تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

الشاميات (٢)

وقال غيره: إنه لما أرد ارتحاله عنه واستقل كل هدية يبعثها إلى الممدوح جعل قبول الهدية، هدية منه إليه؛ لعلمه أن الممدوح ممن يسر بقبول المتنبي هديته، سرور من أهدي إليه الهدية، وقوله: وظرفها التأميلا: أراد به أن الأمل مشتمل على هذه الهدية ومحيط بها كإحاطة الظرف بالهدية.

برٌّ يخف على يديك قبولهويكون محمله علي ثقيلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

معناه على تأويل الأول: أنه لا كلفة علي فيما أهديته إليك لأني لم أتكلف منه شيئاً، وإنما هو منك عاد إليك، ويكون تحمل شكرك على قبوله ثقيلاً علي: وعلى المعنى الآخر الذي ذكره ابن جنى: أنك إذا أمسكت عن إهداء ما عزمت عليه فلا نقص عليك؛ لأني على كل حالٍ لم أعطك شيئاً من عندي وإنما هو مالك تركته لك.

وقيل: إنما مدحي إليك برٌّ خفيف، على يديك قبوله لجلالتك، وقصوره عن محمله: علي ثقيلاً: لعظم شأن قبولك لمدحي وصغر شأنه بالنسبة إليك.

وقال أيضاً وقد حلف عليه صديقٌ ليشربن كأساً بيده فأخذه وقال:

وأخٌ لنا بعث الطلاق أليةًلأعللن بهذه الخرطوم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وأخ لنا بعث الطلاق ألية»
فجعلت ردى عرسه كفارةًعن شربها وشربت غير أثيم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وأخ لنا بعث الطلاق ألية»

الخرطوم: اسم الخمر.

يقول: لما حلف بالطلاق أن أشرب هذا الخمر شربت غير أثيم؛ وجعلت كفارة شربي لها، ردى عليه امرأته؛ كراهة أن يحنث في يمينه! وقال أيضاً في صباه ارتجالاً وقد أصابهم المطر والريح يهجو رجلاً يقال له سوار:

بقية قومٍ آذنوا ببواروأنضاء أسفارٍ كشرب عقار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقية قوم آذنوا ببوار»

آذنوا: أي أعلموا. والأنضاء: جمع نضو. وهو البعير المهزول. وأضافها إلى الأسفار، ليعلم إنما أنحلها كثرة الأسفار. والشرب: جمع شارب. والعقار: الخمر.

يقول: نحن بقية قوم قد هلك أكثرهم وآذنوا بالهلاك، وبقينا نحن على شرف الهلاك ونحن أنضاء أسفار، كأنهم من تساقطهم جماعةٌ شربوا الخمر، فصاروا سكارى. ويجوز أن يكون الأنضاء صفة لدوابهم وإبلهم فيقول: ونحن على دوابٍّ قد أهزلها كثرة الأسفار، حتى صارت كذلك.

نزلنا على حكم الرياح بمسجدٍعلينا لها ثوبا حصىً وغبار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقية قوم آذنوا ببوار»

ثوبا: تثنية ثوب؛ لإضافته إلى الحصا والغبار.

ويروى: بمشهد: مكان بمسجد.

خليلي ما هذا مناخاً لمثلنافشدا عليها وارحلا بنهار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقية قوم آذنوا ببوار»

الهاء في عليها: ترجع إلى أنضاء الأسفار؛ إذا جعلناها دواب.

فيقول مخاطباً لصاحبه: ليس هذا المسجد مناخاً لمثلنا، فشد على الدواب رحالها، وسروجها، وارحلا بنهار، قبل اجتنان الليل فيصعب الارتحال، ويحتمل أن يكون الكناية في عليها للرياح كأنه قال: شدا على الرياح أو على دواب كالرياح سرعة.

ولا تنكرا عصف الرياح فإنهاقرى كل ضيفٍ بات عند سوار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقية قوم آذنوا ببوار»

يقول: لا تنكرا شدة هبوب الرياح في هذا المكان؛ لأنها طعام كل ضيفٍ بات عند هذا الرجل الذي اسمه سوار، فإن ذلك عادته لضيوفه فليس هذا بمستنكر منه. وقيل: سوار. أي سواري المسجد، أو سواري الأمطار. والأول أولى وأظهر.

وقال أيضاً في صباه يمدح أبا المنتصر: شجاع بن محمد بن الرضا الأزدي:

أرقٌ على أرقٍ ومثلي يأرقوجوىً يزيد وعبرةٌ تترقرق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرق على أرق ومثلي يأرق»

أرقٌ: مبتدأ، وخبره محذوف. وكذلك جوىً وعبرةٌ تقديره: بي أرق وعلى هنا بمعنى مع، وأراد به دوام الأرق: وهو السهاد.

يقول: بي أرق على أرقٍ. ومثلي جدير بالأرق، وبي جوىً: وهو الحزن. يزيد ولا ينقص. ولي دمعة تسيل أبدا.

جهد الصبابة أن تكون كما أرىعينٌ مسهدةٌ وقلبٌ يخفق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرق على أرق ومثلي يأرق»

وروى: كما يرى.

يقول جهد الصبابة هو الذي أراه من عينٍ مسهدةٍ، وقلبٍ خافق خوف الهجر.

ما لاح برقٌ أو ترنم طائرٌإلا انثنيت ولي فؤادٌ شيق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرق على أرق ومثلي يأرق»

وروى: ما لاح نجمٌ. والترنم: شبيه الغناء، وانثنيت: أي انعطفت.

يقول: لم يلمع برق أو نجم ولم يترنم طائر، يدعو إلفه إلا انعطفت ورجعت إلى نفسي، وأنا مشتاق، مهيج القلب لذكر المحبوبة. وتشويقه لمعان البرق على معنيين: أحدهما أنه يذكره ثغرها المضيء، والثاني أنه يلمع من جانب المحبوبة وناحيتها، فشوقه لهذا الوجه.

جربت من نار الهوى ما تنطفينار الغضا وتكل عما تحرق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أي تحرق هذه النار. وتنطفي: لغة ضعيفة. لقولهم: طفيت النار وأطفيتها، وما بمعنى الذي. والغضا: شجر يوصف بقوة التوقد.

يقول: جربت من نار الهوى ناراً تطفأ عندها نار الغضا مع شدتها وتكل أيضاً نار الغضا عما تحرقه نار الهوى. وقيل: إن ما للنفي وقدر فيه تقديران: أحدهما: أن يكون تقديره: جربت من نار الهوى كنار الغضا ما تنطفي وما تكل، ومعناه: ما تنطفىء نار الهوى وما تكل عن الإحراق، بمرة فتريحني.

وقوله: نار الغضا تشبيه يعني كنار الغضا في شدة توقدها.

والثاني: أن يكون تكل فعل الغضا والواو زائدة أو منقولة إلى نار الغضا، ومعناه: جربت من نار الهوى ناراً ما تنطفىء، ونار الغضا تكل عما تحرقه هذه النار.

