تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن التي أولها: ملام النوى في ظلمها غاية الظلم ...

ملام النوى في ظلمها غاية الظلملعل بها مثل الذي بي من السقم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الوزن من أول الطويل.

يقول: ملام النوى في ظلمها ظلم, وقد صدق في هذا القول لأن النوى لا حس لها فتوصف بنصفةٍ ولا ظلم. ثم استشهد على براءة النوى من الظلم بقوله: لعل بها مثل الذي بي من السقم وهذا ظن كاذب, وقد علم قائل البيت أن النوى لا تسقم ولا يصيبها داء, ولكن جاء به على مذهب الشعراء لأن الشعر بني على قيل المحال.

وقوله:

فلو لم تغر لم تزو عني لقاءكمولو لم تردكم لم تكن فيكم خصمي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

هذا البيت تقوية لما ظنه في البيت الأول؛ لأنه قال: لعل بها, فكان كالشاك, ثم أقام الأدلة على أن ظنه صحيح, فقال: لو لم تغر - من الغيرة؛ يعني النوى - لم تزو عني لقاءكم؛ أي لم تصرفه.

وقوله:

أمنعمة بالعودة الظبية التيبغير ولي كان نائلها الوسمي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

الظبية: يجوز أن تكون في نبية المبتدأ؛ كأنه قال: الظبية منعمة كما تقول: أقائم فلان فتدخل الهمزة على قائمٍ. والمعنى: أفلان قائم. ويجوز أن تكون الظبية مرتفعة بفعلها لأن منعمةً معتمدة على الهمزة؛ ولولا ذلك لم يجز أن تكون إلا خبرًا مقدمًا على رأي سيبويه.

ويجوز أن ترفع الظبية بفعلها إذا لم يكن ثم استفهام, وتكون الظبية سادةً م سد الخبر, وتكون منعمة ابتداءً.

وقوله:

ونكهتها والمندلي وقرقفمعتقة صهباء في الريح والطعم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

المندل والمندلي: العود الذي يتبخر به, قال الشاعر:

إذا جلست نادى بما في ثيابهاذكي الشذا والمندلي المطير

يقال: إن الشذي رائحة المسك, قال الشاعر:

لمن نار بأعلى التلــل من غمدان ما تخبو
إذا ما خمدت وهنًاعلاها المندل الرطب

وقالوا: مندل ومندلي كما قالوا: رجل أحمر وأحمري. والقرقف: من صفات الخمر, وقيل: إنما سميت قرقفًا لأنها تقرقف؛ أي ترعد. وقالوا: ديك قراقف؛ أي يحرك رأسه إذا صاح. قال الشاعر:

لعمري لئن أصبحت في دار تولبٍيغنيك بالأسحار ديك قراقف

وقوله:

يحاذرني حتفي كأني حتفهوتنكزني الأفعى فيقتلها سمي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

الأفعى: اسم يقع على الذكر والأنثى مثل الأرنب. فإذا أرادوا الذكر قالوا: أفعوان. وقد أنث الأفعى في هذا البيت, وذكره القائل في قوله:

مطرق يرشح موتًا كما أطــرق أفعى ينفث الموت صل
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «إن بالشعب الذي دون سلع»

والنكز: يقال إنه لدغ الحية بأنفها, والنشط: لدغها بفيها.

وقوله:

طوال الردينيات يقصفها دميوبيض السريجيات يقطعها لحمي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

السريجيات: سيوف تنسب إلى قينٍ يقال له: سريج, ويقال: إنه من بني أسد, قال الشاعر:

وأسياف تنخلها سريجلها في هامهم أثر شنيع

وقوله:

برتني السرى بري المدى فرددننيأخف على المركوب من نفسي جرمي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

جعل السرى جمع سريةٍ؛ وقلما تفرد فلذلك قال: رددنني. والجرم: الجسم؛ ثم استعملوا الجرم في معنى الصوت واللون لأن الألوان تتصل بالأجرام؛ فجعل اللون جرمًا؛ وكذلك الصوت يخرج من الجرم؛ إلا أن الغالب على هذه الكلمة أن الجرم هو الجسم. وجرمي: مرفوع بمعنى أخاف. والفعل لا يتصرف منه, فلو رفع أخف لكان وجهًا, ويجعل خبرًا لقوله: جرمي. وإذا نصبت أخف فهو على الحال لأن رد أصلها أن تتعدى إلى مفعول واحد, تقول: رددت الرسول إلى القوم, ورددت الثوب إلى صاحبه. وإذا جعلت: رددنني في معنى جعلنني جاز أن تكون أخف مفعولًا ثانيًا.

وقوله: أخف على المركوب من نفسي جرمي: مبالغة في صفة النحول لم يعبر عنها المتقدمون بهذه العبارة؛ إلا أن يكون الشاعر لم يسر شعره فيعرف.

وقوله:

وأبصر من زرقاء جو لأننيإذا نظرت عيناي شاواهما علمي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

جو: اسم اليمامة, قال الشاعر:

فاستنزلوا أهل جو من مساكنهموهدموا عالي البنيان فاتضعا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا»

وكان بجو امرأة يقال لها: عنز زرقاء توصف بحدة البصر, وهي التي ذكرها النابغة في قوله:

واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرتإلى حمام سراع وارد الثمد
قالت ألا ليتما هذا الحمام لناإلى حمامتنا أو نصفه فقد
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»
فكملت مائة فيها حمامتناوأسرعت حسبةً في ذلك العدد
فحسبوه فألفوه كما زعمتتسعًا وتسعين لم تنقص ولم تزد

ويقال: إنها نظرت إلى سرب قطًا فقالت هذه المقالة.

ويقال: إن ملكًا من حمير يقال له: حسان غزا اليمامة فنظرت هذه المرأة فأبصرت الجيش على مسافةٍ بعيدة, فقالت: لقد جاءكم الشجر أو غزتكم حمير, وقالت لهم: إني أرى رجلًا يأكل كتفًا أو يخصف نعلًا؛ فكذبوها فيما قالته. وقد وصف ذلك الأعشى في قوله:

ما نظرت ذات أشفارٍ كنظرتهاإنسان عينٍ وموقًا لم يكن قمعا
قالت أرى رجلًا في كفه كتفأو يخصف النعل لهفًا أيةً صنعا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا»
فكذبوها بما قالت فصبحهمذو آل حسان يزجي السم والسلعا

وفي هذه المرأة يقول القائل:

شر يوميها وأرداه لهاركبت عنز بحدجٍ جملا
لا ت رى خارجةً من بيتهاوتراهن إليها رسلا

جمع رسول, ويروى: رسلًا, أي بعضهن في إثر بعض.

وقال القائل مدعيًا: أنا أبصر من زرقاء جو؛ لأنها شكت لما نظرت, فقالت: أرى رجلًا يأكل كتفًا أو يخصف نعلًا؛ فزعم الشاعم أن عينيه يشاويهما علمه؛ أي يسابقهما, وفضل نفسه في النظر على زرقاء اليمامة. والشأو: الطلق, يقال: جرى شأواً أو شأوين؛ أي طلقًا أو طلقين, والقياس يوجب أن يقول: شآهما في وزن: رآهما لأنه بنى فاعل من الشأو, ولكنه أنس بالواو كما أنست العرب بايلاء في الديار فقالوا: تدير القوم؛ وإنما الدار من ذوات الواو. وقد أنكر أبو الفتح بن جني هذا الحرف, وما جاء به الشاعر غير مستنكرٍ؛ لأن القلب في كلامهم كثير لاسيما مع الهمزة والألف إذا اجتمعا في فعلٍ. يقولون: ساءني وسآني, وراءني, ورآني, قال الشاعر:

لقد لاقت قريظة ما سآهاوحل بدارها ذل ذليل

وقال آخر فجمع بين اللغتين:

بان الحمول فما شأونك نقرةًولقد أراك تشاء بالأظعان

قال في أول البيت: شأونك وفي آخره: تشاء, ولو جاء به على اللفظ الأول لوجب أن يقول: تشأى؛ فكأن الشاعر قال: شاواهما علمي, فقلب شأوت إلى شاوى, وهي من ذوات الواو, وخفف الهمزة التي هي آخر الفعل.

وقوله:

كأني دحوت الأرض من خبرتي بهاكأني بنى الأسكندر السد من عزمي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

دحوت الأرض أي بسطتها, ومنه: أدحي النعام؛ لأنها تدحو المكان بأرجلها أي توسعه وتبسطه, ومنه بنو دحي من الأنصار.

و: كأني بنى الأسكندر السد من عزمي: هو نقيض النصف الأول, وذلك مستحسن في صناعة النظم لأنه زعم أنه كالذي دحا الأرض من خبرته بها. والدحو: البسط وخفض المرتفع, وهو ضد البناء الذي ذكره في النصف الثاني. وادعى أن الأسكندر كأنه بنى السد من عزمه لشدته.

والأسكندر: اسم أعجمي, ولم يأت على وزنه في كلام العرب إلا أنه وافق في الزنة قولهم: احرنجم وبابه, إلا أنهمزة الأسكندر مفتوحة وهمزة احرنجم مكسورة. ولو كسر كاسر همة الأسكندر لكان ذلكمستمرًا؛ لأنهم إذا أخرجوا الكلمة من كلام العجم إلى اللفظ العربي اجتهدوا في أن تكون موافقةً للعربية في الوزن. مثال ذلك أنهم يقولون لاسم الموضع: زبطرة فيفتحون الزاي إذا تركوا الكلمة على الأصل, فإذا أرادوا أن يشبهوها بالعربية كسروا الزاي لتصير في وزن: سبطرةٍ وهي الطويلة, وليس في كلام العرب مثل: دمقسٍ بفتح الدال, وكل ما جاء في كلامهم على هذا الوزن فهو مكسور الأول.

ويجوز أن يقال: كأني وكأنني, والأصل إثبات النون, وكذلك في إنني؛ وإنما تحذف لاجتماع النونات. ولو أن الكلام منثور لكان مجيئه بالواو في قوله: كأني بنى الأسكندر أحسن لأنه جاء بجملة بعد جملة, ولم يعطف أحدهما على الأخرى, فكأنه قال: أخوك حاضر أبوك غائب, فجاء بجملتين ليس بينهما حرف عطف, ومجيئه بالواو أحسن.

وقوله:

لألقى ابن إسحق الذي دق فهمهفأبدع حتى جل عن دقة الفهم

إسحاق: كلمة أعجمية لم تنصرف للتعريف والعجمة, وقد وافقت من العربية مصدر قولهم: أسحقه الله إسحاقًا. ولو سمي رجل بإسحاق والمراد المصدر لوجب أن يصرف. كما أنه لو سمي بيعقوب, والمراد ذكر الحجل لوجب أن يصرف؛ لأن اليعقوب

إذا أريد به الطائر عربي, وإنما وافق لفظ الأعجمي. وقوله: فأبدع حتى جل عن دقة الفهم, هـ من قول الأول:

حدث ما نابنا مصمئلجل حتى دق فيه الأجل

وقوله:

يمين بني قحطن رأس قضاعةٍوعرنينها بدر النجوم بني فهم

جعله يمينهم لأن اليمين أفضل من الشمال, وهي التي يباشر بها الضرب والطعن وغيرهما من الأعمال؛ ولذلك قالوا في مدح الرجل: كلتا يديه يمين؛ أي هو يعمل بهما فشماله كأنها يمين. قال الشاعرة:

فإن على السماوة من عقيلٍفتى كلتا يديه له يمين

ولما جعل الشاعر الممدوح يمينًا لم يرض له بذلك حتى جعله رأسًا, وكلاهما من أعضاء الجسد, وفي ذلك صنعة: جاء بعضو مع عضوٍ. وقضاعة: اختلف الناس في اشتقاقه, قيل: هو من قولهم: انقضع من قومه إذا انقطع منهم. وقيل: قضاعة: دابة تسكن الماء. وبنو فهمٍ من تنوخ. وفي قيس عيلان بنو فهمٍ وهم حي تأبط شرًا.

وقوله:

إذا بيت الأعداء كان استماعهمصرير العوالي قبل قعقعة اللجم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

بيت الأعداء؛ أي طرقهم بياتًا وهم نائمون, وصرير العوالي: صوتها, وكأن الصرير صوت دقيق [وكأن أصوات اللجم] قعقعة. وأكثر ما يستعمل في الحديد: الصلصلة, فإذا كانوا قد وصفوا الحلي بالقعقعة فالحديد أولى به من ذلك. قال النابغة:

يسهد من نوم العشاء سليمهالحلي النساء في يديه قعاقع

وقوله:

مذل الأعزاء المعز وإن يؤنبه يتمهم فالموتم الجابر اليتم

ذكر أنه يعز ويذل. وقوله: يؤن من قولهم: آن الشيء يئين إذا حان, وهو مثل قولهم: أنى يأني, وإحدى الكلمتين مقلوبة عن الأخرى. واليتم: أصله الانفراد, وأكثر ما يستعمل في موت الأب إذا كان للآدميين, وإذا كان في البهائم فاليتم موت الأم. وإنما يريد هاهنا أنه يقتل الآباء؛ وإن قتلهم وأيتم أولادهم فإنه يجبر الأيتام الذي هو أيتمهم. وأضاف اليتم هاهنا على معنى قوله: يتم أولادهم فحذف المضاف. وقال الشاعر:

كوماء يسمو فوقهامثل اليتيم من الأرانب

يعني بالأرانب: جمع أرنبٍ وهو الموضع المرتفع من الأرض, واليتيم: المنفرد؛ وإنما يصف ناقةً بعظم السنام.

وقوله:

وإن تمس داءً في القلوب قناتهفممسكها منه الشفاء من العدم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

يقول: إن تك قناته داءً في القلوب؛ أي يطعنها بها - ويجوز أن يعني أنها تهاب قناته فهيبتها داء في القلوب - فإن ممسكها يشفي من العدم.

وقوله: ممسكها يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون يعني بالممسك الرجل كما تقول: لك من فلان صديق؛ أي هو صديقك.

والآخر: أن يكون المعني بالممسك هو اليد من الرجل لأن الأعطية إليها تنسب؛ فيكون التقدير: العضو الذي أمسك القناة من هذا الرجل هو مذهب العدم عن الناس.

وقوله:

مقلد طاغي الشفرتين محكمعلى الهام إلا أنه جائر الحكم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

يريد أن سيفه قد ظغت شفرتاه في قتل الناس, وكل شيء زاد فزيادته مؤدية إلى هلكه فهو طاغٍ. وفي التنزيل: ﴿إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية﴾. وادعى أن سيفه محكم على الهام, وهو مع ذلك جائر في الحكومة, وإنما ينبغي أن يحكم المنصف, وهذا لفظ يحتمله الشعر, ولا حكم للسيف وإنما هو لمن يضرب به.

وقوله:

تحرج من حقن الدماء كأنهيرى قتل نفسٍ ترك رأسٍ علم جسم

في «تحرج» ضمير يرجع إلى السيف, وجاء بكأنما بعد ذلك فخفف بالتشبيه ما أفرط فيه من الكذب؛ لأنه التشبيه لم يحكم بوقوعه.

وقوله:

وجدنا ابن إسحق الحسين كحدهعلى كثرة القتلى بريئًا من الإثم

الهاء في «حده» راجعة إلى السيف, وذكر أن الممدوح لا يقتل أحدًا إلا باستحقاق, فهو برريء من الإثم, كما أن سيفه لا ذنب له.

وقوله:

مع الحزم حتى لو تعمد تركهلألحقه تضييعه الحزم بالحزم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

أصل الحزم: شد الشيء كالثياب ونحوها إذا أرادوا أن يحفظوها. يقال: حزم الشيء, فهو محزوم, ثم استعمل ذلك في جودة الرأي وترك التفريط. يقال: لإلان حازم إذا كان يحكم أموره ولا يغفل عن فعلٍ يجلب إليه صلاحًا, والمصدر من الحازم: الحزامة والحزومة. قال الشاعر:

وأن الحزامة أن تصرفوالحي سوانا صدور الأسل

وأصل الحزم: التعدي؛ إلا أنه لما نقل إلى الرجل بطل تعديه. يقول: هذا الممدوح لا يفارقه الحزم فلو ضيعه لصيره ذلك إليه. قال الشاعر:

دعوت أبا أروى إلى الرأي كي يرىبرأيٍ أصيلٍ أو يعود إلى حلم
وداعٍ دعاه البغي والحين كاسمهوللحين أحداث تصد عن الحزم

وقوله:

وأرهب حتى لو تأمل درعهجرت جزعًا من غير نارٍ ولا فحم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

هذا سرف في الصفة؛ يقول: لو نظر إلى درعه وهي حديد لذابت, والمعروف في الفحم تحريك الحاء, قال الراجز:

جاؤوا بزوريهم وجئنا بالأصمشيخٍ لنا معاودٍ ضرب البهم

وقاتلوا لو ينفخون في فحم

يعني بزوريهم: تثنية زورٍ, وهو شيء كانت العرب تفعله في الجاهلية يجيئون بالصنم الذي يعبدونه أو شيء ينصبونه, ثم يقولون: لا نفر حتى يفر هذا المنصوب.

وقوله: لو ينفخون في فحم, أي: وقاتلوا لو ينتفعون بالقتال؛ وإنما مثلهم مثل من ينفخ في حطبٍ لا تأخذ فيه النار. وقال النابغة الذبياني في صفة الثور الوحشي:

مقابل الريح روقيه وصفحتهكالهبرقي تنحى ينفخ الفحما

الهبرقي: الصائغ والحداد. وتنحى: أي اعتمد, ويروى: تشحى من شحا فاه إذا فتحه.

وقوله:

وجاد فلولا جوده غير شاربٍلقيل كريم هيجته ابنة الكرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

جاد: فيه ضمير يعود إلى الممدوح, وغير شاربٍ: منصوب على الحال, وقدجرت عادة العرب أن تصف من سكر بالجود وتوهم الباطل. قال عنترة:

فإذا شربت فإنني مستهلكمالي وعرضي وافر لم يكلم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

وقال المنخل اليشكري:

فإذا سكرت فإننيرب الخورنق والسدير
وإذا صحوت فإننيرب الشويهة والبعير
للشاعر المنخل اليشكري، من قصيدة «إن كنت عاذلتي فسيري»

أي: أظني أني ملك فأجود بما أملك.

وقوله:

أطعناك طوع الدهر يابن ابن يوسفبشهوتنا والحاسدو لك بالرغم

حذف النون من قوله: الحاسدون لما استقبلتها اللام لأنهم يتوهمون الإضافة في هذا الموضع؛ كأنه قال: والحاسدوك. فكذلك قالوا: لا خفي له لأنهم توهموا سقوط اللام, وقدحذفوا نون الجميع وإن لم يكن ثم لام الإضافة. ويروى بيت ينسب إلى عبيدٍ الأسدي, وهو قوله:

ولقد يغني بها جيرانك الــممسكو منها بأسباب الوصال

وقوله:

دعيت بتفريظيك في كل مجلسٍوظن الذي يدعو ثنائي عليك اسمي

التقريظ: الثناء على الرجل بالجميل, وهو مأخوذ من: قرظت الأديم إذا دبغته بالقرظ لتطيب رائحته, واستعمل ذلك في معنى الثناء على الإنسان؛ لأن الثناء عليه يحسن ذكره ويطيب رائحته. وقد قالوا: فلان يقارظ فلانًا؛ أي كل واحد منهما يثني على صاحبه. قال الراجز:

أهوج إلا أنه يماظظلا يرتجي خيرًا ولا يقارظ

وقال: تقريظيك, فلو أنه في غير الشعر لكان الأحسن أن يقول: تقريظي إياك.

وقوله:

إذا ما ضربت القرن ثم أجزتنيفكل ذهبًا لي مرةً منه بالكلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

يقول: ضربتك واسعة فإذا أردت أن تجيزني فأعطني مقدارما تسع من الذهب؛ وقد عرفت بالثناء عليك حتى كأنه صار اسمًا لي. ويحتمل أن يكون أراد: إني أمدحك بالشعر فيقول الناس: هذا شاعر الأمير, فقد اشتق لي اسم من مدحك.

وقوله:

فكم قائل لو كان ذا الشخص نفسهلكان قراه ممكن العسكر الدهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

يقول: كما قائلٍ لو كان هذا الشخص - يعني شخص الممدوح - عظيمًا كعظم نفسه لكان قراه - أي ظهره - مكمنًا للعسكر الدهم؛ أي العسكر العظيم.

وقوله:

وقائلةٍ - والأرض أعني - تعجبًاعلي امرؤ يمشي بوقري من الحلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

إن جعل «قائلةً» معطوفةً على قائلٍ فالمعنى: وكم قائلةٍ؛ فيكون قد جعل الأرض هاهنا مبعضةً كأنه جعل أرض الشام تقول ذلك, وأرض العراق, وأرض الحجاز وغيرهن. وإن جعل الواو في قوله: وقائلة بمعنى رب وجب أن يعني الأرض كلها. والوقر: الثقل. وقافية هذه القصيدة من المتواتر.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.