تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن التي أولها: أراع كذا كل الأنام همام ... وسح

أراع كذا كل الأنام هماموسح له رسل الملوك غمام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الوزن من ثالث الطويل.

والسح أصله في: سح الغيم المطر إذا صبه صبًا كبيرًا. فزعم أن غمامًا قد سح الرسل من عند الملوك الراغبين في صلح الممدوح. وأكثر ما يستعملون السح في الماء والدمع وما جرى مجراهما من المائعات. وقالوا: سح التمر من الجراب إذا صبه صبًا متتابعًا. قال الشاعر:

وربة غارةٍ أوضعت فيه اكسح الهاجري جريم تمر

وقوله:

تنام لديك الرسل أمنًا وغبطةًوأجفان رب الرسل ليس تنام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

الأحسن في «ليس» هاهنا أن تكون في معنى «ما» لتخلو من الضمير؛ لأنه إذا جعلها فعلًا كان الأحسن أن يقول: ليست تنام, وقد تقدم له نحو من هذا.

وقوله:

حذارًا لمعروري الجياد فجاءةًإلى الطعن قبلًا ما لهن لجام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

وصفه بأنه يعروري الجياد؛ أي: يركبها أعراءً. وقد بالغ في مدحه مبالغةً وجب أن ينزهه معها عن اعريراء الجياد إذ كان ذلك لا مفخر فيه لمثله. وقال: ما لهن لجام فوحد في موضع الجمع. وقد وصفت العرب إعجال الحروب إياها عن إلجام الخيل. قال الشاعر:

غداة مررن بآل الرباب تعجل بالركض أن تلجما

وبعضهم يفتخر بإلجام الفرس قبل إسراجه؛ لأنه إذا وضع اللجام في رأسه أمكنه أن يعررويه بغير سرج. وقال بعض الشعراء:

إذا قيل أي فتى تعلمونبصعلوك فهرٍ ومحتاجها
ومن يعجل الخيل يوم الوغىبإلجامها قبل إسراجها
أشارت نساء بني غالبٍإليك به قبل أزوجها

وقوله:

تعطف فيه والأعنى شعرهاوتضرب فيه والسياط كلام

لما ذكر أنه يعروري الجياد ذكر أن الخيل تعطف والأعنى شعرها, وإنما أراد أن يقوله: والأعنة أعرافها فلم يستقم له الوزن. وقوله: وتضرب به والسياط كلام نحو من قوله:

فطرفه يشير إليها من بعيدٍ فتفهم

وقوله:

فإن كنت لا تعطي الذمام طواعةًفعوذ الأعادي بالكريم ذمام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الطواعة في معنى الطواعية. والمصادر يشترك فيها هذان البناءان: الفعالة والفعالية, مثل: الطواعة والطواعية, والطماعة والطماعية, والرفاهة والرفاهية. قال الشاعر:

أما والذي مسحت أر كان بيتهطماعيةً أن يغفر الذنب غافره

يقول: إن كنت لا تعطيهم ذمامك وأنت مقيم؛ فكأنك قد أعطيتهم إياه لأن العوذ بالكريم ذمام.

وقوله:

أذا الحرب قد أتعبتها فاله ساعةًليغمد نصل أو يحل حزام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

أذا الحرب؛ أي: يا ذا الحرب. وذو: كناية عن صاحب الشيء ومالكه, ونحو ذلك؛ يقال: فلان ذو مالٍ وذو جاهٍ. وقوله: فاله ساعةً, وهو من لهيت عن الشيء إذا تركته, وليس من اللهو. ليغمد نصل لأني قد حطمت السيوف وأفنيتها في قتال العدو, وقد طال إتعابك

الخيل وإعمالك إياها في الحروب, فأرحها سعةً لتحل عنها لحزم. والعرب تجعل الحزام وشده كالمثل في الجد؛ فيقولون: شد حزامه لكذا, وحيزمه وحيازيمه. والحزيم: الموضع الذي يحزم. وقيل للضروع: الحيازيم؛ لأن الراكب يحزمها في بعض الأوقات. قال ذو الرمة:

تعتاده زفرات من تذكرهاتكاد ترفض منهن الحيازيم

وأما قول امرئ القيس:

خفض إليك من الوعيد فإننيمما ألاقي لا أشد حزامي

أي: إني لا أحفل بمن يوعدني إذ كنت كثير اللقاء للأعداء؛ فهذا وجه. ويحتمل وجهًا آخر, وهو أن يريد أن حزامه أبدًا مشدود فهو لا يشده لأنه لا يزال متأهبًا للحرب.

وقوله:

فإن طال أعمار الرماح بهدنةٍفإن الذي يعمرن عندك عام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

يقول: إن طالت أعمار الرماح عندك لهدنةٍ تقع بينك وبين العدو - والهدنة من الهدون, وهو السكون - فإن الذي تعمر الأرماح عام لا غير؛ لأنك لا ترى المهادنة أكثر من السنة الواحدة. وجعل للرماح أعمارًا وهي المدة التي تسلم فيها من الحطم والانكسار.

وقوله:

متى عاود الجالون عاودت أرضهموفيها رقاب للسيوف وهام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أراع كذا كل الملوك همام»

يقال: جلا القوم عن منازلهم, جلا إذا خرجوا. وقال قوم: جلوا إذا خرجوا وهم كارهون, وجلوا إذا خرجوا منها وهم مختارون. يقول: إذا عاود الجالون بلادهم عاودتها, وقد نشأت فيها رقاب وهام؛ لأنهم جلو بأطفالٍ وعاودوا والطفل قد ارتفع عن الطفولية, وقد بين الشعر الغرض بقوله:

وربوا لك الأطفال حتى تصيبهاوقد كعبت بنت وشب غلام

يقال: كعبت الجارية تكعب إذا ظهر ثديها, وكان مثل الكعب, والجارية كاعب وكعاب, ويقال: كعبت فهي مكعب؛ أي: كانوا أطفالًا ليس فهم ما خدم؛ فجئتهم وقد صلحوا للخدمة. وقافيتها من المتواتر.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.