من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الخامس: (تتمة)
رجع إلى نظم لسان الدين رحمه الله تعالى، فنقول:
وأمّا موشّحاته وأزجاله فكثيرة، وقد انتهت إليه رياسة هذا الفن، كما صرح بذلك قاضي القضاة ابن خلدون في مقدمة تاريخه الكبير، ولنذكر بعض كلامه، إذ لا يخلو من فائدة زائدة، قال رحمه الله تعالى ما ملخصه: وأما أهل الأندلس فلمّ كثر الشعر في قطرهم، وتهذبت مناحيه وفنونه، وبلغ التنميق فيه الغاية، استحدث المتأخّرون منهم فنّاً منه سمّوه بالموشح، ينظمونه أسماطاً أسماطاً وأغصاناً أغصاناً، يكثرون منها ومن أعاريضها المختلفة، ويسمون المتعدد منها بيتاً واحداً، ويلتزمون عدد قوافي تلك الأغصان وأوزانها متتالياً فيما بعد إلى آخر القطعة، وأكثر ما ينتهي عندهم إلى سبعة أبيات، ويشتمل كل بيت على أغصان عددها بحسب الأغراض والمذاهب، وينسبون فيها ويمدحون كما يفعل في القصائد، وتجاوزوا في ذلك إلى الغاية، واستظرفه الناس وحمده الخاصّة والكافة لسهولة تناوله وقرب طريقه، وكان المخترع
لها بجزيرة الأندلس مقدّم بن معافى القبري من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني، وأخذ عنه ذلك ابن عبد ربّه صاحب العقد، ولم يذكر لهما مع المتأخرين ذكر، وكسدت موشّحاتهما، فكان أول من برع في هذا الشأن بعدهما عبادة القزاز شاعر المعتصم بن صمادح صاحب المريّة، وقد ذكر الأعلم البطليوسي أنّه سمع أبا بكر ابن زهر يقول: كل الوشّاحين عيال على عبادة القزاز فيما اتفق له من قوله:
بدر تمّ شمس ضحىغصن نقا مسك شم
ما أتمّ ما أوضحاما أورقا ما أنمّ
لا جرم من لما ... قد عشقا قد حرم وزعموا أنّه لم يسبق عبادة وشاح من معاصريه الذين كانوا في زمان ملوك الطوائف، وجاء مصلّياً خلفه منهم ابن أرفع رأسه شاعر المأمون بن ذي النون صاحب طليطلة، قالوا: وقد أحسن في ابتدائه في الموشحة التي طارت له حيث يقول:
العود قد ترنم بأبدع تلحينوشقّت المذانب رياض البساتين وفي انتهائه حيث يقول:
تخطر ولم تسلم عساك المأمون ... مروّع الكتائب يحيى بن ذي النون ثمّ جاءت الحلبة التي كانت في مدة الملثّمين فظهرت لهم البدائع، وفرسان حلبتهم: الأعمى التطيلي، ثمّ يحيى بن بقي، وللتطيلي من الموشحات المذهبة قوله:
كيف السّبيل إلى صبريوفي المعال أشجان
والركب وسط الفلا بالخرّد ... النواعم قد بانوا وذكر غير واحد من المشايخ أن أهل هذا الشأن بالأندلس يذكرون أن جماعة من الوشّاحين اجتمعوا في مجلس بإشبيلية، وكان كل واحد منهم قد صنع موشحة وتأنّق فيها، فتقدم الأعمى التطيلي للإنشاد، فلمّا افتتح موشحته المشهورة بقوله:
ضاحك عن جمانسافر عن بدر
ضاق عنه الزمانوحواه صدري خرّق ابن بقي موشحته وتبعه الباقون
وذكر الأعلم البطليوسي أنّه سمع ابن زهر يقول: ما حسدت قط وشاحاً على قول إلاّ ابن بقي حين وقع له:
أما ترى أحمدفي مجده العالي لا يلحق
أطلعه المغرب ... فأرنا مثله يا مشرق وكان في عصرهما من الوشّاحين المطبوعين أبو بكر الأبيض، وكان في عصرهم أيضاً الحكيم أبو بكر ابن باجة صاحب التلاحين المعروفة.
ومن الحكايات المشهورة أنّه حضر مجلس مخدومه ابن تيفلويت صاحب سرقسطة فألقى عليه بعض موشّحته:
جرّر الذيل أيّما جرّ[وصل السكر منك بالسكر] فطر الممدوح لذلك، وختمها بقوله:
عقد الله راية النصر ... لأمير العلا أبي بكر فلمّا طرق ذلك التلحين سمع ابن تيفلويت صاح: واطرباه! وشقّ ثيابه، وقال: ما أحسن ما بدأت وما ختمت، وحلف الأيمان المغلظة أن لا يمشي ابن باجة لداره إلا على الذهب فخاف الحكيم سوء العاقبة فاحتال بأن جعل ذهباً في نعله ومشى عليه.
ثم قال ابن خلدون بعد كلام: واشتهر بعد هؤلاء في صدر دولة الموحدين محمد بن أبي الفضل بن شرف إلى أن قال: وابن هردوس الذي له:
يا لَيلَةَ الوَصلِ وَالسُعودِبِاللَهِ عودي وابن مؤهل الذي له:
ما العيد في حلة وطاقوشم طيب
وإنما العيد في التلاقيمع الحبيب وأبو إسحاق الزويلي
قال أبو سعيد: سمعت أبا الحسن سهل بن مالك يقول: إنه دخل على ابن زهر وقد أسن وعليه زي البادية إذ كان يسكن بحصن سبتة فلم يعرفه فجلس حيث انتهى به المجلس، وجرّت المحاضرة أن أنشد لنفسه موشحة وقع فيها:
كحل الدجى يجريمن مقلة الفجر على الصباح
ومعصم النهر ... في حلل خضر من البطاح فتحرك ابن زهر، وقال: أنت تقول هذا قال: اختبر، قال: ومن تكون فأخبره، فقال: ارتفع، فوالله ما عرفتك.
قال ابن سعيد: وسابق الحلبة التي أدركت هو أبو بكر ابن زهر، وقد شرّقت موشّحاته وغرّبت، قال: وسمعت أبا الحسن سهل بن مالك يقول: قيل لابن زهر: لو قيل لك: ما أبدع ما وقع لك في التوشيح فقال: كنت أقول:
ما للمولّهمن سكره لا يفيق يا له سكران
[من غير خمرما للكثيب المشوق يندب الأوطان]
هل تستعادأيامنا بالخليج وليالينا
إذ يستفادمن النسيم الأريج مسك دارينا
وإذ يكادحسن المكان البهيج أن يحيينا
نهر أظلّهدوح عليه أنيق مؤنق فينان
والماء يجري ... وعائم وغريق من جنى الريحان واشتهر بعده ابن حيون؛ إلى أن قال: وبعد هؤلاء ابن حزمون بمرسية، ذكر ابن ارائس أن يحيى الخزرجي دخل عليه في مجلسه، فأنشده موشّحة لنفسه، فقال له ابن حزمون: ما الموشّح بموشح حتى يكون عارياً من التكليف، فقال: على مثل ماذا فقال:
على مثل قولي:
يا هاجريهل إلى الوصال منك سبيل
أو هل يرى ... عن هواك سال قلب العليل وأبو الحسن سهل بن مالك بغرناطة، قال ابن سعيد: كان والدي يعجب بقوله:
إن سيل الصباح في الشرقعاد بحراً في أجمع الأفق
فتداعت نوادب الورق ... أتراها خافت من الغرق فبكت سحرةً على الورق ... واشتهر بإشبيلية لذلك العهد أبو الحسن ابن الفضل، قال ابن سعيد عن والده: سمعت سهل بن مالك يقول له: يا ابن الفضل، لك على الوشّاحين الفضل، بقولك:
واحسرتي لزمان مضىعشيّة بان الهوى وانقضى
وأفردت بالرغم لا بالرضىوبت على جمرات الغضا
أعانق بالفكر تلك الطلول ... وألثم بالوهم تلك الرسوم قال: وسمعت أبا بكر ابن الصابوني ينشد الأستاذ أبا الحسن الدبّاج موشّحاته غير ما مرّة فما سمعته يقول " لله درّك " إلا في قوله:
قسماً بالهوى لذي حجر ... ما لليل المشوق من فجر خمد الصبح ليس يطرد ... ما لليلي فيما أظن غد ... صحّ يا ليل أنك الأبد ...
أو تفضّت قوادم النسرفنجوم السماء لا تسري
ومن موشّحات ابن الصابوني قوله:
ما حال صبٍّ ذي ضنىً واكتئابأمرضه يا ويلتاه الطبيب
عامله محبوبه باجتنابثم اقتدى فيه الكرى بالحبيب
جفا جفوني النوم لكنّنيلم أبكه إلاّ لفقد الخيال
وذو الوصال اليوم قد غرّنيمنه كما شاء وشاء الوصال
فلست باللائم من صدّني ... بصورة الحق ولا بالمحال واشتهر بير العدوة ابن خلف الجزائري صاحب الموشّحة المشهورة:
يد الإصباح قد قدحتزناد الأنوار من مجامر الزهر وابن خزر البجائي، وله من موشحة:
ثغر الزمان موافق ... حيّاك منه بابتسام ومن محاسن الموشّحات موشحة ابن سهل شاعر إشبيلية وسبتة من بعدها:
هل درى ظبي الحمى أن قد حمىقلب صبٍّ حلّه عن مكنس
فهو في حر وخفق مثلما ... لعبت ريح الصبا بالقبس وقد نسج على منواله فيها صاحبنا الوزير أبو عبد الله ابن الخطيب شاعر الأندلس والمغرب لعصره فقال:
جادك الغيث إذا الغيث همىيا زمان الوصل بالأندلس
لم يكن وصلك إلا حلمافي الكرى أو خلسة المختلس
إذ يقود الدهر أشتات المنىينقل الخطو على ما يرسم
زمراً بين فرادى وثنامثلما يدعو الوفود المواسم
والحيا قد جلّل الروض سنافثغور الزهر منه تبسم
وروى النعمان عن ماء السماكيف يروي مالك عن أنس
فكساه الحسن ثوباً معلمايزدهي منه بأبهى ملبس
في ليال كتمت سرّ الهوىبالدجى لولا شموس الغرر
مال نجم الكأس فيها وهوىمستقيم السير سعد الأثر
وطر ما فيه من عيب سوىأنّه مّر كلمح البصر
حين لّذ الأنس شيئا أو كماهجم الصبح هجوم الحرس
غارت الشهب بنا أو ربماأثرت فينا عيون النرجس
أي شيءٍ لامرىء قد خلصافيكون الروض قد مكّن فيه
تنهب الأزهار منه الفرصاأمنت من مكره ما تتقيه
فإذا الماء تناجى والحصىوخلا كّل خليل بأخيه
تبصر الورد غيوراً برمايكتسي من غيظه ما يكتسي
وترى الآس لبيباً فهمايسرق السّمع بأذني فرس
يا أهيل الحيّ من وادي الغضاوبقلبي سكن أنتم به
ضاق عن وجدي بكم رحب الفضالا أبالي شرقه من غربه
فأعيدوا عهد أنس قد مضىتعتقوا عانيكم من كربه
واتقوا الله وأحيوا مغرمايتلاشى نفساً في نفس
حبس القلب عليكم كرماأفترضون عفاء الحبس
وبقلبي منكم مقترببأحاديث المنى وهو بعيد
قمر أطلع منه المغربشقوة المغرى به وهو سعيد
قد تساوى محسن أو مذنبفي هواه بين وعد ووعيد
ساحر المقلة معسول اللمىجال في النفس مجال النفس
سدّد السهم وسمىّ ورمىففؤادي نهبة المفترس
إن يكن جار وخاب الأملوفؤاد الصبّ بالشوق يذوب
فهو للنفس حبيب أولليس في الحبّ لمحبوب ذنوب
أمره معتمل ممتثلفي ضلوع قد براها وقلوب
حكّم اللّحظ بها فاحتكمالم يراقب في ضعاف الأنفس
منصف المظلوم ممّن ظلماومجازي البّر منها والمسي
ما لقلبي كلمّا هبت صباعاده عيد من الشوق جديد
كان في اللوح له مكتتباقوله: " إن عذابي لشديد "
جلب الهمّ له والوصبافهو للأشجان في جهد جهيد
لاعج في أضلعي قد أضرمافهي نار في هشيم اليبس
لم يدع في مهجتي إلا ذماكبقاء الصبح بعد الغلس
سلّمي يا نفس في حكم القضاواعمري الوقت برجعى ومتاب
دعك من ذكرى زمان قد مضىبين عتبى قد تقضّت وعتاب
واصرفي القول إلى المولى الرضىملهم التوفيق في أمّ الكتاب
الكريم المنتهى والمنتمىأسد السرج وبدر المجلس
ينزل النصر عليه مثلماينزل الوحي بروح القدس
إلى هذا الحد انتهى ابن خلدون من موشحة لسان الدين، ولا أدري لِمَ لَمْ يكملها، وتمامها قوله:
مصطفى الله سمىّ المصطفىالغني بالله عن كلّ أحد
من إذا ما عقد العهد وفىوإذا مافتح الخطب عقد
من بني قيس بن سعدٍ وكفىحيث بيت النصر مرفوع العمد
حيث بيت النصر محمي الحمىوجنى الفضل زكي المغرس
والهوى ظل ظليل خيّماوالندى هبّ إلى المغترس
هاكها يا سبط أنصار العلاوالذي إن عثر الدهر أقال
غادة ألبسها الحسن ملاتبهر العين جلاء وصقال
عارضت لفظا ومعنى وحلىقول من أنطقه الحبّ فقال:
" هل درى ظبي الحمى أن قد حمىقلب صبّ حلّه عن مكنس "
" فهو في خفقٍ وحرٍ مثلما ... لعبت ريح الصّبا بالقبس " ثمّ قال ابن خلدون: وأما المشارقة فالتكلف ظاهر على ما عانوه من الموشحات، ومن أحسن ما وقع لهم في ذلك موشحة ابن سناء الملك المصري التي اشتهرت شرقاً وغرباً، وأولها:
[يا] حبيبي ارفع حجاب النورعن العذار
تنظر المسك على كافورفي جلّنار
كللي ياسحب تيجان الربىبالحلي
واجعلي سوارها منعطف ... الجداول ولما شاع فن التوشيح في أهل الأندلس، وأخذ به الجمهور لسلاسته وتنميق
كلامه وتصريع أجزائه، نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله، ونظموا في طريقتهم بلغتهم الحضرية من غير أن يلتزموا فيه إعراباً، واستحدثوا فناً سموه بالزجل، والتزموا النظم فيه على مناجيهم إلى هذا العهد فجاءوا فيه بالغرائب واتسع فيه للبلاغة مجال، بحسب لغتهم المستعجمة، وأوّل من أبدع في هذه الطريقه الزجلية أبو بكر ابن قزمان، وإن كانت قيلت قبله بالأندلس، لكن لم تظهر حلاها، ولا انسبكت معانيها، واشتهرت رشاقتها، إلا في زمانه، وكان لعهد الملثّمين، وهو إمام الزجالين على الإطلاق، قال ابن سعيد: رأيت أزجاله مرويّة ببغداد أكثر ممّا رأيتها بحواضر المغرب، قال: وسمعت أبا الحسن ابن جحدر الإشبيلي إمام الزجالين في عصرنا يقول: ما وقع لأحد من أئمّة هذا الشأن مثل ما وقع لابن قزمان شيخ الصناعة، وقد خرج إلى منتزه مع بعض أصحابه، فجلسوا تحت عريش، وأمامهم تمثال أسد من رخام يصب الماء على صفائح من الحجر، فقال:
وعريش قد قام على دكانبحال رواق
وأسد قد ابتلع ثعبانمن غلظ ساق
وفتح فمو بحال إنسانبه الفواق
وانطلق من ثم على الصّفاحوالقي الصياح
وكان ابن قزمان مع أنه قرطبي الدار كثيراً مايتردد إلى إشبيلية، وينتاب نهرها.
إلى أن قال ابن خلدون: وجاءت بعدهم حلبة كان سابقها مدغليس، وقعت له العجائب في هذه الطريقة، فمن قوله في زجله المشهور:
ورذاذ دق ينزلوشعاع الشمس يضرب
فترى الواحد يفضضوترى الآخر يذهّب
والنبات يشرب ويسكروالغصون ترقص وتطرب
وتريد تجي إليناثمّ تستحي وترجع ومن محاسن أزجاله قوله:
لاح الضّيا والنجوم سكارى ... ثم قال: وظهر بعد هؤلاء في إشبيلية ابن جحدر الذى فضل على الزجالين في فتح ميورقة بالزجل المشهورالذي أوّله:
من يعاند التوحيد بالسيف يمحق ... أنا برى ممّن يعاند الحق قال ابن سعيد: لقيته ولقيت تلميذه البعبع صاحب الزجل المشهور الذي أوله:
ليتني إن ريت حبيبيأقتل أدنو بالرسيلا
لشن أخذ عنق الغزيّلوسرق فم الحجيلا
ثم جاء من بعدهم أبو الحسن سهل بن مالك إمام الآداب، ثم من بعدهم لهذه العصور صاحبنا الوزير أبو عبد الله ابن الخطيب إمام النظم والنثر في الملة الإسلامية غير مدافع، فمن محاسنه في هذه الطريقة:
امزج الأكواس واملالي نجدّد ... ما خلق المال إلاّ أن يبدد ومن قوله على طريقتة الصوفية وينحو منحى الششتري منهم:
بين طلوع وبين نزولاختلطت الغزول
ومضى من لَمْ يكنوبقي من لم يزول ومن محاسنه أيضاً قوله في ذلك المعنى:
البعد عنك يا ابني أعظم مصايبي ... وحين حصل لي قربك سيّبت أقاربي انتهى المقصود جلبه من كلام ابن خلدون، وقد أطال رحمه الله تعالى في هذا المقصد، ولم أرد إيراد جميع كلامه لطوله وعدم تعلّق الغرض به، وفيما ذكرته منه كفاية لتعلّقه بأمر لسان الدين رحمه الله تعالى، وشهادته له أنّه شاعر الإسلام غير مدافع، وأنّه انتهت إليه رياسة الصناعة الزجلية والتوشيحية.
[ترجمة ابن باجة من القلائد]
وأبو بكر بن باجّة الذي أشار إليه ابن خلدون: هو أبو بكر ابن الصائغ التجيبي السّرقسطي، الذي قال في حقّه لسان الدين في الإحاطة: إنّه آخر فلاسفة الإسلام بجزيرة الأندلس، وكان بينه وبين الفتح بن خاقان صاحب القلائد معاداة فلذلك هجاه في القلائد، وجعله آخر ترجمة فيها إذ قال ما نصّه: الأديب أبو بكر ابن الصائغ، هو رمد عين الدين، وكمد نفوس
المهتدين، اشتهر سخفاً وجنوناً، وهجر مفروضاً ومسنوناً، فما يتشرّع، ولا يأخذ في غير الأضاليل ولا يشرع، ناهيك من رجل ما تطهّر من جنابة، ولا أظهر مخيلة إنابة، ولا استنجى من حدث، ولا أشجى فؤاده بتوارٍ في جدث، ولا أقر بباريه ومصوّره، ولا قرّ عن تباريه في ميدان تهوّره، الإساءة إليه أجدى من الإحسان، والبهيمة عنده أهدى من الإنسان، نظر في تلك التعاليم، وفكر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم، ورفض كتاب الله الحكيم العليم، ونبذه وراء ظهره ثاني عطفه، وأراد إبطال ما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، واقتصر على الهيئة، وأنكر أن تكون له إلى الله تعالى فيئة، وحكم للكواكب بالتدبير، واجترم على الله اللطيف الخبير، واجترأ عند سماع النهي والإيعاد، واستهزأ بقوله تعالى ﴿إنّ الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد﴾ (القصص:) فهو يعتقد أن الزمان دور، وأن الإنسان نبات أو نور، حمامه تمامه، واختطافه قطافه، قد محي الإيمان من قلبه فما له فيه رسم، ونسي الرحمن لسانه فما يمرّ له عليه اسم، وانتمت نفسه إلى الضلال وانتسبت، ونفت ﴿اليوم تجزى كل نفس بما كسبت﴾ (غافر:)، فقصر عمره على طرب ولهو، واستشعر كلّ كبر وزهو، وأقام سوق المويسقى، وهام بحادي القطار وسقا، فهو يعكف على سماع التلاحين، ويقف عليه كل حين، ويعلن بذلك الاعتقاد، ولا يؤمن بشيء قادنا إلى الله تعالى في أسلس مقاد، مع منشإ وخيم، ولؤم أصل وخيم، وصورة شوّهها الله تعالى وقبحها، وطلعة إذا أبصرها الكلب نبحها، وقذارة يؤذي البلاد نفسها، ووضارة يحكي الحداد دنسها، وفند لا يعمر إلا كنفه، ولدد لا يقوّم إلا الصّعاد جنفه، وله نظم أجاد فيه بعض إجادة، وشارف الإحسان أو كاده،
فمن ذلك ما قاله في عبد حبشي كان يهواه، فاشتمل عليه أسرٌ سعّر حشاه، ونقله إلى حيث لم يعلم مثواه، فقال:
يا شائقي حيث لا أسطيع أدركهولا أقول غداً أغدو فألقاه
أمّا النهار فليلي ضمّ شملتهعلى الصّباح فأولاه كأخراه
أغرّ نفسي بآمالٍ مزورّةمنها لقاؤك والأيّام تأباه وله فيه لمّا بلغه موته، وتحقّق عنده فوته:
ألا يا رزق والأقدار تجريبما شاءت نشا أو لا نشاء
هل أنت مطارحي شجوي فتدريوأدري كيف يحتمل القضاء
يقولون الأمور تكون دوراً ... وهذا فقده فمتى اللّقاء وله في الأمير أبي بكر ابن إبراهيم قدس الله تعالى تربته، وآنس غربته، مدائح انتظمت بلبّات الأوان، ونظمت على كل شتيت من الإحسان، فمن ذلك قوله:
توضّح في الدجى طرف ضريرسناً بلوى الصريمة يستطير
فيا بأبي ولم أبذل يسيراًوإن لم يكفهم ذاك الكثير
بريق لا تقل هو ثغر سلمىفتأثم، إنّه حوب وزور
فكيف وما أطلّ الليلُ منهولا عبقت بساحته الخمور
تراءى بالسدير فزاد قلبيمن البرحاء ما شاء السدير
فلولا أنّ يوم الحشر يقضيعليّ بحكم مولى لا يجور
دعوت على المشقّر أن يجازيبما تجزى به الدار الغرور
ومنها:
لقد وسع الزمان عليه عدوىوضرّ بشبله الليث الهصور
وقلّبنا الزمان فلا بطونتضمنت الوفاء ولا ظهور
سوى ذكرٍ أطارحه فلولا الأمير لقد عفا لولا الأمير
همام جوده يصف السّواريوسطوته يعيّرها الهجير
وقلنا نحن كيف وراحتاهبحور يلتظي فيها سعير
فهل فيما سمعت به خصام ... يكون الخصم فيه هو العذير وكان الأمير أبو بكر يعتقد له هذه الماتّة ويراها، ويجود أبداً ثراها، فلمّا ولي الثغر والشرق لم يغفله من رعي، ولم يكله إلى شفاعة وسعي، وحمله على ما كان يعتقده فيه من المقت، واستعمله على ما كان يقتضيه خلق الوقت، من إقامة الوعد، وتسويغه كل نعيم رغد، وتغليب حجّة داحضة، وإنهاض عثرة غير ناهضة، فتقلد وزارته ودولته تزهى منه بأندى من الوسميّ المبتكر، وأهدى من النجم في الليل المعتكر، وألويته تميس زهواً ميس الفتاة، ورعيته تبتهج بملكه ابتهاج حيي بابن الموماة، ومذاهبه يبسطها الفضل وينشرها، وكتائبه لا يكاد العدو يعسرها، فجاش إليه وانبرى، وراش في تنكيلهم وبرى، وأقطعهم ما شاء من مقابحته، وأسمعهم ما يصم بين ختمه ومفاتحته، فوغرت
صدورهم السليمة، واعتلت صحة ضمائرهم بنفوسهم الأليمة، ولم يزل يأخذ في الإضرار بهم ولا يدع، ويعلن به ويصدع، حتى تفرق ذلك الجمع، وألقاه بين بصر السباب والسمع، وأفرد الدولة من ولاتها، وجرّدها من حماتها، فاستعجل العدو بذلك واستشرى، وزأر منه على سرقسطة ليث شرى، ولما رأى الشر قد ثار قتامه، وبدا من ليله إعتامه، ارتحل واحتمل، وقال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل، وأقام ببلنسية يشفي نفسه، ويستوفي أنسه، ونجوم سعدها كل يوم غائرة، والعدو يتربص بها أسوأ دائرة، ويروم منازلتها ثم يدع الاقتحام، ويريد التقدم إليها فيؤثر الإحجام، تهيباً لذلك الملك السريّ، والليث الجريّ، وفي خلال هذه المحاولة، وأثناء تلك المطاولة، عاجل الأمير أبا بكر حمامُه، واستسرّ فيها تمامه، وأجنّة الثرى، وحاز منه بدر دجنّة وليث شرى، فعطلت الدنيا من علاء وجود، وأطلّت عليها بفقده حوادث أجدبت تهائمها والنجود، وفيه يقول يرثيه بما يسيل الفؤاد نجيعاً، ويبيت به الأسى لسامعه ضجيعاً:
أيّها الملك قد لعمري نعى المجد نواعيك يوم قمن فنحنا
كم تقارعت والخطوب إلى أنغادرتك الخطوب في الترب رهنا
غير أنّي إذا ذكرتك والدهر إخال اليقين في ذاك ظنّا
وسألنا متى اللّقاء فقيل ال ... حشر قلنا: صبراً إليه وحزنا وكثيراً ما يغير هذا الرجل على معاني الشعراء، وينبذ الاحتشام من ذلك بالعراء، ويأخذها من أربابها أخذ غاصب، ويعوضهم منها كل هم ناصب، فهذا ممّا أطال به كمد أبي العلاء وغمه، فإنّه أخذه من قوله يرثي أمه:
فيا ركب المنون ألا رسولٌيبلّغ روحها أرج السلام
سألت متى اللّقاء فقيل حتى ... يقوم الهامدون من الرّجام ولما فاتت سرقسطة من يد الإسلام، وباتت نفوس المسلمين فرقاً منهم في يد الاستسلام، ارتاب بقبح أفعاله، وبرىء من احتذائه بتلك الآراء وانتعاله، وأخافه ذنبه، ونبا عن مضجع الأمن جنبه، فكرّ إلى الغرب ليتوارى في نواحيه، ولا يتراءى لعين لائمه ولاحيه، فلمّا وصل شاطبة حضرة الأمير إبراهيم بن يوسف بن تاشفين وجد باب نفاذه وهو مبهم، وعاقه عنه مدلول عليه ملهم، فاعتقله اعتقالاً شفى الدين من آلامه، وشهد له بعقيدة إسلامه، وفي ذلك يقول، وهو معقول، ويصرح بمذهبه الفاسد، وغرضه المستاسد:
خفض عليك فما الزمان وريبهشيء يدوم ولا الحياة تدوم
واذهب بنفس لم تضع لتحلهاحيث احتللت بها وأنت عليم
يا صاحبي لفظاً ومعنى خلتهمن قبل حتى بيّن التقسيم
دع عنك من معنى الإخاء ثقيلهوانبذ بذاك العبء وهو ذميم
واسمح وطارحني الحديث فإنّهليل كأحداث الزمان بهيم
خذني على أثر الزمان فقد مضىبؤس على أبنائه ونعيم
فعسى أرى ذاك النعيم وربّهمرح ورب البؤس وهو سقيم
هيهات ساوت بينهم أجداثهم ... وتشابه المحسود والمحروم ولمّا خلص من تلك الحبالة ونجا، وأنار من سلامته ما كان دجا، احتال في إخفاء ماله، واستيفاء آماله، فأظهر الوفاء للأمير أبي بكر بالرثاء له والتأبين، وتداهيه في ذلك واضح مستبين، فإنّه وصل بهذه النزعة من الحماية إلى حرم،
وحصل في ذمة ذلك الكرم، واشتمل بالرّعي، وأمن من كلّ سعي، فاقتنى قياناً، ولقنهن أعاريض من القريض وركّب عليها ألحاناً أشجى من النّوح، ولطف بها إلى إشادة الإعلان باللوعة والبوح، فسلك بها أبدع مسلك، وأطلعها نيرات ما لها غير القلوب من فلك، فمن ذلك قوله:
إنّ غراباً جرى ببينهمجاوبه بالثنيّة الصّرد
طاروا فها أنت بعدهم جسدقد فارق الروح ذلك الجسد
واكتتموا صبحةً بينهمفبئس والله ما الذي اعتمدوا وكقوله:
سلام وإلمام ووسميّ مزنةعلى الجدث النائي الذي لا أزوره
أحقاً أبو كبر تقضّى فلا يُرىترد جماهير الوفود ستوره
لئن أنست تلك القبور بلحده ... لقد أوحشت أنصاره وقصوره ومن قلّة عقله ونزارته، أنّه في مدة وزارته، سفر بين الأمير أبي بكر رحمه الله تعالى وبين عماد الدولة بن هود رحمه الله تعالى بعد سعايات عليه أسلفها، وذخائر كانت له على يديه أتلفها، فوافاه أوغر ما كان عليه صدراً، وأصغر ما كان لديه قدراً، فآل به ذلك الانتقال، إلى الاعتقال، فأقام فيه شهوراً يغازله اعلحمام بمقلة شوهاء، وتنازله الأوهام بفطرته الورهاء، وفي ذلك يقول:
لعلّك يا يزيرد علمت حاليفتعلم أيّ خطب قد لقيت
وإنّي إن بقيت بمثل ما بيفمن عجب الليالي أن بقيت
يقول الشامتون شقاء بختٍلعمر الشامتين لقد شقيت
أعندهم الأمان من اللّياليوسالمهم بها الزمان المقيت
وما يدرون أنّهم سيسقواعلى كره بكأس قد سقيتُ
وعزم عماد الدولة يوماً على قتله، وألزم المرقبين به التحيّل على ختله، فنمي إليه الأمر الوعر، وارتمى به في لجج اليأس الذعر، فقال:
أقول لنفسي حين قابلها الردىفراغت فراراً منه يسرى إلى يمنى
قري تحمدي بعض الذي تكرهينه ... فقد طالما اعتدت الفرار إلى الأهنا ثم قضى له قدر قضى بإنظاره، وما أمضى من إباحته ما كان رهين انتظاره، ويمهل الفاجر حكمةً من الله تعالى وعلماً و ﴿إنّما نملي لهم ليزدادوا إثماً﴾ (آل عمران:)؛ انتهى نص القلائد.
[ثناء الفتح على ابن باجة]
وأين هذا من تحليته له في بعض كتبه بقوله فيه ما صورته: نور فهم ساطع، وبرهان علم لكل حجة قاطع، تتوّجت بعصره الأعصار، وتأرّجت من طيب ذكره الأمصار، وقام أوان المعارف واعتدل، ومال للأفهام فنناً وتهدّل، وعطّل بالبرهان التقليد، وحقّق بعد عدمه الاختراع والتوليد، إذا قدح زند فهمه أورى بشرر للجهل محرق، وإن طما بحر خاطره فهو لكل شيء مغرق، مع نزاهة النفس وصونها، وبعد الفساد من كونها، والتحقيق، الذي هو للإيمان شقيق، والجد، الذي يخلق العمر وهو مستجد، وله أدب يودّ عطارد أن يلتحفه، ومذهب يتمنى المشتري أن يعرفه، ونظم تعشقه اللبّات والنحور، وتدّعيه مع نفاسة جوهرها البحور، وقد أثبت منه ما تهوى الأعين النّجل أن يكون إثمدها، ويزيل من النفوس حزنها وكمدها، فمن ذلك قوله يتغزل:
أسكّان نعمان الأراك تيقّنوابأنّكم في ربع قلبي سكّان
ودوموا على حفظ الوداد فطالمابلينا بأقوام إذا استحفظوا خانوا
سلوا الليل عنّي إذ تناءت دياركمهل اكتحلت لي فيه بالنوم أجفان
وهل جرّدت أسياف برق سمائكمفكانت لها إلا جفوني أجفان وله:
أتأذن لي آتي العقيق اليمانياأسائله ما للمعالي وما ليا
وهل داركم بالحزن قفراء إنّنيتركت الهوى يقتاد فضل زماميا
فيا مكرع الوادي أما فيك شربةلقد سال فيك الماء أزرق صافيا
ويا شجرات الجزع هل فيك وقفة ... وقد فاء فيك الظلّ أخضر ضافيا وأورد له في " المطمح " أنّه استأذن على المستعين بالله، فوجده محجوباً، فقال:
من مبلغ خير إمام نشاذا عزة وسامياً قدرا
قول امرىء لو قاله للصفاأنبت فيه ورقاً خضرا
عبدك بالباب له خجلة ... لو أنّها بالنرجس احمرّا وحكى غير واحد أنّه مات له سكن كان يهواه، فبات مع بعض أصحابه عند ضريحه ومثواه، وكان قد عرف وقت كسوف البدر بصناعة التعديل، فزوّر في نفسه بيتين في خطاب القمر أتقنهما ولحنهما، حتى إذا كان قبيل وقت الكسوف بقليل تغنى فيهما بذلك الصوت المشجي، واللحن يسوق الشوق ويزجي، وهما:
شقيقك غيّب في لحدهوتشرق يا بدر من بعده
فهلاّ كسفت فكان الكسوف ... حداداً لبست على فقده فكسف القمر في الحال، وعدّت هذه من نوادره التي جيد الأخبار بفرائدها حال، سامحه الله تعالى.
[ابن الحداد الوادي آشي]
ثم رأيت في " الإحاطة " نسبة ذلك لغيره ونصه: محمد بن أحمد بن الحداد، الوادي آشي، يكنى أبا عبد الله.
حاله - شاعر مفلق، وأديب شهير، مشار إليه في التعاليم، منقطع القرين منها في الموسيقى، مضطلع بفك المعمّى، سكن المرية، واشتهر بمدح رؤسائها من بني صمادح، وقال ابن بسّام: كان أبو عبد الله هذا شمس ظهيرة، وبحر خبر وسيرة، وديوان تعاليم مشهورة، وضح في طريق المعارف وضوح الصبح المتهلّل، وضرب فيها بقدح ابن مقبل، إلى جلالة مقطع، وأصالة منزع، ترى العلم ينم على أشعاره، ويبين في منازعه وآثاره.
تأليفه - ديوان شعره كبير معروف، وله في العروض تصنيف مشهور مزج فيه بين الألحان المويسيقية والآراء الخليلية.
بعض أخباره - حدّث بعض المؤرخين ممّا يدل على ظرفه أنّه فقد سكناً عزيزاً عليه، وأحوجت الحاجة إلى تكلف سلوة، فلمّا حضر الندماء، وكان قد رصد الخسوف القمري، فلمّا حقق أنّه ابتدأ أخذ العود وغنى " شقيقك غيّب - إلى آخره " وجعل يرددها ويخاطب البدر، فلم يتم ذلك إلا واعترضه الخسوف، وعظم من الحاضرين التعجب.
ثم قال لسان الدين في ترجمة شعره: وقال:
أقبلن في الحبرات يقصرن الخطاويرين في حلل الوراشين القطا
سرب الجوى لا الجوّ عوّد حسنهأن يرتعي حبّ القلوب ويلقطا
مالت معاطفهنّ من سكر الصبّاميلاً يخيف قدودها أن تسقطا
وبمسقط العلمين أوضح معلملمهفهف سكن الحشا والمسقطا
ما أخجل البدر المنير إذا مشىيختال والغصن النضير إذا خطا ومنها في المدح:
يا وافدي شرق البلاد وغربهاأكرمتما خيل الوفادة فاربطا
ورأيتما ملك البرية فاهنآووردتما أرض المريّة فاخططا
يدمي نحور الدارعين إذا ارتأى ... ويذل عزّ العالمين إذا سطا انتهى المقصود منه، وأورد له في الإحاطة قصيدة ثانية أولها:
حديثك ما أحلى، فزيدي وحدثيوهي طويلة
وكتب عليها ابن المؤلف ما صورته: سمعتها من لفظ شيخي أبي جعفر ابن خاتمة بالمرية في سنة خمس وستين وسبعمائة، قاله علي بن الخطيب؛ انتهى.
رجع إلى أخبار ابن الصائغ، ومن نظمه قوله:
ضربوا القباب على أقاحي روضةٍخطر النسيم بها ففاح عبيرا
وتركت قلبي سار بين حمولهمدامي الكلوم يسوق تلك العيرا
هلاّ سألت أميرهم هل عندهمعانٍ يفكّ ولو سألت غيورا
لا والذي جعل الغصون معاطفاًلهم وصاغ الأقحوان ثغورا
ما مرّ بي ريح الصبّا من بعدهمإلا شهقت له فعاد سعيرا
وتوفّي ابن الصائغ في شهر رمضان سنة، وقيل: سنة خمس وعشرين، مسموماً في باذنجان بمدينة فاس، وهو تُجيبي بضم التاء وفتحها، وباجّة: بالباء الموحدة، وبعد الألف جيم مشددة، ثم هاء ساكنة، وهي القصة بلغة الفرنج، وسرقسطة بفتح السين والراء وضم القاف وسكون السين الثانية وبعدها طاء مهملة مدينة كبيرة بالأندلس، استولى عليها العدو سنة.
وقال الأمير ركن الدين بيبرس في تأليفه " زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة " إن ابن الصائغ كان عالماً فاضلاً، له تصانيف في الرياضات والمنطق، وإنّه وزر لأبي بكر الصحراوي صاحب سرقسطة، ووزر أيضاً ليحيى بن يوسف ابن تاشفين عشرين سنة بالمغرب، وإن سيرته كانت حسنة، فصلحت به الأحوال، ونجحت على يديه الآمال، فحسده الأطباء والكتّاب وغيرهم، وكادوه، فقتلوه مسموماً؛ انتهى.
