تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن التي أولها: عقبى اليمين على عقبى الوغا ندم ...

عقبى اليمين على عقبى الوغا ندمماذا يزيدك في إقدامك القسم

الوزن من أول البسيط.

المثل القديم: اليمين حنث أو مندمة, وكأن مراد الشاعر أن عقبى يمين الحانث على عقبى الوغا - أي ما تعقبه الحرب - ندم؛ لأنه لا يدري ما يكون. فكأنه يشير بترك الحلف لأن فعل الإنسان ما يريد لا يفتقر إلى يمينٍ؛ فإذا حلف أنه يفعل فإنه لا يعلم بأي شيء يجري القضاء.

وقوله:

وفي اليمين على ما أنت واعدهما دل أنك في الميعاد متهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

إذا كان الرجل عند صاحبه في صورة صادق فقال له: لأفعلن كذا؛ فقد غني عن اليمين؛ وإنما يحتاج إلى الحلف إذا ظن المحلوف له أنه غير صادقٍ فيما زعم.

وقوله:

آلى الفتى ابن شمشقيقٍ فأحثنهفتى من الضرب ينسى عنده الكلم

قوله: الفتى في صفة ابن شمشقيق كأنه هزؤ؛ أي: إنه ليس كذلك, وإنما جاء بذكره في أول البيت لأنه ذكر فتى في آخره, وهو يريد الممدوح أيضًا؛ فقد يقول القائل إذا ذكر عنده البخيل: ذلك الرجل الكريم, والسامع يعلم أنه يريد غير ذلك. يقول: آلى ابن شمشقيق فأحنثه فتى ينسى عنده الكلم من الضرب بالسيوف. والهاء في «عنده» راجعة على فتى الذي هو في آخر البيت.

وقوله:

وفاعل ما اشتهى يغنيه عن حلفٍعلى الفعال حضور الفعل والكرم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وفاعل: نسق على فتى ينسى عنده الكلم, وفاعل ما اشتهى من الأمور, والوصفان للمدوح كما يقال: جاءني رجل حر ثقة وصادق. والمعنى بذلك واحد؛ أي هذا الرجل قد جمع هذه الأوصاف. وقوله: يغنيه عن حلفٍ: الهاء راجعة إلى فاعل؛ أي يغنيه أن يحلف؛ لأن الإنسان إنما يقسم على الشيء قبل أن يفعله, مثل أن يقول: والله لأقومن؛ اليمين وقعت قبل القيام.

وقوله:

كل السيوف إذا طال الضراب بهايمسها غير سيف الدولة السأم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

ادعى أن السيوف تسأم إذا طالت المضاربة بها, وإنما يريد أنها تثلم وتحطم؛ فلو أنها تسأم لشكت ذلك, والشعراء يقدمون على ادعاء الأشياء المستحيلة, وهذا نحو قوله:

فقد مل ضوء الصبح مما تغيرهومل سواد الليل مما تزاحمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

وإنما أراد أنها تكثر الغارة في الصبح والسرى في الليل إكثارًا يمل مثله من يحس, وأما الصبح والظلام فما يشعران بما يكون فيهما من أفعال الآدميين.

وقوله:

لو كلت الخيل حتى ما تحملهتحملته إلى أعدائه الهمم

يقول: لو أن الخيل كلت حتى لم تستطع حمله إلى الأعداء لحملته إليهم الهمم, ولسي هذا المعنى مستحيلًا استحالة غيره؛ لأن كثيرًا من الناس يقصد عدوه وليس بالراكب, وقد كانت جماعة من العرب تغير على أرجلها كالشنفرى وتأبط شرًا والسليك بن السلكة.

وقوله:

أين البطاريق والحلف الذي حلفوابمفرق الملك والزعم الذي زعموا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: أين البطاريق وأيمانهم التي حلفوها بمفرق ملكهم؛ فلم يفوا بشيء منها؟ وهذه الأبيات شرح للبيت الأول.

وقوله:

ولى صوارمه إكذاب قولهمفهن ألسنة أفواهها القمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

في ولى ضمير يرجع إلى الممدوح, وجعل السيوف كالألسنة نطقت بإكذاب الأيمان, وجعل القمم لها أفواهما. والقمة: أعلى الرأس. والمعنى: أن السيوف لما وقعت في الرؤوس كانت كالألسنة نطقت بإكذاب الحالفين.

وقوله:

الراجع الخيل محفاة مقودةمن كل مثل وبار أهلها إرم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الراجع الخيل: يعني به الممدوح؛ قد أحفاها السير فهي تقود ليزول عنها ذلك. و «وبار»: موضع كان مسكونًا ثم خلا من أهله, والعرب تضرب به المثل في البعد. وإرم هو: أبو عاد بن إرم سام بن نوح. والمثل يضرب بإرم في الفناء. قال الراجز:

من يلقني يود كما أودت إرم

أي: خيل هذا الممدوح ترجع عن البلد الذي غزاه وهو مثل وابر خالٍ وأهله مثل إرم هالكون. وقال الأعشى:

إن لقيمًا وإن قيلًاوإن لقمان حيث ساروا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألم تروا إرما وعادا»
لم يتركوا بعدهم عريبًافحدثت إثرهم نزار
ومر دهر على وبارفهلكت جهرة وبار

وقوله:

كتل بطريقٍ المغرور ساكنهابأن دارك قنسرون والأجم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

شبه البلد الذي يغزوه بوبار, وأهله بإرم, ثم ذكر الموضع المغزو؛ وإنما هو موضع مثل به غيره. والهاء في ساكنها راجعة إلى تل بطريق, وأنثها على معنى البلدة والمدينة, ولو ذكر الضمير جاز. وقنسرون قد وافقت من العربية قوله: رجل قنسري أي مسن كبير.

قال الراجز:

أطربًا وأنت قنسريوالدهر بالإنسان دواري
للشاعر العجاج، من قصيدة «بكيت والمحتزن البكي»

ويجوز أن يكون قنسرون في الرفع بواوٍ وفي النصب والخفض بياءٍ, ويجوز أن تقر الياء على حالها في الوجوه الثلاثة وتضم النون في حال الرفع, وتفتح في حال

النصب والخفض. والأجم: شجر ملتف تكون فيه الأسد.

وقوله:

وظنهم أنك المصباح في حلبٍإذا قصدت سواها عادها الظلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: ظنت الأعداء أنك مثل المصباح في حلب ومتى فارقتها أظلمت بلادها. ولم يكن الأمر كما ظنوه, ولست كالمصباح الذي يضيء موضعًا واحدًا, وإنما أنت كالشمس تعم كل بلدٍ بالضياء. وقد بين الغرض بقوله:

والشمس يعنون إلا أنهم جهلواوالموت يدعون إلا أنهم وهموا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

وقوله:

فلم تتم سروج فتح ناظرهاإلا وجيشك في جفنيه مزدحم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

استعار لسروج ناظرًا وجعل له جفنين؛ وإنما يصف الممدوح بأنه أنجدهم إنجاذًا سريعًا؛ فكأن سروج لم تفتح ناظرها إلا وجيشك مزدحم في جفنيه.

وقوله:

والنقع يأخذ حرانًا وبقعتهاوالشمس تسفر أحيانًا وتلتثم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقال: بقعة وبقعة وهي الموضع الواسع من الأرض. ويقال: ذهب فلان فما يدرى أين بقع؛ أي في أي بقعة من الأرض وقع. ويقال: سفرت المرأة خمارها إذا أزالته عن وجهها, واستعار ذلك للشمس, وجعل الغبار كاللثام. قال توبة بن الحمير:

وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعتفقد رابني منها الغداة سفورها
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «نأتك بليلى دارها لا تزورها»

وقوله:

سحب تمر بحصن الران ممسكةوما بها البخل لولا أنها نقم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

شبه خيله وغبارها بالسحب فهي تمر بحصن الران ممسكة, وليس إمساكها من بخل, ولكنها نقم؛ فهي لا تمطر إلا في أرض العدو.

وقوله:

جيش كأنك في أرضٍ تطاولهفالأرض لا أمم والجيش لا أمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: كأنك في أرض تطاوله وهي واسعة جدًا, وعدد الجيش كثير فكلاهما غير أمم. والأمم: الشيء بين الشيئين, يقال: دار بني فلان أمم؛ أي: بين القريب والبعيد. قال الشاعر:

أطرقته أسماء أم حلماأم لم تكن من رحالنا أمما

وقوله:

إذا مضى علم منها بدا علموإن مضى علم منه بدا علم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

العلم من الأرض مثل الجبل, والعلم: علم الجيش معروف, وكلاهما من العلامة لأنه مؤد إلى العلم بالشيء. ولو قال: وإن بدا عالم منه بدا علم لكان أحسن في حكم الشعر, ولعل أبا الطيب كذلك قال لأن تكرير العلم في البيت كثير, وقوله في صفة الجيش: وإن بدا عالم يقلل تردد العلم, ويدل على كثرة الجيش.

وقوله:

وشزبٍ أحمت الشعرى شكائمهاووسمتها على آنافها الحكم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

الشعرى: نجم يطلع في شدة الحر, وتنسب العرب إليها ذلك؛ فيقولون: يوم من أيام الشعرى. قال الشنفرى:

ويومٍ من الشعرى يذوب لعابهأفاعيه في رمضائه تتململ
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «أقيموا بني أمي صدورَ مطيَّكمْ»

وقوله: يذوب لعابه كقول الراجز:

وذاب للشمس لعاب فنزلوقام ميزان النهار فاعتدل

وهما شعريان: الشعرى العبور, وهي أضوأهما, والشعرى الغميصاء, وهي أقل منها صوءًا, ويقال: غميضاء بالضاد.

ومن أحاديث الأعراب أن الشعريين أختا سهيل. الشعرى العبور قد عبرت المجرة فهي تراه, وقد استعبرت من البكاء. والغميصاء لم تعبر المجرة فقد أغمصها بكاؤها؛ أي: جعل فيها غمصًا, وهو مثل الرمص. وإذا شبهت المرأة بالشعرى فإنما تعنى بها الشعرى العبور لأنها ذات الضياء والنور. قال الشاعر:

ألا قالت بهيشة ما لنفرٍأراه غيرت منه الدهور
وأنت كذاك قد غيرت بعديوكنت كأنك الشعرى العبور

والشكائم: جمع شكيمة, وهي حديدة اللجام. ويقال: فلان ذو شكيمة؛ أي: ذو شدةٍ. قال عمرو بن شأسٍ الأسدي:

وإن عرارًا إن يكن ذا شكيمةٍتقاسينها منه فلا أملك الشيم
للشاعر عمرو بن شأس الأسدي، اقرأ القصيدة

والحكم: جمع حكمةٍ, وهو ما يكون على أنف الفرس. يقول: قد جعلت الحكم في آنافها وسومًا.

وقوله:

حتى وردن بسمنينٍ بحيرتهاتنش بالماء في أشداقها اللجم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يريد أن لجمها قد حميت فصارت كالجمر؛ فإذا أصابها الماء سمع لها نشيش؛ وهذا كما قال لبيد يصف ما صبه في حوض:

فهرقنا لهما في داثرٍلضواحيه نشيش بالبلل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

وقوله:

وأصبحت بقرى هنزيط جائلةًترعى الظبى في خضيبٍ نبته اللمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

في ترعى ضمير يعود إلى الخيل, ويعني بالخصيب: الشعر.

وقوله:

فما تركن بها خلدًا له بصرتحت التراب ولا بازًا له قدم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: ما تركن بهذه الناحية خلدًا - أي رجلًا - قد دخل في مغازة, كما يدخل الخلد في الأرض؛ إلا أن هذا الخلد يبصر وهو يشابه الخلد في اختفائه, ويخالفه في نظره. ولا بازًا له قدم؛ أي ولا بازًا - يعني رجلًا مثل الباز - يكون في أعالي الجبال؛ إلا أنه له قدم مثل أقدام الناس. يقول: يهرب فيقف حيث يقف البازي, إلا أنه ذو قدمٍ. وفي الباز لغة قد مضى ذكرها.

وقوله:

ولا هزبرًا له من درعه لبدولا مهاةً لها من شبهها حشم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يعني بالهزبر: رجلًا مثل الأسد, ودرعه كاللبد عليه. واللبد: الشعر الذي يكون على كتفي الأسد. ويعني بالمهاة: امرأة جميلة شبهها بالبقرة الوحشية, وهي المهاة. وقد أكثرت الشعراء من ذلك. قال زهير:

تنازعت المها شبهًا ودر الــبحور وشاكلت فيها الظباء
فأما ما فويق الجيد منهافمن أدماء مرتعفها الخلاء
وأما المقلتان فمن مهاةٍوللدر الملاحة والصفاء
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»

والمهاة التي ذكرها هي بنت رئيس, فلها حشم من جنسها. وحشم الإنسان, أصله: الذين يغضب لهم إذا لحقهم ضيم, ثم سمي الخدم حشمًا. ويقال: حشمت الرجل

واحتشمته إذا أغضبته. قال الشاعر:

لعمرك إن قرص أبى خبيبٍبطيء النضج محشوم الأكيل

وكان الأصمعي ينكر قول الناس: فلان يحتشم؛ أي يستحي, وغيره من العلماء يجيز ذلك.

وقوله:

ترمي على شفرات الباترات بهممكامن الأرض والغيظان والأكم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

شفرات: جمع شفرةٍ, وهي حد السيف. وشفير كل شيء آخره, ومنه شفر العين. ويقولون: لإلان على شفير أمر؛ أي: في آخره قد أشرف على غيره. ومنه قوله: شفر العطية إذا أقلها. وادعى الشاعر أن هؤلاء القوم المغرورين ترميهم على شفرات السيوف المكامن - وهي جمع مكمنٍ؛ أي الموضع الذي يستتر فيه الإنسان - وكذلك تفعل بهم الغيطان والأكم.

[و] لما كانت هذه المواضع لا تمنعهم زعم أنها كالرامية لهم إلى السيوف.

وقوله:

وجاوزوا أرسناسًا معصمين بهوكيف يعصمهم ما ليس بنعصم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

أرسناس: اسم نهر, أو موضع فيه نهر, والمعصم بالشيء: المتمسك به. قال طفيل الغنوي:

إذا ما غدا لم يسقط الرعب رمحهولم يشهد الهيجا بألون معصم

يقول: أرادوا أن يعتصموا بأرسناس وهو لا يعصم نفسه فكيف يعصم سواه؟ !.

وقوله:

تجعفل الموج عن لبات خيلهمكما تجفل تحت الغارة النعم

كان سيف الدولة قد عبر إلى الروم ماءً على الخيل سبحت بالفرسان فيه؛ فأراد أن الموج يتجفل عن لبات الخيل؛ فكأنه النعم إذا أغير عليه فجعل يتجفل.

وقوله:

عبرت تقدمهم فيه وفي بلدٍسكانه رمم مسكونها حمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يعني أن هذا البلد قد قتلت أهله فعظامهم رمم؛ أي بالية. وواحد الرمم: رمة. وقد أحرقت ديارهم فهذه الرمم في مثل الحمم وهو الفحم. قال طرفة:

أشجاك الربع أم قدمهأم رماد دارس حممه
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «أشجاك الربع أم قدمه»

وقوله:

وفي أكفهم النار التي عبدتقبل المجوس إلى ذا اليوم تضطرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يعني بالنار: السيوف؛ لأنها معروفة قبل أن تعبد المجوس النار, وجعلها معبودةً لأنها تهاب ويغلب بها على الممالك, فيذل بها الأعزاء, فكأنها أرباب معبودة؛ وإنما يعني أصحاب السيوف فجعل الخبر عنها, وذلك كثير يسمون الشيء باسم ما قاربه ويصفونه بصفته.

وقوله:

قاسمتها تل بطريقٍ فكان لهاأبطالها ولك الأطفال والحرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

قاسمتها؛ يعني السيوف, فكان لها أبطالها؛ أي قتلهم بها, فكأنها قاسمتك تل بطريقٍ, فكان لها الأبطال, ولك الحرم والأطفال لأنك سبيتهم.

وقوله:

تلقى بهم زبد التيار مقربةًعلى جحافلها من نضحه رثم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

التيار: الموج, وزبده من زبد الماء, والمقربة: الخيل التي جرت عادتها بأن تقرب عند البيوت, وقد مضى ذكرها. والرثم: بياض جحفلة الفرس السفلى, وقد استعمل ذلك في الظباء. قال عنترة:

وكأنما التفتت بجيد جدايةٍرشأٍ من الغزلان حر أرثم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

وقوله:

دهم فوارسها ركاب أبطنهامكدودة وبقومٍ لا بها الألم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ابتدأ الشاعر بصفة خيلٍ من الخيل المعروفة, ولم يزل مستمرًا على ذلك إلى قوله: دهم فوارسها, ثم دل ذلك على أنه يريد السفن لأنه وصفها بالدهم؛ يعني أنها مطلية بقارٍ, وجعل فوارسها ركاب أبطنها فدل ذلك على أنه يريد السفن لا غير؛ لأن فرسان الخيل إنما يركبون ظهورها, وزعم أنها مكدودة, وهي لا تحس بذلك كما تحس الخيل.

وقوله: وبقومٍ لا بها الألم؛ أي إنما يألم الذين يمارسونها حتى تسير في الماء, وقد يجوز أن يكون في هذه الغزاة سبحت به الخيل في الماء, وأن يكون ركب السفن؛ وذلك في غزاةٍ واحدةٍ.

وقوله:

من الجياد التي كدت العدو بهاوما لها خلق منها ولا شيم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يعني: السفن جعلها جيادًا؛ لأنهم ركبوها كما يركبون الخيل, ثم ذكر أنها ليس لها شبه من الخيل في الخلق ولا الشيم. والشيم: جمع شيمةٍ, وهو ماي ظهر من خلق الإنسان, مأخوذة من قولك: شمت السيف إذا سللته.

وقوله:

نتاج رأيك في وقتٍ على عجلٍكلفظ حرفٍ وعاه سامع فهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

استعار النتاج للرأي؛ وإنما هو للحوامل كالناقة والفرس وغيرهما. يقول: إذا افتقر إلى رأيك جاء موفقًا مصيبًا مع عجلةٍ كلفظ الحرف الذي يعيه سامع فهم, فإذا سئل عنه أجاب من غير تلبثٍ.

وقوله:

وقد تمنوا غداة الدرب في لجبٍأن يبصروك فلما أبصروك عموا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: تمنوا لقاءك وقالوا: إن نظرنا إليه بلغنا منه ما نريد وحلفوا على ذلك بمفرق ملكهم, فلما أبصروك عجزوا عنك؛ فكأنهم عموا عن قصدك. وفي هذا المعنى شبه من قول جميل:

فليت رجالًا فيك قد نذروا دميوهموا بقتلي, يابثين, لقوني
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة
إذا ما رأوني طالعًا من ثنيةٍيقولون من هذا وقد عرفوني
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة

وقوله:

صدمتهم بخميسٍ أنت غرتهوسمهريته في وجهه غمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

جعل الجيش كالفرس وجعل الممدوح له غرةً. والسمهرية - أي: الرماح - غممًا في وجهه. والغمم: شعر يغشى الوجه ومؤخر العنق. وبيت هدبة معروف:

فلا تنكحي إن فرق الدهر بينناأغم القفا والوجه ليس بأنزعا

وكأنه من قول الأول في صفة الجيش:

فلو أنا شهدناكم نصرنابذي لجبٍ أزب من العوالي
للشاعر حجر بن خالد الثعلبي، اقرأ القصيدة

وقوله:

والأعوجية ملء الطرق خلفهموالمشرفية ملء اليوم فوقهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

تقدير الكلام نصب ملء الطرق بإضمار فعلٍ كأنه قال: والأعوجية تردي, أو تركض في حال ملئها للطرق, والإضافة في ملء الطرق على نية الانفصال, كأنه قال: ملئًا للطرق؛ أي مالئةً, ونصب ملء اليوم على نحوٍ من هذا النصب.

وقوله:

إذا توافقت الضربات صاعدةًتوافقت قلل في الجو تصطدم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

أراد الضربات فسكن الراء ضرورةً. يقول: إذا توافقت الضربات في حال الصعود قطعت الرؤوس فاصطدمت في الجو.

وقوله:

وأسلم ابن شمشقيقٍ أليتهألا انثنى فهو ينأى وهي تبتسم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: أسلم المولي أليته؛ أي الحالف يمينه فهو ينأى بالهرب, وهي تبتسم؛ أي تهزأ به وتضحك.

وقوله:

لا يأمل النفس الأقصى لمهجتهفيسرق النفس الأدنى ويغتنم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: قد أيقن بالموت فهو لا يأمل النفس الأقصى, فقد جعل يغتنم الأنفاس ويكررها.

وقوله:

ترد عنه قنا الفرسان سابغةصوب الأسنة في أثنائها ديم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: طعنا بالرماح طعنًا متتابعًا كتتابع المطر في الديم, إلا أن الدرع ردت عنه. ووصف الدرع بقوله:

تخط فيها العوالي ليس تنفذهاكأن كل سنانٍ فوقها قلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

هذه مبالغة في صفة الدرع؛ لأنه جعل الأسنة إذا مرت بها فكأنها أقلام لا تؤثر فيها أثرًا.

وقوله:

ألهى الممالك عن فخرٍ قفلت بهشرب المدامة والأوتار والنغم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»
مقلدًا فوق شكر الله ذا شطبٍلا تستدام بأمضى منهما النعم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: ألهى الممالك - أي أصحابها - عن نصرٍ قفلت به من غزوك اشتغالهم بالخمر وسماع الغناء, وهذا كقوله في الأخرى:

ليس من عنده تدار المنايامثل من عنده تدار الشمول

والنغم من قوله: ما نغم بكلمةٍ؛ أي ما تكلم بها, ثم سمي الغناء نغمًا؛ وإنما يراد ما حسن من الأصوات. ونصب مقلدًا على الحال, وصيره متقلدًا لشكر الله تحت تقلده بالسيف. والشطب والشطب: طرائق في السيف.

وقوله: لا تستدام بأمضى منهما النعم: شرح في هذا النصف مراده في النصف الأول, ولا يمكن أن يكون النصف الثاني صفةً لشكر الله وللشطب لأنهما مختلفان في الإعراب.

وقوله:

ألقت إليك دماء الروم طاعتهافلو دعوت بلا ضرب أجاب دم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»
يسابق القتل فيهم كل حادثةٍفما يصيبهم موت ولا هرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

يقول: أطاعتك دماء الروم فلو دعوتها بغير السيوف لأجابتك؛ أي: لو قلت لها: هلمي أو انسفكي لفعلت ما تأمرها به من غير أن تسل سيفًا؛ فادعى أن القتل يسابق فيهم الحوادث, فما يمهل الشاب إلى الهرم, ولا يسمح للميت أن يموت بغير السيف.

وقوله:

نفت رقاد علي عن محاجرهانفس يفرح نفسًا غيرها الحلم

المحاجر: جمع محجرٍ وهو ما حول العين. فأما المحجر فهو ما يحجر من الأفعال. قال حميد بن ثور:

وهممت أن أخطو إليها محجرًاولمثلها يخطى إليه المحجر

يقول: نفس هذا الممدوح عظيمة فلا تقتنع إلا بعظام المكارم, ونفس غيره دنية فهي تفرح بما تراه في الحلم وإن علمت أنه ليس بحق. ويحتمل معنى آخر وهو أن عليًا تنفي رقاده نفس شريفة, ونفس غيره ترضى بالنوم لأنه هدوء وراحة؛ وهذا أبلغ من المعنى الأول.

وقوله:

القائم الملك الهادي الذي شهدتقيامه وهداه العرب والعجم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

أصل القيام أن يكون ضد القعود, ثم قالوا: قام الملك إذا صارت المملكة إليه, كما قال القائل:

إذا مات منا سيد قام سيدقؤول لما قال الكرام فعول
للشاعر إبراهيم المنذر، اقرأ القصيدة

وقوله:

ابن المعفر في نجدٍ فهوارسهابسيفه وله كوفان والحرم

كان أبو الهيجاء والد سيف الدولة قد ولي الكوفة وحج بالناس وجرت له خطوب مع القرامطة. يقول: عفر في نجدٍ فوارسها؛ أي ألقاهم في العفر. وقد ذكر أبو الطيب هذا في قوله لسيف الدولة لما أوقع ببني كلاب:

بنو قتلى أبيك بأرض نجدٍومن أبقى وأبقته الحراب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

وقافيتها من المتراكب.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.