، واحتازها قهراً، وقد صابرت الضيق ما يناهز ثلاثين شهراً، وأطرق الإسلام بعدها إطراق الواجم، واسودت الوجوه لخبرها الهاجم، وبكتها حتى دموع الغيث الساجم، وانقطع المدد إلا من رحمة من ينفس الكروب، ويغري بالإدالة الشروق والغروب، ولما شكنا بشبا الله تعالى نحرها، وأغصصنا بجيوش الماء وجيوش الأرض تكاثر نجم السماء برها وبحرها، ونازلناها نذيقها شديد النزال، ونحجها بصدق الوعيد في سبيل الاعتزال، رأينا بأواً لا يظاهر إلا بالله تعالى ولا يطال

وممنعة يتحاماها الأبطال، وجناباً روضه الغيث الهطال، أسواقها فهي التي أخذت النجد والغور، واستعدت بجدال الجلاد عن البلاد فارتكبت الدور، تحوز بحراً من العمارة ثانياً، وتشكك أن يكون الإنس لها بانياً، وأما أبراجها فصفوف وصفوف، تزين صفحات المسايف منها أنوف، وآذان لها من دوامغ الصخر شنوف، وأما خندقها فصخر مجلوب، وسور مقلوب، فصدقها المسلمون القتال بحسب محلها من نفوسهم، واقتران اغتصابها ببوسهم، وأفول شموسهم، فرشقوها من النبال بظلالة تحجب الشمس فلا يشرق سناها، وعرجوا في المراقي البعيدة يفرعون مبناها، ونفوسها أنقاباً، وحصونها عقباً، ودخلوا مدينة إلبنة بنتها غلاباً، وأحسبوا السيوف استلالاً والأيدي اكتساباً، واستوعب القتل مقاتليها السابغة الجنن، البالغة المتن، فأخذهم الهول المتفاقم، وجدلوا كأنهم الأراقم، لم تفلت منهم عين تطرف، ولا لسان يلبي من يستطلع الخبر أويستشرف.

ثم سمت الهمم الإيمانية إلى المدينة الكبرى فداروا سواراً على سورها، وتجاسروا على اقتحام أودية الفناء من فوق جسورها، وأدانوا إليها بالضروب من حيل الحروب، بروجاً مشيدة، ومجانيق توثق حبالها منها نشيدة، وخفقت بنصر الله تعالى عذبات الأعلام، وأهدت الملائكة مدد السلام، فخذل الله تعالى كفارها، وأكهم شفارها، وقلم بيد قدرته أظفارها، فالتمسوا الأمان للخروج، ونزلوا على مراقي العروج، إلى الأباطح والمروج، من سمائها ذات البروج، فكان بروزهم إلى العراء من الأرض، تذكرة بيوم العرض، وقد

جلل المقاتلة الصغار، وتعلق بالأمان النساء والصغار، وبودرت المدينة بالتطهير، ونطقت المآن العالية بالأذان الشهير، والذكر الجهير، وطرحت كفارها التماثيل عن المسجد الكبير، وأزرى بألسنة النواقيس لسان التهليل والتكبير، وأنزلت عن الصروح أجرامها يعيي الهندام مرامها، وألفي منبر الإسلام بها مجفواً فأنست غربته، وأعيد إليه قربه وقربته، وتلا واعظ الجمع المشهود، قول منجز الوعود ومورق العود " وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم، فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك، وما زادوهم غير تتبيب، وكذلك أخذ ربك إذا اخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد، إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة، ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود " هود: فكان الدمع يغرق الآماق، والوجد يستأصل الأرماق، وارتفعت الرغبات، وعلت السيات، وجيء بأسرى المسلمين يرسفون في القيود الثقال، وينسلون من أحداب الاعتقال، ففكت عن سوقهم اساود الحديد، وعن أعناقهم فلكات الباس الشديد، وظلوا بجناح اللطف العريض المديد، وترتبت في المقاعد الحامية، وأزهرت بذكر الله تعالى المآذن السامية، وعادت المدينة لأحسن أحوالها، وسكنت من بعد أهوالها، وعادت الجالية إلى أموالها، ورجع إلى القطر شبابه، ورد على دار الإسلام بابه، واتصلت بأهل لا إله إلا الله أسبابه، فهي اليوم في بلاد الإسلام قلادة النحر، وحاضرة البر والبحر، أبقى الله تعالى عليها وعلى ما وراءها من بيوت أمتك، ودائع الله تعالى في ذمتك، بكلمة دينك الصالحة الباقية، وسدل عليه أستار عصمته الواقية؛ وعدنا والصلاة عليك شعار البروز والقفول، وهجيراً الشروق والأفول، والجهاد يا رسول الله الشأن المعتمد، ما امتد بالأجل الأمد، والسمتان الفرد الصمد.

ولهذا العهد يا رسول الله صلى الله عليك، وبلغ وسيلتي إليك، بلغ من هذا

القطر المرتدي بجاهك الذي لا يذل من ادرعه، ولا يضل من اهتدى بالسبيل الذي شرعه، إلى أن لاطفنا ملك الروم بأربعة من البلاد كان الكفر قد اغتصبها، ورفع التماثيل ببيوت الله تعالى ونصبها، فانجاب عنها بنورك الحلك، ودار بإدالتها إلى دعوتك الفلك، وعاد إلى مكاتبها القرآن الذي نزل به على قلبك الملك، فوجبت مطالعة مقرك النبوي بأحوال هذه الأمة المكفولة في حجرك، المفضلة بإدارة تجرك، المهتدية بأنوار فجرك، وهل هوإلا ثمرات سعيك، ونتائج رعيك، وبركة حبك، ورضاك الكفيل برضى ربك، وغمام رعدك، وإنجاز وعدك، وشعاع من نور سعدك، وبذر يجنى ريعه من بعدك، ونصر رايتك، وبرهان آيتك، وأثر حمايتك ورعايتك.

واستنبت هذه الرسالة مائحة بحر الندى الممنوح، ومفاتحة باب الهدى بفتح الفتوح، وفارعة المظاهر والصروح، وملقية الرجل بمنتزل الملائكة والروح، لمد إلى قبولك يد استمناح، وتطير إليك من الشوق الحثيث بجناح، ثم تقف موقف الانكسار، وإن كان تجرها آمناً من الخسار، وتقدم بأنس القربة، وتحجم بوحشة الغربة، وتتأخر بالهيبة، وتجهش لطول الغيبة، وتقول: ارحم بعد داري، وضعف اقتداري، وانتزاح أوطاني، وخلوأعطاني، وقلة زادي، وغراق مزادي، وتقبل وسيلة اعتراقي، وتغمد هفوة افتراقي، وعجل بالرضى انصراف متحملي لانصرافي، فكم جبت من بحر زاخر، وقفر بالركاب ساخر، وحاش لله تعالى أن يخيب قاصدك، أوتتخطاني مقاصدك، أوتطردني موائدك، أوتضيق عني عوائدك، ثم تمد مقتيضة مزيد رحمتك، مستدعية دعاء من حضر من أمتك، وأصحبتها يا رسول الله عرضاً من النواقيس التي كانت بهذه البلاد المفتتحة تعيق الإقامة والأذان، وتسمع الأسماع الضالة والآذان، مما قبل الحركة، وسالم المعركة، ومكن من نقله الأيدي المشتركة، واستحق بالقدوم عليك والإسلام بين يديك، السابقة في الأزل البركة، وما سواها فكانت جبالاً عجز عن نقلها الهندام، فنسخ وجودها الإعدام، وهي يا

رسول الله جنى من جنانك، ورطب من أفنانك، وأثر ظهر علينا من مسحة حنانك.

هذه هي الحال والانتحال، والعائق أن تشد إليك الرحال، ويعمل الترحال، إلى أن نلقاك في عرصات القيامة شفيعاً، ونحل بجاهك إن شاء الله تعالى محلاً رفيعاً، ونقدم في زمرة الشهداء الدامية، كلومهم من أجلك، الناهلة غللهم في سجلك، ونبتهل إلى الله تعالى الذي أطلعك في سماء الهداية سراجاً، وأعلى لك في السبع الطباق معراجاً، وأم الأنبياء منك بالنبي الخاتم، وقفى على آثار نجومها المشرقة بقمرك العاتم، أن لا يقطع عن هذه الأمة الغريبة أسبابك، ولا يسد في وجوهها أبوابك، ويوقفها لاتباع هداك، ويثبت في أقدامها على جهاد عداك، وكيف تعدم ترفيها، أوتخشى بخساً وأنت موفيها، أويعذبها الله تعالى وأنت فيها وصلاة الله وسلامه تحط بفنانك رحال طيبها، وتهدر في ناديك شقاشق خطيبها، ما أذكر الصباح الطلق هذاك، والغمام السكب نداك، وما حن مشتاق إلى لثم ضريحك، وبليت نسمات الأسحار عما استرقت من ريحك، وكتب في كذا. انتهت الرسالة، وفيها ما لا خفاء به من براعة لسان الدين، رحمه الله تعالى وقدس روحه الطاهرة، آمين.

ومما علق بحفظي من نثره رحمه الله تعالى أثناء رسالة في العزاء خاطب بها ملك المغرب قوله بعد كلام: أين مروان بن الحكم ودهاؤه، وعبد الملك بن مروان وبهاؤه، والوليد وبناؤه، وسليمان وغذاؤه، وعمر بن عبد العزيز وثناؤه، ويزيد ونساؤه، وهشام وخيلاؤه، والوليد وندماؤه، والجعدي وآراؤه، أم أين السفاح وحسامه، والمنصور واعتزامه، والمهدي وإعظامه، والهادي وإقدامه، والرشيد وأيامهم، والأمين وندامه، والمأمون وكلامه، والمعتصم وإسراجه، وإلجامه انتهى.

وقد تقدم كلام أبي الخطاب ابن دحية في هذا المعنى بطوله في الباب الثاني من هذا القسم، فليراجع ثمة.

[للمقري محاكياً لسان الدين]

قلت: وقد تقدم في الخطبة نظمي لمثل هذا، وقد كنت نسجت على منوال لسان الدين وأنا بالمغرب نثراً لم يحضرني منه الآن غير قولي: أين الإسكندر ويونانه، وشداد وبنيانه، والنمرود وعدوانه، وفرعون وهامانه، وقارون وطغيانه، وكسرى أنوشروان وإيوانه، وقيصر وبطارقته وأعوانه، وسيف ابن ذي يزن وغندانه، والمنذر ونعمانه إلى أن قلت: وأين أبوبكر رضي الله تعالى عنه وثباته، وعمر رضي الله تعالى عنه ووثباته، وعثمان رضي الله تعالى عنه ورهباته، أم أين علي رضي الله تعالى عنه وشجاعته وعلمه، وأين معاوية رضي الله تعالى عنه وحمله، واين يزيد وظلمه

ثم ذكرت ما تقدم للسان الدين، وقلت بعده: وأين الواثق وغناؤه، والمتوكل ومواليه وأولياؤه وأبناؤه، والمنتصر وآماله، والمعتز وجماله، والمستعين وعماله، والمهتدي وأعماله، والمعتضد وذكاؤه وإحاطته بالأخبار واشتماله، والمقتدر ونساؤه وإهماله إلى أن قلت: وأين بنوعبيد وضلالهم، وبنوبويه وجلالهم، وبنوسلجوق ونظامهم، وينوسامان وإعظامهم، وبنوأيوب وصلاحهم، والجراكسة ومبانيهم وسلاحهم

ثم قلت في ملوك المغرب: وأين عبد الرحمن الداخل وأمراؤه، والناصر وزهراؤه، والحكم ووزراؤه، والمؤيد وظهراؤه، أم أين المنصور بن أبي عامر وغزواته ومواليه، والمظفر وأدواته ومعاليه، أم أين بنوحمود

وعلاهم، وأوصافهم وحلاهم، وينوجهور وحومهم، وبنوباديس وعزمهم، وأين معتضد بني عباد، ومعتمدهم الذي سنا كرمه للمعتفين باد، وبنوذي النون ومزيتهم، وبنوصمادح ومريتهم، وبنوالأفطس وبنوهود، وما كان لهم من المكارم في الحفل المشهود، وأين لمتونه، وصبرهم الذي ركبوا متونه، أم أين الموحدون وناصرهم ومنصورهم، ومصانعهم وقصورهم، أم أين بنوالأحمر وغرناطتهم، وإوالتهم عن حوزة الدين أدناس المعتدين وإماطتهم، وجعلهم الأمور لمثل ابن الحكيم ولسان الدين وإناطتهم، أم أين بنومرين وفارسهم، ومغانيهم ومدارسهم، وأين بنوزيان ومنازلهم الشاهقة، وأشجار عزهم الباسقة، وأين الحفصيون، ومستنصرهم الذي قضى للمعالي الديون، وأبوفارس، الذي شنفت بأخباره آذان الطروس والفهارس طحنت والله تعالى الجميع رحى المنون، وتأيمت الأزواج ويتم البنون، وطالت الأيام والسنون، وبقيت القصور العالية خالية، والرسوم المتكاثرة دائرة، والسلوك المنظومة متناثرة، وعن قريب يقف الكل بين يدي رب الأرباب، في يوم تذهل فيه الألباب، وتنقطع إلا من رسول الله ﷺ الأسباب، ويقتص لمظلوم من الظالم، وتنبهم للنجاة الطرق والمعالم، وتبلى السرائر لدى من هوبها عالم، " يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً، وما عملت من سوء تود لوأن بينها وبينه أمداً بعيداً " آل عمران: يوم يحكم الله تعالى في الخلق، بالحق، حسبما سبق في علمه إذا جعلهم قريباً وبعيداً، وشقياً وسعيداً، اللهم اجعلنا في ذلك اليوم الصعب ممن فاز بالنجاة، وحاز شفاعة نبيك ومصطفاك ذي الحرمة والجاه، ﷺ وشرف وكرم؛ انتهى.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.