وأنشد له بعضهم:
هم رحلوا يوم الخميس عشيّةًفودّعتهم لمّا استقلّوا وودعوا
ولما تولّوا ولّت النفس معهمفقلت: ارجعي قالت: إلى أين أرجع
إلى جسد ما فيه لحمٌ ولا دمٌوما هو إلا أعظمٌ تتقعقع
وعينين قد أعماهما كثرة البكا ... وأذن عصت عذّالها ليس تسمع وقد ذكر بعضهم في تعزيز بيتي الحريري: أنّه لابن الصائغ الأندلسي، وليس هو بهذا فيما أعلم:
انقدّ مهوى أزره فانثنىمه يا عذولي في الذي انقدّ مه
مندمة قتل المعنّى فلاترسل سهام اللحظ تأمن دمَه
[ترجمة الفتح عن الإحاطة]
رجع إلى ابن باجّة - وقد ذكر لسان الدين في الإحاطة سبب العداوة بينه وبين الفتح في ترجمة الفتح ولنذكرها بنصّه فنقول: قال رحمه الله تعالى: الفتح بن محمد بن عبيد الله، الكاتب، من قرية تعرف بقلعة الواد من قرى يحصب، يكنى أبا نصر، ويعرف بابن خاقان.
حاله - كان آية من آيات البلاغة لا يشق غباره، ولا يدرك شأوه، عذب الألفاظ ناصعها، أصيل المعاني وثيقها، لعوباً بأطراف الكلام، معجزاً في باب الحلي والصفات، إلا أنّه كان محارفاً مقدوراً عليه، لا يمل من المعاقرة والقصف، حتى هان قدره، وابتذلت نفسه وساء ذكره، ولم يدع بلداً من بلاد الأندلس إلا ودخله مسترفداً أميره واغلاً في عليته، قال الأستاذ في الصلة: وكان معاصراً للكاتب أبي عبد الله ابن أبي الخصال، إلاّ أن بطالته أخلدت به عن مرتبته. وقال ابن عبد الملك: قصد يوماً إلى مجلس قضاء أبي الفضل عياض مخمراً، فتنسم بعض حاضري المجلس رائحة الخمر، فأعلم القاضي بذلك، فاستثبت وحدّه حدّاً تامّاً، وبعث إليه بعد أن أقام عليه الحد بثمانية دنانير وعمامة، فقال الفتح حينئذ لبعض من أصحابه: عزمت على إسقاط القاضي أبي الفضل من كتابي الموسوم ب " قلائد العقيان "، قال: فقلت: لا تفعل، وهي نصيحة، فقال: وكيف ذلك فقلت له: قصتك معه من الجائز أن تُنسى، وأنت تريد أن تتركها مؤرخة، إذ كل من ينظر في كتابك يجدك قد ذكرت
فيه من هو مثله ودونه في العلم والصيت، فيسأل عن ذلك، فيقال له، فيتوارث العلم عن الأكابر الأصاغر، قال: فتبين ذلك، وعلم صحته وأقر اسمه.
وحدثني بعض الشيوخ أن سبب حقده على ابن باجة أبي بكر آخر فلاسفة الإسلام بجزيرة الأندلس ما كان من إزرائه به وتكذيبه إيّاه في مجلس إقرائه، إذ جعل يكثر ذكر ما وصله به أمراء الأندلس ووصف حلياً، وكان يبدو من أنفه فضله خضراء اللون - زعموا - فقال له: فمن تلك الجواهر إذن الزمردة التي على شاربك فثلبه في كتابه بما هو معروف، وعلى ذلك فأبو نصر نسيج وحده، غفر الله تعالى له.
مشيخته - روي عن أبوي بكر: ابن سليمان بن القصيرة وابن عيسى ابن اللبانة، وأبي جعفر ابن سعدون الكاتب، وأبي الحسن ابن سراج، وأبي خالد ابن بشتغير، وأبي الطيب ابن زرقون، وأبي عبد الله ابن خلصة الكاتب، وأبي عبد الرحمن ابن طاهر، وأبي عامر ابن سرور، وأبي محمد ابن عبدون، وأبي الوليد ابن حجاج، وابن دريد الكاتب.
تواليفه - ومصنفاته شهيرة: منها قلائد العقيان ومطمح الأنفس والمطمح أيضاً، وترسيله مدوّن، وشعره وسط، وكتابته فائقة.
شعره - من شعره قوله، وثبت في قلائده، يخاطب أبا يحيى ابن الحاج:
أكعبة علياء وهضبة سؤددوروضة مجد بالمفاخر تمطر
هنيئاً لملك زار أفقك نورهوفي صفحتيه من مضائك أسطر
وإنّي لخفّاق الجناحين كلّماسرى لك ذكر أو نسيم معطّر
وقد كان واش هاجنا لتهاجرٍفبتُّ وأحشائي جوىً تتفطّر
فهل لك في ودٍّ ذوى لك ظاهراًوباطنه يندى صفاء ويقطر
ولست بعلقٍ بيع بخساً وإنّني ... لأرفع أعلاق الزمان وأخطر فروجع عنه بما ثبت أيضاً في قلائده ممّا أوّله:
ثنيت أبا نصر عناني، وربما ... ثنت عزمة السهم المصمم أسطر نثره - ونثره شهير، ونثبت له من غير المتعارف من السلطانيات ظهيراً كتبه عن بعض الأمراء لصاحب الشُّرَط، ولا خفاء بإدلاله وبراعته: كتاب تأكيد اعتناء، وتقليد ذي منة وغناء، أمر بإنفاذه فلان، أيّده الله تعالى، لفلان ابنفلان، صانه الله تعالى، ليتقدم لولاية المدينة الفلانية وجهاتها، ويضرح ما تكاثف من العدوان في جنباتها، تنويهاً أحظاه بعلائه، وكساه رائق ملائه، لما علمه من سنائه، وتوسّمه من غنائه، ورجاه من حسن منابه، وتحققه من طهارة ساحته وجنابه، وتيقن - أيده الله تعالى - أنّه مستحق لما ولاه، مستقل بما تولاه، لا يعتريه الكسل، ولا تثنيه عن المضاء الصوارم والأسل، ولم يكل الأمر منه إلى وكل، ولا ناطه بمناط عجز ولا فشل، وأمره أن يراقب الله تعالى في أوامره ونواهيه، وليعلم أنّه زاجره عن الجور وناهيه، وسائله عمّا حكم به وقضاه، وأنفذه وأمضاه ﴿يوم لا تملك نفسٌ لنفسٍ شيئاً والأمر يومئذ لله﴾ (الإنفطار:) فليتقدم إلى ذلك بحزم لا يخمد توقّده، وعزم لا ينفد تفقّده، ونفس مع الخير ذاهبة، وعلى متن البر والتقوى راكبة، ويقدّم للاحتراس من عرف اجتهاده، وعلم أرقه في البحث وسهاده، وحمدت أعماله، وأمن تفريطه وإهماله، ويضم إليهم من يحذو حذوهم، ويقفو شأوهم،
ممّن لا يستراب بمناحيه، ولا يصاب خلل في ناحية من نواحيه، وأن يذكي العيون على الجناة، وينفي عنها لذيذ السّنات، ويفحص عن مكامنهم، حتى يغص بالريق نفس آمنهم، فلا يستقر بهم موضع، ولا يفر منهم خب ولا موضع، فإذا ظفر منهم بمن ظفر بحث عن باطنه، وبث السؤال في مواضع تصرفه ومواطنه، فإن لاحت شبهة أبداها الكشف والاستبراء، وتعدّاها البغي والافتراء، نكّله بالعقوبة أشدّ نكال، وأوضح له منها ما كان ذا إشكال، بعد أن يبلغ إناه، ويقف في طرفه مداه، وحدّ له أن لا يكشف بشرة إلا في حد يتعين، وإن جاءه فاسق أن يتبين، وأن لا يطمع في صاحب مال موفور، وأن لا يسمع من مكشوف في مستور، وأن يسلك السّنن المحمود، وينزه عقوبته من الإفراط وعفوه من تعطيل الحدود، وإذا انتهت إليه قصّة مشكلة أخّرها إلى غده، فهو على العقاب أقدر منه على رده، فقد يتبين في وقت ما لا يتبين في وقت، والمعاجلة بالعقوبة من المقت، وأن يتغمد هفوات، ذوي الهيئات، وأن يستشعر الإشفاق، ويخلع التكبر فإنّه ملابس أهل النفاق، وليحسن لعباد الله تعالى اعتقاده، ولا يرفض زمام العدلل ولا مقاده، وأن يعاقب المجرم قدر زلته، ولا يعتز عند ذلّته، وليعلم أن الشيطان أغواه، وزيّن له مثواه، فليشفق من عثاره، وسوء آثاره، وليشكر الله تعالى على ما وهبه من العافية، وألبسه من ملابسها الضافية، ويذكره جلّ وعلا في جميع أحواله، ويفكر في الحشر وأهواله، يوتذكر وعداً ينجز فيه ووعيداً " يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً " آل عمران: والأمير أيده الله تعالى ولي له ما عدل وأقسط، وبرىء منه إن جاء وقسط، فمن قرأه فليقف عند حدّه ورسمه، وليعرف له حق
قطع الشرّ وحسمه، ومن وافقه من شريف أو مشروف، وخالفه في نهي عن منكر أو أمر بمعروف، فقد تعرض من العقاب لما يذيقه وبال خبله، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، وكتب في كذا.
وفاته - بمراكش ليلة الأحد لثمان بقين من محرم من عام تسعة وعشرين وخمسمائة، ألفي قتيلاً ببيت من بيوت فندق أحد فنادقها، وقد ذُبح وعُبث به، وما شُعر به إلا بعد ثلاث ليال من قتله؛ انتهى نص الإحاطة.
[ترجمة الفتح عن المغرب]
وقال في المغرب ما ملخصه: فخر أدباء إشبيلية بل الأندلس: أبو نصر الفتح بن محمد بن عبيد الله القيسي الإشبيلي، صاحب القلائد والمطمح، ذكره الحجاري في المسهب، الدهر من رواة قلائده، وحملة فرائده، طلع من الأفق الإشبيلي شمساً طبّق الآفاق ضياؤها، وعمّ الشرق والغرب سناها وسناؤها، وكان في الأدب أرفع الأعلام، وحسنة الأيام، وله كتاب قلائد العقيان ومن وقف عليه لا يحتاج في التنبيه على قدره إلى زيادة بيان، وهو وأبو الحسن ابن بسّام الشنتمري مؤلف الذخيرة فارساً هذا الأوان، وكلاهما قسٌّ وسحبان، والتفضيل بينهما عسير، إلا أن ابن بسام أكثر تقييداً، وعلماً مفيداً، وإطناباً في الأخبار، وإمتاعاً للأسماع والأبصار، والفتح أقدر على البلاغة من غير تكلف، وكلامه أكثر تعلّقاً وتعشقاً بالأنفس، ولولا ما اتسم به ممّا عرف من أجله بابن خاقان، لكان أحد كتّاب الحضرة المرابطية بل مجليها المستولي على الرهان، وإنّما أخلّ به ما ذكرناه، مع كونه اشتهر بذم
أولي الأحساب، والتمرين بالطعن على الأدباء والكتّاب، وقد رماه الله تعالى بما رمى به إمام علماء الأندلس أبا بكر ابن باجّة، فوجد في فندق بحضرة مراكش قد ذبحه عبد أسود خلا معه بما اشتهر عنه، وتركه مقتولاً وفي دبره وتد، والله سبحانه يتغمده برحمته.
ومن شعره قوله من أبيات في المدح:
إلى أين ترقى قد علوت على البدروقد نلت غايات السيادة والقدر
وجدت إلى أن ليس يذكر حاتموأغنيت أهل الجدب عن سبل القطر
وكم رام أهل اللوم باللوم وقفةوبحرك مد لا يؤول إلى جزر
ولو لم يكن فيك السماح جبلّةً ... لأثّر ذاك اللوم فيك مع الدهر وذكره ابن الإمام في سمط الجمان وأنشد له:
لله ظبيٌ من جنابك زارنييختال زهواً في ملاء مراح
ولي التماسك في هواه كأنّهمروان خاف كتائب السفّاح
فخلعت صبري بالعرا ونبذتهوركبت وجدي في عنان جماح
أهدي لي الورد المضعف خدهفقطفته باللحظ دون جناح
وأردت صبراً عن هواه فلم أطقوأريت جدّاً في خلال مزاح
وتركت قلبي للصبابة طائراً ... تهفو به الأشواق دون جناح وذكره ابن دحية في المطرب ونعته بابن خاقان، قال: والشيخ أبو الحجاج البياسي ينكر هذا، وقيل: إنّما قيل له ابن خاقان لما تقدم ذكره في كلام الحجاري، وقال ابن دحية: إنّه قتل ذبحاً بمسكنه في فندق ببيت من حضرة مراكش صدر سنة تسع وعشرين وخمسمائة، أشار بقتله علي بن يوسف بن تاشفين.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع