من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
ومن التي أولها: لا افتخار إلا لمن لا يضام ...
لا افتخار إلا لمن لا يضاممدركٍ أو محاربٍ لا ينام
الوزن من الخفيف الأول.
قوله:
ليس عزمًا ما مرض المرء فيهليس همًا ما عاق عنه الظلام
استعملوا العزم في الأمور بمعنى القطع فقالوا: عزمت الشيء وعزمت عليه, وقد عزم الأمر نفسه إذا وقع كأنه قطع, غير الوقوع. قال النابغة:
حياك ود فإنا لا يحل لنالهو النساء وإن الدين قد عزما
أي: قد قطع عما أردت. وقال آخر:
عزمت على إقامة ذي صباحٍلأمرٍ ما يسود من يسود
وفي الكتاب العزيز: ﴿فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرًا لهم﴾ يقول: ليس عزمًا أمر يمرض فيه العازم. والتمريض في الأمر: التقصير فيه, وهو مأخوذ من مرض الإنسان لأن المرض يضعفه. ويقال: ريح مريضة أي ضعيفة.
وقوله: ليس همًا ما عاق عنه الظلام؛ أي إن الظلام إذا عاق الهام عما يهم به فليس همه بهم, وإنما الهم ما يحمل الإنسان على ركوب الأهوال. والهم هاهنا: الهمة.
وقوله:
واحتمال الأذى ورؤية جانيــه غذاء تضوى به الأجسام
يقال: ضوى الجسم ضوًى إذا صغر. وفي كلامهم القديم: «استغربوا لا تضووا». يقول: تزوجوا الغرائب من النساء لئلا تضوى أولادكم, أي تصغر جسومهم. قال ذو الرمة:
أخوها أباها والضوى لا يمسهاوساق أبيها أمها عقرت عقرا
يصف النار. يريد أن أباها وأمها من شجرة واحدةٍ - يعني الزندين اللذين يقدح بهما - أي متقاربة الأبوين وليس يمسها ضوى؛ لذلك قال الراجز:
أنذر من كان صغير الهمفي الناس تزويج بنات العم
ليس بناجٍ من ضوى وسقميومًا وإن أطعمته لا ينمي
يقول: رؤية من يشق عليك النظر إليه غذاء يضوي الجسم, وشأن الأغذية أن تربي الأجسام.
وقوله:
ذل من يغبط الذليل بعيشٍرب عيشٍ أخف منه الحمام
قوله: ذل من يغبط الذيل: يحتمل أن يكون إخبارًا أو دعاءً. وقوله: رب عيشٍ أخف منه الحمام: رب تدل على القلة, والعيش الذي أخف منه الحمام كثير جدًا؛ إلا أنه - على ثقله - لا يختار فراقه من هو فيه.
وقوله:
كل حلمٍ أتى بغير اقتدارٍحجة لاجيء إليها اللئام
يقول: ليس حلم الإنسان مما يحمد عليه إلا أن يكون حلم عن مقدرة, وإلا فحلمه ذل, وإنما يحتج بذلك لئام الناس.
وقوله:
من يهن يسهل الهوان عليهما لجرحٍ بميتٍ إيلام
يقول: من يهن فالهوان عليه سهل؛ مثال ذلك أن الرجل الهين يهون عليه أن يستخدم في عمل التراب وغيره. ثم ذكر أن الميت قد فارق الحياة وصار من أهون الأشياء, فهو لا يحس بالجرح ولا غيره من الحوادث.
وقوله:
واقفًا تحت أخمصي قدر نفسيواقفًا تحت أخمصي الأنام
وصف نفسه بالرفعة والعلو, وأنه مع ذلك واقف تحت أخمصي قدر نفسه وأن الأنام وقوف تحت أخمصيه.
وقوله:
أقرارًا ألذ فوق شرارٍومرامًا أبقي وظلمي يرام
يقول: كيف أقر وتحتي شرار يحرق, وكيف أبقي مرامًا وغيري يريد ظلمي؟.
وقوله:
دون أن يشرف الحجاز ونجدوالعراقان بالقنا والشام
الشام: أصله الهمز, وهو في هذه القافية لا يجوز همزه, قال الراجحز في همزه:
لا تقربن الشأم إن الشأماكان لدراء العراق وخما
وإنما همزة لأنه مأخوذ من اليد الشؤمى أي الشمال, وذلك أن الرجل إذا وقف بمكة ونحوها واستقبل مطلع الشمس كان الشام عن شماله واليمن عن يمينه. وقالوا في النسب: رجل شآمٍ؛ فحذفوا الياء وكسروا الميم في الرفع والخفض, وقالوا في النصب: رأيت شآميًا, ويجوز في النسب إليه: شأمي على وزن فعلي, وشامي بغير همز إلا أن الياء مشددة. فأما قول الناس: الشآم على مثال الشغام؛ فذلك ردئ جداً, وقد استعمله حبيب بن أوس والوليد بن عبيد, وقد جاء في بعض الشعر القديم. قال رجل من طيئ:
أتتنا قريش قضها بقضيضهاوأهل الشآم والحجاز توجف
أي كل ما تقدر عليه.
وقوله:
شرق الجو بالغبار إذا سار علي بن أحمد القمقام
هذا الكلام متعلق بما قبله. يقول: أأبقي مرامًا وظلمي يرام دون أن يشرق الحجاز ونجد؟ ! أي إني يجب علي أن أجر الجيوش ومعهم القنا حتى يشرق به الحجاز ونجد وغيرها من البلاد مثل شرق الجو بالغبار إذا سار هذا الممدوح.
وقوله:
الأديب المهذب الأصيد الضرب الذكي الجعد السري الهمام
يقال: رجل ضرب إذا كان خفيف اللحم. قال طرفة:
أنا الرجل الضرب الذي تعرفونهخشاش كرأس الحية المتوقد
والجعد: يجوز أن يعني جعودة الشعر؛ لأنه إن أراد به جعودة الجسم فهو ضد الضرب؛ لأن الجعل ضد السبط.
وقوله:
يتداوى من كثرة المال بالإقــلال جودًا كأن مالًا سقام
يتداوى: يتفاعل من الدواء, والهمزة في الدواء مقلوبة عن ياء لأنهم يقولون: داويت المريض. والهمزة في الدواء أصلية لأن أصله دواء وجمعه أدواء. زعم أن الممدوح يتداوى بفرط جوده من كثرة المال بالإقلال حتى كأن المال سقم.
وقوله:
حسن في عيون أعدائه أقــبح من ضيفه رأته السوام
حسن: متعلق بالبيت الأول, والمعنى يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون وصفه بالحسن وهو في عيون أعدائه أقبح من ضيفه في عيون سوامه - أي إبله - لأنه ينحرها له, والعرب تصف ذعر الإبل من النحر وتدعي أنها تكره نزوله. قال الشاعر وذكر ضيفًا:
حبيب إلى كلب الكريم مناخهبغيض إلى الكوماء والكلب أبصر
وقال أعشى باهلة, ووصف فزع الإبل ممن يعقرها:
وتفزع الإبل منه حين تبصرهحتى تقطع في أعناقها الجرر
وهذا المعنى نحو من قوله في الأخرى:
فما شعروا حتى رأوها مغيرةًقباحًا وأما خلقها فجميل
والآخر من المعنيين: أن أعداءه يرونه حسن الصورة قبيح الفعل؛ فهم في هذا الوجه يرونه حسنًا قبيحًا, وفي الوجه الأول يرونه قبيحًا لا غير.
وقوله:
لو حمى سيدًا من الموت حامٍلحماك الإجلال والإعظام
وعوارٍ لوامع دينها الحــل ولكن زيها الإحرام
يقول: لو حمى سيدًا من الموت شيء لحمتك جلالتك وعزك. وعوارٍ لوامع هي سيوف
تسل دينها الحل؛ أي إنها لا تقتل إلا من يجب قتله, ولكن زيها زي المحرم لأنها تقر في الغمود, فهي عارية.
وقوله:
كتبت في صحائف المجد بسمثم قيس وبعد قيس السلام
جعل الباء هاهنا مع اسم بمنزلة الكلمة الواحدة الثلاثية نحو رجلٍ وجذعٍ, ولعل هذه الكلمة ما استعملت على هذه السجية إلا في البيت, لأنه جعل الباء مع اسم بمنزلة كلمةٍ واحدةٍ وأدخل عليها التنوين.
ولو أنها: بسم الله لحسن أن تحكى على ما هي عليه, فيقال: كتبت في صحائف المجد بسم الله, فأما قول القائل:
أن لوًا وإنليتًا عناء
فليس من هذا الجنس لأنه أخرج «لو» من بابها وجعلها كلمةً معربةً, ولا من نحو قولهم: مررت ببرق نحره؛ لأن الجمل إذا سمي بها فهي محكية في النصب والرفع والخفض.
وقوله:
إنما مرة بن عوف بن سعدٍجمرات لا تشتهيها النعام
قد شاع بين العامة أن النعام يلتهم الجمر, فحمل أبو الطيب كلامه على ذلك, وقال: مرة ابن عوف بن سعد جمرات لا تشتهيها النعام؛ أي هي جمرات عظيمة.
وفي العرب قبائل تعرف بالجمرات, وإنما سميت بذلك لشدة بأسها. روي عن أبي عبيدة أن جمرات العرب ثلاث: الحارث بن كعب, وبنو عبسٍ, وبنو نمير. وقال مرة أخرى:
ضبة بن أد, فقيل له: إنك قلت: نمير؛ فقال: ضبة بن أد أشبه من نميرٍ. وقال: طفئت جمرتان وبقيت جمرة. طفئت جمرة بني عبس لحالفتهم بني عامر يوم جبلة, وطفئت جمرة الحارث بن كعب لمحالفتهم بني نهدٍ. وقيل: طفئت جمرة بني نمير, قال: ومن أطفأها؟ قيل: بغا؛ فضحك.
وقوله:
ليلها صبحها من النار والإصــباح ليل من الدخان تمام
ليلها صبحها من النار: يعني أنهم يوقدون النيران بالليل لقرى الضيفان؛ فالليل قد صار كأنه صبح لزوال الظلام. والعرب تفتخر بإيقاد النار, ويخصون بذلك المواضع العالية؛ لأن النار إذا كانت بالموضع المرتفع كان ذلك أشهر لها. قال الأنصاري:
وترفع باليفاع الليل ناريتشب إذا يحس لها خبوت
وقال حاتم:
ولكن بهذاك اليفاع فأوقديبجزلٍ - إذا أوقدت - لا بضرام
وقوله: الإصباح ليل من الدخان تمام يحتمل وجهين:
أحدهما: أنهم يوقدون النار بالنهار؛ إلا أنه يخفى ضوؤها لأن قراهم لا ينقطع في ليل ونهار؛ فدخان النار يستر ضياء الشمس.
والآخر: أنهم يغيرون في النهار ويحاربون فيزول نور النهار لأجل الغبار. وقد جعل أبو الطيب الغبار دخانًا في قوله:
وما كان إلا النار في كل موضعٍيثير غبارًا في مكان دخان
وقوله:
ونفوس إذا انبرت لقتالٍنفدت قبل ينفد الإقدام
زعم أن نفوسهم لا تفرق من الموت, وأنها إذا انبرت لقتال أنفدتها الحرب واإقدامها لم ينفد.
وقوله:
وقلوب موطنات على الروعكأن اقتحامها استسلام
الاقتحام: الدخول على الشيء والتهجم عليه؛ يقال: قحم فلان نفسه في الهلكة. كأن اقتحامها استسلام: يجب أن يكون الاستسلام هاهنا الطلب للسلم, كما يقال: استخرج فلان المال أي طلب خروجه, واستنقذ فلانًا من الأمر إذا طلب استنقاذه. والعامة يقولون: استسلم فلان إذا سلم أمره إلى الله, ولم يجد حيلةً إلى الخلاص, وهذا المعنى لا يحتمله هذا البيت.
وقوله:
قائدو كل شطبةٍ وحصانٍقد براها الإسراج والإلجام
الشطبة: الفرس السبطة العظام القليلة اللحم. قال عبد يغوث الحارث:
ولو شئت نجتني من الموت شطبةترى خلفها الجرد العتاق متاليا
ويقال: غلام شطب إذا وصف بخفة اللحم. قال الراجز:
ترى مع القوم الغلام الشطباإذا أحس وجعًا أو كربا
دنا فما يزداد إلا قربا
ومن هذا المعنى قيل لقطع السنام المستطيلة: شطائب.
وقوله:
يتعثرن بالرؤوس كما مربتاءات نطقه التمتام
يقول: هذه الجياد يتعثرن برؤوس القتلى فمنعهن ذلك من العدو منعًا غير شديد, وإنما هو كتردد التمتام في التاء إذا حاول بها النطق. ونحو قولهم: تمتام قولهم للذي يتردد بالفاء: فأفاء. قال الشاعر:
يقولون فأفاء فلا تنكحنهولست بفأفاءٍ ولا بجبان
وقوله:
طال غشيانك الكرائه حتىقال فيك الذي أقول الحسام
الكرائه: جمع كريهةٍ, وهو ما يكره من لقاء الحروب: فعيلة في معنى مفعولة. وادعى أن الحسام يقول للممدوح كما يقول له الشاعر.
وقوله:
وكفتك الصفائح الناس حتىقد كفتك الصفائح الأقلام
الصفائح: جمع صفيحة, وهي السيف العريض الصفح, وإذا عرض الحجر أو غيره من الحديد فهو صفيحة. قال الشاعر:
إن الذي بين الصفائح والصفافي أرض مرو على الطريق الرائح
وصفحة الوجه: عرضه, والمراد به الخد. يقول: كفتك السيوف أمور الناس وعظمت
هيبتك فأغنتك أقلامك عن سيوفك. واختار الصفائح دون غيرها من أسماء السيوف, نحو: القواضب والبواتر والقواطع؛ لأنه أراد أن يجيء بضد الأقلام إذ كانت لا عرض لها وإنما هي دقاق.
وقوله:
وكفتك التجارب الفكر حتىقد كفاك التجارب الإلهام
يقول: كفاك التجارب أن تفكر لأنك قد عرفت الأشياء, فإذا ورد عليك مشكل لم تحتج أن تفكر فيه؛ لأنك تقيسه على سواه. ثم ارتقت بك الفطنة إلى أن صار الله سبحانه يلهمك فعل الخير, والتحرج من الخطوب.
والإلهام: مأخوذ من قولهم: لهم الإنسان الشيء إذا بلعه, والله جلت عظمته كأنه يلقي التوفيق بصدره.
وقوله:
فارس يشتري برازك للفخــر بقتلٍ معجلٍ لا يلام
يقول: برازك فخر عظيم يفتخر به مبارزك, فالذي يشتريه بالقتل لا يلام فيما صنع؛ لأنه يبني له مجدًا باقيًا, والعرب تفتخر بأنهم يقتلون. قال زهير:
وإن يقتلوا فيشتفى بدمائهموكانوا قديمًا من مناياهم القتل
وقوله:
نائل منك نظرةً ساقه الفقــر عليه لفقره إنعام
يقول: إن الرجل إذا كان فقيرًا فجاء يطلب نائلك فنال نظرةً إليك, فذاك إنعام لفقره عليه.
وقوله:
قد لعمري أقصرت عنك وللوفــد ازدحام وللعطايا ازدحام
خفت إن صرت في يمينك أن يأخذني في هباتك الأقوام
هذا معنى لم يعلم أن أبا الطيب سبق إليه؛ لأنه احتج لتأخره عنه بطلاب الأعطية يزدحمون لديه؛ لأنه خشي أن يؤخذ في الهبات, وهذه مبالغة لم يأت بمثلها سواه.
وقوله:
ومن الرشد لم أزرك على القرب على البعد يعرف الإلمام
هذا الكلام فيه تقديم وتأخير, وهو يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يريد: ولم أزرك من رشدي على القرب؛ أي إني أرشدت إلى تأخير الزياة؛ لأن الزائر على البعد يجب له من الحق ما لا يجب للزائر مع قرب الدار.
والإلمام: زيارة ليست بالدائمة, والمثل السائر: «زر غبا تزدد حبا». والإلمام بالشيء أن يفعل فعلًا غير المتصل. قال الراجز:
إن تغفر اللهم تغفر جماوأي عبدٍ لك لا ألما
وقوله:
ومن الخير بطء سيبك عنيأسرع السحب في المسير الجهام
يقول: بطء سيبك عني خير؛ لأن السحاب إذا كثر ماؤه بطؤ مسيره, وإذا أراق ماءه وصف بسرعة السير. قال النابغة:
وأصبح في مداهن بارداتٍبمنطلق الجنوب مع الجهام
وقوله:
قل فكم من جواهرٍ بنظامٍودها أنها بفيك كلام
ادعى أن الجواهر المنظومة تود أنها كلام في فم الممدوح. وهذا المذهب يستحسن في رأي الشعراء, وقد علم أنه لا يكون؛ لأن الجواهر غير وادةٍ شيئًا من الأشياء.
وقوله:
هابك الليل والنهار فلو تنــهاهما لم تجز بك الأيام
يرحم الله أبا الطيب فقد اجتهد بقيل الباطل ورضي على ذلك بعطاءٍ زهيد؛ ولو أن هذا البيت في صفة الله - عز سلطانه - لجاز أن ينال به رضوان الله.
وقوله:
لم لا تحذر العواقب في غيــر الدنايا أو ما عليك حرام
يقول: أنت لا تحذر العواقب إلا في أمر دني تهاب أن تفعله. وقوله: أو ما عليك حرام؛ فإذا رفع عليك حرام فحرام خبر هو المحذوفة, ولو كانت القافية مخفوضةً لجاز أن يخفض حرام وتجعل «ما» نكرةً, ويكون التقدير: في غير الدنايا أو شيءٍ عليك حرام. وإذا رفع حرام جاز أن تكون «ما» معرفةً ونكرةً.
وقوله:
إن بعضًا من القريض هذاءليس شيئًا وبعضه أحكام
منه ما تجلب البراعة والفضــل ومنه ما يجلب البرسام
القريض: الشعر, أخذ من قرض الشيء؛ أي: قطعه؛ كأن الإنسان يقرضه من فكره أو من كلامه. وقد ميز الأغلب الراجز الرجز من القريض:
أرجزًا تريد أم قريضاأم هكذا بينهما تعريضا
كليهما أجد مستفيضا
وقال قوم: إنما قيل للشعر قريض تشبيهًا بجرة البعير؛ لأنه يخرجها من جوفه, ومن أمثالهم: «حال الجريض دون القريض». ويقال: إن أول من قال ذلك عبيد بن الأبرص
لأن بعض ملوك الحيرة - ويزعمون أنه عمرو بن هند - كان له يومان: يوم بؤسٍ ويوم أنعمٍ؛ فإذا كان يوم بؤسه فلقيه رجل قتله, وإذا كان يوم أنعمه فلقيه رجل أنعم عليه, فلقيه عبيد في يوم بؤسه فقال له أنشدني قولك:
أقفر من أهله ملحوب
فقال عبيد: «حال الجريض دون القريض»؛ يعني الغصص. وقيل: كان لبعض العرب ولد يحب قول الشعر وينهاه أبوه عنه, فمرض ولده وأشرف على الموت, فجاءه أبوه وقال له: إني كنت أنهاك عن الشعر وقد أذنت لك فيه؛ فقال الغلام: «حال الجريض دون القريض».
وقد وصف طرفة حال عمرو بن هند فيما كان يفعل فقال:
ليت لنا مكان المرء عمرورغوثًا حول قبتنا تخور
من الزمرات أسبل قادماهاوضرتها مركنة درور
قسمت الدهر والأيام فيناكذاك الحكم يقصد أو يجور
لنا يوم وللكروان يومتطير البائسات ولا نطير
من كسر تاء البائسات نصبها على الترحم؛ كأنه قال: ارحم البائسات, ونحو ذلك. والبراعة تستعمل في الكلام, وفي الشجاعة, يقال: إن فلانًا بارع. قال الراجز:
أين دريد وهو ذو براعهتعدو به سلهبة سراعه
ويقال: برسام وبلسام وجرسام. وقال امرؤ القيس:
وكأن شاربها أصاب لسانهخبل مخالطه من البرسام
وقافيتها من المتواتر.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع