تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن التي أولها: واحر قلباه ممن قلبه شبم ... ومن

واحر قلباه ممن قلبه شبمومن بجسمي وحالي عنده سقم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

الوزن من البسيط الأول.

والهاء في قلباه يجوز فيها الضم والكسر؛ فمن كسر فلالتقاء الساكنين, ومن ضم فلأنه شبهها بهاء عصاه ورحاه. وبعض النحويين يري أن ترك الياء في هذا الموضع روي لأنها تحذف في قولك: يا غلام, وإذا أضيف الغلام إلى غيره لم تحذف منه كقولك: يا غلام غلامي, ويا عبد عبدي. وقد حكى سعيد بن مسعده أن بعرض العرب يقول: جاءني غلام فيحذف الياء في غير النداء؛ فإذا أخذ بغير هذا القول فحذف الياء من قوله: واحر قلباه سائغ يسير. وكذلك من عاب إثبات الياء في الوصل وزعم أنها إنما تثبت في الوقف فقد جاء خلاف ما زعم في الشعر. أنشد يعقوب بن السكيت:

يا مرحبًا بحمار عفراءإذا أتى قربنه لما شاء

من الحشيش والشعير والماء

وقال آخر:

يا مرحباه بحمار الناجيهإذا أتى قربته للسانيه

وقال آخر:

يارب يا رباه إياك أسلعفراء يارباه من قبل الأجل

وقال آخر:

يارب يا رباه إياك أسلعفراء يارباه من قبل الأجل

وقال آخر:

إليك أتوب يا رباه مماجنيت فقد تظاهرت الذنوب

والمعنى أن الشاعر يقول: وا حر قلبي, والذي أوجب حره أن قلب عدوي شبم. والشبم: البارد, ووصف الموت بالشبم لأنه برد. قال الشاعر:

وقد شبهوا العير أفراسنافقد وجدوا سيرها ذا شبم
للشاعر جريبة الأسدي، اقرأ القصيدة

أي: ذا برد؛ أي: ظنوا أن أفراسنا عير تحمل طعامًا وميرةً, فإن ميرها شبم أي موت بارد.

ويجوز أن يعني بالشبم أن الحديد بارد وهو يؤدي إلى الموت. قال الشاعر:

ولوا سارعًا لدى الطرفا تشدخهمزرق الأسنة في أطرافها شبم

وقد استعمل لفظ الشبم في غير معنى البرد؛ فقيل لدفيفٍ أو عودٍ يجعل في فم العناق أو الجدي ليمنعه من الرضاع: شبام. قال عدي بن زيد العبادي:

ليس شيء على المنون بباقغير وجه المهيمن الخلاق
ليس للمرء عصمة من رزايا الدهــر تغني عنه شبام عناق

وقالوا في بعض الأمثال: «تفرق من صوت الغراب وتقدم على الأسد المشبم», وهو الذي في فمه شبام. والشبامان: خيطان في البرقع تشدهما المرأة إلى قفاها.

وقوله: ومن بجسمي وحالي عنده سقم؛ أي: جسمي سقيم عنده لكثرة الهموم, وحالي سقيمة أيضًا؛ أي إني قليل ذات اليد.

وقوله:

مالي أكتم حبًا قد برى جسديوتدعي حب سيف الدولة الأمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

أكتم: أكثر الكتمان, ومن شأن المحب أن يكتم ما به. يقول: حبي سيف الدولة قد برى جسمي وأنا كاتم له, وغيري يدعي حبه, ويظهر ما يضمر سواه.

وقوله:

إن كان يجمعنا حب لغرتهفليت أنا بقدر الحب نقتسم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

الغرة: يراد بها الوجه, ويكنى بذلك عن سائر الجسد؛ لأن القائل إذا قال: أحب غرة فلان فليس يريد أنه يحب وجهه دون يده وغيرها من الأعضاء؛ وإنما دل بذكر الغرة على أنه يحب الشخص بأسره.

وقوله: يجمعنا يحتمل وجهين:

أحدهما: إن كان يجمعنا من آفاق البلاد المتباعدة حب لغرته فليت أنا نقتسم بره كما نقتسم حبه.

والآخر: أن يريد إن كان يجمعني وغيري, أي أكون أنا وهو محبين لسيف الدولة؛ فليت حظي منه بمقدار حظي من المحبة, وهذا كما تقول: أنا وفلان تجمع بيننا الكنية أو التجارة؛ أي كلانا من أهلها.

وقوله:

قد زرته وسيوف الهند مغمدةوقد نظرت إليه والسيوف دم
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أيقظته من كراه بعد ما رمدت»

أي: قد زرته في أيام السلم وأيام الحرب. وقوله: والسيوف دم كلام يستعمل مثله الناس كثيرًا؛ فيقولون: صار السيف دمًا, إذا خضب بالدم, وكذلك الثوب ونحوه. ومعلوم أنهم لم يريدوا أن عنصر السيف صار من الدماء.

وقوله:

فوت العدو الذي يممته ظفرفي طيه أسف في طيه نعم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

في طيه أسف: الهاء في طيه عائدة إلى الظفر؛ أي: إن فوته إياك إنما وقع به لخوفه منك؛ لأنه هاب لقاءك فهرب. وإنما يعني أن سيف الدولة أسف لذلك. وقوله: في طيه نعم: الهاء في الطي الثاني ترجع إلى الأسف, وقد شرح ذلك الشاعر في البيت الذي يليه بقوله:

قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعتلك المهابة ما لا تصنع البهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

البهم: جمع بهمةٍ. يقال: فارس بهمة إذا كان لا يدرى كيف يؤتى له. فإذا قالوا: فارس بهمةٍ - بالإضافة - فالمراد أنه فارس يلقى بهمةً؛ أي فارسًا مثله؛ أي فارسًا يعد لأمرٍ مبهمٍ يعجز كشفه. ومن ذلك قول الشاعر:

غدر ابن جرموزٍ بفارس بهمةٍعند اللقاء وكان غير معرد

وقوله:

ألزمت نفسك شيئًا ليس يلزمهاألا يواريهم أرض ولا علم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

يقول للمدوح: ألزمت نفسك غير لازم لها لأنك أردت ألا تواريهم أرض ولا علم, أي جبل. والأقضية جرت بغير ذلك. تواريهم: أي تسترهم.

وقوله:

عليك هزمهم في كل معتركٍوما عليك بهم عار إذا انهزموا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

أصل الهزم: كسر الشيء. يقال: صارت في الحجر هزمة إذا ضرب بمعول فصار فيه أثر منخض. ويقال: في الأديم هزول؛ أي مواضع قد أخلقت فالماء يخرج من خلالها. ويقال: تهزم البيض من الحديد إذا ضرب بالسيوف فتكسر. قال جرير:

ويوم أبي قابوس لم تعطه المنىولكن ضربنا الهام حتى تهزما

وقال المرقش الأصغر:

تبكي على الدهر, والدهر الذيأبكاك, فالعين كالشن الهزيم
للشاعر المرقش الأصغر، من قصيدة «لابنة عجلان بالجو رسوم»

يقول: عليك هزم الأعداء في كل المواطن, وإذا انهزموا فلا عار عليك, وترك اتباعهم أجمل لأنه كالعفو عنهم.

وقوله:

أما ترى ظفرًا حلوًا سوى ظفرٍتصافحت فيه بيض الهند واللمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

تصافحت: أي تلاقت بالصفاح. وصفحة الشيء: جانبه إذا عرض, يقال: صافح الرجل الآخر إذا وضع يده في يده, ومن ذلك قيل للحجارة العراض: صفاح. قال البرج بن مسهرٍ الطائي:

نطوف ما نطوف ثم نأويذوو الأموال منا والعديم
إلى حفرٍ أسافلهن جوفوأعلاهن صفاح مقيم
للشاعر عمرو بن شأس الأسدي، اقرأ القصيدة

يقول: لا يستحلى الظفر إلا أن تضرب الرؤوس بالسيوف.

وقوله:

يا أعدل الناس إلا في معاملتيفيك الخصام وأنت الخصم والحكم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

زعم أنه أعدل الناس إلا في معاملته إياه. وهذه شكوي مفرطة لأنه قال في موضع آخر:

وما يوجع الحرمان من كف حارمٍكما يوجع الحرمان من كف رازق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تذكرت ما بين العذيب وبارق»

فإذا كان عادلًا في الناس كلهم إلا في معاملته فقد وصفه بأقبح الجور. ووصف الممدوح بثلاثة أوصافٍ مختلفةٍ, فقوله: فيك الخصام؛ أي أنت الشيء الذي يختصم فيه. وأنت الخصم, وهو غير مختصمٍ فيه. وأنت الحكم, وليس الحكم بأحد الخصمين ولا بالشيء الذي وقه فيه الخصام؛ يقال: رجل خصم فيستعمل للواحد والاثنين والجميع, وفي الكتاب العزيز: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾, فالخصم هاهنا جماعة. وقال زهير في جمع خصم على خصوم:

لعمر أبيك ما هرم بن سلمىبملحي إذا اللؤماء ليموا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «لمن طلل برامة لا يريم»
ولا ساهي الفؤاد ولا عيي اللــسان إذا تشاجرت الخصوم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «لمن طلل برامة لا يريم»

وقوله:

أعيذها نظراتٍ منك صادقةًأن تحسب اشحم فيمن شحمه ورم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

الأجود أني كون في «تحسب» ضمير عائد على النظرات, ولا يمتنع أن يكون المضمر هو الممدوح؛ كأنه قال: أعيذ نظراتك من أن تحسب - أيها الملك - الورم شحمًا. وهذا لفظ يجوز أن يكون لم يسبق إليه الشاعر, والمعنى حسن, وليس على قدر معناه. والشحم والورم متضادان؛ لأن الشحم يحدث عن الصحة, والورم يحدث عن المرض, فيقال: ورم أنف الرجل إذا أنف الشيء وكرهه, كأنما حدث لأنفه ورم.

وقوله:

ومن انتفاع أخي الدنيا بناظرهإذا استوت عنده الأنوار والظلم

هذا البيت ممض لمن قيل فيه لأنه يقول له: لك ناظران لا تبصر بهما؛ فجعله وهو بصير كبعض العميان.

وقوله:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبيوأسمعت كلماتي من به صمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

حمل «الذي» على المعنى ولم يحملها على اللفظ؛ لأن «الذي» يطلب راجعًا إليها, وما رجع إليها الضمير. ولو كان الكلام منثورًا لكان وجه الكلام أن يقول: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبه وأسمعت كلماته من به صمم, وقد جاء في الشعر مثل هذا كثيرًا. قال الراجز:

أنا الذي فررت يوم الحرهوالحر لا يفر إلا مره

وإنما وجه الكلام أن يقول: أنا الذي فر يوم الحرة, و «الذي» لم يعد إليها ضمير.

وقال آخر:

يا مر يا بن واقعٍ يا أنتاأنت الذي طلقت عام جعتا

وإنما وجه الكلام أن يقول: أنت الذي طلق عام جاع. وقال مهلهل:

وأنا الذي قتلت بكرًا بالقناوتركت تغلب غير ذات سنام

وإنما وجه الكلام: وأنا الذي قتل بكرًا وترك تغلب. وقوله للممدوح: أنا الذي ينظر إلى أدبى الأعمى أفلا تنظر إليه وأنت في حكم البصير؟ وأسمعت كلماتي الأصم وأنت سميع أفلا تفهم ما أقول.

وقوله:

أنام ملء جفوني عن شواردهاويسهر الخلق جراها ويختصم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

نصب ملء جفوني على تقدير قوله: أنام نومًا ملء جفوني موضوع موضع المصدر؛ وهذا كقولهم: قعد القرفصاء؛ أي قعد القعدة التي هي كذلك. والهاء في شواردها عائدة إلى كلماته. ويحتمل أن يكون أراد بالكلمات جمع كلمةٍ التي هي لفظة واحدة, وهذا أشد في المبالغة من سواه. ويجوز أن يعني بالكلمات القصائد؛ لأنهم يسمون القصيدة كلمة. والقصائد توصف بالشرود؛ أي تسير في الأرض كسير النعام الشارد وغيره. قال القطامي:

مالي أرى الناس مزورًا فحولهمعني إذا سمعوا صوتي وإنشادي
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
إلا أخي بني الجوال يوعدنيماذا يقول ابن جوالٍ بإيعادي
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
وطالما ذب عني سير شرديصبحن فوق لسان الراكب الغادي
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

يعني الأبيات والقصائد, وذلك مما تصفه الشعراء. قال المسيب بن علس:

فلأهدين مع الرياح قصيدةًمني مغلغلةً إلى القعقاع
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أرحلت من سلمى بغير متاع»
ترد المياه فلا تزال غريبةًفي القوم بين تمثلٍ وسماع

وجراها: جرى كلمة على فعلى, مأخوذة من قولك: جره يجره؛ أي كان سببه؛ كما

تقول في الكلام: أصابني تعب جر فلان إلى ذلك؛ أي بجره, ومن أجل جره؛ أي يسهر القوم لأجل هذه الشوارد ويختصمون, وأنا نائم لا أشعر بذلك.

وقوله:

وجاهلٍ مده في جهله ضحكيحتى أتته يد فراسة وفم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

الواو في معنى رب, ومده؛ أي جذبه وجره, وفي الكتاب العزيز: ﴿وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون﴾. يقول: رب جاهلٍ غره مني ضحكي. يقال: ضحك, وضحك, وضحك, وضحك, وقد مضى القول في ذلك, وأن حروف الحلق إذا كانت ثاني فعل من الأسماء أو فعلٍ من الأفعال جازت فيها هذه الوجوه الأربعة. وقيل للطلع: ضحك كأن النخل يضحك عنه, وشبهوا به العسل الأبيض. قال الهذلي:

فجاء بمزجٍ لم ير الناس مثلههو الضحك إلا أنه عمل النخل
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «ألا زعمت أسماء أن لا أحبها»

ويد فراسة؛ أي تدق الأعناق. وأصل الفرس: دق العنق, ثم صار كل قتل فرسًا. قال الهذلي:

يا مي لا يعجز الأيام ذو لبدٍمن الضراغم رزام وفراس

الرزام: الذي يجثم على فريسته.

وقوله:

إذا رأيت نيوب الليث بارزةًفلا تظنن أن الليث مبتسم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول لسيف الدولة: إذا الليث أبرز نيوبه فليس ذلك تبسمًا منه؛ وإنما هو إرادة للصولة, وهذا نقيض ما زعمه الفرزدق في وصف الذئب لما رفع ناره, فجاءه يلتمس عنده الخير, فقال وذكر الذئب:

فلما دنا قلت ادن دونك إننيوإياك في زادي لمشتركان
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وأطلس عسال وما كان صاحبا»
وبت أقد الزاد بيني وبينهعلى ضوء نارٍ مرةً ودخان
وقلت له لما تكشر ضاحكًاوقائم سيفي من يدي بمكان
تعش فإن عاهدتني لا تخوننينكن مثل من يا ذئب يصطحبان
وأنت امرؤ يا ذئب والغدر كنتماأخيين كانا أرضعا بلبان
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وأطلس عسال وما كان صاحبا»
ولو غيرنا نبهت تلتمس القرىرماك بسهمٍ أو شباة سنان
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وأطلس عسال وما كان صاحبا»

وقال المرقش في نحو من ذلك:

ولما أضأنا النار عند شوائناعرانا عليها أطلس اللون بائس
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «أمن آل أسماء الطلول الدوارس»
نبذت إليه فلذةً من شوائناحياءً وما فحشي على من أجالس
فآض بها جذلان ينفض رأسهكما آض بالنهب الكمي المخالس

وقوله:

ومهجةٍ مهجتي من هم صاحبهاأدركتها بجوادٍ ظهره حرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

يقول: ورب مهجةٍ مهجتي من هم صاحبها أي هو يؤثرأن يقتلني - أدركتها - أي بلغت ما أريد منها - بجوادٍ ظهره حرم؛ أي إذا ركبته فكأنني في حرمٍ لا يصل إلى أحد بسوء.

وقوله:

رجلاه في الركض رجل واليدان يدوفعله ما تريد الكف والقدم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

يريد أن رجليه كل واحدةٍ منهما مثل الأخرى في العدو, وكذلك يداه, ويجوز أن يريد أنهما تقعان معًا. وفعله؛ يعني الجواد؛ ما تريد كف راكبه وقدمه؛ أي هو جواد مؤدب, فإذا قصر عنانه قصر في الجري, وإذا أرخي له في العنان بذل ما يريده الراكب من الجري, وكذلك إن حرك الفارس قدمه عليه ليمتري حضره فإنه يسمح بما يرضيه. ونحو من هذا المعني

قول ساعدة بن جؤية الهذلي:

يوشونهن إذا ما آنسوا فزعًاتحت السنور بالأقدام والجذم

يعني بالجذم: السياط, واحدها جذمة. ويروى: بالأعقاب, وهو جمع عقب الإنسان. ويوشونهن؛ أي يستخرجون ما عندهن من الجري.

وقوله:

ومرهفٍ سرت بين الموجتين بهحتى ضربت وموج البحر يلتطم

المرهف: سيف رقيق. وجعل نفسه سائرًا بين الموجتين؛ أي بين قرنين يخاف منهما الموت, واستعار للموت موجًا؛ وإنما هو للبحر وما جري مجراه من المياه الكثيرة كالفرات وغيره من الأنهار. قال أبو ذؤيب:

فجاء بها ما شئت من لطميةيدوم الفرات فوقها ويموج
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «صبا صبوة بل لج وهو لجوج»

وخطئ أبو ذؤيب في هذا البيت. وقيل: إن الدرة لا تكون في الفرات. وقيل: أراد باللطمية: الدرة التي تحمل في اللطيمة, وهي العير التي تحمل المسك.

وقال قوم: أبو ذؤيب في جبال هذيل, ولم يكن ليخفى عليه أن الدر لا يكون في الفرات. وقيل: أراد أن حول الصدفة التي فيها الدرة ماءً كثيرًا كأنه الفرات إذا هاج. وقال قوم: الصدفة إذا شقت عن الدرة خرج منها ماء فذلك الذي أراد الهذلي. وقيل: إنما أراد ماء الدرة في نفسها وحسنها, وشبه ماء الدرة بماء الفرات.

وقوله:

فالخيل والليل والبيداء تعرفنيوالحرب والضرب والقرطاس والقلم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ادعى أن الخيل والليل وما ذكر بعدهما تعرفه, ومثل هذا قد يذكر في الشعر. والقرطاس: أعجمي معرب, وكسر القاف فيه أفصح اللغات لأن القرآن بها جاء. وقد حكي: قرطاس بضم القاف. قال الراجز:

هل تعرف الدار بذات أوطاسرسومها مثل رسوم القرطاس

يقال في الجمع: قراطس وقراطيس. قال جرير:

بين المخيصف والعزاف منزلةكالوحي من عهد موسى في القراطيس

وقال الراجز:

قفي المطي في المحل الطامسكأنه ما خط في القراطس

وكان لأيوب بن عبيد العنبري جمل يقال له: قرطاس - وأيوب أحد اللصوص, وقد أدرك أول خلافه بني العباس, واستشهد بعض أصحاب اللغة بشعره - فقال في جمله:

قد مت من حب قرطاسٍ يفندنيأهلي فوا كبدي من حب قرطاس
محض النجار عتيق الجد تحسبهظبيًا تقلب في قفرٍ من الناس

وقالوا: قرطس في معنى قرطاس. والقلم مأخوذ من قلمت الظفر إذا قطعته, وهو فعل من القلم لأنه يقلم, كما قالواة لما هدم: هدم, ولما نقض من الجدر: نقض.

وقوله:

صحبت في الفلوات الوحش منفردًاحتى تعجب مني القور والأكم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

القور: جمع قارةٍ؛ فقيل: هي الأكمة السوداء شبهت بالقار المعروف. وقيل: بل كل أكمةٍ قارة لأنها تنقار من غيرها أي تنقطع. والقارة: قوم من العرب يوصفون بجودة الرمي؛ وهم من بني خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر. وإنما قيل لهم قارة لأن قومهم أرادوا أن يفرقوهم لأمر حدث فقال قائل منهم:

دعونا قارةً لا تفرقونافنجفل مثل إجفال الظليم

وقالوا في المثل: «أنصف القارة من راماها»؛ أي هم قوم رماة فقد أنصفهم من حاربهم بما يعرفون. والأكم: جمع أكمةٍ, وتجمع أكم على آكام وإكام. وقيل لها: أكمة لا رتفاعها؛ ولذلك قيل اللحم الذي في أعلى الفخذين: مآكم.

وقوله:

ما كان أخلقنا منكم بتكرمةٍلو أن أمركم من أمرنا أمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

ما كان أخلقنا؛ أي أجدرنا. والأمم: أمر بين أمرين, لا قريب ولا بعيد. قال الراجز:

تسألني برامتين شلجمالو أنها تطلب شيئًا أمما

وقال آخر:

كوفية نازح محلتهالا أمم دارها ولا صقب
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

وقوله:

ما أبعد العيب والنقصان من شرفيأنا الثريا وذان الشيب والهرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الخيل والليل والبيداءُ تعرفني»

يقول: أنا الثريا, وذان؛ يعني العيب والنقصان؛ أي هذان الشيب والهرم, والثريا آمنة منهما لأنها لا تشيب ولا تهرم.

وقوله:

ليت الغمام الذي عندي صواعقهيزيلهن إلى من عنده الديم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

يعني بالغمام: سيف الدولة, وبصواعقه ما يلحقه من الأذية, شبهها بالصواعق. والصاعقة هي الراعدة التي يسمع لها صوت عظيم وربما كان معها برق يحرق. يقال: صاعقة وصاقعة. قال الراجز:

يحكون بالهندية اللوامعتبوج البرق عن الصواقع

والديم: جمع ديمةٍ, وهو مطر ليس بالشديد يدوم أيامًا, وأقل ما يكون يوم وليلة. وهو من ذوات الواو لأنه من: دام يدوم. وأنسواة بالياء فقالوا: ديم المطر, ولم يردوها إلى الواو.

قال الراجز:

هو الجواد بن الجواد بن سبلإن ديموا جاد وإن جادوا وبل

وقالوا: كثيب مديم إذا سقته الديم.

وقوله:

أرى النوم تقتضيني كل مرحلةٍلا تستقل بها الوخادة الرسم

النوى هاهنا في معنى النية, وإنما قيل للبعد: نوى لأنه يكون في نية القوم أي ما ينوون. والمرحلة: ما بين المنزلين. يقول: أرى نيتي تقتضيني مراحل شدادًا لا تستقل - أي لا ترتفع - إذا همت بالنهوض. والوخادة: فعالة من الوخد, وهو ضرب من سير الخيل وعدوها, ويستعمل في الإبل والنعام. والرسم: جمع رسوم. والرسيم: ضرب من السير العجل. قال الراجز:

ما لك من شيخك إلا عملهإلا رسيمه وإلا رمله

وقوله:

لئن تركن ضميرًا عن ميامنناليحدثن لمن ودعتهم ندم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

ضمير: موضع يقوم من دمشق. قال عبيدالله بن قيس:

فضمير فالماطرون فحوران خلاء بسابس الأطلال

وقوله:

إذا ترحلت عن قومٍ وقد قدرواألا تفارقهم فالراحلون هم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

هذه دعوى كغيرها, وإنما غرضه أن الرجل إذا فارق أناسًا وقد ظنوا أنه غير مفارقً لهم أسفوا له فكأنهم راحلون.

وقوله:

شر البلاد مكان لا صديق بهوشر ما يكسب الإنسان ما يصم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

الوصم: العيب. يقال: ما في العود وصم ولا فصم. فالوصم ما فيه من عقدة ونحوها, والفصم الأثر فيه نحو الشق. وقد يكون الانفصام انقطاعًا, وفي الكتاب العزيز: ﴿لا انفصام لها﴾. والتوصيم يزعمون أنه في معنى الكسل, وهو راجع إلى معنى الوصم. قال لبيد:

وإذا حاولت أمرًا فارتحلثم لا يثنيك توصيم الكسل

وجاء في الحديث: «إن الإنسان إذا نام حتى يصبح أصبح موصمًا؛ أي به كسل».

وقوله:

وشر ما قنصته راحتي قنصشهب البزاة سواء فيه والرخم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

يقول: شرد البلاد مكان يعوزك فيه الصديق, وشر ما يقتنصه الإنسان - أي يصيده - قنص تشترك فيه البزاة الشهب والرخم؛ لأن البزاة تصيد, والرخم إنما يقع على الجيف, وكأنه جعل ما يصيبه في هذه البلاد من الرزق شيئًا لا خير فيه؛ لأن الرخم تقع عليه فتصيب منه كما تصيب البزاة. ويقال في جمع الرخمة: ﴿خم كما يقال في جمع الخشب:

خشب, وفي جمع الأكمة: أكم. قال الشاعر:

فإن ينج يدمى عارضاه فإنناتركنا بنيه للضباع وللرخم

وقال آخر:

وإني لأرجو أن تكون عوائديضباعًا ورخمًا حول جسمي عوافيا

والرخم, في غير هذا الموضع: عطف الشاة على ولدها وإرضاعها إياه. قال الراجز:

حاشكة الدرة بلهاء الرخم

وقوله:

بأي لفظٍ تقول الشعر زعنفةتجوز عندك لا عرب ولا عجم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

الزعنفة: طرف الشيء والقطعة منه التي لا حاجة به إليها, وزعانف الأديم: أطرافه, وكلك ما تدلى من أطراف الثوب. ويقال لما قشر عن السمك: زعانف. والزعانف من القوم الذين يكونون في أطرافهم وليسوا من صميمهم, فإذا وقعت الحرب انضموا إلى معظم الناس. قال الشاعر:

فأدن رباط الجون مني فإنهدنا الشر واحتل الجميع الزعانف

وقوله:

هذا عتابك إلا أنه مقةقد ضمن الدر إلا أنه كلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

المقة: أصلها الومقة فحذفت الواو التي هي فاء الفعل فقيل: مقة. ووزن مقةٍ: علة, وهذا الحذف مطرد في هذا الباب؛ يقولون: وزنت الشيء زنةً, ووعدت الرجل عدةً, فإذا جاء حرف الحلق فتحوا في بعض المواضع وكسروا؛ يقولون: في فلانٍ ضعة وضعة, وفي وجهه قحة وقحة, وفي الدابة طأة وطئة. وقافيتها من المتراكب.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.