تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

الشاميات (٧)

لم تحل: أي لم تمنع، وهو فعل الكأس.

يقول: إذا شرب غيري الكأس، وهي الخمر، فأرعشت يديه من السكر، صحوت أنا، فلم تحجز الخمر بيني وبين عقلي. فأجرى العقل مجرى النفس؛ لأن قيام النفس بالعقل. وقيل: أراد لم تحل بيني وبين جدي؛ لأن جدي لا يفارقني أبداً.

هجرت الخمر كالذهب المصفىفخمري ماء مزنٍ كاللجين
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا ما الكأس أرعشت اليدين»

يقول: تركت الخمر التي تشبه الذهب المصفى في لونها، وعدلت إلى الماء الصافي، الذي يشبه لونه الفضة لصفائه.

أغار من الزجاجة وهي تجريعلى شفة الأمير أبي الحسين
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا ما الكأس أرعشت اليدين»

روى: أغار من المدامة.

يقول: أحسد أقداح الخمر إذا جرت على شفته حيث تتشرف به فأتمنى ذلك الشرف لي دونها.

وقيل: إنما أغار عليها لكون الشراب كان أسواداً، فنزه شفته عنها والقصة تدل على ذلك.

كأن بياضها والراح فيهابياضٌ محدقٌ بسواد عين
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا ما الكأس أرعشت اليدين»

شبه بياض الزجاجة ببياض العين، والشراب الأسود بسواد العين، وحقق التشبيه بإحداق البياض بسواد العين، كإحداق الزجاجة بسواد الشراب.

أتيناه نطالبه برفدٍفطالب نفسه منه بدين
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: أتينا الممدوح نطلب منه العطاء، فطالب نفسه بدين لازم. يعني: إنه أوجب على نفسه العطاء؛ لجوده وسخائه.

وشربها فقال:

مرتك ابن إبراهيم صافية الخمروهنئتها من شاربٍ مسكر السكر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مرتك ابن إبراهيم صافية الخمر»

مرتك أصلها: مرأتك، فحذف الهمزة ضرورة. والثاني أنه كان ينبغي أن يقول: أمرأتك؛ لأن هذه اللفظة على الانفراد لا تستعمل إلا بالألف، فإذا أتبعت هناك جاز استعمالها من غير الألف. فهو شاذ من وجهين.

يقول: جعل الله لك هذه الخمرة هنيئة مريئة لك، يا من يسكر السكر. يعني: لا يغلبه السكر بشرب الخمر بل يغلب هو السكر.

رأيت الحميا في الزجاج بكفهفشبهتها بالشمس في البدر في البحر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مرتك ابن إبراهيم صافية الخمر»

الحميا: اسم من أسماء الخمر.

يقول: رأيت الخمر في الزجاج على يده، فشبهت الخمر؛ لصفائها ورقتها وضيائها بالشمس، وشبهت بالزجاج بالبدر؛ لبياضه ونقائه، وشبهت كفه بالبحر؛ لكثرة سخائه وعطاياه.

إاذ ما ذكرنا جوده كان حاضراًنأى أو دنى يسعى على قدم الخضر
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

اسم كان: ضمير الجود.

يقول: إن جوده في سرعته ووصوله إلى الناس كأنه يسعى على قدم الخضر، لأنه يقال: إنه لا يذكر في موضع إلا وكان حاضراً في ذلك الموضع.

يقول: سواء كان الممدوح نائياً أو دانياً فإن جوده يصل إلينا في أسرع ما نريد.

وقال أيضاً يمدحه:

أحادٌ أم سداسٌ في أحاج؟لييلتنا المنوطة بالتناد
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أراد الاستفهام كأنه قال: أأحاد، فحذف الهمزة لدالالة قوله: أم سداسٌ. وهذا البناء للتكرار، فإذا قال: جاءني القوم أحاد، أراد به واحداً واحداً، وكذلك ما زاد عليه، ولا يراد به حقيقة العدد، وإنما خص السداس دون ما فوقها من سباع وغيره؛ لأن العرب لا تستعمل هذا المثال فيما فوق سداس، هذا قول بعضهم، وليس بواضح. فقد ذكر أبو حاتم: في كتاب الإبل هذا المثال فيما زاد على سداس إلى عشار. فالأولى أن يقال: إنما خص هذه لأنها ليالي الأسبوع، ومدار أيام الدنيا على هذا العدد.

يقول: إن هذه الليالي جاءت واحدة واحدة أم ستة ستة جمعت في واحدة. وقيل: إنه أراد ها هنا واحدة هذه الليلة أم ستة ليال مجموعة في واحدة؟ فكأنه يقول هذه الليلة واحدة أو ليالي الأسبوع كلها، وهي في طولها كأنها متصلة بيوم القيامة. وقوله: لييلتنا تصغير ليلة؛ وإنما صغرها مع وصفه لها بالطول؛ إشارة إلى أنها في نفسها قصيرة وإن كانت هي عنده طويلة؛ لطول سهره فيها. أو يقال: إنما صغرها على سبيل التعظيم كقول بعضهم:

دويهية تصفر منها الأنامل

وقيل: أراد بيوم التنادي: يوم الرحيل إلى الأعداء للمحاربة، وتنادى بعضهم بعضاً، ويدل على هذا قوله:

أفكر في معاقرة المنايا

فكأنه طالت عليه هذه الليلة لسهرة تفكراً في قتل الأعداء فإذا وصل إلى مراده قصرت عليه وزال عنه السهر.

كأن بنات نعشٍ في دجاهاخرائد سافراتٌ في حداد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

سافرات: يجوز فيها الرفع صفة لخرائد، ويجوز نصبها على الحال، فتكون مكسورة. والحداد: هي الثياب السود.

يقول: كأن هذه الكواكب في ظلمات هذه الليلة الطويلة نساء بيض الوجوه قد كشفن وجوههن، ولبسن ثياباً سوداً. فشبه الكواكب بوجوه الجواري السافرات، وشبه الليل في سواده بالثياب السود التي تلبسها الجواري.

أفكر في معاقرة المناياوقود الخيل مشرفة الهوادي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

معاقرة المنايا: أي ملازمتها. وقيل: معاقرتها: محاربتها، من العقر. والهوادي: جمع الهادية، وهي العنق. ومشرفة: نصب على الحال.

يقول: طال علي هذا الليل مما أفكر في ملازمة المنايا وممارستها في الحروب والإقدام على القتال، ولذلك أفكر في قودي الخيل إلى الحرب مشرفة الأعناق. وقيل: معناه لا أفكر في معاقرة المنايا.

زعيماً للقنا الخطي عزميبسفك دم الحواضر والبوادي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

زعيماً: نصب على الحال من أفكر، وذو الحال: عزمي، والعزم: هو الكفيل. والقنا: المكفول له. وسفك دماء الحواضر والبوادي: المكفول به. والمكفول عنه: هو أبو الطيب.

يقول: أفكر في حال كوني زعيماً للرماح بأن تسفك دماء الناس كلهم، أهل الحضر وأهل البدو. وعلى إضمار لا في قوله: أفكر معناه لا أفكر في معاقرة المنايا مع تكفل عزمي بسفك دم الأعداء.

إلى كم ذا التخلف والتواني؟وكم هذا التمادي في التمادي؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

التمادي: هو الإفراط في الأمور، وهو من المد، أو أراد ها هنا الإفراط في تأخيرها.

يقول لنفسه: إلى كم هذا التخلف والتقصير في طلب العز، واقتناء المكارم، وإلى كم تستعمل التمادي في التقصير وتتمادى تمادياً بعد تمادٍ.

وشغل النفس عن طلب المعاليببيع الشعر في سوق الكساد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

الشغل: بالفتح المصدر، وبالضم، الاسم. وها هنا بالفتح.

يقول: معاتباً لنفسه إلى كم تشغل نفسك عن طلب المعالي؛ بأن تبيع الشعر في سوق الكساد وتقتصر عليه دون ما هو أجل منه، فأنت تجيد الشعر ولا تصيب الصلة التي تستحقها بشعرك.

وما ماضي الشباب بمستردٍولا يومٌ يمر بمستعاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يقول حاثاً لنفسه على لزوم الكائن قبل فوته: إن الشباب إذا مضى، وهو الزمان الذي لا يمكن تحمل المشاق في طلب المعالي لا يمكن رده، فكذلك اليوم الذي يمر لا يمكن إعادته! سواءٌ كان من أيام الشباب أو غيرها. وروى بمستفاد بالفاء أيضاً.

متى لحظت بياض الشيب عينيفقد وجدته منها ف يالسواد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

عيني: رفع لأنه فاعل لحظت والهاء في وجدته: لبياض الشيب، وفي منها: للعين.

يقول: إذا رأت عيني بياض شعري، فكأنما وجدت ذلك البياض في كراهته عليها كأنه في سوادها؛ لأن البياض في سواد العين يكون عمي، وهو من أثقل الأشياء، فكذلك الشيب.

متى ازددت من بعد التناهيفقد وقع انتقاصي في ازدياد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يقول: متى ازددت في السن، بعد تناهى الأشد وذلك أربعون سنة كانت تلك الزيادة نقصاناً، لأنه كلما ازداد السن بعد انتهاء الغاية، ازداد الجسم نقصاً، فتكون زيادتي حاصلة في نقصان سني.

أأرضى أن أعيش ولا أكافيعلى ما للأمير من الأيادي؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يقول: هل أرضى بملازمتي هذا التقصير والتخلف، ولا أجازي هذا الأمير على ما أسدى إلي من النعم بمدحي إياه؟!

جزى الله المسير إليه خيراًوإن ترك المطايا كالمزاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

المزاد: جمع المزادة. يصف المشقة التي مرت عليه وعلى إبله في المسير إلى هذا الممدوح، ودل بالدعاء للمسير: على أنه لم يذكره على سبيل الشكاية، وإنما ذكره على سبيل الشكر، حيث أوصله إليه فاكتسب بسببه فخراً ومالاً وذخراً، وشبه الإبل. وهزالها بالمزاد: وهي القرب البالية، وهذا التشبيه جيد. وقيل: إنه أراد أن المسير ترك المطايا خالية من القوت واللحم، لطول سفرنا كمزادنا الخالية من الزاد، فتكون الألف واللام في المزاد دالة على الإضافة.

فلم تلق ابن إبراهيم عنسىوفيها قوت يومٍ للقراد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

عنسى: رفع لأنها فاعلة تلق.

يقول: إن ناقتي لم تلق ابن إبراهيم، إلا بعد أن صارت من الهزال بحال لم يبق فيها من اللحم قدر ما يقتاته القراد يوماً واحداً!

ألم يك بيننا بلدٌ بعيدٌفصير طوله عرض النجاد؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يقول: كان بيني وبين هذا الممدوح بلد بعيدٌ، فصير هذا المسير طوله الطويل، كعرض النجاد في القصر، وقربه غاية القرب. وفيه التطبيق للمبالغة في الجودة.

وأبعد بعدنا بعد التدانيوقرب قربنا قرب البعاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

بعدنا، وقربنا: مفعول بهما. وبعد التداني، وقرب البعاد: منصوبان على المصدر.

يقول: إن المسير أبعد بعدنا، فجعله كبعد التداني الذي كان بيننا، وكذلك قرب المسير قربنا، مثل قرب البعد الذي كان بيننا من قبل. يعني أبعد البعد وقرب القرب.

فلما جئته أعلى محلىوأجلسني على السبع الشداد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يقول: لما قصدته بعد هذا التعب، رفع منزلتي وأحسن جائزتي حتى إنه رفعني إلى السموات السبع وأجلسني فوقها.

تهلل قبل تسليمي عليهوألقى ماله قبل الوساد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يقول: لقيني بطلاقة وجهه، وتبسمه، قبل أن أسلم عليه، وألقى إلي ماله قبل إلقاء الوسادة التي يجلسني فوقها.

نلومك يا علي لغير ذنبٍلأنك قد زريت على العباد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يقول: يا علي، نلومك ولا ذنب لك، غير أنك قصرت وعبت على الناس بأفعالك وخصالك، فليس ذلك بذنب، وإنما هو فضلٌ منك وكرم.

وأنك لا تجود على جوادٍهباتك أن يلقب بالجواد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

هباتك: رفع لأنها فاعلة تجود. وتقديره: لا تجود هباتك على جواد أن يلقب كذلك بالجواد.

يقول: إن هباتك أبت أن يقلب أحدٌ بالجواد غيرك؛ لأنها فاقت هبات غيرك، حتى أخرجت جود الناس عن كونه جواداً، وهذا مثل قول بعض الشعراء:

رد معروفك الكثير قليلاًوأرى جودك الجواد بخيلاً
للشاعر البحتري، من قصيدة «ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا»
كأن سخاءك الإسلام؛ تخشىمتى ما حلت عاقبة ارتداد
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إنك من شدة مواظبتك على السخاء صار سخاؤك كالإسلام، لا تحول عنه، كما لا تحول عن الإسلام؛ خوفاً من عاقبة الارتداد؛ لأن عاقبته مذمومة، يجب على كل أحد التجنب منه؛ لأنه يلزمه في الدنيا: القتل، وفي الآخرة: العذاب الدائم. ومثله لأبي تمام.

مضوا وكأن المكرمات لديهملكثرة ما أوصوا بهن شرائع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ألا صنع البين الذي هو صانع»
كأن الهام في الهيجا عيونٌوقد طبعت سيوفك من رقاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يقول: كأن هام أعدائك عيونٌ، وسيوفك مضروبة من النوم، فلا يكون مسكنهاإلا في الهامات، كسكون النوم في العين.

وقد صغت الأسنة من همومفما يخطرن إلا في فؤاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

روى صغت وصغت. وروى: يخطرن بالكسر أي الرماح وبالضم الهموم، يقال: خطر الرمح. ويخطر، وخطر الشيء بالقلب يخطر، كأنك قد ضربت أسنة رماحك من الهموم؛ لأن محلها القلوب، كما أن محل الهموم القلوب.

والمعنى: أن قلوب الأعداء لا تخلو من أسنة رماحك، كما لا تخلو من الأحزان والهموم.

ويوم جلبتها شعث النواصيمعقدة السبائب للطراد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

الكناية في جلبتها: للخيل ولم يجر لها ذكر، لدلالة الكلام عليه. ومعقدة السبائب: أي مضفورة الشعر للذنب.

يقول: في اليوم الذي حشرت الخيل وأتيت بها مشعثةً نواصيها معقدة أذنابها، لأنها كانت مهيأة للحرب.

وحام بها الهلاك على أناسلهم باللاذقية بغي عاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

الهاء في بها: للخيل، أي بسبب الخيل.

يقول: وطاف الهلاك بهذه الخيل على قوم كان لهم بغي عاد باللاذقية.

فكان الغرب بحراً من مياهٍوكان الشرق بحراً من جياد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يقول: كان الأعداء بين البحرين، غريبها بحر الشام، وشرقيها بحر من جياد: وهو جيش الممدوح شبهه بالبحر لكثرته، ولبياض الحديد وبريقه فيهم وقيل: أراد بالبحر من المياه، دماء القتلى. فبين أنها لكثرتها كبحرالماء، والجانب الشرقي من عتاق الخيل.

وقد خفقت لك الرايات فيهفظل يموج بالبيض الحداد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

الضمير في فيه: يرجع إلى البحر من جياد.

يقول: تحركت أعلامك في البحر من الجياد فكان يموج بالسيوف البيض المحددة شبه بياض السيوف بماء البحر.

لقوك بأكبد الإبل الأبايافسقتهم وحد السيف حاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

الأبايا: جمع الأبية، وهي التي لا تنقاد، وتمنع أنفسها من الخطام.

يقول: إن أعداءك رأوك بأكباد غلاظ كأكباد الإبل الأبية، التي لا تنقاد لصعوبتها. فسقتهم مع غلظ أكبادهم ونحوتهم وحد سيفك حادٍ بهم وسائقهم.

وقد مزقت ثوب الغي عنهموقد ألبستهم ثوب الرشاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يقول: قاتلتهم حتى انقادوا، وكشفت عنهم ثوب الضلالة، وألبستهم ثوب الرشاد والحق، فصاروا راشدين بعد أن كانوا غاوين.

فما تركوا الإمارة لاختيارٍولا انتحلوا ودادك من وداد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يقول: ما تركوا الإمارة اختياراً، بل غصبتهم عليها، وما ادعوا ودك من اعتقاد قلوبهم، بل نفاقاً في حبك.

ولا استفلوا لزهدٍ في التعاليولا انقادوا سروراً بانقياد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يقول: ما انخفضوا لك لزهدهم في العلو، ولا انقادوا لك سروراً بالانقياد، لكنهم انقادوا خوفاً

ولكن هب خوفك في حشاهمهبوب الريح في رجل الجراد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يقول: هب خوفك في قلوبهم فطيرها، كما تهب الريح في قطعة من الجراد فتبددها.

وماتوا قبل موتهم فلمامننت أعدتهم قبل المعاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يقول: وإنهم ماتوا خوفاً منك، ولما صاروا كالموتى، فكأنهم ماتوا قبل الموتة، حتى إذا مننت عليهم أعدتهم قبل يوم القيامة بعفوك عنهم.

غمدت صوارماً لو لم يتوبوامحوتهم بها محو المداد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يقول: كانوا قد ماتوا فأعدتهم قبل المعاد! بأن غمدت سيوفك عن قتلهم بها ولو لم يرجعوا عن معصيتك لمحوتهم كما ينمحي المداد من الألواح.

وما الغضب الطريف وإن تقوىبمنتصفٍ من الكرم التلاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يقول: إن غضبك المستحدث وإن كان قوياً فلا يؤثر في كرمك الأصلي القديم، فلا يمكنه أن يغلب كرمك المتين.

فلا تغررك ألسنةٌ موالٍتقلبهن أفئدةٌ أعادي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الموالي: هم الأصدقاء، وقد راعى فيه المطابقة، وجمع التأنيث في تقلبهن للألسنة.

يقول: لا تغتر بإظهارهم لك المولاة بألسنتهم فإن ألسنتهم وأفئدتهم مضمرةٌ للعداوة، فتغلب ألسنتهم قلوبٌ مضمرة على العداوة، فلا تغتر بظاهر أحوالهم.

وكن كالموت لا يرثي لباكٍبكى منه ويروي وهو صادي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فاعل بكى: ضمير باكٍ.

يقول: كن كالموت لا يرحم، ولا يرق لباكٍ، يبكي من يده وفعله، ويروي الموت وهو عطشان بعد الري، فيزداد عطشاً.

فإن الجرح ينفر بعد حينٍإذا كان البناء على فساد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

نفر الجرح: إذا تورم وظهر من أسفله فساد.

يقول حاثاً له على قتل الباقين منهم: أضمروا العداوة، ويتربصون بك الدوائر فلا تغتر بإظهارهم المودة، فإنهك كالجرح إذا كان اندماله على فساد، وغور فيه، فإنه يظهر غوره بعد حين، فكذلك حالهم معك.

وإن الماء يجري من جمادٍوإن النار تخرج من زناد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

أراد بالجماد: الحجر.

يقول: لا تأمن إظهار أحوالهم، فقد يجري الماء من الحجر الصلد، وكذلك النار التي تحرق كل شيء تخرج من الزناد الحديد.

وكيف يبيت مضطجعاً جبانٌفرشت لجنبه شوك القتاد؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يقول: كيف ينام عدوك وهو جبان، مضطجعاً على فراش من قتاد: يعني أن خوفك قد أثر تأثيراً به، حتى كأنه نائم على شوك القتاد، هيبةً منك، وقد يحصل من الجبان بعض أحوالٍ لا تحصل من الشجاع ضرورة خوفاً، ويجوز أن يكون توحيد الجبان لأنه أراد: أميرهم.

يرى في النوم رمحك في كلاهويخشى أن يراه في السهاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يقول: يرى هذا الجبان رمحك أصابت كلاه في نومه، فخاف أن يرى في اليقظة ما يراه في النوم، فلا يلذ له نوم أبداً، لذلك.

أشرت أبا الحسين بمدح قومٍنزلت بهم فسرت بغير زاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يقول: أشرت إلي أن أمدح قوماً نزلت بهم فما أكرموني وخرجت من عندهم بغير زاد، فهل ترى أن أمدح من هذا فعله؟!

وظنوني مدحتهم قديماًوأنت بما مدحتهم مرادي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

كأنه قد كان قصدهم قبل قصده الممدوح، ومدحهم فلم يثيبوه شيئاً.

يقول: إنهم ظنوا أني مدحتهم، وما علموا أنك كنت أنت المقصود بذلك المدح.

وقيل: إنه مدحهم بعدما أمره به هذا الممدوح، فلم يعطوه، فقال للمدوح: أنت أمرتني بمدحهم فيجب عليك أن تخرج ثواب مدحي لهم، وكنت ضامناً وقد أخذ هذا المعنى من قول الحكمي:

وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحهلغيرك إنساناً فأنت الذي نعني
وإني عنك بعد غدٍ لغادٍوقلبي عن فنائك غير غاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يقول: إني غادٍ عنك بعد غدٍ، وقلبي غير مرتحل عن فنائك. ومثله لأبي تمام:

مقيم الظن عندك والأمانيوإن قلقت ركابي في البلاد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سقى عهد الحمى سبل العهاد»
محبك حيثما أتجهت ركابيوضيفك حيث كنت من البلاد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

يقول: حيثما سرت ونزلت، فإني محبك، وحيثث كنت من البلاد فإني ضيفك، لأن عطاياك عظيمة وأياديك غير منقطعة ولا فانية. ومثله لأبي تمام قوله:

وما طوفت في الآفاق إلاومن جدواك راحلتي وزادي

إلا أن بيت المتنبي أجود منه؛ لأنه دل على هذا المعنى في المصراع الأول بمعنىً آخر، وأنه لم يقتصر على الراحلة والزاد، لأن لفظ الضيف يتضمن سائر وجوه النعم والتعظيم، لأن من حكم الضيف أن يكون معظماً مكرماًن فبين أنه كذلك حيثما سار من البلاد.

وقال أيضاً يمدحه. أي يمدح علياً بن إبراهيم التنوخي:

ملث القطر! أعطشها ربوعاوإلا فاسقها السم النقيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

الملث: الدائم القطر، والكناية في أعطشها: للربوع، وقدمها للدلالة، ونصب ربوعا على التمييز، كأنه قال: من ربوع.. والنقيع: المنقوع.

يخاطب المطر فيقول: يا دائم القطر، أعطش هذه الربوع من ربوع، ولا تسقها، وإن كنت لابد ساقيها، فاسقها السم النقيع! فإني شاكٍ منها؛ وقد بين العلة في ذلك في قوله.

أسائلها عن المتديريهافلا تدري ولا تذري دموعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

قوله: المتديريها: أي المقيمين بها والمتخيرين لها داراً، وكان الأصل المتدوريها، لأن الدار: أصلها دور، فهو من الواوي يقول أسائل هذه الربوع عن المقيمين فيها، فلا تدري سؤالي ولا تجيبني عنه ولا تبكي الدموع مساعدة عن بكاء الذين كانوا فيها، حزناً على خلوها منهم.

لحاها الله إلا ما ماضييهازمان اللهو والخود الشموعا

لحاها: أي لعنها، وأصله قشرها الله، والخود: الجارية الناعمة السهلة الخلق. والشموع: هي اللعوب المزاحة اللينة الكلام. وقيل: هي الصافية البياض.

يقول: لعن الله هذه الربوع إلا ماضيها، وهو استثناء منقطع، لكن شيئين منهما قد مضيا، فإني لا أدعو عليهما: أحدهما زمان اللهو، والثاني الخود الشموع وهي المحبوبة.

منعمةٌ، ممنعةٌ، رداحٌيكلف لفظها الطير الوقوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

الرداح: السمينة الكبيرة العجز. والوقوع: جلوس الطير.

يقول: إنها منعمة ممنوعة الوصول إليها، سمينة حسنة الصوت والمنطق، فلو سمع الطير لفظها في الهواء لسقط على الأرض، فكأن لفظها كلف الطير الوقوع على الأرض.

ترفع ثوبها الأرداف عنهافيبقى من وشاحيها شسوعاً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

رفع الأرداف: لأنها فاعلةٌ لترفع ومفعوله الثوب. والوشاح: شيء تقلد به العروس كتقليد السيف، ويكون طرفاه مرسلين من جانبي البدن، والشسوع: مبالغة في الشاسع وشسوعا: نصب على الحال.

يقول: إن أردافها ترفع الثوب عن جسمها؛ لعظم أردافها، فيصير الثوب بعيداً عن وشاحيها وجسمها. وقد دل بذلك على دقة الخصر، لأنه لو لم يدق لم يبعد الثوب عنه، وروى: شسوعاً بالضم: وهو مصدر واقع موقع شاسع. كقولهم: صوم وعدل، وصفة الشيئين أولى؛ لأنه صفة صريحة وحقيقة، وهذا محمول عليها.

إذا ماست رأيت لها ارتجاجاًله، لولا سواعدها نزوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

ماست: أي تبخترت. والارتجاج: الاضطراب. والهاء في لها: للأرداف، وفي له: للثوب. والنزوع: بمعنى النازع، وهو فاعل، من نزعت الشيء إذا جذبته عنه.

يقول: إذا تبخترت هذه المرأة في مشيها رأيت لأردافها من ثقلها اضطراباً، لولا سواعد هذه المرأة، لكان ذلك الارتجاج نازعاً لثوبها عنها، فلكون سواعدها في الكم، وإمساكها لثوبها، لم ينفصل الثوب عن البدن!!

تألم درزه والدرز لينٌكما تتألم العضب الصنيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

تألم: أصله تتألم، فحذف إحدى التاءين، وهو فعل المرأة. ولينٌ: أصله لينٌ، فخفف. والعضب: السيف القاطع. والصنيع: الذي جرد. وقيل: الذي فيه جودة الصنع.

يقول: تتألم هذه المرأة لنعومتها من درز هذا الثوب مع كون درزه ليناً، كما أنت تتألم أيها المخاطب من ضرب السيف. يعني: أن هذا القدر من الخشونة يؤثر فيها ويقع موقع ضربها بالسيف.

ذراعاها عدوا دملجيهايظن ضجيعها الزند الضجيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

يقول: ذراعاها، أي ذراعا هذه المرأة لامتلائهما، كأنهما عدوا دملجيها، لأنهما يكادان أن يكسراهما؛ لامتلائهما، أو أنه لا يمكنهما أن يدورا على ذراعيها، فيكون ذراعاها قد أمسكاهما. والدملجان: قد غاصا بذراعيها، فيعادي كلٌّ منهما صاحبه. من هذا الوجه. وقيل: أراد أن دملجيها لا ينحطان عن عضديها، إلى ذراعيها، لامتلاء ذراعيها بهما ومنعهما من أن يخرجا من ذراعيها، فهما والذراعان لا يلتقيان أبداً، كالعدوين.

يقول: يظن مضاجعها أن زندها شخص واحد، قد ضاجعه لعظمه وامتلائه.

وقيل: أراد أنها لدقة خصرها يظن المضاجع أنها زند: وهو الزند الذي يوري منه النار، والزند ينحف الخصر لكثرة القدح ووصول الحجر إليه من الجانبين، فكأنه شبهها في رقة خصرها بالزند.

كأن نقابها غيمٌ رقيقٌيضيء بمنعه البدر الطلوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

يقول: إن نقابها يشرق لإضاءة وجهها من تحته كما يشرق الغيم الرقيق من فوق القمر: الذي هو البدر. شبه نقابها بغيم رقيق، ووجها بالبدر ثم قال يضيء الغيم بسبب منعه البدر من الطلوع، ولو قال بدله الشمس لكان أبلغ.

أقول لها: اكشفي ضري. وقوليبأكثر من تدللها خضوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

قوله: وقولي بأكثر، يعني بخضوع أكثر من تدللها، خضوعاً، فتكون الباء متعلقة بمحذوف، وتكون هذه الجملة خبراً لقولي، وخضوعاً نصب على الحال، تفسيرٌ للخضوع المقدر.

يقول: أقول لها في حال تضرعي وتواضعي لها: اكشفي ضري، وخضوعي في قولي هذا أكثر من تدللها علي على كثرته؛ وذلك أن الدلال يكون مع الخضوع، فكأنه يقول: إنها تتمنع وتتدلل وأنا أخضع لها وأتذلل حتى يزيد خضوعي على مالها من التدلل والتمنع، وإن كان تدللها غير متناهٍ كثيراً فخضوعي أكثر منه.

أخفت الله في إحياء نفسمتى عصي الإله بأن أطيعا؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

يقول لها: أخفت لله تعالى في إحياء نفس على الوصال، فتكوني قد أحييته بعد الإماتة، أو يريد: إنك قد هممتي بإماتتي فكأنك خفت الله تعالى في تبقيتي على هذه الحال. وليس ذلك مما يخاف الله تعالى، بل إحياء نفس مما يتقرب به إلى الله تعالى، فكيف يعصي الإله بطاعته تعالى.

غدا بك كل خلو مستهاماًوأصبح كل مستور خليعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

وروى: كل خلق. والمستهام: من بلغ النهاية في الهوى. والخليع: هو المتظاهر بالهوى.

يقول: أصبح كل خلي من الهم والهاً بك متحيراً في هواك، وأصبح كل عفيف في حبك، خالعاً عذاره، ومثله:

ولو أن لقمان الحكيم تعرضتلعينيه ميٌّ سافراً كان يبرق
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أدارا بحزوى هجت للعين عبرة»
أحبك أو يقولوا جر نملٌثبيراً وابن إبراهيم ريعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

أو ها هنا بمعنى: أن أو إلى أن أو إلا أن.

يقول لها: إني أحبك إلى أن يقولوا: جر نملٌ ثبيراً وهو الجبل. وهذا لا يكون أبدا، أو إلى أن يقال: إن ابن إبراهيم، خوف وأفزع. وهذا أيضاً غير جائز، فلا يزول حبك أبداً عني، لأن هذين أبداً لا يكونان.

بعيد الصيت منبث السرايايشيب ذكره الطفل الرضيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

يقول: إنه رفيع الشأن، متفرق العساكر في البلدان؛ لكون البلاد كلها من ممالكه، أو للإغارة على أعدائه، ويشيب ذكر شجاعته الطفل الرضيع؛ لخوفه منه، وخص الطفل؛ لبعده عن الشيب، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: " يوماً يجعل الولدان شيباً ".

يغض الطرف عن مكرٍ ودهىكأن به وليس به خشوعا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الدهى: هو الدهاء. وخشوعاً: نصب لأنه اسم كأن. تقديره: كأن به خشوعاً، وليس أنه يغض طرفه عن مكرٍ ودهاءٍ، حتى كأنه لا يبصر شيئاً وهو مبصر، ولكن يتغافل بمكره، وهو يظن أنه خاشع البصر، وليس به خشوع لكنه يفعل مثل ذلك لدهائه.

إذا استعطيته مافي يديهفقدك، سألت عن سرٍّ مذيعا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فقدك: أي فحسبك، والمذيع: من عادته إفشاء السر، لأنه لا يكتمه. شبهه بمذيع السر، إذا سألوه المال. يعني: أن المذيع كما لا يكون له سر، كذلك هذا لا يثبت في يده غني.

قبولك منه منٌّ عليهوإلا يبتدىء يره فظيعا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

منه: نصب لأنه مفعول قبولك، ومنٌّ عليه، خبر الابتداء وقبولك مبتدأ، وفظيع: أي أمر شديد منكر.

يقول: إذا قبلت بره وعطاءه فكأنك قد مننت عليه بقبولك ذلك، وإن لم يبتدىء بالنوال قبل السؤال، رأى ذلك قبيحاً منكراً. يعني: يسابقك إلى العطاء قبل الاستغناء.

لهون المال أفرشه أديماًوللتفريق يكره أن يضيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

يقول: لهون المال عليه فرش تحته النطع من الأديم وصبه فوقه، لا لكرامته عليه، لأن النطع إنما يبسط لمن يضرب عنقه، ولو أراد إعزازه لجعله في الكيس، وإنما يكره أن يضيع المال، مخافة ألا يبلغ وقت تفريقه إياه، فيكره أن يضيع لأجل صرفه في مصارفه.

إذا ضرب الأمير رقاب قومٍفما لكرامةٍ مد النطوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

يقول: إن فرشه النطوع تحت المال، كما أنه إذا أراد أن يضرب رقاب قوم يلقى من تحتهم النطوع إهانةً لهم، لا إكراماً.

فليس بواهبٍ إلا كثيراًوليس بقاتلٍ إلا قريعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

القريع: السيد الشريف.

يقول: إن الممدوح لا يهب إلا كثيراً، وإذا قتل، لا يقتل إلا سيداً شجاعاً كريماً مقارعاً.

وليس مؤدباً إلا بنصلٍكفى الصمصامة التعب القطيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

كفى: يتعدى إلى مفعولين: أحدهما التعب، والثاني القطيع، وهو السوط. تقديره: كفى الصمصامة القطيع التعب.

يقول: إنه لا يؤدب إلا بسيف فيقيمه في التأديب مقام السوط، فيكفي السوط التعب والعناء.

عليٌّ ليس يمنع من مجيءٍمبارزه ويمنعه الرجوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

يقول: إنه لا يمنع مقاتله من المجيء إلى قتاله ونزاله، ولكنه إذا أراد أن ينصرف، منعه من الانصراف بقتله، فينتفي الرجوع.

عليٌّ قاتل البطل المفدىومبدله من الزرد النجيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

المفدى: الذي يفديه كل واحد من الناس، لشجاعته. والزرد: الدرع. والنجيع: الدم الطري. وقيل: دم الجوف.

يقول: إنه يقتل البطل الذي يفديه الناس لشجاعته، ويسلبه درعه ويلبسه بدل الدرع الدم الطري، الذي يخرج منه بالضرب والطعن.

إذا اعوج القنا في حامليهوجاز إلى ضلوعهم الضلوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

في حامليه: يجوز أن يريد به، المطعونين. ومعناه: إذا صارت الرماح معوجة في المطعونين، ونفذ ذلك الرمح من ضلع إلى ضلع آخر، أي يخرج من جانب إلى جانب آخر، من هذا المطعون إلى مطعون آخر، وجواب هذا الكلام، بعد البيت الذي يليه. ويجوز أن يريد بحامليه: أعداء الحاملين للرمح. وإنما خص الرمح؛ لأن طعن الرمح أدل على الفروسية والشجاعة، لأنه يقابل مثل سلاحك.

ونالت ثأرها الأكباد منهفأولته اندقاقاً أو صدوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

الهاء: في منه ترجع إلى لفظ القنا وكذلك أولته. وفي ثأرها للأكباد.

يقول: إذا اعوج القنا، وانصدع واندق في الأكباد، فكأن الأكباد نالت ثأرها من الرماح بهذا الاندقاق فأعطت الأكباد القنا اندقاقاً أو صدوعاً.

فحد في ملتقى الخيلين عنهوإن كنت الغضنفرة الشجيعا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
إن استجرأت ترمقه بعيداًفأنت اسطعت شيئاً ما استطيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

وروى: الخبعثنة فحد: أمر حاد يحيد، إذا تأخر عن المحاربة: والهاء في عنه: للممدوح، والغضنفرة: من صفات الأسد.

يقول: إذا اشتدت الحروب، واعوج القنا، ونالت الأكباد ثأرها من الرماح، فحد عنه، يا من يريد مبارزته عند التقاء الجيشين، وإن كنت أسداً شديداً شجاعاً، فإنه يقتلك لا محالة فتهلك.

وإن ماريتني فاركب حصاناًومثله تخر له صريعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

أي: إن خاصمتني، أو شككت في قولي روى: حصاناً وجواداً وصريعاً نصب على الحال.

يقول: إن خاصمتني أو شككت في إخباري من حال هذا الممدوح، فاركب فرساً جواداً ومثله في قلبك نصب عينيك، وإن كان غائباً عنك فإنك تسقط من هيبته هالكا.

غمامٌ ربما مطر انتقاماًفأقحط ودقه البلد المريعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

البلد المريع، والممرع: هو الخصيب والمخصب وزناً ومعنى.

يقول: إنه غمام يمطر خيراً ونعمة إلا أنه ربما يمطر انتقاماً فيقحط قطره البلد الخصيب.

رآني بعد ما قطع المطاياتيممه وقطعت القطوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

رأى: فعل الممدوح، وتيممه: فاعل قطع. والمطايا: مفعوله. وقطعت: فعل المطايا. والقطوع: مفعوله. وهو جمع القطع، وهو الطنفسة على ظهر البعير.

يقول: رآني الممدوح، بعد ما قطع المطايا، وأتبعها سيري إلى الممدوح وقصدي إياه، وقطعت المطايا الطنافس التي عليها؛ لطول ملازمتي لها؛ وكل ذلك لطول الطريق وبعد المسافة ومقاساة الشدائد. يذكر ذلك توصلاً إلى فضل عطاياه.

فصير سيله بلدي غديراًوصير خيره سنتي ربيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

يقول: لما رآني أعطاني إعطاءً واسعاً، حتى جعل سيله بلدي غديرا: وهو مقر الماء. وصير خيره سنتي كلها ربيعاً؛ لأنه أفضل فصول السنة.

وجاودني بأن يعطي وأحوىفأغرق نيله أخذي سريعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

جاود: فاعل من الجود.

يقول: جاد علي بالعطاء وجدت عليه بالاحتواء والأخذ فجعل أخذه منه جوداً، لأنه كان يعد أخذه نعمة من جملة النعم عليه، فأغرق نيله وإعطاؤه أخذي بسرعة: أي لم يبلغ أخذي عطاؤه، فكأنه غرق أخذي.

أمنسي السكون وحضرموتاًووالدتي وكندة والسبيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

يقول: يا من أنساني هذه الأماكن لجوده، وإن كانت منشأي ومألفي، ويا من أنساني والدتي فلا أشتاقها؛ لأن عطاءك شغلني عن جميع ذلك.

قد استقصيت في سلب الأعاديفرد لهم من السلب الهجوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

السلب: يجوز أن يكون الشيء المسلوب، ويجوز أن يريد به: المصدر، فيجوز فيه فتح اللام وإسكانها.

يقول: قد سلبت أعداءك كل شيء حتى النوم، فرد عليهم من جملة هذا السلب النوم. يعني: أنهم من خوفهم منك أن تسلبهم نفوسهم، لا ينامون، فأمنهم ليناموا.

إذا ما لم تسر جيشاً إليهمأسرت إلى قلوبهم الهلوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

تسر: مضارع أسار يسير إسارة، وسار وهو يسير سيراً والهلوع: أسوأ الجزع.

يقول: إذ لم تسير جيشك إليهم، وتركت قتالهم فقد سيرت إلى قلوبهم الجزع والخوف، فكأنك قد سيرت إليهم الجيش؛ لأن خوفهم منك يقوم على حقهم مقام الجيش.

رضوا بك كالرضا بالشيب قسراًوقد وخط النواصي والفروعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

وخط: إذا ظهر واختلط البياض بالسواد، وأراد بالنواصي: شعرها. والفروع: الذوائب.

يقول: إنهم رضوا بك كارهين كرضاهم بالشيب إذا خالط شعر النواصي وسائر الفروع، فكما أن الشيب غير محبوب إلى كل أحد، فكذلك حالهم في رضاهم بك.

فلا عزلٌ وأنت بلا سلاحٍلحاظك ما تكون به منيعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

العزل: هو فقد السلاح. من قولهم: رجل أعزل. وما؛ بمعنى الذي. كأنه قال: لحاظك الشيء الذي يكون به منيعاً. والهاء في به عائد إلى ما، والمنيع: الممنوع الجانب.

يقول: ليس فقدك السلاح بعزل؛ لأن لحاظك إذا نظرت إلى عدوك تغني عن السلاح، فصرت بالملاحظة منيعاً ذا سلاح.

لو استبدلت ذهنك من حسامقددت به المغافر والدروعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

الهاء في به: للذهن.

يقول: لو جعلت ذهنك بدلاً من سيفك، لقطعت به المغافر والدروع. يصفه بحدة الذهن وجودة الخاطر.

لو استفرغت جهدك في قتالٍأتيت به على الدنيا جميعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

يقول: لو بذلت جهدك وقدرتك في القتال، لأتيت على جميع أهل الدنيا ولأفنيتهم، حتى لا تبقى الدنيا ولا أهلها.

سموت بهمةٍ تسمو فتسموفما تلفي بمرتبةٍ قنوعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

التاء في تسمو الأول: للخطاب، والثاني: للهمة. أي تسمو أنت وتسمو همتك بسموك. ويجوز أن يكون: الأول للهمة، والثاني: للخطاب. أي تسمو همتك فتسمو أنت بسمو همتك. ويجوز أن يكونا للهمة أي تسمو همتك إلى درجة فما ترضى بها، فتسمو إلى ما فوقها. فما تلفى أنت أو همتك بمرتبة قنوعا، أي لا يرضى بمرتبة نالها بل يطلب فوقها.

وهبك سمحت حتى لا جوادٌفكيف علوت حتى لا رفيعا؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

الألف في رفيعا: ألف الإطلاق؛ لأن النكرة المنفية بلا تنصب بلا تنوين.

يقول: أحسب أنك بجودك علوت أقرانك حتى لا نظير لك فيه، فكيف قدرت على السمو والارتفاع حتى لا يبقى رفيع غيرك؟! وقال البخاري: يجوز أن يكون بلا من التنوين، لأن لا إذا تكررت يجوز فيها هذا الوجه نحو قولك: لا حول ولا قوة.

وقال أيضاً يمدحه أي علياً بن إبراهيم التنوخي، ويصف بحيرة طبرية:

أحق عافٍ بدمعك الهممأحدث شيء عهداً بها القدم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

العافي: الدارس. والهمم: مبتدأ. وأحق: خبره.

يقول: إن أحق دارس بالبكاء عليه، همم الناس الدارسة، فهي أولى بالبكاء لدروسها، من الأطلال الدارسة. وقوله: أحدث شيء عهداً بها القدم: أي أنها قد تقادمت، فأحدث شيء بها القدم: أي صار أقربها عهداً قديماً. وقيل: أراد بالعافي: الطالب. والمعنى: أن الهمم أحق طالب بأن يبكى عليه. فكأنه يقول: أعرض عن البكاء على الأطلال، وابك على الهمم. وهو مأخوذ من قول أبي نواس:

صفة الطلول بلاغة القدمفاجعل صفاتك لابنه الكرم
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «صفة الطلول بلاغة القدم»
وإنما الناس بالملوك وماتفلح عربٌ ملوكها عجم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

يقول: إنما عز الناس، وهممهم بالملوك، فما تفلح العرب إذا كانت ملوكها عجم؛ لأنهم لا همم لهم، وهم إذا رضوا بذلك فقد دنوا، فلا يرجى لهم فلاح.

لا أدبٌ عندهم ولا حسبٌولا عهودٌ لهم ولا ذمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»
بكل أرضٍ وطئتها أممٌترعى بعبدٍ كأنها غنم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الذمم: جمع الذمة، وهي الحرمة. يعني: أن العجم ليس لهم حرمة.

يقول: وجدت في كل بلدٍ دخلتها أمماً أي جماعات، يلي عليهم عبد! فهم لا يأنفون عن الانقياد له، كأنهم غنم! وأراد بالعبد: العجم؛ لأنهم موالي العرب، وعبيدهم، وهم ينزلون من العرب منزلة العبيد، وفيه تعيير للعرب حيث رضوا بأن يلي عليهم العجم وانقادوا لهم.

يستخشن الخز حين يلمسهوكان يبري بظفره القلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

ويروى: حين يلبسه ويلمسه يصف بهذا العبد الذي صار والياً. ويقول: صار بحيث يستخشن الخز الذي هو في غاية اللين، حين يلمسه، بعد أن كان عبداً قد غلظت يداه من الكد، حتى لو أراد أن يبري بظفره القلم لبراه؛ لطول ظفره.

إني وإن لمت حاسدي فماأنكر أني عقوبةٌ لهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

يقول: إن كنت ألوم حسادي على حسدهم إياي، وعداوتهم لي، فإني أعلم أنهم معذورون على حسدهم لي، لأني عقوبة لهم، لما لي من الفضل والعلو، فأقتلهم غيظاً وحسداً. وقريب منه قول الآخر:

ولا خلوت الدهر من حاسدٍوإنما الفاضل من يحسد
وكيف لا يحسد امرؤٌ علمٌله على كل هامةٍ قدم؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

العلم: الجبل.

يقول: كيف لا يحسد رجل مشهور بالفضل والكمال، عالي المحل، وله على كل هامة قدم، فهو أفضل من كل أحد.

يهابه أبسأ الرجال بهوتتقي حد سيفه البهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

أبسأ الرجال: آنسهم. يقال: أبسأت به وأبهأت به إبساءً وإبهاء: إذا أنست به.

يقول: يخاف هذا الرجل آنس الرجال به، وأقربهم إليه. وتتقي: أي تحذر، من حد سيفه الشجعان.

تقديره: كيف لا يحسد امرؤ وهذه صفته؟!

كفاني الذم أنني رجلٌأكرم مالٍ ملكته الكرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

فاعل كفاني: أنني، وما يتصل به. والمفعول الأول: الياء التي هي ضمير المتكلم. والمفعول الثاني: الذم.

يقول: منعني من أن أذم نفسي، فأكرم ما أملك وأدخره لنفسي، إنما هو الكرم فلا سبيل لأحد أن يذمني مع هذا الكرم.

يجني الغنى للئام لو عقلواما ليس يجني عليهم العدم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

يقول: يجلب الغنى على اللئيم، ما لا يجلب عليه الفقر؛ لأن اللئيم إذا صار غنياً يبخل فيذم، وإذا كان فقيراً لم يذمه أحد.

هم لأموالهم وليس لهموالعار يبقى والجرح يلتئم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن اللئام خدم أموالهم، وعبيدهم، حتى أوقعوا أنفسهم في الهلاك بسببها، وليست الأموال لهم، لأنهم لا ينتفعون بها، ولا يكتسبون بها حمداً ولا أجراً. ثم قال: والعار يبقى والجرح يلتئم: يعني أن غناءهم عارٌ عليهم، يبقى بعدهم. والجرح يلتئم: أي أن الجرح أهون من العار؛ لأن الجرح يندمل ويذهب أثره والعار يبقى على وجه الدهر.

من طلب المجد فليكن كعليىٍ يهب الألف وهو يبتسم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»
ويطعن الخيل كل نافذةٍليس لها من وحائها ألم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

أي: كل طعنةٍ نافذةٍ، فحذفها والكناية في لها، وحائها: للطعنة والوحاء: السرعة، يمد ويقصر.

يقول: من طلب الشرف فليكن مثل هذا الممدوح، الذي يهب الألف لسائله وهو ضاحك، ويطعن أعداءه كل طعنة نافذةٍ من إحدى الجانبين إلى الجانب الآخر، ليس بهذه الطعنة ألم؛ لسرعتها وخفة يده بها. وقيل: أراد أنه يموت في الحال، فلا يحس بالألم بعد الموت.

ويعرف الأمر قبل موقعهفما له بعد فعله ندم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

الهاء في فعله: للمدوح، أو للأمر. وروى: بعد فعلةٍ. وهي المرة الواحدة من الفعل.

يقول: إنه يعلم عواقب الأمور قبل فعلها ووقوعها، فإذا فعل أمراً لم يندم على فعله؛ لأنه لم يفعله إلا وهو عالم بعاقبته.

يمدحه بجودة الرأي وحدة الفطنة وشدة الذكاء.

والأمر والنهي والسلاهب والبيض له والعبيد والحشم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

السلاهب: جمع السلهب وهي الفرس الطويل. وقيل: هو الرمح الطويل. والحشم: حاشية الرجل، الذين يغضبون له، ويغضب لهم.

يقول: إن الممدوح له هذه الأشياء: من الأمر والنهي والخيل والسيف والعبيد والحواشي. وروى بدل الحشم: الخدم.

والسطوات التي سمعت بهاتكاد منها الجبال تنقصم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: للمدوح الحملات المشهورة، التي سمعت بها أيها المخاطب، كما سمع بها كل أحد، وهي التي تقرب الجبال من أن تتصدع وتتقطع، من شدتها وسطواتها.

يرعيك سمعاً فيه استماعٌ إلى الداعي وفيه عن الخنا صمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

يرعيك سمعاً أي يصغي إليك. يقال: أرعني سمعك أي استمع مني واجعل سمعك راعياً، أو مراعياً لقولي. وقيل معناه: اجعل سمعك مرعىً لكلامي ومكاناً له والداعي: أراد به الداعي حقيقة.

يقول: إنه يصغي إلى المستغيث سمعاً وعادته الإصغاء إلى كل من يدعوه، ولكنه عن الفحش والقبيح أصم: أي يعرض عنه، ولا يصغى إليه، فكأنه أصم لا يسمع ذلك.

يريك من خلقه غرائبهفي مجده كيف يخلق النسم؟!
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يريك: تعدى إلى ثلاثة مفاعيل، أحدها. الكاف، والثاني غرائبه، والثالث كيف، وهو في موضع النصب، وهو في معنى يعلمك. والنسم: جمع نسمة، وهي النفس.

يقول: يريك هذا الممدوح إذا نظرت إليه وهو يخلق غرائب كرمه، ويبتدع محاسن شيمه، التي لم يسبق إليها، كيف يخلق الله الخلق على غير احتذاء ولا مثال. يعني: أنه يصطنع من أهلكه البؤس، حتى صار كالمعدوم فيحسن إليه وينعم عليه، حتى يحسن حاله؛ فكأنه أوجده بعد عدمه، فإذا رأيت ذلك، استدللت به على قدرة الله تعالى، على إيجاد الشيء بعد أن لم يكن.

ملت إلى من يكاد بينكماإن كنتما السائلين ينقسم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

يخاطب صاحبه ويقول: عدلت إلى زيارة من لو جئتما يا صاحبي تسألانه نفسه يقسمها بينكما، فيكون نصفه مع أحدكما، ونصفه مع الآخر؛ ليبلغ كل واحد إلى أمله. وأصله قول أبي تمام:

لو لم يكن في كفه غير روحهلجاد بها فليتق الله سائله
من بعد ما صيغ من مواهبهلمن أحب الشنوف والخدم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

الشنف: ما يجعل في أعلى الأذن، والقرط: ما يجعل في أسفله. والخدم: جمع خدمة: وهي الخلخال.

يقول: لم أقصده إلا بعد أن سبقت إلي مواهبه، وأغناني بها، وصيغ لي منها لمن أحبه من امرأتي وجاريتي ومحبوبتي ومن يتصل إلى الشنوف والخلاخيل، وفي هذا إشارة إلى أنه قد أغناه بمواهبه قبل وصوله إليه؛ لأن الإنسان لا يصوغ أنواع الحلي إلا بعد الغنى والكفاف.

ما بذلت ما به يجود يدٌولا تهدي لما يقول فم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحق عاف بدمعك الهمم»

تقديره: ما بذلت يد ما به بجود، ولا يهتدي فمٌ لما يقول.

ما الأولى نافية، والثانية، والثالثة، بمعنى: الذي.

يقول منبهاً على فضله وعطاياه، وفصاحته: لم يبذل إنسيٌّ الذي يجود به هذا الممدوح، ولم يهتد فم أحد للقول الذي يقول هو، لما يختص به من زيادة الجود والفصاحة.

بنو العفرني محطة الأسد ولكن رماحها الأجم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

العفرني: اسم من أسماء الأسد، والأنثى: عفرناة. ومحطة: جد الممدوح. وبنو: رفع بالابتداء، والعفرني: جر بالإضافة. ومحطة: بدل من العفرني، وهو في موضع الجر. والأسد: جر لأنه نعت لمحطة، وجميع ذلك كاسم واحد مبتدأ، والأسد خبر الابتداء، كما تقول: بنو أبي عبد الله حمزة الظريف، منطلقون.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.