وعذلت أهل العشق حتى ذقتهفعجبت كيف يموت من لا يعشق؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرق على أرق ومثلي يأرق»

يقول: كنت أعذل أهل العشق، لجهلي به، حتى دفعت إلى العشق، فلما ذقته عجبت كيف يموت من لا يدخل العشق قلبه؟! فكأنه يقول: إن أقوى أسباب الموت العشق، وإن من بعد عنه فهو بمعزل عن الموت.

وعذرتهم وعرفت ذنبي أننيعيرتهم فلقيت فيه ما لقوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرق على أرق ومثلي يأرق»

الهاء في فيه للعشق. والضمير في لقوا لأهل العشق. وكذلك في عذرتهم وعيرتهم.

يقول: لما ذقته عذرت عنده العشاق وعرفت أني مذنب في عيبهم، فلما جربت عليهم في اللوم، لقيت من شدة العشق مثل ما لقوا. ومنه قول الآخر:

عذرت من عيرني في الهوىلأنه لم يدر ما شانه
لو ذاقه يوماً درى أنهأصعب حزن المرء أحزانه
أبنى أبينا نحن أهل منازلٍأبداً غراب البين فينا ينعق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يحتمل أن يريد به: يا إخواننا وأهل نسبنا، ويحتمل أن يريد به: يا بني آدم. وغراب البين. قيل المراد به الموت. وينعق: أي يصيح. وهما مرويان.

يقول: يا بني أبينا. نحن أهل منازل يقضي علينا فيها بالموت والفراق، فإن كان اليوم وقع الفراق بيننا، فكذلك يقع في الدنيا بين أهلها؛ أورد ذلك مورد التسلية والوعظ للمخاطبين:

تبكي على الدنيا وما من معشرٍجمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا

يقول: نبكي على هذه الدنيا وحياتها؛ لعلمنا بفنائها، وما من جمع إلا بددته الدنيا وفرقته؛ فالبكاء على هذا محال.

أين الأكاسرة الجبابرة الأولىكنزوا الكنوز فما بقين ولا بقوا؟
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الأكاسرة: جمع كسرى، وهو ملك العجم. وهو تعريب خسرو، الذي بالفارسية. والجبابرة: جمع الجبار. وهو المتسلط على الناس العاتي.

يقول: أين ملوك العجم وعظماء الدنيا؟ الذين كنزوا الكنوز، فما بقيت كنوزهم ولا بقوا هم.

من كل من ضاق الفضاء بجيشهحتى ثوى فحواه لحدٌ ضيق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرق على أرق ومثلي يأرق»

يقول: من كل ملك ضاق المكان الواسع بجيشه، حتى مات فتوارى، مقيماً في القبر، وضمه في قبره لحدٌ ضيق.

خرسٌ إذا نودوا كأن لم يعلمواأن الكلام لهم حلالٌ مطلق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرق على أرق ومثلي يأرق»

يقول: هؤلاء الملوك ماتوا، وصاروا، كالخرس لا يجيبون إذا نودوا، فكأنهم لم يعلموا: أن الكلام لهم حلال مطلق. لو قدروا عليه.

فالموت آتٍ والنفوس نفائسٌوالمستغر بما لديه الأحمق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

النفائس: جمع النفيسة، وهي التي يبخل بها لجلالتها والمستغر المحمول على الغرة المخدوع. أو هو طالب الغرور وروى: المستعز بالعين والزاي وهو المتعزز أو طالب العز.

يقول: الموت لا محالة آت والنفوس جليلة خليقة بأن يبخل بها، إلا أن المخدوع والمتعزز بما لديه، مما لا بقاء له هو الأحمق.

والمرء يأمل والحياة شهيةٌوالشيب أوقر والشبيبة أنزق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرق على أرق ومثلي يأرق»

شهية: بمعنى المفعولة، والنزق: الخفة والطيش.

يقول: إن المرء يؤمل الأمل الطويل، والحياة شهيةٌ، والشيب وقورٌ، والشباب نزقٌ، فيكون. أفعل بمعنى الفاعل، لا بمعنى المبالغة. وأراد صاحب الشيب وصاحب الشيبة؛ وقيل: أراد به أفعل للمبالغة.

فيقول: إن الشيب أوقر من الشبيبة، والشبيبة أنزق من الشيب؛ وذلك لأن الشيخ قد يستعمل الوقار في بعض الأحوال، غير أن الغالب منه النزق، فلهذا المعنى استعمل فيه لفظ أفعل.

ولقد بكيت على الشباب ولمتيمسودةٌ ولماء وجهي رونق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرق على أرق ومثلي يأرق»

يقول: بكيت على فراق الشباب قبل نزول المشيب بي، وعند ما كان شعر رأسي أسود، ولماء وجهي رونق، وذلك لعلمي بزواله، وحذري من فراقه.

حذاراً عليه قبل يوم فراقهحتى لكدت بماء جفني أشرق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

حذاراً عليه: أي على فراق الشباب. وروى: بدمع عيني أغرق. ونصب حذراً لأنه مفعول له.

يقول: بكيت على الشباب قبل زواله حذراً من فراقه، حتى كدت أشرق بماء جفني، أي أغص به. وأراد به الهلاك؛ ولهذا جعل بدله أغرق.

أما بنو أوس بن معن بن الرضافأعز من تحدى إليه الأينق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: هؤلاء الممدوحون هم أعز من تحدى إليهم الإبل، ويقصد إليهم؛ لطلب المال، والجاه، لسخائهم.

كبرت حول ديارهم لما بدتمنها الشموس وليس فيها المشرق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرق على أرق ومثلي يأرق»

يقول: إن ديارهم ليست في نواحي المشرق، ولكنها في نواحي المغرب، فلما رأيت صورهم الحسان بمنزلة الشموس مع أن المعهود من الشمس أنها تطلع من جهة المشرق كبرت لتعجبي من ذلك؛ فإني رأيت الشمس في غير جهة المشرق!

وعجبت من أرض سحاب أكفهممن فوقها وصخورها لا تورق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرق على أرق ومثلي يأرق»

يقول: عجبت من صخور هذه الأرض، التي هي مقرهم، كيف لا تورق؟ وفوقها تمطر سحائب أكفهم؛ يصفهم بالسخاء.

وتفوح من طيب الثناء روائحٌلهم بكل مكانةٍ تستنشق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرق على أرق ومثلي يأرق»

المكان: والمكانة واحد. والاستنشاق: طلب الرائحة بالشم.

يقول: إن هؤلاء القوم تفوح لهم من طيب ما يثني عليهم روائح طيبة! تصل إلى كل مكان، ويشمها كل إنسان، فيقصد الناس إليهم من كل جانب لطلب معروفهم وكرمهم.

مسكية النفحات إلا أنهاوحشيةٌ بسواهم لا تعبق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرق على أرق ومثلي يأرق»

النفحات: جمع نفحة. وهي أول هبوب الريح.

يقول: روائح ثنائهم مسكية النفحات، يفوح منها ما يفوح من المسك، إلا أنها نافرة من غيرهم ولا تعبق بسواهم؛ يصفهم باختصاص الثناء بهم وأنه لا يستحقه سواهم.

أمريد مثل محمدٍ في عصرنالا تبلنا بطلاب ما لا يلحق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرق على أرق ومثلي يأرق»

لا تبلنا: أي لا تجربنا. وروى: لا تبلنا: لا توقعنا في البلوى، لطلاب ما لا يلحق.

يقول: يا من يريد أن يكون مثل محمدٍ الممدوح لا تجربنا بطلب ما لا يلحق، ولا يوجد. يعني أنه لا نظير له، فطلب مثله أمر محال.

لم يخلق الرحمن مثل محمدٍأحداً وظني أنه لا يخلق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لم يخلق الله تعالى مثله أحداً فيما مضى، ويقيني أنه لا يخلق في المستقبل؛ إذ الأمور الآتية معتبرة بالماضية. وهذا كذب ظاهر.

يا ذا الذي يهب الكثير وعندهأني عليه بأخذه أتصدق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وروى: يهب الجزيل. وأتصدق: أعطي الصدقة.

يقول: يا من هو يعطي العطاء الجزيل ويرى أني متصدق عليه بأخذي منه، وذلك لسروره بما يعطيه لي. ونظيره:

تراه إذا ما جئته متهللاًكأنك تعطيه الذي أنت سائله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»
أمطر علي سحاب جودك ثرةًوانظر إلي برحمةٍ لا أغرق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرق على أرق ومثلي يأرق»

يقول: أمطر على سحاب عطائك وسخائك غزيرة، ثم انظر إلي برحمتك، ولا تجاوز الحد على ما عهدت من حالك، لكي لا أغرق بنيلك.

وقيل: أراد بقوله: كي لا أغرق أي كي لا أعجز عن القيام بشكرك.

كذب ابن فاعلةٍ يقول بجهله:مات الكرام وأنت حيٌّ ترزق!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أرق على أرق ومثلي يأرق»

يقول: كذب ابن زانيةٍ، يقول بجهله: إن الكرام ماتوا، وأنت حي ترزق فيما بين الأحياء مع كونك سيد الكرام! وروى: ترزق أي أنت حي تجري على يديك أرزاق الناس، فكيف يصح قوله: إن الذين تجري على أيديهم أرزاق الناس قد ماتوا، وأنت حي ترزقهم! فنسب هذا القائل إلى الكذب، ونسب أمه إلى الزنا.

وقال أيضاً في صباه يمدح علي بن أحمد الخراساني

حشاشة نفسٍ ودعت يوم ودعوافلم أدر أي الظاعنين أشبع؟
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن الهوى ما أبقى من نفسه إلا بقية، وتلك البقية كانت قريبةً من الزوال، خوف الفراق، فلما فارقتني الأحبة، ودعتني تلك البقية وارتحلت بارتحالهم، فلم أدر أي الظاعنين أشيع: أحبتي أم بقية روحي؟ لأن أحدهما كصاحبه في الكرامة علي. وروى أي الظاعنين، بلفظ الجمع، فيكون قد جعل حشاشة النفس معدودة في جملة الأحبة؛ لأنها محبوبة كالأحبة.

أشاروا بتسليمٍ فجدنا بأنفسٍتسيل من الآماق والسم أدمع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

الآماق: واحدها، مأق، ومؤق. وهو طرف العين مما يلي الأنف، وهو مجرى الدمع في الغالب. والسم: الاسم أدمع. وأشاروا إلى الأحبة عند الوداع بتسليم. ونبه بقوله: أشاروا إلي أنهم لا يمكنهم إظهار السلام بالكلام؛ خشية الرقباء فجدنا نحن بأرواح، تسيل من أعيننا جواباً لهم، وأسفاً على فراقهم، وكانت التي تسيل أرواحاً في الحقيقة، وإن كان اسمها الدمع؛ لأنها كانت دماً، وخروج الدم فيه خروج الروح، وقد أوضح هذا المعنى في موضع آخر فقال:

ولم لم يكن ما انهل في الخد من دميلما كان محمراً يسيل فأسقم

ويجوز أن يكون جعل الدمع، بمنزلة الروح؛ لأن نزول الدمع لا يكون إلا عند شدة الكرب، فلما اشتد عليه فراقهم كان الدمع الخارج عنده، مثل خروج الروح شدة!

حشاي على جمر ذكيٍّ من الهوىوعيناي في روضٍ من الحسن ترتع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

الجمر الذكي: الشديد التوقد.

يقول: إن قلبي يحترق بنارٍ شديدة من الهوى، وعيني من مشاهدة حسنها كأنها راتعة في روض الحسن، يعني: أن من نظر إلى مثل ما أنظر إليه من محاسن هذا الحبيب كان خليقاً أن يكون خليقاً.

ويجوز أن يكون أراد أن عند الوداع كان قلبي في احتراق؛ لما كاد يقع بيننا من الفراق، وعيني ترتع في روض من الحسن، في وجه الحبيب عند الوداع، وإنما لم يقل: ترتعان لأن فعل العينين واحد في الأغلب عند الرؤية. وروى: وعيني فعلي هذا لا يتوجه عليه السؤال.

ولو حملت صم الجبال الذب بناغداة افترقنا أوشكت تتصدع
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أوشكت بمعنى: قربت.

يقول: لو حملت الجبال الشديدة الفرقة التي بنا، غداة افترقنا، لقربت أن تشقق.

بما بين جنبي التي خاض طيفهاإلى الدياجي والخليون هجع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

الدياجي: جمع ديجوج، وهو الظلمة، وأصله دياجيج، فأبدلت الجيم ياء ثم أدغمت الياء في الياء، ثم خففت. وما: بمعنى الذي. وبين الجنبين: أراد به القلب، والنفس.

وتقديره: أفدى بما بين جنبي. أي بنفسي، وقلبي، المرأة التي خاض طيفها الظلام إلي، في حال كانت عيون الخليين عن العشق نائمة، فالواو في قوله والخليون واو الحال.

أتت زائراً ما خامر الطيب ثوبهاوكالمسك من أرادنها يتضوع
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أتت: أي المرأة: وزائراً أي طيفها فقدر المرأة في أتت. وفي الزائر الطيف.

ويجوز أن يكون أجرى زائراً مجرى حائض، وحامل. على جهة النسب.

ويجوز أن يريد بذلك أنها أتتني وأنا سائرٌ إليها لزيارتها، فعلى هذا يكون زائراً مفعول به. فكأنه قال: أتت هي زائراً لها.

وفي الأول، نصب على الحال. يقول: أتت هذه المرأة يعني طيفها زائراً لي، أو كنت زائراً لها. ما خالط الطيب ثوبها ومع ذلك فإن رائحة المسك تفوح من كمها وأطرافها وثيابها.

