من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
ومن التي أولها: أين أزعت أيهذا الهمام ... نحن نبت
أين أزعت أيهذا الهمامنحن نبت الربى وأنت الغمام
الوزن من أول الخفيف.
الهمام نعت للملك. وأي: مناداة, وهذا صفة لها. والهمام نعت لهذا. وإذا قالوا: يا أيهذا لم يكن لهم بد من أن يجيئوا باسم فيه ألف ولام يكون نعتًا كما قال ذو الرمة:
ألا أيهذا المنزل الدارس الذيكأنك لم يعهد بك الحي عاهد
وقوله: نحن نبت الربى: إنما جاء بالربى لإقامة الوزن, ولو أمكنه أن يقول: نحن النبت وأنت الغمام لكان ذلك أعم. ويجوز أن يقال: إنما خص الربى لأن النبت عليها أحسن منه في الوهد.
والربى: جمع ربوة, وفيها لغات: ربوة وربوة وربوة, وقد أبان الطائي عن هذا المعنى فقال:
غير أن الربى إلى سبل الأنــواء أدنى والحظ حظ الوهاد
ومعلوم أن حظ الوهد في المطر أكثر من حظ الربوة لأن ما يصيبها من القطر ينزل إلى الوهد, والوهود يتربص فيها الماء وليست الربى كذلك.
وقوله:
نحن من ضايق الزمان له فيــك وخانته قربك الأيام
نصب قربك لأنه مفعول ثانٍ, ولا يجوز نصبه على الظرف لأنه يصير ذمًا
للممدوح, وإقرارًا بأن الزمان خانهم في حال اقترابهم منه, فكأنما خان هاهنا مثلها في قول الأعشى:
وما إن أرى الدهر في صرفهيغادر من شارخٍ أو يفن
أذال أذينة عن ملكهوأخرج من حصنه ذا يزن
وخان النعيم أبا مالكٍوأي امرئٍ صالحٍ لم يخن
وقوله:
في سبيل العلى قتالك والسلــم وهذا المقام والإجذام
يقول: كل فعالك في سبيل المكارم العالية, فإن قاتلت أو سالمت فأنت في طلاب العلياء. والإجذام: سرعة السير, وهو مأخوذ من الجذم أي القطع السريع. ويقال: رجل مجذام إذا وصف بذلك. قال أبو دواد:
غير ريبٍ بني كنانة منيإن أفارق فإنني مجذام
وقال الربيع بن زيادٍ العبسي:
حرق قيس علي البلاد حتى إذا استعرت أجذما
أي قطع ما بيننا قطعًا سريعًا.
وقوله:
ليت أنا إذا ارتحلت لك الخــيل وأنا إذا نزلت الخيام
تمنى أن يكون غير مفارقٍ له في المسير والمقام. وقد عاب بعض الناس هذا القول على أبي الطيب, وقالوا: الخيام تكون متعالية عمن فيها ولذلك قال:
لقد نسبوا الخيام إلى علاءأبيت قبوله كل الإباء
وما سلمت فوقك للثرياولمسلمت فوقك للسماء
وحجة أبي الطيب في هذا واضحة لأن الخيمة غنما هي خادمة لمن يحل فيها وتصد عنه حر الشمس وغيره من المؤذيات.
وقوله:
كل عيش ما لم تطبه حمامكل شمس ما لم تكنها ظلام
يقيمون الهاء مقام خبر كان, وهو بإياها أشبه. وقد قال أبو الأسود الدؤلي:
دع الخمر يشربها الغواة فإننيرأيت أخاها مغنيًا لمكانها
فإلا يكنها أو تكنه فإنهأخوها غذته أمه بلبانها
وقالوا: تكونها في معنى تكون فيها. قال الشاعر:
لما رأى برقًا يضيء وميضهمنازل من أسماء كانت تكونها
أي تكون فيها.
وقوله:
أزل الوحشة التي عندنا يامن به يأنس الخميس اللهام
اللهام: الجيش الذي كأنه يلتهم الأشياء أي يبتلعها, وكذلك قولهم: فرس لهم ولهموم, أي كأن جريه يبتلع الأرض. قال رؤبة:
كالحوت لا يشبعه ما يلهمهيصبح عطشان وفي البحر فمه
وقوله:
والذي يضرب الكتائب حتىتتلاقى الفهاق والأقدام
الفهاق: جمع فهقةٍ وهي خرزة العنق المتصلة بالظهر, وإنما قيل لها: فهقة لأنها تفهق موضعها أي تملؤه. قال الراجز:
لا ذنب للبائس إلا في الورقوتضرب الفهقة حتى تندلق
تندلق: أي تخرج من موضعها.
وقوله:
وكفاحًا تكع عنه الأعاديوارتياحًا تحار منه الأنام
يقال: كع الرجل يكع إذا عجز عن الشيء, وكسر الكاف في يكع أكثر, وقد حكي فتحها. وقال قوم: يقال: كع وكاع وكاء بمعنى واحد.
وقوله:
إما هيبة المؤمل سيف الدولة الملك في القلوب حسام
فكثير من الشجاع التوقيوكثير من البليغ السلام
المعنى: أن هيبة هذا الملك عظيمة؛ فإذا توقى الشجاع صولته فذلك منه مستكثر, وإذا قال له البليغ: السلام عليك, أو نحو ذلك, فقد عظم ما فعل لأن هيبته توجب ألا ينطق أحد بين يديه. وذهب قوم إلى أن المراد أن الشجاع يكثر التوقي منه لأنه يشاهد من الهيبة ما يحمله على ذلك, والبليغ يسلم تسليمًا بعد تسليم فيكثر السلام لأنه لا يقدر على غيره, والمعنى الأول أشبه. وقافيتها من المتواتر.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع