تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

الباب الخامس: (تتمة) (٢)

وقال أبو الحسن ابن سعيد: رأيت فضلاء الأندلس ينتقدون على الفتح أول افتتاحه في خطبة قلائده " الحمد لله الذي راض لنا البيان حتى انقاد في أعنَّتنا، وشاد مثواه في أجنّتنا " لكون ما تضمنته الفقرة الأولى أصوب ممّا تضمنته الفقرة الثانية، والصواب ضد ذلك؛ انتهى.

وقال ابن الأبار في " معجم أصحاب الصدفي ": إنّه لم يكن مرضياً، وحذفه أولى من إثباته؛ انتهى. ولذا لم يذكره في التكملة.

وقال ابن خاتمة: إنّه لم يُعرف من المعارف بغير الكتابة والشعر والآداب. وما حكاه في الإحاطة من تاريخ وفاته مخالف لما حكاه ابن الأبار أنّه ليلة عيد الفطر من سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، قال: وقرأت ذلك بخط من يوثق به.

وحكى ابن خلكان قولاً آخر أنّه توفّي سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، قيل: وهو خطأ، على أنّه حكى القول الآخر أيضاً.

ودفن بباب الدباغين، رحمه الله تعالى.

وقد قيل: إن قتله كان بإشارة أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين أخي إبراهيم الذي ألف برسمه قلائد العقيان.

وقد ذكر ابن خلكان أن المطمح ثلاث نسخ: صغرى، ووسطى، وكبرى، والذي قاله ابن الخطيب وابن خاتمة وغير واحد من المغاربة أنّه نسختان فقط: صغرى، وكبرى، ولعلّه الصواب، إذ صاحب البيت أدرى بالذي فيه.

ومن تأليف الفتح راية المحاسن وغاية المحاسن ومجموع في ترسيله، وتأليف صغير في ترجمة ابن السيّد البطليوسي نحو الثلاثة كراريس على منهاج القلائد.

[رسائل للفتح]

ومن بديع إنشاء الفتح المذكور سامحه الله تعالى قوله: أطال الله تعالى بقاء الوزير الأجلّ، عتادي الأسرى، وزنادي الأورى، وأيامه أعياد، وللسعد في زمانه انقياد، أمّا أنا - أدام الله تعالى عزّه - فجوّي عاتم، وأعيادي مآتم، وصبحي عشاء، وما لي إلاّ من الخطوب انتشاء، أبيت بين فؤاد خافق وطرف مسهّد، نائي المحلّة من مزار العوّد، حين لا أرى الروض المنوّر، ولا أحس سهيلاً إذا لاح ثم تهوّر، وقد بعدت دار إليّ حبيبة، ودنت مني حوادث بأدناها تؤذي الشبيبة، وأي عيش لمن لزم المفاوز لا يريمها، حتى ألفه ريمها، قد رمته النوائب فما اتّقى، وارتقت له الجوائح في وعور المرتقى، يواصل النوى ولا يهجر سيراً، ولا يزجر في الإراحة طيراً، قد هام بالوطن، هيام ابن طالب بالحوض والعطن، وحنّ إلى تلك البقاع، حنينه إلى أثلاث القاع، ولا سبيل أن يشعب صدر بينه شاعب، أو تكلّمه أحجار للدار وملاعب، وليس له إلى أين يجنح، ولا يرى أمله يسنح، قد طوى البلاد وبسطها، وتطرّف الأرض وتوسطها، ولم يلف مقيلاً، ولا وجد مقيلاً، إلى الله أشكو ما أقاسي وأقاصي، وبيده الأقدام والنواصي، ولقاؤه موعد كلّ موعد، وكل معمر سيدركه يوماً حمام الموعد، وأنفذته وقد صدرت عن فلانة بعد أهوال لقيتها، وأنكال سقيتها، وسفر لقيت منه نصباً، وكدر أعقبني وصباً، وإلى متى يعتزلني السعد ولله الأمر من قبل ومن بعد؛ انتهى.

وكتب رحمه الله تعالى من رسالة: سيدي لا عدمت ارتفاقاً، ولا حرمت تكيفاً من السعد واتفاقاً، أنا الآن مشتغل البال، لا أفرّق بين الإعراض والإقبال، وعند تفرغي أوجّه لك ما حضر، ومثلك أرجأ الأمر وأنظر، وفي علم الله تعالى لو أمكنني لحملتك على كاهل، وأوردتك منه أعذب المناهل، وأبحت لك السعد ثغراً ترتشفه، وخلعته برداً عليك تلتحفه، لكن الزمان لا يجد، وصروفه لا تنجد، وعلى أي حال فلا بد أن تجد قراك، وتحمد سراك، إن شاء الله تعالى.

وكتب إلى أبي بكر بن علي عند ولايته إشبيلية: أطال الله تعالى بقاء الأمير الأجلّ أبي بكر للأرض يتملكها، ويستدير بسعده فلكها؛ استبشر الملك وحق له الاستبشار، وأومأ إليه السعد في ذلك وأشار، بما اتّفق له من توليتك، وخفق عليه من ألويتك، فلقد حبي منك بمكلك أمضى من السهم المسدّد:

طويل نجاد السيف رحب المقلّد ... يقدم حيث يتأخّر الذابل، ويكرم إذا بخل الوابل، ويحمي الحمى كربيعة ابن مكدّم، ويسقي الظبي نجيعاً كلون العندم، فهنيئاً للأندلس لقد استردت عهد خلفائها، واستمدّت تلك الإمامة بعد عفائها، حتى كأن لم تمر أعاصرها، ولم يمت حكمها ولا ناصرها، اللذان عمرا الرصافة والزّهرا، ونكحا عقائل الروم وما بذلا إلا المشرفية مهرا، والله تعالى أسأله انتصار أيامك، وبه أرجو انتشار أعلامك، حتى يكون عصرك أعجب من عصرهم، ونصرك أعزّ من

نصرهم، والسلام؛ انتهى.

وقال بعضهم: من أحسن ما رأيت له قوله: معاليك أشهر رسوماً، وأعطر نسيماً، من أن يغرب شهاب مسعاها، أو يجدب لرائد مرعاها، فإن نبهتك فإنّما نبهت عمراً، وإن استنرتك فإنّما أستنير قمراً، والأمير أيّده الله تعالى أجل من أعتصم في ملكه، وأنتظم في سلكه، فإنّه حسام بيد الملك، طلاقته فرنده، وشهامته حدّه، وقضيب، في دوحة الشرف رطيب، بشره زهره، وبره ثمره، وقد توسّمت نارك لعلّي أفوز منها بقبس، أو تكون كنار موسى بالواد المقدس، وعسى الأمل أن تعلو بكم قداحه، ويشف من أفقكم مصباحه، فجرّد - أيدك الله تعالى - صارم عزم لا تفلّ غروبه، واطلع كوكب سعد لا يخاف غروبه؛ انتهى.

ولنذكر بعض كلامه في المطمح لغرابته في هذه البلاد المشرقية بخلاف القلائد فإنّها موجودة بأيدي الناس فيه.

[نماذج من تراجم المطمح]

قال رحمه الله تعالى في ترجمة أبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي: إمام اللغة والإعراب، وكعبة الآداب، أوضح منها كل إبهام، وفضح دون الجهل بها محل الأوهام، وكان أحد ذوي الإعجاز، وأسعد أهل الاختصار والإيجاز، نجم والأندلس في إقبالها، والأنفس أول تهممها بالعلم واهتبالها، فنفقت له عندهم البضاعة، واتفقت على تفضيله الجماعة، وأشاد الحكم بذكره، فأورى بذلك زناد فكره، وله اختصار العين للخليل، وهو معدوم

النظير والمثيل، ولحن العامة وطبقات النحويين وكتاب الواضح وسواها من كل تأليف مخجل لمن أتى بعده فاضح، وله شعر مصنوع ومطبوع، كأنّما يتفجر من خاطره ينبوع، وقد أثبت له منه ما يقترح، ولا يطرح، فمن ذلك قوله:

كيف بالدّين القديملك من أم تميم
للشاعر أبو بكر الزبيدي، اقرأ القصيدة
ولقد كان شفاءًمن جوى القلب السقيم
للشاعر أبو بكر الزبيدي، اقرأ القصيدة
يشرق الحسن عليهافي دجى الليل البهيم وكتب مراجعاً:
أغرقتني في بحور فكرفكدت منها أموت لما
للشاعر أبو بكر الزبيدي، اقرأ القصيدة
كلّفتني غامضاً عويصاًأرجم فيه الظنون رجما
للشاعر أبو بكر الزبيدي، اقرأ القصيدة
ما زلت أسرو السجوف عنهكأنّني كاشف لظلما
للشاعر أبو بكر الزبيدي، اقرأ القصيدة
أقرب من ليله، وأنأىمستبصراً تارة وأعمى
للشاعر أبو بكر الزبيدي، اقرأ القصيدة
حتى بدا مشرق المحيّالمّا اعتلى طالعاً وتمّا
للشاعر أبو بكر الزبيدي، اقرأ القصيدة
لله من منطق وجيزقد جلّ قدراً وجلَّ فهما
للشاعر أبو بكر الزبيدي، اقرأ القصيدة
أخلصت لله فيه قولاًسلّمت لله فيه حكما
للشاعر أبو بكر الزبيدي، اقرأ القصيدة
إذ قلت قول امرىء حكيمٍمراقب للإله علما
للشاعر أبو بكر الزبيدي، اقرأ القصيدة

الله ربّي وليُّ نفسي ... في كل بوسٍ وكلّ نعمى وكتب إلى أبي مسلم ابن فهد وكان كثير التكبر، عظيم التجبر، متغيراً لسانه، مقفراً من المعالم جنانه:

أبا مسلم، إنّ الفتى بفؤادهومقوله لا بالمراكب واللّبس
وليس رواء المرء يغني قلامةإذا كان مقصوراً على قصر النفس

وليس يفيد الحلم والعلم والحجى ... أبا مسلم طول القعود على الكرسي واستدعاه الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين فعجل إليه وأسرع، فأمرع من آماله ما أمرع، فلمّا طالت نواه، واستطالت عليه لوعته وجواه، وحنّ إلى مستكنّه بإشبيلية ومثواه، استأذنه في اللحوق بها فلوّمه ولواه، فكتب إلى من كان يألفه ويهواه:

ويحك يا سلم لا تراعيلا بد للبين من مساع
لا تحسبيني صبرت إلاّكصبر ميت على النزاع
ما خلق الله من عذابٍأشدّ من وقفة الوداع
ما بينها والحمام فرقٌإلا المناحات في النواعي
إن يفترق شملنا وشيكاًمن بعد ما كان في اجتماع
للشاعر أبو بكر الزبيدي، اقرأ القصيدة
فكل شمل إلى افتراقوكل شعب إلى انصداع

وكلّ قربٍ إلى بعادٍ ... وكل وصل إلى انقطاع وقال - سامحه الله تعالى - بعد ترجمة السلطان بالمرية المعتصم بن صمادح ما نصّه: ابنه عز الدولة أبو مروان عبد الله، فتى الراح المعاقر لدنانها، المهتصر لأغصان الفتوة وأفنانها، المهجّر لفلاة الظّباء والآرام، المشهّر في باب الصّبابة والغرام، نشأ في حجر أبيه نديم قهوة، ومديم صبوة، وخديم شهوة، لا يريم كاساً، ولا يروم إلا اقتضاء وانتكاساً، ما شهد قتلاً ولا قتالاً، ولا تقلد صارماً إلا مختالاً، قد أمن منه جنانُ الجبان، وعدّت له غصون البان، ومازال مرتضعاً لأخلاف البطالة، مقتطعاً ما شاء من إطالة، متوغلاً

في شعاب الفتّاك، متغلغلاً في طريق الانتهاك، إلى أن وجهه أبوه إلى أمير المسلمين سفيراً عندما بدت له وجوه الفتنة تسفر، ومعاهد الهدنة تقفر، مع أكامل أصحبهم نقصانه، وذوي أديان جعلهم خلصانه، يسمعون بوادر بذاذته، وينظرون مناكر لذاذته، فآلت سفرته إلى الاعتقال، وقصرت نخوته ما بين قيد وعقال، فجاء كالمهر لا يعرف لجاماً، وصار حبيس قوم لا يألونه استعجاماً، وحين شالت نعامته، وسالت عليه ظلامته، كتب إلى أبيه:

أبعد السنا والمعالي خمولوبعد ركوب المذاكي كبول
ومن بعد ما كنت حرّاً عزيزاًأنا اليوم عبد أسير ذليل
حللت رسولاً بغرناطةفحلّ بها فيّ خطبٌ جليل
وثقّفت إذ جئتها مرسلاًوقبلي كان يعزّ الرسول
فقدت المرية أكرم بهافما للوصول إليها سبيل فراجعه أبوه بقطعة منها:
عزيزٌ عليّ ونوحي دليلعلى ما أقاسي ودمعي يسيل
وقطّعت البيض أغمادهاوشقّت بنودٌ وناحت طبول

لئن كنت يعقوب في حزنه ... ويوسف أنت فصبرٌ جميل ولم يزل يتحيّل في تخلّصه، وأخذه من يد مقتنصه، فسرق وحراسه منه بمكان السلك من النحر، وطرق به على ثبج البحر، فوافى المريّة، وقد أخذ البحث عليه آفاق البرية، فهنىء المعتصم بخلاصه، وبقي مستقرّاً بعراصه، إلى أن أخلوها، ومضوا لطلبة ما نووها، فنجا أخوه إلى حيث ذكرنا من بلاد الناصر، ولجأ هو إلى أحد المرابطين لأذمّة كانت بينهما وأواصر، وأقام معه سمير لهوه، وأمير سهوه، إلى أن انقرض أمده، وطواه سروره لا كمده، فلم ير إلا

خالعاً لعذاره، طالعاً في ثنيّات اغتراره، غير مكترث باتّضاعه، ولا منحرف عن ارتشاف الغيّ وارتضاعه، وبدا منه في هذه الحال ندى كاثر به السحاب، وظاهر بسببه الصّحاب، وتخدّم الأوطار، وتقدم لذوي الرتب فيها والأخطار، [تقدماً] حسّن من ذكره، وأولع الألسن بشكره، فارتفع عنه الكدح، وشفع له في الذم ذلك المدح، وكان نظمه بديع الوصف، رفيع الرّصف، وقد أثبت له ما يشهد بإجادته وإحسانه، شهادة الروض بجود نيسانه.

أخبرني ابن القطان أنّه ساير الأمير يحيى بن أبي بكر إلى طليطلة في جيوش فاضت سيلاً، وخاضت المطايا قتامها ليلاً، وكان ملكاً لم يعقد على مثله لواء، ولم يحتوٍ على شبهه حواء، جمال محياً، وكمال عليا، وحسن شيم، وبعد همم، أغنى العفاة، وأحيا الرفات، وألغى الأجواد، وأنسى كعب ابن مامة وابن أبي دواد، فلمّا شارف طليطلة وكشفها، واشتفّ بلالتها وارتشفها، وضرب بكنفها مضاربه، وأجال بساحتها زنجه وأعاربه، سقط أحد ألويته عن يد حامله، وانكسر عند عامله، فطائفة تفاءلت، وطائفة تطيرت، وفرقة ابتهجت، وأخرى تغيرت، فقال:

لم ينكسر عود اللّواء لطيرةٍيُخشى عليك بها وأن تتأوّلا

لكن تحقّق أنّه يندقّ في ... نحر العدا ولدى الوغى فتعجّلا وأخبرني أخوه رفيع الدولة أن ابن اللبانة كتب إليه والخلع قد نضا لبوسه، وقصر بوسه، وكدر صفاءه، وغدر وفاءه، وطوى ميدان جوده، وأذوى أفنان وجوده، قوله:

يا ذا الذي هزّ أمداحي بحليتهوعزّه أن يهزّ المجد والكرما
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة

واديك لا زرع فيه اليوم تبذله ... فخذ عليه لأيام المنى سلما فدعته دواعي الندى، وأولعته بالجدا في ذلك المدى، فتحيل في برّ طبعه، وكتب معه:

المجد يخجل من نقديك في زمنثناه عن واجب البرّ الذي علما

فدونك النزر من مصف مودّته ... حتى يوفّيك أيام المنى سلما ابنه الثاني: رفيع الدولة أبو يحيى ابن المعتصم:

من بيت إماره، وإلى السعد طوافه بها واعتماره، عمرت أنديته، ونشرت به رايات العزّ وألويته، إلى أن خوى كوكبهم، وهوى مرقبهم، فتفرقوا أيادي سبا، وفرقوا من وقع الأسنّة والظّبي، وفارقوا أرضاً كأرض غسّان، ووافقوا أياماً كيوم أهل اليمامة مع حسّان، بعدما خامرت النفوس مكارمهم مخامرة الرحيق، وأمّهم الناس من كل مكان سحيق، وانتجعوا انتجاع الأنواء، واستطعموا في المحل واللأواء، وصالوا بالدهر وسطوا، وبين النهي والأمر فيه خطوا، ورفيع الدولة هذا فجر ذاك الصباح، وضوء ذلك المصباح، وغصن تلك الدوّحة، ونسيم تلك النفخة، لم يمتهن والدهر قد بذله، ولا ترك الانتصار والأمر قد خذله، فالتحف بالصّون وارتدى، وراح على الانقباض واغتدى، فما تلقاه إلا سالكاً جددا، ولا تراه إلا لابساً سوددا، وله أدب كالروض المجود إذا أزهر، ونظم كزهرالتهائم والنجود بل كالصبح إذا أسفر واشتهر، أوقفه على النسيب، وصرفه إلى المحبوبة والحبيب، فمن ذلك قوله:

ما لي وللبدر لم يسمح بزورتهلعلّه ترك الإجمال أو هجرا
إن كان ذاك لذنب ما شعرت بهفأكرم الناس من يعفو إذا قدرا وله أيضاً:
يا عابد الرحمن كم ليلةأرّقتني وجداً ولم تشعر
إذ كنت كالغصن ثنته الصّباوصحن ذاك الخدّ لم يشعر وله أيضاً:
وأهيف لا يلوي على عتب عاتبويقضي علينا بالظنون الكواذب
يحكم فينا أمره فنطيعهونحسب منه الحكم ضربة لازب وله أيضاً رحمه تعالى:
وعلقته حلو الشمائل ماجناًخنث الكلام مرنّح الأعطاف
ما زلت أنصفه وأوجب حقهلكنّه يأبى من الإنصاف وله أيضاً:
حبيبٌ متى ينأى عن العين شخصهيكاد فؤادي أن يطير من البين
ويسكن ما بين الضلوع إذا بداكأنّ على قلبي تمائم من عين وله أيضاً:
أفدّي أبا عمرو وإن كان جانياًعليّ ذنوباً لا تعدّد بالعتب
فما كان ذاك الود إلا كبارقٍأضاء لعيني ثمّ أظلم للقلب

وله وقد بلغه موتي، وتحقق عنده فوتي:

مثنى الوزارة قد أودى فما فعلتتلك المحابر والأقلام والطرس

ما كنت أحسب يوماً قبل ميتته ... أن البلاغة والآداب تختلس واستأذن ليلة على أحد الأمراء وأنا عنده في أسنى موضع، وأبهى مطلع، وجوانب حفده بين يديّ محتلة، وسحائب رفده عليّ منهلّة، وكان أجمل من مقل، وأكمل مَنْ مِنَ المهد إلى سرير الملك قد نقل، وكتب إليّ يهنيني بقدوم من سفر:

قدمت أبا نصر على حال وحشةفجاءت بك الآمال واتصل الأنس
وقرت بك العينان واتصل المنىوفازت على يأس ببغيتها النفس

فأهلاً وسهلاً بالوزارة كلها ... ومن رأيه في كل مظلمة شمس وقال في المطمح في ترجمة الوزير أبي الوليد ابن حزم: واحد دونه الجمع، وهو للجلالة بصر وسمع، روضة علاه رائقة السنا، ودوحة بهاه طيّبة الجنى، لم يتّزر بغير الصّون، ولم يشتهر بفسادٍ بعد الكون، مع نفس برئت من الكبر، وخلصت خلوص التبر، مع عفاف التحف به بروداً، وما ارتشف به ثغراً بروداً، فعفّت مواطنه، وما استرابت ظواهره ولا بواطنه، وأمّا شعره ففي قالب الإحسان أفرغ، وعلى وجه الاستحسان يلقى ويبلغ، وكتب إليه ابن زهر:

أأبا الوليد وأنت سيد مذحجهلاّ فككت أسير قبضة وعده
وحياة من أمد الحياة بوصلهوذهابها حتماً بأيسر صدّه
لأقاتلنّك إن قطعت بمرهفمن جفنه وبصعدة من قدّه فراجعه أبو الوليد:
لبيّك يا أسد البرية كلّهامن صادق عبث المطال بوعده
يمضي بأمرك ساء أو سر القضاويفلّ حدّ النائبات بحده

إيه ووافقت الصبا في معرض ... ذهب المشيب بهزله وبجده وقال في المطمح في ترجمة أبو بكر الغساني، ما صورته:

صليب العود، مهيب الوعود، لو دعي له الأسد الورد لأجاب، ولو رمي بذكره الليل البهيم لانجاب، ولو قعدت بين يديه الأطواد لتحرك سكونها، ولو عصته الطيور ما آوتها وكونها، مع وقار تخاله يذبلا، وفخار يفضح بلبلا، وشيم لو كانت بالروض ما ذوى، أو تقاسمت في الخلق ما رمد أحد بعدما شوى، وسجايا تنجلي عنها الظلماء، كأن مزاجها عسل وماء؛ انتهى.

وهذا الغساني هو صاحب تفسير القرآن وقد عرّف به في الإحاطة فليراجع ثمة.

وقال أيضاً في المطمح ما صورته: أبو عامر ابن عقال.

كان له ببني قاسم تعلق، وفي سماء دولتهم تألّق، فلمّا خوت نجومهم، وعفت رسومهم، انحط عن ذلك الخصوص، وسقط سقوط الطائر المقصوص، وتصرف بين وجود وعدم، وتحرف قاعداً حيناً وحيناً على قدم، وفي خلال حاله، وأثناء انتحاله، لم يدع حظّه من الحبيب، ولا ثنى لحظه

عن الغزال الربيب، ولم يزل يطير ويقع، والدهر يخرق حاله ويرقع، إلى أن أرقاه الأمير إبراهيم بن يوسف بن تاشفين رحمه الله تعالى أعلى ربوة، وأراه أبهى حظوة، فأدرك عنده رتبة أعلام التحبير والإنشا، وترك الدهر فلق الحشا، وتسنم منزلة لا يتسنمها إلاّ من تطهر من درنه، وجمح إحسانه في ميدان حرنه، والحظوظ أقسام لا تسام، والدنيا إنارة وإعتام:

ولو لم يعل إلا ذو محلٍّ ... تعالى الجيش وانحطّ القتام وقد أثبت عنه بعض ما انتقيته، والذي أخذته مباين لما أبقيته، فمن ذلك قوله:

يا ويح أجسام الأنام لما تطيق من الأذى
خلقت لتقوى بالغذاء وسقمها ذاك الغذا
وتنال أيام السلامة بالحياة تلذذا
فإذا انقضى زمن الصِّباورمى المشيب فأنفذا
وجد السقام إلى المفاصل والجوانح منفذا
ويقول مهما يعطَ شيئاً ناولوني غير ذا وحذا في هذه القصيدة حذو الصابي في قوله:
وجع المفاصل وهو أيسر ما لقيت من الأذى
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
ردّ الذي استحسنتهوالناس من حظّي كذا
والعمر مثل الكاس يرسب في أواخرها القذى
للشاعر إبراهيم بن هلال بن زهرون، من قصيدة «وجع المفاصل وهو أيسر»

وله يعتذر عن زيارة اعتمدها، ومواصلة اعتقدها، فعاقّته عنها حوادث لوته، وعدته عن ذلك وثنته:

بينما كنت راجياً للقائهوالتشفّي بالبشر من تلقائه
وترقبت من سماء نزاعيقمر الأنس طالعاً من سمائه
إذ دهاني اعتراض خطبٍ ثنانيعن غمامٍ يشفي الغليل بمائه

فتدلّهت وانزويت حياء ... منه والعذر واضح لسنائه وله فصل كتب به عن الأمير إبراهيم يصف إجازة أمير المسلمين البحر سنة خمس عشرة وخمسمائة: وفي الساعة الثانية من يوم الجمعة كان جوازه - أيده الله تعالى - من مرسى جزيرة طريف على بحر ساكن قد ذل بعد استصعابه، وسهل بعد أن رأى الشامخ من هضابه، وصار حيّه ميتاً، وهذره صمتاً، وجباله لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، وضعف تعاطيه، وعقد السلم بين موجه وشاطيه، فعبر آمناً من لهواته، متملّكاً لصهواته، على جواد يقطع الجوّ سبحاً، ويكاد يسبق البرق لمحاً، لم يحمل لجاماً ولا سرجاً، ولا عهد غير اللجّة الخضراء مرجاً، عنانه في رجله، وهدب العين يحكي بعض شكله، فلله هو من جواد، له جسم وليس له فؤاد، يخرق الهواء ولا يرهبه، ويركض الماء ولا يشربه.

وقال في ترجمة الفقيه أبي مروان عبد الملك بن زيادة الله الطبني، ما نصّه:

من ثنيّة شرف وحسب، ومن أهل حديث وأدب، إمام في اللغة متقدم، فارع لرتب الشعر متسنّم، له رواية بالأندلس ورحلة إلى المشرق، ثم عاد

وقد توّج بالمعارف المفرق، وأقام بقرطبة علماً من أعلامها، ومتسنماً لترفعها وإعظامها، تؤثره الدول، وتصطفيه أملاكها الأول، مازال فيها مقيماً، ولا برح عن طريق أمانيها مستقيماً، إلى أن اغتيل في إحدى اللّيالي بقضية يطول شرحها فأصبح مقتولاً في فراشه، مذهولاً كل أحد من انبساط الضرب إليه على انكماشه، وقد أثبت من محاسنه ما يعجب السامع، وتصغي إليه المسامع، فمن ذلك قوله:

وضاعف ما بالقلب يوم رحيلهمعلى ما به منهم حنين الأباعر
للشاعر عبد الملك بن زيادة الله الطبني، اقرأ القصيدة

وأصبر عن أحباب قلب ترحّلوا ... ألا إنّ قلبي سائر غير صابر ولمّا رجع إلى قرطبة وجلس ليرى ما احتقبه من العلوم، اجتمع إليه في المجلس خلق عظيم، فلمّا رأى تلك الكثرة، وما له عندهم من الأثرة، قال:

إنّي إذا حضرتني ألف محبرةيكتبن حدّثني طوراً وأخبرني

نادت بمفخري الأقلام معلنة ... هذي المفاخر لا قعبان من لبن وكتب إلى ذي الوزارتين أبي الوليد ابن زيدون:

أبا الوليد وما شطّت بنا الداروقلّ منّا ومنك اليوم زوّار
للشاعر عبد الملك بن زيادة الله الطبني، اقرأ القصيدة
وبيننا كل ما تدريه من ذمموللصِّبا ورقٌ خضرٌ وأنوار
للشاعر عبد الملك بن زيادة الله الطبني، اقرأ القصيدة
وكل عتبٍ وإعتابٍ جرى فلهبدائع حلوة عندي وآثار
للشاعر عبد الملك بن زيادة الله الطبني، اقرأ القصيدة

فاذكر أخاك بخير كلّما لعبت ... به اللّيالي فإنّ الدهر دوّار وقال في ترجمة صاحب العقد الفقيه العالم أبي عمر أحمد بن عبد ربه:

عالم ساد بالعلم ورأس، واقتبس به من الحظوة ما اقتبس، وشهر بالأندلس حتى سار إلى المشرق ذكره، واستطار شرر الذكاء فكره، وكانت له عناية بالعلم وثقة، ورواية له متّسقة، وأمّا الأدب فهو - كان - حجّته، وبه غمرت الأفهام لجته، مع صيانة وورع، وديانة ورد ماءها فكرع، وله التأليف المشهور الذي سمّاه ب " العقد "، وحماه عن عثرات النقد، لأنّه أبرزه مثقّف القناة، مرهف الشّباة، تقصر عنه ثواقب الألباب، وتبصر السحر منه في كل باب، وله شعر انتهى منتهاه، وتجاوز سماك الإحسان وسماه.

أخبرني ابن حزم أنّه مرّ بقصر من قصور قرطبة لبعض الرؤساء فسمع منه غناء أذهب لبّه، وألهب قلبه، فبينما هو واقف تحت القصر إذ رشّ بماء من أعاليه، فاستدعى رقعة، وكتب إلى صاحب القصر بهذه القطعة:

يا من يضنّ بصوت الطائر الغردما كنت أحسب هذا الضنّ في أحد
لو أنّ أسماع أهل الأرض قاطبةأصغت إلى الصوت لم ينقص ولم يزد
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «يا من يضن بصوت الطائر الغرد»
فلا تضنّ على سمعي ومنّ بهصوتاً يجول مجال الروح في الجسد

أمّا النّبيذ فإنّي لست أشربه ... ولا أجيئك إلاّ كسرتي بيدي وعزم فتى كان يتألّفه، وخامره كلفه، على الرحيل في غده، فأذهبت عزمته قوى جلده، فلمّا أصبح عاقته السماء بالأنواء، وساقته مكرهاً إلى الثّواء، فاستراح أبو عمر من كمده، وانفسح له من التواصل ضائق أمده، فكتب إلى المذكور، العازم على البكور:

هلاّ ابتكرت لبين أنت مبتكرهيهات يأبى عليك الله والقدر
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «هلا ابتكرت لبين أنت مبتكر»
ما زلت أبكي حذار البين ملتهباًحتى رثى لي فيك الريح والمطر
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «هلا ابتكرت لبين أنت مبتكر»
يا برده من حيا مزنٍ على كبدٍنيرانها بغليل الشوق تستعر
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «هلا ابتكرت لبين أنت مبتكر»
آليت أن لا أرى شمساً ولا قمراًحتى أراك فأنت الشمس والقمر

ومن شعره الذي صرّح به تصريح الصب، وبرّح فيه وقائع اسم الحب، قوله:

الجسم في بلدٍ والروح في بلديا وحشة الروح بل يا غربة الجسد
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «الجسم في بلد والروح في بلد»
إن تبك عيناك لي يا من كلفت بهمن رحمةٍ فهما سهماك في كبدي ومنه قوله:
ودّعتني بزفرة واعتناقثمّ نادت متى يكون التلاقي
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «ودعتني بزفرة واعتناق»
وبدت لي فأشرق الصبح منهابين تلك الجيوب والأطواق
يا سقيم الجفون من غير سقمبين عينيك مصرع العشاق
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «ودعتني بزفرة واعتناق»
إنّ يوم الفراق أفظع يومٍليتني متّ قبل يوم الفراق وله أيضاً:
يا ذا الذي خطّ الجمال بخدهخطّين هاجا لوعةً وبلابلا
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «يا ذا الذي خط الجمال بخده»

ما صحّ عندي أنّ لحظك صارمٌ ... حتى لبست بعارضيك حمائلا وأخبرني بعضهم أن الخطيب أبا الوليد ابن عيال حج، فلمّا انصرف، تطلّع إلى لقاء المتنبي واستشرف، ورأى أن لقياه فائدة يكتسبها، وحلّة فخر لا يحتسبها، فصار إليه فوجده في مسجد عمرو بن العاص، ففاوضه قليلاً، ثمّ قال: أنشدني لمليح الأندلس، يعني ابن عبد ربّه، فأنشده:

يا لؤلؤاً يسبي العقول أنيقاورشاً بتقطيع القلوب رفيقا
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «يا لؤلؤا يسبي العقول أنيقا»
ما إن رأيت ولا سمعت بمثلهدرّاً يعود من الحياء عقيقا
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «يا لؤلؤا يسبي العقول أنيقا»
وإذا نظرتَ إلى محاسن وجههأبصرت وجهك في سناه غريقا
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «يا لؤلؤا يسبي العقول أنيقا»

يا من تقطّع خصره من رقّةٍ ... ما بال قلبك لا يكون رقيقا فلمّا أكمل إنشادها استعادها منه، وقال: يا ابن عبد ربّه، لقد تأتيك العراق حبواً.

وله أيضاً:

ومعذر نقش الجمال بخطّهخدّاً له بدم القلوب مضرّجاً
لمّا تيقّن أنّ سيف جفونهمن نرجس جعل النّجاد بنفسجا وله أيضاً:
وساحبة فضل الذيول كأنّهاقضيبٌ من الريحان فوق كثيب
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «أيقتلني دائي وأنت طبيبي»
إذا ما بدت من ثغرها قال صاحبيأطعني وخذ من وصلها بنصيب وله أيضاً:
هيّج الشوق دواعي سقميوكسا الجسم ثياب الألم
أيّها البين أقلني مرّةفإذا عدت فقد حلّ دمي
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «هيج البين دواعي سقمي»
يا خليّ الذّرع نم في غبطةإنّ من فارقته لم ينم
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «هيج البين دواعي سقمي»

ولقد هاج بجسمي سقماً ... حب من لو شاء داوى سقمي وبلغ سنّ عوف بن محلم، واعترف بذلك اعتراف متألم، عندما وهت شدته، وبليت جدّته، وهو آخر شعر قال، ثم عثر في أذيال الردى وما استقال:

كلاني لما بي عاذليّ كفانيطويت زماني برهةً وطواني
للشاعر ابن عبد ربه، اقرأ القصيدة
بليت وأبليت اللّيالي مكرهاًوصرفان للأيام معتوران
وما لي لا أبلى لسبعين حجّةوعشرٍ أتت من بعدها سنتان
للشاعر ابن عبد ربه، اقرأ القصيدة
فلا تسألاني عن تباريح علّتيودونكما منّي الذي تريان
للشاعر ابن عبد ربه، اقرأ القصيدة
وإنّي بحول الله راجٍ لفضلهولي من ضمان الله خير ضمان

ولست أبالي من تباريح علّتي ... إذا كان عقلي باقياً ولساني وفي أيام إقلاعه عن صبوته، وارتجاعه عن تلك الغفلة وأوبته، وانشائه عن مجون المجون إلى صفاء توبته، محص أشعاره في الغزل بما ينافيها، ونصل من قوادمها وخوافيها، بأشعار في الزهد على أعاريضها وقوافيها، منها القطعة التي أوّلها:

هلاّ ابتكرت لبينٍ أنت مبتكرمحصها بقوله:
يا راقداً ليس يعفو حين يقتدرماذا الذي بعد شيب الرأس تنتظر
عاين بقلبك إنّ العين غافلةعن الحقيقة واعلم أنّها سقر
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «سبيل الحب أوله اغترار»
سوداء تزفر من غيظ إذا سفرتللظالمين فلا تبقي ولا تذر
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «سبيل الحب أوله اغترار»
لو لم يكن لك غير الموت موعظةًلكان فيه عن اللّذات مزدجر
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «سبيل الحب أوله اغترار»

أنت المقول له ما قلت مبتدئاً: ... هلاّ ابتكرت لبينٍ أنت مبتكر وقال في ترجمة أبي القاسم المنيشي، ما صورته:

أبو القاسم المنيشي، أحد أبناء حضرة إشبيلية المقلّين، الناهضين بأعباء

الضرائر المستقلّين، لم يزل يعشو لكل ضوء، وينتجع مصاب كل نوء، فيوماً يخصب ويوماً يجدب، وآونة يفرح وأخرى ينتدب، إلى أن صدقت مخايله، فرمقت بخوته وتحايله، وأتى من العجب، بمنسدل الحجب، ومن الأشر، ما لم يأت من بشر، وما تصرف إلاّ في أنزل الأعمال، ولا تعرّف إلاّ بأخون العمال، لم يفرع ربوة ظهور، ولم يقرع باب رجل مشهور، وله أدب ولسن، ومذهب فيهما يستحسن، لكنّه نكب عن المقطع الجزل، وذهب مذهب الهزل، إلا في النادر فربما جدّ، ثم أخلق منه ما استجدّ، وعاد إلى ديدنه، عودة أبي عباد إلى واواته ومدنه، وأخذ في ذلك الغرض، وليس شرط كتابي بذاءه، ولا أن يقف حذاءه، وقد أثبتّ له ما هو عندي نافق، ولغرض كتابي موافق، فمن ذلك قوله:

يا روضةً باتت الأنداء تخدمهاأتى النسيم وهذا أوّل السّحر
إن كان قدك غصناً فالثراء بهمثل الكمائم قد زرت على الزهر
اربأ بخديك عن ورد وعن زهرواغن بقرطيك عن شمس وعن قمر

يا قاتل الله لحظي كم شقيت به ... من حيث كان نعيم الناس بالنظر وله من رثاء في والدتي رحمة الله عليها:

يا ناصحي غير مفتات ولا شجنعلى النصائح والنصاح مفتات
لا أستجيب ولو ناديت من كثبقد وقذتني تعلاتٌ وعلاّت
إن كان رأيك في برّي وتكرمتيبحيث قد ظهرت منه علامات
لا ترض لي غير شجوٍ لا أفارقهفذاك أختاره والناس أشتات ومنها:
يا ذا الوزارة من مثنى وواحدةلله ما اصطنعت منك الوزارات
لله منك أبا نصرٍ أخو جلدٍإذا ألمّت ملمّات مهمّات
أستودع الله نوراً ضمّه كفنٌكما تواري بدور التمّ هالات
قضت وليت شبابي كان موضعهاهيهات؛ لو قضيت تلك اللبّانات
مضت ولمّا يقم من دونها أحدهلاّ وقد أعذرت فيها المروءات وله يصف زرزوراً:
أمنبر ذاك أم قضيبيفرعه مصقع خطيب
يختال في بردتي شبابٍلم يتوضح بها مشيب
كأنّما ضمّخت عليهأبراده مسكةٌ وطيب
أخرس لكنه فصيحأبله لكنّه لبيب
جهم على أنّه وسيمصعب على أنّه أريب أبو الحسن البرقي:

بلنسي الدار، نفيسيّ المقدار، ما سمعت له بشرف، ولا علمت له بسلف، ولا اطلعت منه على غير سرف، ورد إشبيلية سنة تسع وتسعين وأربعمائة، واتصل بابن زهر، فناهيك من حظ في أكنافه جال، ومن لحظ فيما أراده أجال، ومن أمل استوفر، وحظ مسك أذفر، ومن وجه جاه له أسفر، سلك به ساحة الرغائب، وتملك بسببه إباحة الحاضر والغائب، وقال فما نبذت مقالته، وأقال فما قيّدت إقالته، وكان حلو المجالسة، مجلوّ المؤانسة، ذا نشب وافر، ومذهب في المساهمة سافر، إلاّ أنّه كان كلفاً بالفتيان، معنّىً بهم في كل الأحيان، ونيّف على السبعين وهو برداء الصبوة مرتد، وبعترتها معتد، مع أدب زهرته ترفُّ، وكأنّه بحر والألباب منه تغترف، وقد أثبتّ له بعض

ما وجدت له في الغلمان، وأنشدت له في تلك الأزمان، فمن ذلك قوله رحمه الله تعالى:

إن ذكرت العقيق هاجك شوقربّ شوقٍ يهيجه الادّكار
يا خليليّ حدّثاني عن الركب سحيراً أأنجدوا أم أغاروا
شغلونا عن الوداع وولواما عليهم لو ودّعوا ثمّ ساروا

أنا أهواهم على كلّ حالٍ ... عدلوا في هواهم أم جاروا وعلق بإشبيلية فتى يعرف بابن المكر، وبات من حبّه طريحاً بين أيدي الوساوس والفكر، لا يمشي إلاّ صبّاً، ولا يفشي إلا غراماً وحبّاً، ومازال يقاسي لوعته، مقاساة يناجي بها صرعته، ويكابد جواه، ويلازم هواه، حتى اكتسى خدّه بالعذار، وانمحت عنه بهجة آذار، فسلا من كلفه، وتصدى ذلك لمواصلته بصلفه، فقال:

الآن لمّا صوّحت وجناتهشوكاً وأضحت سلوة العشاق
واستوحشت منه المحاسن واكتستأنوار وجهك واهن الأخلاق
أمسيت تبذل لي الوصال تصنّعاًخلق اللئيم وشيمة المذَّاق
هلا وصلت إذ الشمائل قهوةوإذ المحيّا روضة الأحداق
يا كم أطلت غرام قلب موجعكم قد ألبّ إليك بالأشواق
ما كنت إلا البدر ليلة تمّهحتى قضت لك ليلة بمحاق

لاح العذار فقلت وجد نازح ... إنّ ابن داية مؤذن بفراق وله فيه مناقضاً لذلك الغرض، معارضاً للوعة سلوه الذي كان عرض:

يلومون في ظبيٍ تزايد حسنهبخطّين خطّا لوعتي وغراميا
وقد كنت أهوى خدّه وهو عاطلفكيف وقد أضحى لعيني حاليا وله أيضاً في مثله:
أجيل الطرف في خدٍّ نضيرٍيردد ناظري نظري إليه
إذا رمدت بحمرته جفونيشفاها منه إثمد عارضيه أبو الحسن علي بن جودي:

برّز في الفهم، وأحرز منه أوفر سهم، وعانى العلوم بقريحة ذكيّة، وواخى بنفس في المعارف زكية، وله أدب واسع مداه، يانع كالروض بلّله نداهن، ونظمٌ أرقّ من دمع العاني، ولطيف المعاني، وأعبق من نفس الخمائل، في أكفّ الصّبا والشمائل، ونثر كالزهر المطلول، أو السلك المحلول، إلا أنّه سها فأسرف، وزها بما لا يعرف، وتصدى إلى الدين بالافتراء، ولم يراقب الله تعالى في ذلك الاجتراء، واشتهرت عنه في ذلك أقوال سدّد إلى الملّة نصالها، وأبدى بها ضلالها، فعظمت به المحنة، وكمنت له في كل نفس إحنة، ومازال يتدرّج فيها وينتقل، حتى عثر وما كاد يستقل، فمر لا يلوي على تلك النواحي، وفرّ لا ينثني إلى لوائم ولواحي، وما زال يركب الأهواء ويخوضها، ويذلل النفس بها ويروضها، حتى أسمحت ببعض الإسماح، وكفّت عن ذلك الجماح، واستقر عند أبي مالك فآواه، ومهّد له مثواه، وجعله في جملة من اختص من المبطلين، واستخلص من المعطلين، فكثيراً ما يصطفيهم، ولا يدري أيدّخرهم أم يقتنيهم، وقد أثبتُّ له ما يبهر سامعاً، ويظهر برقاً لامعاً، فمن ذلك قوله:

أحنّ إلى ريح الشمال فإنّهاتذكرنا نجداً وما ذكرنا نجدا
تمرُّ على ربعٍ أقام به الهوىوبدَّل من أهليه جائمةً رُبدا
فيا ليت شعري هل تقضّى لبانةفأرتشف اللّميا وأعتنق القدّا
خليليّ لا والله ما أحمل الهوىوإن كنت في غير الهوى رجلاً جلدا وقوله أيضاً:
سل الركب عن نجد فإنّ تحيّةًلساكن نجد قد تحمّلها الركب
وإلا فما بال المطيّ على الوجىخفافاً وما للريح مرجعها رطب وقوله أيضاً:
إذا ارتحلت غربية فاعرضا لهافبالغرب من نهوى له البلد الغربا
لقد ساءنا أنّا بعيد وأنّنابأرضين شتّى لا مزاراً ولا قربا
يفجّعنا إما بعاد مبرّحٌوإمّا أمورٌ باعثاتُ لنا كربا
ظعنّا على حكم اللّيالي وخطبهافيا ليت لم ندر اللّيالي ولا الخطبا
وكنت أُرجّي الدهر بعد الذي مضىدياراً وقرباً والأصادق والصحبا
أحقّاً يسيرُ الركب لم ترتحل بناإليك ولم تحد الحداة لنا ركبا وقوله أيضاً:
لقد هيّج النيران يا أمّ مالكٍبتدمير ذكرى ساعدتها المدامع
عشيّة لا أرجو لقاءك عندهاولا أنا أن يدنو مع الليل طامع وقوله أيضاً:
حننت إلى البرق اليماني، وإنّمانعالج شوقاً ما هنالك هانيا
فيا راكباً يطوي البلاد تحمّلنتحيتنا إن كنت تلجأ لاقيا
ليالينا بالجزع جزع محجّرسقى الله يا فيحاء تلك اللياليا
وما ضرّ صحبي وقفة بمحجّرٍأحيّي بها تلك الرسوم البواليا

وله أيضاً:

خليليّ من نجد فإنّ بنجدهممصيفاً لبيت العامريّ ومربعا
ألا رجّعا عنها الحديث فإنّنيلأغبط من ليلي الحديث المرجّعا
عزيز علينا يا ابنة القوم أنّناغريبان شتّى لا نطيق التجمّعا
فريق هوى منّا يمانٍ ومشئمٌيحاول يأساً أو يحاول مطمعا

كأنّا خلقنا للنوى وكأنّما ... حرام على الأيام أن تتجمّعا ووجدت له في بعض نسخ " المطمح " قوله أيضاً:

سقى دارك اللائي ببطن محصّبٍمثاكيل من وفد الغمام المرنّح
ألم تعلمي يا فتنة القلب أنّنيتطارحت من حبي لكم كلّ مطرح
إذا نعبت غربان دارٍ وجدتنيوشوقي مقيمٌ بين ناء ونزّح وله أيضاً:
ألا خبر وللبلوى ضروبوفيك لكلّ مشتاق حبيب
حباك الله بالنعمى فنوناًوجرّ لكم مع النعمى خطوب
متى تقضي بخسفتك اللياليوتعصف فيكم ريح هبوب

فإنّكم تجرّون المنايا ... وتعمر من مجانيكم قلوب وقد ذكر في " المطمح " له تخميساً جارياً على ألسنة الناس إلى الآن، وهو:

أيا ساكنين بأرض اللوىوصالكم لسقامي دوا
وعافاكم الله من ذا الجوىملكتم فؤادي فصار الهوى عليّ رقيبٌ رقيبٌ رقيبْ
ولمّا تبدّت لهم حالتيوما حرّك الهجر من زفرتي

بكوا رحمةً لي من ساعتي ... فقلت متى الوصل يا سادتي فقالوا قريبٌ قريبٌ قريبْ ... وهو وإن لم يكن في ذروة البلاغة فقد ذكرته لأنّه مطروق بالمغرب عند أهل التلاحين وغيرهم.

ولنذكر بعض نص خطبة المطمح، قال رحمه الله تعالى فيه: أمّا بعد حمد الله الذي أشعرنا إيماناً وإلهاماً، وصير لنا أفهاماً، ويسّر لنا برود آداب، ونشرنا للانبعاث لإثباتها والانتداب، وصلّى الله على سيدنا محمد الذي بعثه رحمة، ونبّأه منة منه ونعمة، وسلّم تسليماً، فإنّه كان بالأندلس أعلام، فتنوا بسحر الكلام، ولقوا منه كل تحيّة وسلام، فشعشعوا البدائع وروّقوها، وقلدوها بمحاسنهم وطوقوها، ثم هووا في مهاوي المنايا، وانطووا بأيدي الرزايا، وبقيت مآثرهم الحسان، غير مثبتة في ديوان، ولا مجملة في تصنيف تجتلي فيه العيون، وتجتني منه زهر الفنون، إلى أن أراد الله تعالى إظهار إعجازها، واتصال صدورها بأعجازها، فحلللت من الوزير أبي العاصي حكم بن الوليد عند من رحّب وأهل، وأعلّ بمكارمه وأنهل، وندبني إلى أن أجمعها في كتاب، وأدركني من التنشط إلى إقبال ما ندب إليه، وكتابة ما حث عليه، فأجبت رغبته، وحليت بالإسعاف لبّته، وذهبت إلى إبدائها، وتخليد عليائها، وأمليت منها في بعض أيام، ثلاثة أقسام، القسم الأول: يشتمل على سرد غرر الوزراء، وتناسق درر الكتّاب والبلغاء. القسم الثاني: يشتمل على محاسن أعلام العلماء، وأعيان القضاة والحكماء. القسم الثالث: يشتمل على ذكر محاسن الأدباء، النوابغ النجباء؛ انتهى.

وهذه خطبة " المطمح الصغير "، وأما الكبير والأوسط فضمنهما ذكر الملوك والسلاطين حسبما نقلنا بعضه فيما مر من هذا الكتاب، على أنّنا نقلنا بعضاً من الصغير أيضاً، فليعلم ذلك من يقف على هذا الكتاب، ومن له أدنى ممارسة، وليراجع من الترجمة الفرق بين كلامه في الصغير وغيره، وبالجملة فما رأيت ولا سمعت أحلى من عبارة الفتح رحمه الله تعالى في تحلية الناس، ووصف أيام الأنس، وليس الخبر كالعيان، وقد سردنا بعض كلامه في " القلائد " وفي " المطمح ".

[قطعة من الموشحات]

ولنرجع الآن إلى ما كنا بصدده من أمر التوشيح، فنقول: وتمام موشحة ابن سهل التي عارضها لسان الدين هو قوله:

هل درى ظبيُ الحمى أن قد حمىقلب صبٍّ حلّه عن مكنس
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «جادك الغيث إذا الغيث همى»
فهو في حرّ وخفقٍ مثلمالعبت ريح الصَّبا بالقبس
للشاعر مصطفى بن زكري، من قصيدة «بأبي من زارني ملتثما»
يا بدوراً أطلعت يوم النوىغرراً تسلك بي نهج الغرر
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «هل درى ظبي الحمى أن قد حمى»
ما لقلبي في الهوى ذنبٌ سوىمنكم الحسن ومن عيني النظر
أجتني اللذات مكلوم الجوىوالتذاذي من حبيبي بالفكر
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «هل درى ظبي الحمى أن قد حمى»
كلّما أشكوه وجداً بسماكالرُّبى بالعارض المنبجس
إذ يقيم القطر فيها مأتماوهي من بهجتها في عرس
غالب لي غالب بالتؤدهبأبي أفديه من جاف رقيق
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «هل درى ظبي الحمى أن قد حمى»
ما رأينا مثل ثغر نضّدهأقحواناً عصرت منه رحيق
أخذت عيناه منه العربدهوفؤادي سكره ما إن يفيق
فاحم الجمّة معول اللمىأكحل اللحظ شهيُّ اللعس
وجهه يتلو الضحى مبتسماوهو من إعراضه في عبس
أيها السائل عن ذلّي لديهلي جزاء الذنب وهو المذنب
أخذت شمس الضحى من وجنتيهمشرقاً للصبّ فيه مغرب
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «هل درى ظبي الحمى أن قد حمى»
ذهبت أدمع أجفاني عليهوله خدّ بلحظي مذهب
يطلع البدر عليه كلّمالاحظته مقلتي في الخلس
ليت شعري أيّ شيء حرّماذلك الورد على المغترس
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «هل درى ظبي الحمى أن قد حمى»
كلّما أشكو إليه حرقيغادرتني مقلتاه دفنا
تركت ألحاظه من رمقيأثر النمل على صمّ الصفا
وأنا أشكره فيما بقيلست ألحاه على ما أتلفا
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «هل درى ظبي الحمى أن قد حمى»
فهو عندي عادل إن ظلماوعذولي نطقه كالخرس
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «هل درى ظبي الحمى أن قد حمى»
ليس لي في الحبّ حكمٌ بعدماحلّ من نفسي محلّ النّفس
منه للنّار بأحشائي اضطراميلتظي في كل حين ما يشا
وهي في خديه بردٌ وسلاموهي ضرٌّ وحريقٌ في الحشا
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «هل درى ظبي الحمى أن قد حمى»
أتّقي منه على حكم الغرامأسد الغاب وأهواه رشا
قلت لمّا أن تبدّى معلماوهو من ألحاظه في حرس
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «هل درى ظبي الحمى أن قد حمى»

أيها الآخذ قلبي مغنما ... اجعل الوصل مكان الخمس وقد عارض هذا الموضح أيضاً بعض متأخري المغاربة فقال:

يا عريب الحيّ من حيّ الحمىأنتم عيدي وأنتم عرسي
لم يحل عنكم ودادي بعدماحلتم لا وحياة الأنفس
من عذيري في الذي أحببتهمالك قلبي شديد البرحا
بدر تمّ أرسلت مقلتهسهم لحظٍ لفؤادي جرحا
إن تبدّى أو تثنّى خلتهغصن بانٍ فوقه شمس ضحى
تطلُعُ الشمس عشاء عندماتنجلي منه بأبهى ملبس
وترى الليل أضا منهزماوترى الصبح أضا في الغلس
يا حياة النفس صل بعد النوىوألهاً مضنىً شديد الشغف
قد براه السقم حتى ذا الهوىكاد أن يفضي به للتلف
آه من ذكر حبيب باللوىوزمان بالمنى لم يسعف
كنت أرجو الطيف يأتي حلماعائداً يا نفس من ذا فايأسي
هل يعود الطيف صبّاً مغرماساهراً أجفانه لم تنعس
همت في أطلال ليلى وأناليس في الأطلال لي من أرب
ما مرادي رامة والمنحنىلا ولا ليلى وسعدى مطلبي
إنّما سؤلي وقصدي والمُنىسيّد العجم وتاج العرب
أحمد المختار طه من سماالشريف ابن الشريف الكيّس
خاتم الرسل الكريم المنتمىطاهر الأصل زكي النفس وقال في مباراة هذه الموشحات السابقة:
لا تلمني يا عذولي تأثماما ترى جسمي بسقمٍ قد كسي
مثلما شرح غرامي علماحيث أشكو وحشة من مؤنس
ظبيُ أنسٍ عن فؤادي نفراوفؤادي مكتوٍ من صدّه
وعذولي في هوى الحبّ فرىبملام مذ نهى عن ودّه
أنت أعمى يا عذولي ما ترىيانع الورد بدا من خدّه
وله ثغر إذا ما ابتسماكبروق أومضت في الغلس
وثناياه كدرّ نظمافضياها في الدّجى كالقبس
كم ترى سحراً بجفنيه بدالفؤاد في الهوى أضحى كليم
ليس سحر مقلتي هذا سدىيا فؤادي إن شفي السحر السقيم
خيفةً أوجس قلبي، وغداراحلاً صبري، وها شوقي مقيم
يا إله العرش يا رب السمايا عليماً بضمير الأنفس
قلبي الولهان يشكو ألمامن جفا ظبي أغنّ أكيس
أغيد يسبي البرايا بالمقلأدعج الجفن بعينيه حور
لو رأته الشمس أضحت في خجلوهو للبدر بوجه قد قمر
من معاني حسنه رقّ الغزلفي غزال قد غزاني بالنظر
آخذ بالروح مني كلّمارمق الصبّ بطرف أنعس
يقنص الأسد بلحظ قد رمىأسهماً تفتك من غير قسي
يا رعى الله زماناً سلفابلويلاتٍ تقضّت بانشراح
مثل دينار وها قد صرفافي ألذّ العيش مع حب وراح
فاعذروا القلب الذي قد شغفابحبيب ما له عنه براح
بدر تمّ أهيف حلو اللمىريقه شهد شهيّ اللّعس
كسلاف عهدها قد قدماتنجلي في كأسها كالعرس
قهوة بكر عجوز عتقتزمناً في دنها من قبل نوح
هي لمّا في زجاج أشرقتشمس راح غربت في كل روح
جددت بسطاً وكم قد مزّقتقلب صبّ في غبوق وصبوح
حلف الخمّار عنها قسماًأنها بالمكث كادت تنتسي
فاسقني صرفاً ولا تمزج بماراحه كم أذهبت من عبس
في رياض قد شدا شحرورهعاطنيها بين أكناف الشجر
وانظم الشمل ودع منثورهحول ورد وأقاح وزهر
وإذا الطلّ بدا شبّورهكلّل الأوراق منه بالدرر
ما ترى الريحان عبداً خدماحيث أضحى واقفاً في المجلس
جلس النسرين لكن ربّماإستحت منه عيون النرجس
فتنزّه في رياضٍ خضروغصون غرّدت فيها هزار
وانتشق عرف زهورٍ عطرياسمين زينته الجلّنار
وشذا الزهر كمسك أذفرواقبل العذر لابن البزددار
طامع في رحمة الله وماخاب عبد طامع لم ييأس
يا إلهي جد علينا كرمايا كريماً قبل أخذ الإنفس رجع إلى موشّحات ابن الخطيب:

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.