من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
من القصيدة التي أولها: وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمهبأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
وزنها من ثاني الطويل.
يقال: طسم الربع وطمس إذا درس. وقوله: بأن تسعدا متعلق بقوله: وفاؤكما؛ إلا أنه فصل بينه وبين الكلام الأول بقوله: كالربع أشجاه طاسمه. وينبغي أن يكون أضمر قوله: وفاؤكما بعد تمام النصف الأول ليكون الموصول متعلقًا بالصلة. وذكر أبو الفتح ابن جني ﵀ أنه ذكر لأبي الطيب هذا الفصل بين وفاؤكما وبين الباء فأنشده قول الأعشي:
لسنا كمن جعلت إيادٍ دارهاتكريت تمنع حبها أن يحصدا
أراد: كمن جعلت تكريت دارها, وقدم إيادًا فوضعها في غير موضعها, وهم يقدمون ويؤخرون إذا كان المعنى مفهومًا عند السامع. وأنشد أبو عبيدة:
أتجزع أن نفسًا أتاها حمامهافهلا التي عن بين جنبيك تدفع
أراد: فهلا تدفع عن التي بين جنبيك. وقوله: والدمع أشفاه ساجمه: الشعراء وغيرهم يقولون: إن البكاء يجلو بعض الهم عن المكروب والمحزون. قال الفرزدق:
ألم تر أني يوم جو سويقةٍبكيت فنادتني هنيدة ماليا
فقلت لها إن البكاء لراحةبه يشتفي من ظن ألا تلاقيا
وقال ذو الرمة:
لعل انحدار الدمع يعقب راحةًمن الوجد أو يشفي نجي البلابل
وفي حكاية معناها أن بعض المتقدمين قال: ما أصابني هم قط إلا خلوت بنفسي فبكيت فاسترحت.
وشبه وفاء صاحبيه بالربع أشجى ما يكون إذا درس, وكأنه لامهما على أنهما لم يسعداه. وبعض الناس يذهب إلى أنه أراد بقوله: وفاؤكما مخاطبةً لعينيه, وكلامه يدل على غير ذلك, والمراد أنه بكى ولم يبك صاحباه, ولو بكيا معه لكان ذلك زائدًا في بكائه.
وأشجاه هاهنا اسم فيه معنى التفضيل كقولك: هذا الربع أشجى من غيره.
وقوله:
وما أنا إلا عاشق, كل عاشقٍأعق خليله الصفيين لائمه
تم الكلام عند قوله: وما أنا إلا عاشق, ولو استقام له إدخال الواو على قوله: كل عاشق لكان ذلك أبين؛ لأن السامع ربما ظن أن قوله: كل عاشق متعلق بعاشقٍ الأول. وإنما يقولون: فلان كريم كل الكريم؛ فيجيئون بالألف واللام ولا يحذفونهما في هذا الموضع؛ لأن القائل إذا قال: ما فلان إلا كريم كل كريم جاز أن يكون قوله: كل كريم ابتداء كلام ثانٍ, فأراد بيان ذلك بدخول الألف واللام. وقوله: أعق خليله دليل على أنه أراد الصاحبين لا العينين.
وأعقهما: أي أشدهما عقوقًا.
وقوله:
وقد يتزيا بالهوى غير أهلهويستصحب الإنسان من لا يلائمه
يقال: تزيا فلان بكذا, وهو مأخوذ من الزي وهو حسن اللباس. قال الراجز:
ما أنا في البصرة بالبصريولا شبيه زيهم بزيي
وكان أبو الفتح بن جني ﵀ يومئ إلى أن القياس يوجب: يتزوا لأنه يأخذ الزي من زويت الشيء إذا أملته إلى نفسك أو إلى غيرك. وزوى الرجل ما بين عينيه إذا أمال بعضه إلى بعض. والعرب إذا أظهرت التاء في كلمةٍ وأصلها من ذوات الواو, فربما جاؤوا بالياء لأنهم يستأنسون باللفظ المسموع كما قالو: تديرت المكان حملوه على لفظ الدار, وأصل الدار الواو لأنهم يقولون في جمع الدار: أدور. ولما قالوا: الزي فجاؤوا بياء مشددةٍ - وقالوا: زوى وجهه عني زيًا إذا قبضه آثروا - أن يقولوا: تزيا بكذا. وأنشد ابن الأعرابي:
أتيت خثيمًا ولم آتهأريد نداه ولا طالبا
فلما رآني زوى وجههونكت عن حاجبٍ حاجبا
فلا برح الزي من وجههولا زال رائده جادبا
وقوله:
بليت بلى الأطلال إن لم أقف بهاوقوف شحيحٍ ضاع في الترب خاتمه
بليت معناه الدعاء, يقول: إن لم أقف بهذه الأطلال فبليت بلاءها. ووصف نفسه بطول الوقوف, وشبه وقوفها بوقوف شحيح ضاع خاتمه فهو يطلبه وينظر إلى الأرض لعله يظهر له, وقد جاء نحو من هذا في وصف الإبل. قال الراجز:
إذا قطعن علمًا بدا علميبحثن بحثًا كمضلات الخدم
حتى توافين بنا إلى حكم
الخدم: الخلاخيل. ولا يجوز إلا كسر التاء في قوله: خاتمه إذا كان في القافية, لأنه إن فتح التاء صار في القصيدة عيب وهو السناد, وكان أبو الطيب يختار فتح التاء في قوله:
وأنكر خاتماي الخنصرا
وقوله:
كئيبًا توقاني العواذل في الهوىكما يتوقى ريض الخيل حازمه
نصب كئيبًا على الحال كأنه قال: إن لم أقف كئيبًا. وريض الخيل هو الذي لم تكمل رياضته, وهم يذكرون الريض في الأضداد, وكأن الريض الذي قد ريض فهو غني عن الرياضة, ويقال: ريض للذي هو محتاج إليها. قال الراعي:
وكان ريضها إذا ياسرتهاكانت معاودة الرحيل ذلولا
فأما قول الآخر:
وجدت أباها رائضيها وأمهافأعطيت فيها الحكم حتى حويتها
فإنه وصف هذه الناقة بأنها ذلول من نوقٍ ذللٍ وكأنها ورثت ذلك عن أبيها وأمها فلم تحتج إلى رائض يروضها. والمعنى: أني توقاني العواذل كما يتوقى ريض الخيل - أي الذي لم تكمل رياضته - من يريد أن يشد حزامه لأنه لا يأمن منه أن يضربه بيدٍ أو برجل].
وقوله:
قفي تغرم الأولى من اللحظ مهجتيبثانيةٍ والمتلف الشيء غارمه
الأولى رفع بفعلها. ومهجتي نصب لأن الغرامة واقعة عليها. والمراد: قفي يا محبوبة
لتغرم اللحظة الأولى الذي لحظتك مهجتي؛ أي خالص نفسي؛ أي تغرمها بلحظةٍ ثانيةٍ, وذلك أنه أراد أن اللحظة الأولى أتلفت مهجته فوجب عليها الغرم, فإن لحظ ثانيةً - حيي من الحياة - فتكون اللحظة الأولى قد غرمت المهجة باللحظة الثانية, ثم ذكر الحجة الموجبةً له أن يطالب بالوقفة, فقال: والمتلف الشيء غارمه, وهي حكومة بحق.
وقوله:
سقاك وحيانا بك الله إنمناعلى العيس نور والخدور كمائمه
دعا لها بالسقيا, ثم دعا لنفسه بأن تكون تحيةً له بعد سقياها, وجعل اللواتي في الخدور كالنور. والخدور مثل كمائم الزهر واحدتها كمامة, وهي التي تكون فيها لزهرة قبل أن تتفتح.
وقوله:
وما حاجة الأظعان حولك في الدجىإلى قمرٍ ما واجد لك عادمه
ما في أول البيت في معنى: أي شيء يحوج الأظعان اللواتي حولك إلى قمر ليس الذي يجدك بعادم له؛ أي إنك قد قمت مقامه في الضياء.
وقوله:
إذا ظفرت منك العيون بنظرةٍأثاب بها معيي المطي ورازمه
الرازم من الإبل الذي إذا سقط إلى الأرض لم يقدر على القيام؛ فأما قول الراجز:
أيا بني عبد مناة الرزامأنتم حماة وأبوكم حام
لا تسلموني لا يحل إسلام
فرزام هاهنا: جمع رازم من قولهم: أسد رازم إذا جثم على الفريسة. وأثاب في معنى أعطى ثوابًا. يقول: إذا نظرت إليك الإبل المعيية جعلت ثواب ذلك أن تنهض وتسير. وقد
فسر بعض الناس أثاب هاهنا بمعنى ثاب؛ أي رجعت إليه قوته؛ ولكن المعروف في هذا: ثاب بغير همزة لأنهم يقولون: ثاب الماء إلى البئر أي رجع, وثاب الرجل إلى قومه إذا رجع إليهم, وقلما يقولون أثاب في هذا المعنى.
وقوله:
تحول رماح الخط دون سبائهوتسبى له من كل حي كرائمه
يقول: هذا الحبيب عزيز لا تصل رماح الخط إلى سبائه, وتسبى له الكرائم من الأحياء فتكون له خدمًا.
وقوله:
ويضحي غبار الخيل أدنى ستورهوآخرها نشر الكباء الملازمه
يقول: غبار الخيل أدنى ستوره إلينا لأن بيننا وبينه ستورًا كثيرة, أقربها إلينا الغبار, وآخرها - وهو أقربها إليه - نشر الكباء أي رائحته. والكباء: العود الذي يتبخر به. والملازمه: نعت لنشر.
وقوله:
وما استغربت عيني فراقًا رأيتهولا علمتني غير ما القلب عالمه
أراد أنه عالم بالأشياء مجرب فما يستغرب شيئًا يشاهده. وهذه دعوى غير صحيحة ولكنها تستحسن فيما عند الشعراء.
وقوله:
فلا يتهمني الكاشحون فإننيرعيت الردى حتى حلت لي علاقمه
يقول: لا يتهمني الأعداء فيما أقول, ويظنون أني أتزيد, فإن رعيت الردى؛ أي جعلته لي مرعى؛ حتى استحليت علقمه؛ أي ألفته فكأنه ليس بمر.
وقوله:
مشب الذي يبكي الشباب مشيبهفكيف توقيه وبانيه هادمه
يقول: الذي أشب من يبكي الشباب؛ أي الذي جعله شابًا؛ هو الذي يشيبه فكيف توقيه, والذي بناه هو الذي هدمه. والهاء في توقيه راجعة إلى الذي يبكي الشباب, والهاء في بانيه كذلك. ويجوز أن تكون راجعةً إلى الشباب نفسه, وحال الهاء في قوله: هادمه كحالها في بانيه.
وقوله:
وتكملة العيش الصبى وعقيبهوغائب لون العارضين وقادمه
جعل العيش أربعة أقسام: الصبى وما يعقبه من الزمان الذي هو قريب منه. وغائب لون العارضين يجوز أن يعني سوادهما مرةً وبياضهما أخرى, وكذلك القادم من لونهما يحتمل وجهين: أن الغائب والقادم كلاهما غاب, وكلاهما قدم؛ ألا ترى أن لون الشعر الذي ينبت في وجه الأمرد يكون غائبًا عنه دهرًا ثم يقدم بعد ذلك. والبياض جار مجرى السواد لأن المشيب يقدم بعد غيبةٍ.
وقوله:
وما خضب الناس البياض لأنهقبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه
ذكر في هذا البيت أن الشيب لم يخضب لأنه قبيح, ولكن سواد الشعر أحسن. والشيب الذي أوجب الخضاب أن الإنسان إذا شاب علم أنه طاعن في السن فزهد فيه, لأن الشيب يطمع الشاب في الشيخ. وجاء في بعض الحديث: «عليكم بالخضاب فإنه زينة لنسائكم وهيبة لعدوكم»؛ أي يظنون أنكم شباب. والخضاب قديم.
وسئل بعض الصحابة عن النبي ﷺ: هل كان يخضب؟ فقال: لم يكن به من الشيب ما يخضب. وروي أن عليًا ﵇ خضب مرة ثم لم يعد إلى ذلك. وفي حديث يحكى عن عبيد الله بن الحر الجعفي أنه دخل على الحسين ﵇ فرأى لحيته كأنها جناح غرابٍ فقال: أشباب ما أرى يا ابن بنت رسول الله, فقال: يابن الحر عجل علي الشيب. قال ابن الحر: فعلمت أنه خضاب. ويقال إن عبد المطلب بن هاشم نزل ببعض الملوك وهو أشيب فأمر الملك بخضابه, فقال عبد المطلب بن هاشم:
لو دام لي هذا الشباب رضيتهوكان بديلًا من شبابٍ قد انصرم
أنست إليه والحياة حبيبةفلابد من موتٍ, نتيلة, أو هرم
نتيلة: امرأة من النمر بن قاسط كانت عند عبد المطلب فولدت له العباس وضرارًا, وإياها عنى البحتري بقول:
نمرية ولدت لكم أسد الشرىوالنمر - بعد - ووائل أخوان
وقوله:
وأحسن من ماء الشبيبة كلهحيا بارقٍ في فازةٍ أنا شائمه
الفازة: الخيمة, والحياء: المطر العام, وكأنه جعل سيف الدولة حيا بارقٍ.
وقوله:
عليها رياض لم تحكها سحابةوأغصان دوحٍ لم تغن حمائمه
يريد أن في الخيمة تصاوير وفيها رياض لم ينسجها السحاب, وإنما صنعها الآدميون, وقد صورت فيها أغصان دوحٍ. والدوح شجر عظام, ومن شأن الأغصان أن يغني بها الحمام. وهذا الدوح لم تغن حمائمه لأنها لا يمكنها أن تقف عليه إذ كان ليس بدوحٍ في الحقيقة. يقال: استداحت الشجرة الصغيرة إذا عظمت. قال الشاعر:
عريفجة الحسل استداحت بأرضنافيا لعباد الله للأشر المردي
هذا مثل قولهم: «إن البغاث بأرضنا يستنسر»؛ أي إن الحقير عندنا يتعظم. والبغاث: ما لا يصيد من الطير.
وقوله:
ترى حيوان البر مصطلحًا بهايحارب ضد ضده ويسالمه
يقول: هذه الخيمة قد اصطلح في تصاويرها حيوان البر, فكأن بعضه لا يريب بعضًا, فالأسد لا يروع الشاة ولا غيرها من الفرائس. والنصف الثاني من البيت شرح للأول لأنه قال: يحارب ضد ضده, وهذه صفة حيوان البر, ثم قال: ويسالمه؛ أي هذا الحيوان الذي في الخيمة يسالم بعضه بعضًا لا يروعه.
وقوله:
إذا ضربته الريح ماج كأنهتجول مذاكيه وتدأى ضراغمه
يقول: إذا ضربت هذا الحيوان الريح ماج فكأنه تجول مذاكيه أي خيله المسان. وتدأى ضراغمه أي تختل. أداه ودآه إذا ختله, فمضارع أدا: يأدو, ومضارع دأى: يدأى, ومن أمثالهم: «الذئب يأدو للغزال يختله», وبعض الناس يروي: يذأى بالذال معجمة, يأخذه من: ذأى الفرس إذا عدا, والوجه الأول هو الصواب.
وقوله:
وفي صورة الرومي ذي التاج ذلةلأبلج لا تيجان إلا عمائمه
كان ملك الروم مصورًا في الخيمة وقد صور معه سيف الدولة, وقد اعتمد المصور أن يذلل الرومي لصورة سيف الدولة. ومن كلامهم القديم: «العمائم تيجان العرب والسيوف أرديتها والحبى جدرانها».
وقوله:
تقبل أفواه الملوك بساطهويكبر عنها كمه وبراجمه
البراجم: عقد الأصابع الأواخر وهي التي تليها الأشاجع, وقيل: هي عروق ظاهر الكف, وقيل: بل هي عظامها, ويقال: إن البرجمة غلظ الكلام. والبراجم أحياء من تميم, ومن أمثالهم: «إن الشقي وافد البراجم»؛ وذلك أن عمرو بن هند اللخمي لما قتل أخوه أسعد, وكان مسترضعًا في بني دارم, آلى أن يقتل منهم مئةً؛ فلما قتلهم يوم أوارة بقي واحد لم يقتله ولم يجد دارميًا يتم به المئة. واجتاز بهم رجل من البراجم فاشتم رائحة القتار فظن أن ثم طعامًا فجاء يلتمس ذلك, فلما جاء سئل عن نسبه فذكر أنه من البراجم؛ وهم من تميم؛ فيقال: إن عمرو بن هند, أو غيره قال: إن الشقي وافد البراجم وأمر بطرحه في النار.
وقوله:
قيامًا لمن يشفي من الداء كيهومن بين أذني كل قرمٍ مواسمه
قيامًا نصب على الحال من الملوك. وقوله: يشفي من الداء كيه مثلًا لما يعلم من الأمور وليس ثم كي. يريد أنه إذا خرج خارجي أو اختلت ناحية من الأرض أزال ما بها؛ إما بالسيف وإما بالرأي. وقد استعملت العرب ذلك في القديم وكنوا بالكي عن الأمر العظيم, ولا كي هنالك. قال جرير:
وأشفي من تخلج كل جنوأكوي الناظرين من الخنان
وقال آخر:
أرجأته عني فأبصر قصدهوكويته فوق النواظر من عل
والقرم: أصله الفحل من الإبل ثم استعمل للإنس. والمواسم: جمع ميسم وهو الذي يوسم به النعم. قال المتلمس:
ولو غير إخواني أرادوا نقيصتيجعلت لهم فوق العرانين ميسما
وقوله:
قبائعها تحت المرافق هيبةًوأنفذ مما في الجفون عزائمه
أراد بالقبائع: قبائع السيوف, وحذف المضاف إليه لأنه أراد قبائع سيوف الملوك.
وقوله:
له عسكرًا خيلٍ وطيرٍ إذا رمىبه عسكرا لم تبق إلا جماجمه
هذا المعنى قد استوفاه النابغة في مدحه غسان وقد مر ذكره. يقول: لهذا الممدوح عسكرًا خيلٍ وطيرٍ؛ أي تتبع عسكره الطير لتأكل من القتلى, وهي تأكل اللحم وتدع الجماجم لأنها عظام.
وقوله:
أجلتها من كل طاغٍ ثيابهوموطئها من كل باغٍ ملاغمه
يقول: ثياب أعدائه تصير أجلةً لخيله وموطئها من الطغاة ملاغمهم. والملاغم ما حول الفم والأنف. يقال: تلغم فلان بالطيب إذا وضعه في ذلك الموضع. قال أبو حية النميري:
ولكنه والله ما طل مسلمًاكغر الثنايا واضحات الملاغم
وقوله:
فقد مل ضوء الصبح مما تغيرهومل سواد الليل مما تزاحمه
أراد: تغير فيه. وأكثر ما تكون الغارة في الصبح؛ ولذلك قالوا في كلامهم: يا صباحاه, لأن الغارة تجيئهم في ذلك الوقت, فإن استعاروا الغارة لليل فإنما ذلك نادر, وإنما قيل لها غارة من قولهم: أغار إذا عدا عدوًا شديدًا. قال عبيد الله بن قيس الرقيات في صفة الخيل:
بدلت بالشعير والقت والمــحض ومسح الغلام تحت الجلال
غارة الليل والنهار فما تصــبح إلا معدةً للقتال
وقوله:
ومل القنا مما تدق صدورهومل حديد الهند مما تلاطمه
هذه كلها استعارات تستحسن في الشعر ولا حقيقة لها في الأصل, لأن الصبح لا يمل الغارة والليل لا يمل سراها فيه, ولا حس للرماح فتمل حطمها في الطعان, وحديد الهند غير عالمٍ بالضراب.
وقوله:
سحاب من العقبان يزحف تحتهاسحاب إذا استسقت سقتها صوارمه
شبه العقبان بسحابٍ يظل العسكر. ويزحف تحتها سحاب يعني سيف الدولة. إذا استسقت يعني العقبان؛ وإنما يعني استسقاء الدم. سقتها صوارمه؛ أي يقتل بها الأعداء فتشرب دماءها العقبان.
وقوله:
سلكت صروف الدهر حتى لقيتهعلى ظهر عزمٍ مؤيداتٍ قوائمه
مؤيداتٍ في معنى مؤيداتٍ أي قويات. والأيد: القوة, وكأنهم قالوا: آد الرجل إذا قوي؛ فلما عدوه بالهمزة - كما قالوا: قام وأقمته - اجتمعت همزتان فرأوا تصحيح الياء أخف من الإتيان بالهمزتين, وقرأ بعضهم: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾ ولذلك قالوا: فلان مؤيد؛ أي قوي. قال المثقب العبدي:
ينبي تجاليدي وأقتادهاناوٍ كرأس الفدن المؤيد
وقوله:
مهالك لم تصحب بها الذئب نفسهولا حملت فيها الغراب قوادمه
البيت يحتمل وجهين:
أحدهما: أن الذئب إذا سلك بها فارقته نفسه, وكذلك الغراب إذا طار فيها لم تحمله قوادمه فيهلك.
والآخر: أن يكون الذئب لا يقدر أن يصل إليها فهو لم يسلكها قط, وكذلك الغراب لم يطر في هذه الأرض فتخونه القوادم, وهذا كقول الأفوه:
لا يذعر البهمة سرحانهاولا رواياها حياض الأنيس
أي ليس فيها بهمة يذعرها السرحان.
وقوله:
فأبصرت بدرًا لا يرى البدر مثلهوخاطبت بحرًا لا يرى العبر عائمه
أي إذا طلع القمر المبدر لم يكن تحته مثل هذا الممدوح, واستعار الرؤية للقمر, ولو رويت: لا يرى البدر مثله على أن يجعل مثله فاعله لكان المعنى صحيحًا. والعبر: شاطئ البحر الذي يعبر إليه, وكذلك شاطئ النهر, والعائم: السابح.
وقوله:
غضبت له لما رأيت صفاتهبلا واصفٍ والشعر تهذي طماطمه
الطماطم: جمع طمطم وهو الذي لا يفهم كلامه. قال عنترة:
تأوي له حزق النعام كما أوتحزق يمانية لأعجم طمطم
يقول: غضبت للممدوح لما رأيت الشعراء مقصرين في المدح فجئت ليعلم مكاني في المديح.
وقوله:
على عاتق الملك الأغر نجادهوفي يد جبار السماوات قائمه
العاتق: موضع النجاد على كتف الرجل. قال دريد بن الصمة:
أعاذل إنما أفنى شبابيركوبي في الصريخ إلى المنادي
مع الفتيان حتى سل جسميوأقرح عاتقي حمل النجاد
والعاتق: يذكر ويؤنث, والتذكير أغلب عليه. قال الشاعر:
لا صلح بيني فاعلموه ولابينكم ما حملت عاتقي
سيفي وما دمنا بنجدٍ وماقرقر قمر الواد بالشاهق
ويروى: الملك الأغر بفتح الميم وضمها, فإذا فتحت الميم فالمراد الخليفة صاحب الملك, وإذا ضمت فالمراد المملكة, والمعنيان متقاربان.
وقوله:
ويستكبرون الدهر والدهر دونهويستعظمون الموت والموت خادمه
هذه مبالغة لا يجوز أن يكون من يقولها صادقًا, لأنه ادعى له أنه أكبر من الدهر, وزعم أن الموت خادمه؛ والموت إنما هو خادم لرب العالم تباركت عزته, ولو كان الموت خادمه كما ذكر لامتنع من أن يموت.
وقوله:
وإن الذي سمى عليًا لمنصفوإن الذي سماه سيفًا لظالمه
وما كل سيفٍ يقطع الهام حدهوتقطع لزبات الزمان مكارمه
رضي له أن يكون اسمه عليًا لأنه من العلو مشتق. وقد وصف الله سبحانه وبهذا الوصف. وذكر أن من سماه سيفًا ظالم له لأنه إنسي يقدر على أشياء لا يقدر عليها الحديد وما جرى مجراه؛ إذ كانت الجوامد لا توصف بحس ولا معقولٍ؛ وإنما هي شخوص مرئية ليس عندها نطق ولا سواه. واللزبات: جمع لزبة وهي الشدة التي تدوم, وسكن الزاي من اللزبات والفتح أجود, وقد مضت أشباه لذلك. وقافيتها من المتدارك.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع