تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن التي أولها: أحق عافٍ بدمعك الهمم ... أحدث شيء

أحق عافٍ بدمعك الهممأحدث شيء عهدًا بها القدم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

الوزن من المنسرح. وعافٍ في البيت من قولهم: عفا الربع إذا اندرس, وكذلك عفا غيره. يقول: أحق عافٍ أن تبكي عليه همم الكرام؛ لأنها عفت كما تعفو الربوع؛ فهي أحق بدمعك من كل العافيات. وجعل القدم أحدث الأشياء عهدًا بالهمم؛ أي إن دروسها قديم؛ فلا همم في الأرض, وقد شرح ذلك فيما بعد هذا البيت فقال:

وإنما الناس بالملوك وماتفلح عرب ملوكها عجم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

أصل الفلاح: البقاء, ثم صار الناس يستعملونه في كل خيرٍ فيجعلون سعة الرزق فلاحًا, وكذلك قضاء الحاجة, وإذا رام الرجل أمرًا ولم يبلغه قالوا: ما أفلح. ومراد الشاعر: أن ملوك القوم ينبغي أن يكونوا مثلهم ومن خيارهم, وعلى ذلك مضى أكثر اللموك. وإنما كثر في الإسلام أن تكون الملوك من غير العرب فأنكر ذلك القائل هذا البيت.

وقوله:

بكل أرضٍ وطئتها أممترعى بعبدٍ كأنها غنم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يريد أن ملوك بني العباس وغيرهم صاروا يولون المدائن عبيدهم؛ فيكونون رومًا وتركًا وغير ذلك, ويتفق أن يكون المولى أعجمي اللسان, وكانت الولاة في صدر الإسلام إنما تولي العرب. وقوله: لإي كل أرض وطئتها أمم واليهم عبد, فكأنهم غنم مرعية, وعادتهم أن يرعوا الإبل والغم. وقد بين الشاعر هذا الغرض في غير هذا الموضع فقال:

سادات كل أناسٍ من سراتهموسادة المسلمين الأعبد القزم

وقوله:

يستخشن الخز حين يلمسهوكان يبرى بظفره القلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

يقول: هذا العبد كان شقيًا يمارس شدةً من العيش؛ ثم تنعم؛ فصار إذا لمس الخز زعم أنه خشن, وكان من قبل ولايته يطول أظفاره حتى يصح أن تبرى بها الأقلام. وهذه دعوى

مستحيلة ما بري بظفر ابن آدم قلم قط, ولكنها مبالغة يستحسنها أصحاب النظم؛ أي صارت أظفاره كالمدي في الحدة. وجاء في الحديث النهي عن التذكية بالظفر, ولم يرد بها ظفر الإنسان, وإنما أراد النهي عن إراقمة دم الذبيح بمخلب أسد ونحوه, لأن مخالب الأسد تسمى أظفارًا. قال زهير:

لدى أسدٍ شاكي السلاح مقذفٍله لبد أظفاره لم تقلم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

وقوله:

يهابه أبسأ الرجال بهوتتقي حد سيفه البهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

وصف الشاعر نفسه وزعم أنه رجل مشهور كالعلم, وأنه يطأ بقدمه هامات التاس, ثم قال: يهابه. والهاء في: يهابه راجعة على اسمٍ يعني به الشاعر نفسه, وهو قوله: امرؤ علم. وأبسأ الرجال به؛ أي آنسهم, يقال: بسئت بالرجل وبسأت؛ أي أنست. قال الشاعر يصف كثرة عقره للإبل:

فقد بسأت بالحاجلات إفالهاوسيف كريمٍ لا يزال يصوعها

أي: يفرقهاز

وقوله:

كفاني الذم أنني رجلأكرم مالٍ ملكته الكرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

جعل الكرم مالًا, وهذا كقولك: لا مال لفلان إلا المكارم؛ أي إنه قد أقامها مقام المال. ومثل هذا كثير في كلامهم, وهو من جنس قولهم: تحيته الضرب وعتابه السيف.

وقوله:

يجني الغنى للئام لو عقلواما ليس يجني عليهم العدم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

يقول: اللئيم إذا لم يكن له مال لم يلمه أحد, فإذا غني وكثر ماله علقت به اللائمة؛ لأن الناس يرومون منه أن يجود, فقد جنى عليه اليسار جنايةً لم يجنها الإعدام.

وقوله:

هم لأموالهم ولسن لهموالعار يبقى والجرح يلتئم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

يقول: اللئام لأموالهم إذ كانوا يخدمونها ويثمرونها فكأنهم عبيد لها, وكأن الأموال لسن لهم إذ كانت توفر فتصير إلى سواهم فربما أصابها الحادث وهم أحياء. وأحسن أحوالهم أن تصير أموالهم إلى الورثة, ومن الكلام المشهور: بشر مال اللئيم بحادثٍ أو وارثٍ, وربما سر الوارث بموت الموروث؛ كما قال الشاعر في صفة الميت الذي يرث ماله من يسر به:

يبكي الغريب عليه ليس يعرفهوذو قرابته في الدار مسرور
للشاعر عبد المسيح بن بقيلة الغساني، اقرأ القصيدة

وقوله:

من طلب المجد فليكن كعليــي يهب الألف وهو يبتسم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

بعض أهل العلم يكره أن يتم نصف البيت والكلمة لم تتم؛ وليس ذلك بمكروه ولاسيما

في الأوزان الخفاف كقول لبيد:

وهاجها منطق الدجاج مع الصــبح وصوت الناقوس إذ ضربا

وقوله:

ويطعن الخيل كل نافذةٍليس لها من وحائها ألم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

لم توصف الطعنة قط بوحاءٍ أسرع من هذا الوصف؛ لأنه زعم أن الطعين لا يحس بألم الطعنة لأنها تقتله من قبل أن يصل إليه الألم. وقد قال الأول في صفة السيف:

ترى ضرباته أبدًا خظاياإلى أن يستبين له قتل

وهذه صفة لا يكون أشد منها في المبالغة.

وقوله:

ويعرف الأمر قبل موقعهفما له بعد فعله ندم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

إذا حمل هذا البيت على صفة الظن فهو كقول أوس بن حجر:

الألمعي الذي يظن لك الظنــن كأن قد رأى وقد سمعا

يقول: هذا الممدوح لا يندم لأنه لا يفرط في الأمور, وإنما يندم من ضيع حزمه في وقت المنفعة به, وقد أقرت الشعراء بالعجز عن إدراك المعرفة والندم على ما يفوت. قال الشاعر:

لو أن صدور الأمر يبدون للفتىكأعقابه لم تلفه يتندم

وقال آخر:

تبين أعقاب الأمور إذا أتتوتقبل أشباهًا عليك صدورها

وقد شرح هذا الغرض من قال:

إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدًاندمت على التفريط في زمن البذر
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «صبرت وكان الصبر مني سجية»

وقوله:

يرعيك سمعًا فيه استماع إلى الداع وفيه عن الخنا صمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

في النخسة حذف اياء من الداعي, وحذفها لا يحتاج إليه؛ إنما تحذف إذا كان ثباتها إخلالًا بالوزن كقول الأعشى:

وأخو الغوان متى يشأ يصرمنهويصرن أعداءً بعيد وداد

وكقول الآخر:

فطرت بمنصلي في يعملاتٍدوامي الأيد يخبطن السريحا
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة « كلانا يسوده قومه»

أراد: الأيدي.

وقوله: يرعيك سمعًا: يجعل سمعه راعيًا لك, وأراد بالداعي من يدعوه إلىنصرٍ أو فعل مكرمةٍ من عطاء ونحوه؛ أي هو يسمع دعوات من يدعوه إلى الفعل الأجمل. وإذا قبلت الكلمة المخنية فكأنه أصم. والخنا ما يكره من الكلام, وقد جعل لبيد شدائد الدهر خنى, فقال:

قال هجدنا فقد طال السرىوقدرنا إن خنا الدهر غفل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

وفي هذا البيت زيادة ساكن ينكره الطبع وموقعه التنوين من قوله: استماع, وهو عند الخليل أصل, وعند سعيد بن مسعدة فرع, وقد مر مثله.

وقوله:

يريك من خلقه غرائبهفي مجده كيف تخلق النسم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

يقول: هذا الممدوح من ابتداعه غرائب المكارم, وأنه يريك في نفسه ما يدلك على قدرة الله تعالى, وأنه يخلق النسم بمشيئة الله. والنسم: جمع نسمةٍ, وهي النفس؛ وإنما قيل لها: نسمة لأن النفس يتصل خروجه منها, وهو مشبه بالنسيم؛ أي ما ضعف من الرياح. وقد سموا مجرى النفس: مطرد النسيم. قال الشاعر في صفة الفرس:

وكأن مطرد النسم إذا جرىيوم الرهان خليتا زنبور

وقوله:

ملت إلى من يكاد بينكماإن كنتما السائلين ينقسم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

قد أغرب الشاعر في تصييره المسؤول ينقسم بين السائلين؛ على أنه مأخوذ من قول الآخر:

ولو لم يكن في كفه غير نفسهلجاد بها فليتق الله سائله
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

إلا أن قسمة النفس بين السائلين أشد تعذرًا من دفعها إلى الواحد؛ لأن القسمة لها حظ من الزمن, وتركها أروح لمن يقسم.

وقوله:

بنو العفرنى محطة الأسد الأسد ولكن رماحها الأجم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

العفرنى: الليث, والنون والألف فيه زائدتان, وإنما قيل له: العفرنى لأنه يعفر الفريسة؛ أي يلقيها في العفر وهو التراب. لإترك الشاعر ذكر الممدوح وخرج إلى مدح بني أبيه وقومه. ومحطة: اسم رجل ينسب إليه بنو الفصيص الذين مدحهم أبو الطيب, منهم: علي بن إبراهيم, والحسين بن إسحاق. والأسد وصف لمحطة. والأسد خبر لقوله: بنو. يقول: بنو محطةٍ أسد ولكن أجمها الذي تأوي إليه هو الرماح. وقد سبقت الشعراء إلى هذا الغرض فقال حبيب بن أوس:

أسد العرين إذا ما الروع صبحهاأو صبحته ولكن غابها الأسل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «فَحْواكَ عَيْنٌ على نَجْوَاكَ يامَذِلُ»

وقال الوليد بن عبيد:

جيش إذا ركز القنا في عرضهأيقنت أن الغاب غاب أسود

وقوله:

قوم بلوغ الغلام عندهمطعن نحور الكماة لا الحلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

يقول: هؤلاء القوم إذا طعن الغلام منهم نحور الكماة فقد بلغ مبالغ الرجال, وليس البلوغ عندهم إدراك الحلم؛ وإنما هو الطعن.

وقوله:

كأنما يولد الندى معهملا صغر عاذر ولا هرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

يقول: كأن الندى توأم لكل مولود من هؤلاء القوم, فهم أجواد في أوائل الأعمار وأواخرها, لا يعذرهم الصغر في ترك الجود, وكذلك لا يمنعهم الهرم من الإعطاء, وكأن هذا مأخوذ من قول الآخر:

فأنت الندى وابن الندى وأخو الندىحليف الندى ما للندى عنك مذهب

فقوله: أخو الندى مثل قول الشاعر:

كأنما يولد الندى معهم

إلا أن أبا الطيب جاء بعبارةٍ مستحسنة لم يهتد إليها سواه.

وقوله:

إذا تولوا عداوةً كشفواوإن تولوا صنيعةً كتموا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

يقول: إذا عادوا فإنهم يجاهرون الأعداء ولا يطلبون منهم غرة في حال الغفلة, فإذا اصطنعوا صنيعةً, لم يفتخروا بها ويظهروها, وقد جاء الأمر بكتمام الصدقة في الكتاب الأشرف في قوله تعالى: ﴿وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾, ومن الكلام القديم: «المنة تذهب الصنيعة» أي: إن الإنسان إذا فعل مكرمةً ثم امتن بها فقد أذهبها, ولكن من شأن العرب في القديم أن تفتخر بإكرام الضيف وسقي اللبن, وذلك معروف في أشعارهم ولم يكونوا يرون ذلك عيبًا, وقد عابته الأعاجم عليهم. ومما جاء فيه التعريض بذم

من يفتخر بإكرام الضيف قول أمية بن أبي الصلت, ويقال: إن الشعر لأبي الصلت والد أمية يمدح سيف بن ذي يزن لما أخرج الحبشة من اليمن:

اشرب هنيئًا عليك التاج مرتفقًافي رأس غمدان دارًامنك محلالا
والتط بالمسك إذ شالت نعامتهموأسبل الآن من برديك إسبالا
تلك المكارم لا قعبان من لبنٍشيبا بماءٍ فعادا بعد أبوالا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «ليطلب الثأر أمثال ابن ذي يزن»

هذا تعريض بذم من يفتخر بسقي اللبن وإكرام الضيف؛ لأن اللبن يصير بولًا والطعام يصير إلى ما يكنى عنه. وأنشد أبوزياد الكلابي بيتًا ذكر أنه لجدته وهو:

ألم تعلمي أن الطعام مصيرهليرخموه بغثاء خلف الأصارم

يرخمومة: أي: رخمة. وبغثاء أي يضرب لونها إلى الغبرة, والأصارم: جمع أصرامٍ, والأصرام: جمع صرمٍ وهو أبيات من بيوت الأعراب ليست بالكثيرة.

وقوله:

تظن من فقدك اعتدادهمأنهم أنعموا وما علموا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

يقول: هؤلاء القوم لا يعتدون بجميل فعلوه, حتى يظن من أسدوا إليه معروفًا أنهم لم يعلموا به. وهذا من أحسن ما قيل في كتمان المعروف.

وقوله:

أو حلفوا بالغموس واجتهدوافقولهم: خاب سائلي, القسم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

الغموس: اليمين التي من كذب فيها غمسته في الإثم. وهذه منة عظيمة لأنهم جعلوا أعظم الأيمان عندهم أن يقولوا: خاب سائلي إن كان كذا أو فعلنا كذا. ونقيض هذا المذهب ما كان يفعله بعض البخلاء إذا أتاه السائل, يقول: إني قد آليت على إبلي أن لا يخرج منها شيء؛ وذلك عني زهير بقوله:

وإن أتاه خليل يوم مسألةٍيقول لا غائب مالي ولا حرم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «قف بالديار التي لم يعفها القدم»

أي: لم أحرم علي هبته باليمين. ويروى لقد بن مالك الأسدي:

فلا والله لا أولي عليهالتمنع سائلًا منها يمين
فإني لست منك ولست منيإذا ما طار من مالي الثمين

كأن امرأته قالت له: احلف على مالك أنك لا تخرج منه شيئًا؛ فأعلمها أنه لا يفعل, وأنها إذا أخذت ثمن ماله كما تأخذ المرأة من ميراث الزوج, فقد انقطع ما بينها وبينه.

وقوله:

لولاك لم أترك البحيرة والـ. ز. ـغور خصيب وماؤها شبم

عندهم أن الأجود: لولا أنت, وقد جاء في الشعر لولاك ولولاي, وكان محمد بنيزيد يرد ذلك؛ وقد أنشده سيبويه:

وكم موطن لولاي طحت كما هوىبأجرامه من قلة النيق منهو
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة

وأنشد الفراء:

أتطمع فينا من أراق دماءناولولاك لم يعرض لأحسابنا حسن

يقول: لولا أنت أيها الممدوح لم أترك في مشتاي البحيرة والغور دفيئًا, وماؤها شبم مع دفئها؛ أي بارد.

وقوله:

والموج مثل الفحول مزبدةًتهدر فيها وما بها قطم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

شبه الموج بفحول الإبل وصوته إذا تلاطم بهديرها. والفحل إمنا يهدر إذا قطم أو غضب. والقطم: إرادة الفحل الضراب. والهدير يستعمل في الإبل والرعد والأسد, وكل صوت يوصف بغلظ. يقول: فالموج يهدر هدر الفحول ولم يصبه القطم.

وقوله:

والطير فوق الحباب تحسبهافرسان بلقٍ تخونها اللجم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

الحباب: أكثر ما يقال فيه: إنه ما يظهر على الماء من النفاخات الصغار, وربما قالوا: الحباب معظم الماء, والمعنى متقارب؛ لأن الموج ومعظم الماء لا يعدم أن يكون فيه شيء صغير الصورة. شبه الموج ببلق الخيل لأن بعضه لون الماء وبعضه متغير, وقد ذكر ذلك المسب بن علس بقوله:

فكأن بلق الخيل في حجراتهيرمي بهن دوالي الزراع

شبه الطير بفرسانٍ على خيلٍ بلقٍ, وهي الموج تخونها اللجم أي لا تقدر على ضبطها.

وقوله:

كأنها في نهارها قمرحف بها من جنانها ظلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

شبه البحيرة بالقمر لبياض الماء. والجنان: جمع جنةٍ وهي الأرض التي قد سترها الشجر والنبت, وشبهها بالظلم لشدة خضرتها. والأخضر إذا اشتدت خضرته وصف بالسواد, ومن ذلك الآية, وهي قوله تعالى: ﴿مدهامتان﴾ في صفة جنتين وهما مفعالتان من الدهمة. وأكثر ما تستعمل الدهمة في الخيل, وقد وصف الليل بالأدهم, وربما وصفت الناقة بالدهماء. وقالوا: دخل فلان في دهماء الناس؛ أي في سوادهم. ويقال: إن سواد العراق قيل له ذلك لشدة خضرته, قال الراجز, وهو القطامي:

ياناق سيري عنقًا زوراوقلبي منسمك المغبرا

وبادري الليل إذا ما اخضرا

وقوله:

ناعمة الجسم لا عظام لهالها بنات وما لها رحم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

يصف البحيرة ويلغز بها. وزعم أنها ناعمة الجسم لأنه شبه الماء به. ولما جعل لها جسمًا زعم أنها لا عظام لها يلغز بذلك؛ لأن الجسم لابد له من العظام. وذكر أن لها بناتٍ؛ يعني السمك؛ ونفى أن يكون لها رحم.

وقوله:

يبقر عنهن بطنها أبدًاولا تشكى ولا يسيل دم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

هذا اللفظ كله إلغاز عن البحيرة؛ لأنه جعل لها جسمًا بلا عظام, وبنات من غير رحم, وجعل بطنها يبقر عنهن لأن الصادة يأخذنها من الماء, وهي مع ذلك لا تشكى لا يسيل دمها, ومن شأن التي يبقر بطنها أن يسيل دمها. قال الشاعر:

بقرنا النساء التغلبيات عنوةًوما بقروةا منا بطون نساء
تركنا دماءً فوقهن جوازيًافأف لها من نسوةٍ ودماء

وقوله:

فهي كماويةٍ مطوقةٍجرد عنها غشاؤها الأدم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

الماوية: المرأة شبهت بالماء لصفائها. وقال الشاعر:

وهند لها ماوية في غلافهاتطالعها في كل ممسى ومصبح
فإن أبصرت ما يعجب الطرف سرهاوتأسف أن وافت بوجهٍ مقبح

في «وافت» ضمير يرجع إلى المرأة.

وقوله:

يشينها جريها على بلدٍتشينه الأدعياء والقزم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

يشينها: يعني البحيرة. والأدعياء: جمع دعي؛ يعني الذي ينتسب إلى القوم وليس منهم. والقزم: تستعمل في الصغار الأجسام, ثم استعملوه في ضؤولة الحسب وقلة الخير.

قال الشاعر:

تساق من المعزى مهور نسائهموفي قزم المعزى لهن مهور

قزم المعزى: صغارها. وقالوا: حسب قزم؛ أي حقير لا خير فيه. قال الراجز:

في الحسب العادي غير الأقزم

وقوله:

وقد توالى العهاد منه لكموجادت المطرة التي تسم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

العهاد: أمطار بعضها في إثر بعض, وهي العهود أيضًا. قال الشاعر:

أمير جاد بالمعروف حتىكأن الأرض جللها العهاد

وقال آخر:

أصلتي تسمو العيون إليهمستنير كالبدر عام العهود
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة

وتسم: من المطر الوسمي وهو أول المطر. وتزعم أصحاب الأنواء أن له خمسة أنجم, وهي: العرقوة السفلى - يعنون عرقوة الدلو من النجوم - والرشاء والشرطان والبطين والثريا.

وقافيتها من المتراكب.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الميم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.