فشرد إعظامي لها ما أتى بهامن النوم والتاع الفؤاد المفجع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

إعظامي: في موضع الرفع لأنه فاعل شرد. وما مفعول به، يعني الذي. وتعجبي من مجيئها، الشيء الذي أتى بها وهو النوم، واحتراق الفؤاد المفجوع.

فيا ليلةً ما كان أطول بتهاوسم الأفاعي عذب ما أتجرع!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

قوله: يا ليلةً. تعجب وإعظام، وليس بنداءٍ في الحقيقة، وقوله: ما كان أطول! أي ما كان أطول! أي ما كان أطول حزنها! فحذف.

يقول: لما شرد إعظامي لها النوم، واحتراق الفؤاد، طال علي الليل وتكدر. فيصف ذلك ويقول: يا ليلةً ما أطولها، وما أطول حزنها! وسم الأفاعي الذي هو من الأشياء أقتلها، كان عذباً بالإضافة إلى ما قاسيت فيها.

تذلل لها واخضع على القرب والنوىفما عاشقٌ من لا يذل ويخضع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

يقول: تذلل لها في حالة القرب والبعد؛ أما في القرب فلئلا تعرض عنك، وأما في البعد فلننظار القرب بعد البعد، فليس بعاشق من لا يذل للمعشوق، ولا يخضع، لأن التكبر والتعظم لا يليق بالعاشق مع المعشوق.

ولا ثوب مجدٍ غير ثوب ابن أحمدٍعلى أحدٍ إلا بلؤمٍ مرقع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

روى: غير. نصباً على الاستثناء المقدم، وروى: مرفوعاً خبر لقوله لا ثوب مجد.

يقول: كما أن الذي لا يخضع للحب خارج عن حكم العشق كذلك ثوب المجد إذا لم يكن على هذا الممدوح لا يكن إلا مرقعاً.

وإن الذي حابى جديلة طيىءٍبه الله يعطي من يشاء ويمنع
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

جديلة طيىء: بطن من طيىء وحابى: بمعنى جبى.

يقول: وإن الذي أعطى هذه القبيلة، به الله يعطي من يشاء ويمنع، ذلك مبالغة في وصفه بسعة القدرة، ونفاذ الأمر، فيعطي من يشاء ويحرم من يشاء، وقيل: إن حابى هذه القبيلة بالعطاء وغالبهم به وهو الممدوح، به الله يعطي من يشاء ويمنع، إشارة إلى أنه كثير العطاء من حيث أن الله تعالى جعل له هذه السعة والقوة ما لا يحتمل الغيرة منهم، وقيل تقديره: إن الذي أعطى الله هذه القبيلة من شرف نسب هذا الممدوح منهم، يعطيه الله تعالى من يشاء من عباده فكذلك صنع الله تعالى به إذ وضعه حيث شاء فليس لأحد أن يطلع.

بذي كرمٍ ما مر يومٌ وشمسهعلى رأس أوفى منه تطلع
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول على التقدير الأول: الله تعالى يعطي من يشاء ويمنع بذي كرم صفته ما في البيت. وعلى الثاني: حبى الله هذه القبيلة بذي كرم ما مر يومٌن وشمس ذلك اليوم طلعت على رأس أحد أوفى ذمةً منه وهي نصب على التمييز.

فأرحام شعر يتصلن لدنهوأرحام مالٍ ماتني تتقطع
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وروى: يتصلن بجوده. وروى: لدنه الهاء في نه: للمدوح، وفي به: للكرم المذكور في البيت الذي قبله ماتني: أي ما تفتر.

يقول: إنه يجمع الشعر في مدحه بتفريق ماله، فعلائق الشعر به متصله وهي المعبر عنها بالأرحام، وعلائق المال منه منقطعة، ولا تزال على الانقطاع لتفريقه إياها في اكتساب الثناء والذكر.

فتىً ألف جزءٍ رأيه في زمانهأقل جزىءٍ بعضه الرأي أجمع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

تقدير البيت: فتىً رأيه في زمانه ألف جزء، بعضه أقل جزء من رأيه، هو رأي الناس أجمع! وقسم رأي هذا الممدوح ألف جزء وجعل بعض أقل الجزء من ألف، مقابلاً لآراء جميع الناس! وكأنه أخذه من قول أبي بكر بن النطاح.

له هممٌ لا منتهى لكبارهاوهمته الصغرى أجل من الدهر
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة

إلا أنه قلب الهمم إلى الرأي.

غمامٌ علينا ممطرٌ ليس يقشعولا البرق فيه خلباً حين يلمع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

يقشع ويقلع: مرويان، وهما بمعنىً واحد، أي ليس يزول. وخلباً: نصب لأنه خبر ليس، وهو: البرق الذي لا مطر معه.

يقول: هو غمام يمطر علينا مواهب، وأيادي، ولا يفتر عنها. ثم فضله على الغمام من وجهين: أحدهما. أن عطاءه لا ينقطع بحال، كما تنقطع أمطار الغمام في أحوال. والثاني. أن وعده بالعطاء غير كاذب كالبرق الخلب. أي: كالغمام الذي يكون برقه خلباً لا يأتي بمطر. يصفه بإدامة الجود والوفاء بالوعود.

إذا عرضت حاجٌ إليه فنفسهإلى نفسه فيها شفيعٌ مشفع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

الشفيع المشفع؛ هو المقبول الشفاعة.

يقول: إذا عرضت الحاجات وظهرت الناس إليه، فلا يحتاجون إلى الوسائل إليه في قضائها، بل يكون شفيعاً إلى نفسه مقبول الشفاعة؛ لأن فيه من الكرم ما يغني عن الوسائل.

خبت نار حربٍ لم تهجها بنانهوأسمر عريانٌ من القشر أصلع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

أسمر عريان: أراد به القلم؛ لما في لونه من السمرة.

يقول: طفئت نار حرب، لم يهجها بنان هذا الممدوح، وقلمه الأسمر العريان من القشر، وأصلع: أي أملس كالرجل الذي لا شعر على رأسه وأراد به: أن الحرب التي لم تصدر عنه لم تدم.

نحيف الشوى يعدو على أم رأسهويحفى فيقوى عدوه حين يقطع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

الشوى: أراد به رأس القلم، وأصله جلدة الرأس. ويحفى: أي يكل.

يقول: إنه نحيف دقيق الرأس يعدو على أم رأسه بخلاف سائر العادين، ويكل ويتعب من كثرة العدو، فإذ قطع رأسه يقوى على العدو.

يمج ظلاماً في نهارٍ لسانهويفهم عمن قال ما ليس يسمع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

يمج: أي يلفظ من فيه. وأراد بالظلام: المداد. وبالنهار: القرطاس وأراد بلسانه: جلفته. وهو فاعل يمج، وقوله: ويفهم عمن قال ما ليس يسمع يعني. أن القلم يفهم الناس بقراءة ما كتب ما ليس يسمعه هو.

ذباب حسامٍ منه أنجى ضريبةًوأعصى لمولاه وذا منه أطوع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

ذباب السيف: حده. والهاء في منه الأول للقلم وفي الثاني للحسام، والضريبة: المكان الذي تصيبه الضربة. فضل قلمه على السيف.

يقول: حد السيف أنجى في ضريبته من حد قلمه، وحد السيف أعصى لصاحبه، وهذا أطوع.

وذلك أن الضارب إذا ضرب بسيفه ثم نبا سيفه عن التأثير، وإن شاء أمسكه قبل الضرب.

والقلم لا يخون صاحبه في حالٍ، فإذا كتب به: اقتل فلاناً لم يمكنه بعده ألا يقتله، وقد حمل إليه الكتاب ونفذ أمره فيه.

بكف جوادٍ لو حكتها سحابةٌلما فاتها في الشرق والغرب موضع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

يقول: هذا القلم الموصوف، بكف جوادٍ. أي الممدوح. لو حاكتها السحابة لشملت العالم مطراً شرقاً وغرباً.

فصيحٍ متى ينطق تجد كل لفظةٍأصول البراعات التي تتفرع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

فصيحٍ: جر لأنه بدل من جوادٍ.

يقول: هو الفصيح؛ فكل لفظة من قوله أصول البراعات. فجعل كل لفظة أصولاً.

وليس كبحر الماء يشتق قعرهإلى حيث يفنى الماء حوتٌ وضفدع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

يشتق: بمعنى يشق.

يقول: ليس هذا الممدوح في سخائه كبحرٍ يقدر الحوت والضفدع على شقه إلى حيث يفنى الماء، بل هو أعمق وأنفع.

أبحرٌ يضر المعتفين وطعمهزعاقٌ كبحر لا يضر وينفع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

الزعاق: المر الملح.

يقول مفضلاً له على البحر: إن البحر هو الذي يضر قاصديه، والطالبين المعروف منه، وماؤه ملحٌ مر، وهذا الممدوح ينفع معتفيه ولا يضرهم، وعطاؤه هنيٌّ وخلقه حلو شهيٌّ.

وقوله: لا يضر وينفع ليس المراد به أنه لا يضر أحداً لأنه حينئذٍ لا يضر أعداءه وإنما المراد به أنه ينفع المعتفين والأولياء ولا يضرهم.

يتيه الدقيق الفكر في بعد غورهويغرق في تياره وهو مصقع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

تياره: أي موجه. ومسقع ومصقع: رويا جميعاً، وهو البليغ الفصيح.

يقول مؤكداً لتفضيله على البحر: إن الرجل الدقيق الفكر يتحير في غوره ولا يدرك كنه وصفه، ويغرق في فضله الفصيح البليغ. شبهه بالموج.

ألا أيها القيل المقيم بمنبجٍوهمته فوق السماكين توضع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

توضع: أي تسرع في السير.

يقول: أيها الملك المقيم بمنبج، وهمته فوق السماكين تسرع في السير، وتجاوزهما لسرعتها.

أليس عجيباً أن وصفك معجزٌوأن ظنوني في معاليك تظلع؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

وروى: معجزي. ومعاليك تظلع: أي تقصر وتعجز.

يقول: أليس بعجب أن وصفك يعجزني عن بلوغه؟! مع قدرته على الشعر. وأن ظنوني في معاليك تكل وتعجز؟! مع إصابتها في الأمور.

وأنك في ثوبٍ وصدرك فيكماعلى أنه من ساحة الأرض أوسع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

يقول: العجب من كونك في ثوب، وكون صدرك فيكما: أي فيك وفي ثوبك. مع أن صدرك أوسع من ساحة الأرض جميعاً.

وقلبك في الدنيا ولو دخلت بناوبالجن فيه ما درت كيف ترجع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

التاء في دخلت: ضمير الدنيا. وبنا: كناية عن نفسه، وجميع الناس.

يقول: قلبك في الدنيا، وهو في سعته بحيث لو دخلت الدنيا بالإنس والجن فيه لتحيروا ولم يدروا كيف يرجعون؛ لسعة صدرك وصغر الإنس والجن عن قدره.

ألا كل سمحٍ غيرك اليوم باطلٌوكل مديحٍ في سواك مضيع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا»

غيرك: نصب لأنه استثناء مقدم. وروى: بالجر صفة لسمح.

يقول: كل جواد ما خلاك، بالإضافة إليك باطل. وكل مديح يقال في غيرك فهو مضيع؛ لأنه لا يعرف حقه ولا يوجد فيه من المعاني ما وجد فيك.

وقال أيضاً يفتخر في صباه على لسان بعض التنوخيين وقد سأله ذلك:

قضاعة تعلم أني الفتى الذي ادخرت لصروف الزمان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قضاعة تعلم أني الفتى اللذي»

قضاعة: بطن من تنوخ، وهم من بني قحطان.

يقول: تعلم هذه القبيلة، أني فتاها الذي أعدته لصروف الزمان، وأنهم يلتجئون إلي عند الشدائد، فأكشفها، وهذا ادخارهم له.

ومجدي يدل بني خندفٍعلى أن كل كريمٍ يماني
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

خندف: أم العرب.

يقول: يدل شرفي العرب كلهم، على أن كل كريمٍ من أهل اليمن، لا من ربيعة ومضر، وسائر العرب. ويمانٍ: منسوب إلى اليمن، يعني: يمني. يقال: رجل يمانٍ وامرأة يمانية بالتخفيف.

أنا ابن اللقاء، أنا ابن السخاء،أنا ابن الضراب، أنا ابن الطعان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قضاعة تعلم أني الفتى اللذي»
أنا ابن الفيافي، أنا ابن القوافي،أنا ابن السروج، أنا ابن الرعان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قضاعة تعلم أني الفتى اللذي»

العرب يقولون: فلان ابن كذا وأبو كذا إذا كان من أهله، وملازماً له. واللقاء: المحاربة. والرعان: جمع الرعن، وهو مقدمة الجيش. أخذ من رعن الخيل وهو أنفه.

يقول: أنا صاحب هذه الأشياء، فأنا ابن اللقاء في الحروب، وابن الضراب، والطعان، وابن السخاء، والجود، وابن الفيافي، أقطعها، والقوافي، أبدعها وأنسبها، وابن السروج، أركبها، وابن الرعان، أقودها إلى العدو أحاربهم بها.

طويل النجاد طويل العمادطويل القناة طويل السنان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قضاعة تعلم أني الفتى اللذي»

النجاد: حمالة السيف. يريد به. أنه طويل القامة، والعرب تمتدح بطول القامة، والعماد: عماد البيت. وكذلك كناية عن السؤدد. والقناة: الرمح. وأراد بطولها حذقه بالطعن بها. وكذلك طول السنان كناية. كما قال غيره:

إذا قصرت أسيا فنا كان وصلهاخطانا إلى القوم الذين نضارب

فأما طول القناة، فلا مدح فيه.

حديد الحفاظ حديد اللحاظحديد الحسام حديد الجنان
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

اللحاظ: جمع اللحظ والحفاظ: المحافظة على الحزم. أو سرعة الغضب فيما يجب حفظه. والجنان: القلب. أي ذكي القلب. والحسام: السيف القاطع.

يصف نفسه بحدة هذه الأشياء منه بحيث لا يلحقه فيها خلل.

يسابق سيفي منايا العبادإليهم كأنهما في رهان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قضاعة تعلم أني الفتى اللذي»

سيفي: فاعل يسابق. ومنايا العباد: أي موتهم.

يقول: إن سيفي يسابق منايا العباد، ويغالبها في سبوقها إليهم، كأنهما في رهان لمسابقتهما، فسيفي يطلب موتهم قبل وقت الموت، والموت يميتهم في وقته، فيتسابقان في ذلك.

يرى حده غامضات القلوبإذا كنت في هبوةٍ لا أراني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قضاعة تعلم أني الفتى اللذي»

الهبوة: الغبرة.

يقول: إن سيفي يقطع كل موضع يقع عليه، حتى يخلص إلى القلب، فكأنه يرى غوامض القلوب، مع كونها محتجبة عن العيون، في وقت لا أرى نفسي من كثرة الغبار، ولم أغفل عن نفسي من شدة الحرب، وكثرة الغبرة، وقيل معناه: إذا كنت في هبوة الحرب، لا أدري نفسي، أي لا أبالي بها ولا أنظر إلى ما يحل بها. وقيل: معنى البيت، أن سيفي يعلم ما في القلوب من الغش والحسد، فلا يقع إلا على حاسد، أو عدوٍّ جاحد، في الحالة التي أغفل عن نفسي فأكون كمن لا معرفة له بها.

سأجعله حكماً في النفوسولو ناب عنه لساني كفاني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قضاعة تعلم أني الفتى اللذي»

يقول: سأجعل سيفي حكماً في نفوس الأعداء؛ ليسلبها ويأخذها، ولو ناب لساني عنه، كفاني، لأن حدته كحدة اليف.

وقال أيضاً في صباه في الحماسة والفخر:

قفا تريا ودقي فهاتا المخايلولا تخشيا خلفاً لما أنا قائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قفا تريا ودقي فهاتا المخايل»

المخايل: جمع مخيلة: وهي البرق، ونحوه مما يستدل به على المطر، وهاتا: إشارة إلى المخايل.

وقفا: أمر من الوقوف، ويحتمل أن يراد به: إصراراً وعيشاً يقول لصاحبيه: قفا وعيشا، تريا من أمري وفعلي شأناً عظيماً، فهذه مخايله قد ظهرت، ولا تخشيا خلفاً لما أقوله، لأني صادق في جميع ما أقوله، ولست كالبرق الذي يصدق تارة ويكذب أخرى. ومثله للبحتري:

هذا أوائل برقٍ خلفه مطرٌوأول الغيث قطرٌ ثم ينسكب
رماني خساس الناس من صائب استهوآخر قطنٌ من يديه الجنادل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قفا تريا ودقي فهاتا المخايل»

وروى: خشاس اناس. يعني ضعيفهم، يقع على الواحد والجمع، وصائب: من صاب السهم الهدف، وأصابه، بمعنىً فهو صائب ومصيب.

يقول: رماني خساس الناس ورذالهم، دون كرامهم. ثم جعلهم ثلاثة أقسام، وذكر قسمين في هذا البيت والقسم الثالث في البيت الذي يليه. القسم الأول هو من يرميني من صائب استه: يعني أنه لا ضعيف لا يجاوز رميه إياي استه، أو يريد به: أن ما يريد أن يعيرني به لا يلحقني، لأن الإجماع واقع على فضلي، فما يقوله يدل به على نفسه دوني، وذكر استه: استهانةً واستخفافاً به. وقيل: أراد من داءٍ به، أن يصيب السلاح استه. أي يلي دبره عند الانهزام لفراره وجبنه. والقسم الثاني: أن الجندل من يده إذا رماني به كالقطن؛ في ضعف تأثيره في وقلة مبالاتي به، ومعناه: أن منهم من لا يجاوز رميه، ومنهم من يكون الجندل من يده كالقطن وإن جاوز.

ومن جاهلٍ بي وهو يجهل جهلهويجهل علمي أنه بي جاهل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قفا تريا ودقي فهاتا المخايل»

والقسم الثالث من خساس الناس: من يرميني من الناس. من هو جاهل قد اجتمع فيه ثلاثة أضرب من الجهل: جهله بقدري، وجهله بأنه جاهل بقدري، وجهله بأني عالم بجهله وبقدري، فمن اجتمع فيه هذه الضروب من الجهل كيف يعرف قدري؟!.

ويجهل أني مالك الأرض معسرٌوأني على ظهر السماكين راجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قفا تريا ودقي فهاتا المخايل»

مالك: نصب على الحال، وكذلك على ظهر السماكين: في موضع نصب، لأنه حال، وخبر أن الأولى معسر، وخبر الثانية راجل.

يقول: إن الجاهل الذي ذكرته يجهل أني في حال ملكي الأرض معسر، لأن همتي أعلى من ذلك، وهذا قليل في جنب ما أستحقه، وأني في حال كوني على ظهر السماكين، راجلٌ عند نفسي وعظم محلي. يصف أن همته عالية، لا يسعها ملك الأرض.

تحقر عند همتي كل مطلبٍويقصر في عيني المدى المتطاول
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن لي همة تحقر عندي كل مطلب، وتقصر الغاية القصوى في عيني مع تطاولها. يعني لا أرضى لنفسي كل مرتبة أبلغها، بل أطلب فوقها.

وما زلت طوداً لا تزول مناكبيإلى أن بدت للضيم في زلازل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قفا تريا ودقي فهاتا المخايل»

الطود: الجبل العظيم، ومناكبه: جوانبه.

يقول: كنت كالجبل لا يزول؛ لعظم حالي، فالآن قد اضطررت إلى قبول الضيم فحركني الذل والضيم، كما تحرك الزلازل الجبل، ومعناه: لم يؤثر في الضيم إلا قدر ما تؤثر الزلزلة في الجبل.

فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشاقلاقل عيسٍ كلهن قلاقل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قفا تريا ودقي فهاتا المخايل»

القلاقل: جمع القلقل، وهي الناقة الخفيفة. والعيس: الإبل التي يعلو بياضها شقرة.

يقول: لما بدت في زلازل الضيم، حركت الذي حرك قلبي، الخفاف السراع من الإبل والعيس، كلهن سراع خفاف. وأراد به السفر.

إذا الليل وارانا أرتنا خفافهابقدح الحصى ما لا ترينا المشاعل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قفا تريا ودقي فهاتا المخايل»

يصف شدة سير العيس فيقول: إذا الليل سترنا عند السرى، أرتنا أقدام هذه العيس، عند وقعها على الحصى، لشدة ضربها بالحصى، أو ضرب بعضها ببعض، ما لا ترينا المشاعل من الضوء! يعني أن ما ينقدح من النار عند سيرها، كانت تزيد على نار المشاعل وضوئها.

كأني من الوجناء في متن موجةٍرمت بي بحاراً ما لهن سواحل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الوجناء: الناقة الغليظة العظيمة الوجنتين. وقيل: هي الغليظة البدن الصلبة. ورمت: فعل الموجة، شبه المفازة التي سار فيها، بالبحار، لسعتها، ولما فيها من السراب الجاري مجرى الماء.

يقول: كأني من هذه الناقة الوجناء في هذه الفلاة على متن موجة، رمت بي الموجة بحاراً ما لها سواحل؛ لبعد هذه المفازة وسعتها.

يخيل لي أن البلاد مسامعيوأني فيها ما تقول العواذل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قفا تريا ودقي فهاتا المخايل»

يقول: يصور لي أن البلدان التي أجول فيها مسامعي وأذناي، وأنا في هذه مثل عذل العواذل في أذني، فكما لا يستقر اللوم في أذني، كذلك لا أستقر أنا في بلد من البلاد، وشبه نفسه بالعذل، والبلاد شبهها بالمسامع.

ومن يبغ ما أبغي من المجد والعلىتساوى المحايى عنده والمقاتل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المحايى والمحايا: واحدها المحيا وهو الحياة.

يقول: من طلب ما أطلب من الشرف والارتفاع، تساوت عنده مواضع الحياة والموت، ولا يبالي بالقتل؛ لأن من طلب التعظيم خاطر بالعظيم.

ألا ليست الحاجات إلا نفوسكموليس لنا إلا السيوف وسائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قفا تريا ودقي فهاتا المخايل»

يقول مخاطباً لأعدائه من الملوك وغيرهم: إن ما أتحمله من الشدائد وما أقتحمه من المشاق، ليس إلا طلباً لهلاككم، فليست الحاجات إلا نفوسكم وأرواحكم، وليست لنا إلى سلب أرواحكم وسائل وأسباب، إلا السيوف.

فما وردت روح امرىءٍ روحه لهولا صدرت عن باخلٍ وهو باخل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن هذه السيوف لا ترد روح امرىء إلا سلبتها، فلا تكون روحه له، ولا انصرفت عن رجل بخيل يبقى بخيلاً، يعني أنه إذا وردته أهلكته، فهو يجود بنفسه التي هي أعز الأشياء، والواو في قوله وهو باخل واو الحال.

غثاثة عيشي أن تغث كرامتيوليس بغثٍّ أن تغث المآكل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قفا تريا ودقي فهاتا المخايل»

الغثاثة الهزال، من غث يغث ويغث.

يقول: إن نقصي في نقصان الكرامة لا في نقصان المأكولات، فلست أبالي بسوء المأكولات إذا كنت مبجلاً ذا كرامة، فكأنه يقول: إذا سمعت كرامتي فلا بأس بغثاثة المأكول.

وقال أيضاً في صباه في الحماسة والفخر:

ضيفٌ ألم برأسي غير محتشموالسيف أحسن فعلاً منه باللمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضيف ألم برأسي غير محتشم»

غير: يجوز بالرفع على أن يكون صفة لضيف، وبالنصب على الحال من ضمير الضيف، ومحتشم: أي منقبض مستحي. واللمم: جمع اللمة من الشعر.

يصف الشيب ويقول: إنه ضيفٌ نزل برأسي، وإن لم يكن نزوله نزول الضيف في الاحتشام والاستحياء، لأنه لم يستأذنني كاستئذان الضيف، ثم يقول: إن السيف أحسن فعلاً بالرأس، من الشيب باللمم. وهو من قول البحتري.

وددت بياض السيف يوم لقيننيمكان بياض الشيب حل بمفرقي
للشاعر البحتري، من قصيدة «حَلَفْتُ لهَا بالله، يَوْمَ التّفَرّقِ»
ابعد بعدت بياضاً لا بياض لهلأنت أسود في عيني من الظلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضيف ألم برأسي غير محتشم»

ابعد: أمر من بعد يبعد إذا هلك وذل. وبعدت: دعاء على الشيب. وبياضاً: نصب على التمييز. وقوله: لا بياض له: أي لا نور له، ولا بياض في الحقيقة، وإن كان من حيث الصورة بياضاً، ويجوز أن يكون أيضاً دعاء على الشيب، وكأنه أراد لا رزق خيراً، والأولى نوراً، وإنما قال: لا بياض له لأنه يورث ظلمة البصر، وتغير اللون، ويفرق بين الإنسان وبين الملاذ، وينذر بالزوال ويؤذن بالضعف والهزال، وقوله: لأنت أسود إن أراد أنه أنت أشد سواداً ففيه شذوذ، لأن الألوان لا يبنى منها أفعل التفضيل. بل يقال: أشد سواداً، فعلى هذا معناه أنت في عيني أشد سواداً من الظلمات، وإن لم يرد معنى المبالغة، فيكون تقديره لا أنت في عيني مع بياضك أسود من جملة الظلم السود. فكأنه يقول أنت في عيني كائن من الظلم، ومثله قول أبي تمام الطائي:

له منظر في العين أبيض ناصعٌولكنه في القلب أسود أسفع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما إنه لولا الخليط المودع»
بحب قاتلتي والشيب تعذيبيهواي طفلاً وشيبي بالغ الحلم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

تعذيبي: مبتدأ وبحب قاتلتي خبر مقدم عليه وهواي مبتدأ وكذلك شيبي وطفلاً وبالغ نصب على الحال، وهي في موضع الخبر للابتداء، وقائم مقامه.

يقول: تعذيبي بشيبي حب قاتلتي والشيب. ثم بين وقت كل واحد منهما. فقال: هواي طفلاً وشيبي بالغ الحلم يعني: هويت وأنا طفلٌ، وشبت وأنا بالغ الحلم.

ولما بين أنه عشق طفلاً، وشاب وقت الحلم جعل الحب والشيب عذاباً، وغرضه بذلك حصولهما قبل وقتهما.

فما أمر برسمٍ لا أسائلهولا بذات خمارٍ لا تريق دمي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضيف ألم برأسي غير محتشم»

يقول: مررت بصيغة لا أمر. برسم: من رسوم ديار المحبوبة، إلا وأنا أسائله عنها، أو لا أمر برسم دارٍ إلا يذكرني رسم دارها فأسائله، ولا أمر بذات خمار من النساء إلا تذكرني محبوبتي، فيريق دمي بعيني. يعني إنها تبكيني فيجري من عيني الدم، فضلاً عن الدمع! أو يريد: إنها تقتلني وتريق دمي. على مجاز الشعراء. وقيل: إنه أراد بذلك أن قلبه يتقلب، ويتعلق بكل امرأة حتى لا يملك كفه ودفعه.

تنفست عن وفاءٍ غير منصدعٍيوم الرحيل وشعبٍ غير ملتئم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضيف ألم برأسي غير محتشم»

وروى: تبسمت، والشعب: القلب.

يقول: إن هذه المرأة تنفست الصعداء أسفاً على فراقي، وكان تنفسها عن وفاءٍ غير مفترق وعن شعبٍ متفرق، غير ملتئم، يعني أنها كانت على الوفاء مع تفرق الشمل.

قبلتها ودموعي مزج أدمعهاوقبلتني على خوفٍ فماً لفم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضيف ألم برأسي غير محتشم»

مزج: بمعنى المزاج. وفماً: نصب على الحال.

يقول قبلتها عند الوداع في حال عناقي لها، وكانت الدموع ممتزجة، وقبلتني هي أيضاً، خوفاً من الرقباء أو خوف الفراق، في حال تقبيله إياها في الفم، أي في حال التصاق الفم بالفم.

فذقت ماء حياةٍ من مقبلهالو صاب ترباً لأحيا سالف الأمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضيف ألم برأسي غير محتشم»

أراد بماء الحياة: ريقها.

يقول: ذقت من مقبل هذه المرأة ماء الحياة، فحييت، وكنت قد مت قبل ذلك، ولا تعجب من حياتي به فإنه لو صاب سالف الأمم لأحياها فضلاً عن إحيائه إياي! ويجوز أن يكون صاب: من قولك صاب المطر إذا نزل، ويكون تقديره: لو صاب على ترب إلا أنه حذف على وأوصل الفعل إليه ومثله للمجنون.

لو أن رضاب ليلى صاب ميتاًلأحياه وعاش إلى القيامة
ترنو إلي بعين الظبي مجهشةًوتمسح الطل فوق الورد بالعنم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضيف ألم برأسي غير محتشم»

ترنو: أي تنظر نظراً شديداً، والمجهشة: المتهيئة للبكاء. والعنم: قيل: إنه دودة حمراء تكون في الرمل، تشبه بها البنان، وقيل: نبت. وقيل: نوع من الثمار مخروط أشبه الأشياء بالبنان اللينة المخضبة، وقيل: شجر لين الأغصان. وقيل: شيء يخرج من الشجر كالثمار. وشبه أربعة أشياء: عينها: بعين الظبي، ودمعها: بالطل، وخدها: بالورد، وأصابعها: بالعنم، ونظيره قول الشاعر:

قالت وقد راعها بيني أمرتحلٌعنا؟ فقلت: غداً أولا فبعد غد
فأرست لؤلؤاً من نرجس وسقتورداً وعضت على العناب بالبرد
رويد حكمك فينا غير منصفةٍبالناس كلهم أفديك من حكم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضيف ألم برأسي غير محتشم»

رويد: اسم بمعنى فعل الأمر. ونصب حكمك برويد، وغير منصوب على الحال، أو على النداء.

يقول: ارفقي وكفي عنا حكمك يا غير منصفة، يعني: يا ظالمة. أفديك من جميع الناس من حكم بين الحكام.

أبديت مثل الذي أبديت من جزعٍولم تجنى الذي أجننت من ألم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضيف ألم برأسي غير محتشم»

يقول: أظهرت من الجزع مثل ما أظهرت، ولكنك لم تضمري من حبي مثل ما أضمرت. ينسبها إلى النفاق في حبها له.

إذاً لبزك ثوب الحسن أصغرهوصرت مثلي في ثوبين من سقم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضيف ألم برأسي غير محتشم»

بزك: أي سلبك. والهاء في أصغره: ترجع إلى الجزع، وإلى الذي في قوله: ولم تجنى الذي أجننت. وإلى قوله: من ألم.

يقول: لو كان بك ألمٌ مثل ما بي، يسلبك أصغره ثوب الحسن وصرت في ثوبين من السقم. فجعل للحسن والسقم ثوباً.

ووجه التثنية، وهي أنه قد يعبر عن الواحد بالتثنية وإن لم يرد به حقيقة التثنية، ويحتمل أن يريد بذلك أنه يورث بها ضعف ما به من السقم، فعبر عنه بالثوبين. ويجوز: أن يكون أراد بالتثنية أن أصغر ما به يورث لها سقمين: ظاهراً وباطناً، وقيل: إن غرضه بذلك أنك صرت مثلي في إزارٍ ورداءٍ من السقم؛ لأن لباس العرب إزار ورداء. بمعنى: أن الإزار والرداء تمام لباس البدن. فكذلك ما يحصل له من السقم بأصغر ما نال من الوجد تمام ألم البدن.

ليس التعلل بالآمال من أربيولا القناعة بالإقلال من شيمي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضيف ألم برأسي غير محتشم»

وروى: ولا القنوع بضنك العيش من شيمي. والقناعة أولى؛ لأن القنوع في السؤال الأكثر.

يقول: ليس التعلل بالأماني دون الوصول إلى البغية من حاجتي، وكذلك: ليس القناعة بالفقر وضنك العيش من عادتي، ولكني أطلب المعالي والمفاخر.

وما أظن بنات الدهر تتركنيحتى تسد عليها طرقها هممي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

بنات الدهر: حوادثه. وهممي فاعل تسد، وطرقها مفعوله.

يقول: لست أحسب أن حوادث الزمان تتركني حتى أبلغ ما أريد بلوغه، حتى تسد على تلك الحوادث طرقها هممي وتمنعها من الوصول إلي والوقوف بي.

لم الليالي التي أخنت على جدتيبرقة الحال واعذرني ولا تلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضيف ألم برأسي غير محتشم»

أخنت: أي أهلكت. على جدتي: أي على غناي. ورقة الحال: ضعف الحال.

يقول: يا من يلومني على ضعف حالي ورثاثة الهيئة، لم حوادث الليالي التي أهلكت غناي، واعذرني فلا لوم علي إذ لا ذنب لي.

وقيل: إن سائلاً تعرض لعطائه. فقال له: لم الليالي التي فعلت بي ذلك وأفقرتني، واقبل عذري في ردك ولا تلمني؛ لأن فقري واختلالي ليس من قبلي.

أرى أناساً ومحصولي على غنمٍوذكر جودٍ ومحصولي على الكلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضيف ألم برأسي غير محتشم»

محصولي: أي حصولي.

يقول: أرى أشباحاً في صور الناس، وهم في الحقيقة كالغنم؛ لبعدهم من المروءة، وأرى ذكر جودٍ فيما بين الناس الذين هم كالغنم، وحصولي من ذلك على كلمٍ. يعني: أن الذي حصل من جودهم الحكاية، دون حقيقة الجود.

ورب مالٍ فقيراً من مروءتهلم يثر منها كما أثرى من العدم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.