تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

الجزء الثاني (٣)

ومثله لكشاجم في الشمعة قوله:

تكيد الظلام كما كادهافتفنى وتفنيه في الموقف
للشاعر الوأواء الدمشقي، من قصيدة «وهيفاء من ندماء الملوك»

والمتنبي حول هذا المعنى إلى المفازة والناقة كما ترى.

أنساعها ممغوطةٌ، وخفافهامنكوحةٌ، وطريقها عذراء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

الأنساع: جمع نسع، وهو سير مضفور كهيئة العنان. والممغوطة: الممدودة. والخف: من البعير، بمنزلة القدم من الإنسان. ومنكوحة: أي دامية. فذكر بلفظ النكاح لذكره العذراء.

يقول: أنساع هذه الناقة ممتدة لهزالها فجالت عليها أنساع رحلها، وخفافها دامية من الحفا وطريقها مجهولٌ لم يسلكه أحد.

يتلون الخريت من خوف التوىفيها كما يتلون الحرباء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

الخريت: الدليل العالم بخفيات الطرق، كخفاء ثقب الإبرة. والتوى: الهلاك. والحرباء: دابة أكبر من العظاية، على خلقتها. ويقال: إنها ذكر أم حبين تستقبل الشمس دائماً كيف دارت. والهاء في فيها: للطريق، لأنها تؤنث. وقيل: ترجع إلى البيداء.

المعنى: أن هذه الطريق مجهولة فالدليل إذا سلكها يتقلب يميناً وشمالاً وخلفاً وقداماً، ومن ناحية إلى ناحية؛ وهذا هو التلون، كما تتقلب الحرباء في الشمس. ذكره ابن جنى.

وقيل: أراد أنه يصفر لونه مرة، ويسود تارة، ويحمر أخرى؛ خوف الهلاك ورجاء الاهتداء. فهذا هو التلون كحال الحرباء مع الشمس.

بيني وبين أبي عليٍّ مثلهشم الجبال ومثلهن رجاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

الهاء في مثله: للممدوح. والشم: جمع أشم، رفع لأنه بدل من قوله: مثله ويجوز أن يكون الابتداء مضمر أي: هو شم الجبال. فيكون كالتفسير لمثله ومثلهن منصوب؛ لأنه وصف لنكرة وهو رجاء فلما تقدمت على الموصوف نصبت على الحال.

يقول: بيني وبين الممدوح جبالٌ، هي مثل الممدوح في العلو والثبات والرزانة والوقار. فشبه الجبال به، ولم يشبهه بالجبال.

وهذه عادته: أن يمكن التشبيه في الموصوف، ويجعل المعنى ثابتاً فيه. ثم قال: ومثلهن رجاء. أي لي رجاء عنده مثل هذه الجبال.

وعقاب لبنانٍ، وكيف بقطعهاوهو الشتاء، وصيفهن شتاء؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

العقاب: جمع عقبة. ولبنان: جبل بالشام في ناحية دمشق. والباء في بقطعها زائدة. قوله: وهو الشتاء في موضع نصب على الحال.

يقول: بيني وبينه عقابٌ وهي شديدة البرد، وصيفها مثل شتاء غيرها، فكيف لي بقطعها في الشتاء وهي بهذه الصفة؟

لبس الثلوج بها علي مسالكيفكأنها ببياضها سوداء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

لبس: أي عمى وغطى وأخفى، علي الطريق في هذه العقاب، فكأنها مع بياضها سوداء؛ حيث أن الطريق خفي فيها وهي بيضاء، كما يخفى في سواد الليل، إذ العادة أن الطريق لا يخفيه إلا سواد الليل وظلمة الغيم، فمتى خفي بالبياض صار بمنزلة السواد.

وكذا الكريم إذا أقام ببلدةٍسال النضار بها وقام الماء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

النضار: هو الذهب. وقام الماء: أي جمد. وأراد بالكريم: الممدوح. يعني إنما جمد لتحيره في عطائه، وخجله من كثرة سخائه، وسال الذهب في هباته كما سال الماء.

جمد القطار فلو رأته كما رأىبهتت فلم تتبجس الأنواء
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الأنواء: الأمطار بالقمر؛ وقد بيناه. وتتبجس: أي تتفجر. ورأى: فعل القطار، رده إلى اللفظ، وليس فيه علامة التأنيث. وروى: كما أرى أي لو رأته القطار كما أرى وأشاهد، لميزت كما ميزت، ولو رأته الأنواء والقطار على اختلاف التقدير. يعني: لو رأته الأنواء كما رأته القطار. ويجوز رفع الأنواء من ثلاثة أوجه: أحدها: بقوله: رأته.

والثاني: بقوله: بهتت الأنواء.

والثالث: فلم تتبجس وهو المختار عند البصريين، وباقي الأفعال فيه ضمير الأنواء.

يقول: إن المطر لما رأى جوده جمد وتحير فصار ثلجاً، ولو رأته الأنواء كما رآه المطر لتحيرت ولم تتفجر بالماء؛ خجلاً منه، وهذا على مذهب من يعتقد أن الأمطار من النجوم.

في خطه من كل قلبٍ شهوةٌحتى كأن مداده الأهواء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

يقول: كل أحد يهوى خطه لحسنه، فشهوة كل قلب حاصلة في خطه، فكأن مداد خطه من أهواء الناس ومحبتهم.

ولكل عينٍ قرةٌ في قربهحتى كأن مغيبه الأقذاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

القرة: المسرة وأصله البرد. والمغيب: الغيبة. والأقذاء: جمع قذىً، وهو ما يسقط في العين. وروى الإقذاء مصدر من أقذيت عينه إذا طرحت فيها القذى.

يقول: كل أحد يسر من قربه ويحزن لفراقه، فكأن رؤيته قرة العين، وغيبته قذى يسقط فيها.

من يهتدي في الفعل ما لا يهتديفي القول حتى يفعل الشعراء
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

تقديره: من يهتدي في الفعل إلى ما لا يهتدي إليه الشعراء في القول حتى يفعله. فالشعراء: رفع بقوله: ما لا يهتدى وأما يهتدى. ففيه ضمير الممدوح، وكذلك في حتى يفعل وفي هذا البيت وجوه: أحدها: أن من يصلح أن يكون بمعنى الذي، موضعه رفع بخبر الابتداء المحذوف. أي هو الذي، وما بعده إلى آخر البيت صلة، والضمير العائد إليه مستتر في الفعل الذي يليه.

والثاني: يصلح أن يكون استفهاماً: أي من يفعل هذا غيره؟ وهو مرفوع بالابتدائ وما بعده خبر عنه.

والثالث: أنه حذف حرف الجر من يهتدى وعداه إلى المفعول. والأصل: من يهتدى في الفعل إلى ما لا يهتدى. فحذف إلى وأوصل الفعل إلى المفعول.

والرابع: أن ما في قوله ما يهتدى يصلح أن يكون بمعنى الذي، وأن يكون نكرة موصوفة. أي يهتدى في الفعل إلى شيء لا يهتدى إليه الشعراء.

والخامس: أنه حذف الضمير الراجع إلى ما وهو قوله: إليه وهذا لا يجوز إلا في ضرورة؛ لأنه من صلة ما وإنما يجوز حذفه إذا كان متصلاً بالفعل كقولك: ما شربته ماء، وما شربت ماء. فأما إذا انفصل الضمير فلا يجوز حذفه.

المعنى: أنه يهتدى في الفعل إلى ما لا يهتدى إليه الشعراء بالقول، حتى يفعله هو، فإذا فعله اهتدوا إليه.

في كل يومٍ للقوافي جولةٌفي قلبه ولأذنه إصغاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

القوافي ها هنا: القصائد.

يقول: إن الممدوح في كل يوم يمدح بالقصائد وينشد، فللقوافي جولان في قلبه، ولها استماع في أذنه.

وإغارةٌ فيما احتواه كأنمافي كل بيتٍ فيلقٌ شهباء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

الفيلق: القطعة من الجيش. والشهباء: بيضاء من الحديد، وإنما تكون دالة إلى الكتيبة، لا إلى الفيلق، والبيت من الشعر.

يقول: إنه كل يوم يقصد ويمدح، ويهب ماله للشعراء، فكل بيت يمدح به، جيشٌ يغير على ماله؛ وذلك لتمكين الشعراء من ماله.

من يظلم اللؤماء في تكليفهمأن يصبحوا وهم له أكفاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

من: بمعنى الذي. أي: هو الذي يظلم اللؤماء. ويجوز أن يكون نكرة موصوفة. أي: هو رجلٌ يظلم اللؤماء. واللؤماء: جمع لئيم.

يقول: هو الذي يطلب من اللئام أن يفعلوا مثل فعله، وأن يكونوا نظراء له، فهو يظلمهم بذلك؛ لأنه يكلفهم ما ليس في طباعهم، فهم يظلمون بذلك.

ونذمهم وبهم عرفنا فضلهوبضدها تتبين الأشياء
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

نذمهم: أي نعيرهم.

يقول: نحن نعير اللئام ونذمهم ولا يجب أن نذمهم؛ إذ بهم عرفنا فضل الممدوح؛ لأنهم لو كانوا مثله لما عرفنا فضله، وإنما عرفنا فضله لقصورهم عنه؛ لأن الشيء إنما يتبين إذا قرن بضده. وروى: وبضدها تتبين الأشياء، على ما لم يسم فاعله.

من نفعه في أن يهاج وضرهفي تركه، لو تفطن الأعداء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

يقول: إن الممدوح نفعه في أن يهيج للحرب؛ لأنه حينئذٍ يغير على أعدائه، ويغنم أموالهم وينتفع بها.

وضره في ترك هيجانه؛ لأنه إذا لم يحارب، صالح أعداءه. واستضراره بذلك: حيث يفرق ما جمعه في حال الحرب. ولو تفطن الأعداء بذلك قصدوا إلحاق الضرر به.

فالسلم يكسر من جناحي مالهبنواله ما تجبر الهيجاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

السلم: يذكر ويؤنث. والهيجاء: الحرب. شبه المال بالطائر فاستعار له جناحين.

يقول: الصلح يكسر جناحي ماله، بنواله وتفرقته. أي أن الصلح يقل ماله، وما يكسره الصلح يجبره الحرب؛ لأنه يغنم أموال أعدائه فهو يتلف ويخلف.

يعطي فتعطى من لها يده اللهاوترى برؤية رأيه الآراء
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

اللها: الدراهم والدنانير، واحدها لهوة. وأصلها القبضة التي تلقى في فم الرحاء. والآراء: جمع الرأي، وهو مقلوب مخفف من الأأراء.

يقول: إنه يعطي عطاء كثيراً، والمعطى إليه يعطي من عطاياه. يعني: أنه قد أغناه بعطائه، حتى أنه يجود على غيره، وإذا نظر غيره إلى آرائه، تعلم منه الرأي والتدبير، ويبصر به وجه الصواب، بسداد رأيه. وقيل: أراد أنه إذا نظر إلى رأيه فكأنه قد أبصر جميع آراء الناس.

متفرق الطعمين مجتمع القوىفكأنه السراء والضراء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

يقول: إنه جمع اللين والشدة، والبأس والجود، والرأي لا يدخله خلل، فكأنه لاجتماع اللين والشدة والسراء والضراء. وقيل: أراد بقوله مجتمع القوى باجتماع هذين الخلقين فيه اجتمعت قواه وكملت صفاته.

وكأنه مالا تشاء عداتهمتمثلاً لوفوده ما شاءوا

متمثلاً: نصب على الحال. وما: بموضع رفع.

يقول: كأنه صور مما يكرهه أعداؤه، ومما يحبه أولياؤه في حال تمثله لوفوده وهم أولياؤه. وقيل: أراد أنه يسيء إلى أعدائه في حال إحسانه إلى أوليائه، فيجمع الأمرين في وقت واحد.

يا أيها المجدي عليه روحهإذ ليس يأتيه لها استجداء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

يقول: يا أيها الرجل الموهوب له روحه، من حيث لم يأت أحد يستجديه. أي: يستوهبه. يعني: لو طلب طالبٌ روحك لوهبته منها، فمن لا يطلب ذلك فكأنه وهبه منها. ومثله:

ولو لم يكن في كفه غير روحهالبيت

ومثله قوله:

لا خلق أسمح منك إلا عارفٌبك راء نفسك لم يقل لك هاتها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»
احمد عفاتك لا فجعت بفقدهمفلترك ما لم يأخذوا إعطاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

يقول: احمد سائليك؛ حيث لم يستوهبوك نفسك؛ لأنهم لو استوهبوها منك لأعطيتهم إياها! فتركهم لروحك بمنزلة الإعطاء منهم لك. وقوله: ولا فجعت بفقدهم حشوٌ لطيف. وفيه وجهان: أحدهما: أنه دعاء لهم، لما ذكر من أنه ينتفع بهم. والثاني: أنه دعاء له بدوام النعمة وبقاء الدولة. فكأنه قال: لا زلت مقصوداً.

لا تكثر الأموات كثرة قلةٍإلا إذا شقيت بك الأحياء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

لهذا البيت معنيان: أحدهما: أن الأموات لا تكثر إلا إذا غضبت على الأحياء فقتلتهم وأفنيتهم فشقوا. وقوله: كثرة قلة يعني أنها في الحقيقة قلة من حيث كانت فناءً وعدماً، أو لأن الأموات تبلى فتذروها الرياح وتأكلها الوحش والطير، فهي تقل وإن كثرت.

والثاني: أن الأموات لا تكثر إلا إذا مات هذا الممدوح، وشقي الأحياء بفقده، وأنهم يموتون كلهم بموته؛ فحينئذ تكثر الأموات كثرة في قلة؛ لأنه من حيث هو موت رجل واحد قليل، ومن حيث ينضم إليه موت الخلق كثير. ومثله قول الآخر:

لعمرك ما الرزية فقد مالٍولا شاةٌ تموت ولا بعير
ولكن الرزية موت حيٍّيموت بموته خلقٌ كثير

وقال أبو عمرو السلمي: عدت أبا علي الأوراجي في علته التي مات فيها بمصر فاستنشدني:

لا تكثر الأموات كثرة قلةٍ

فجعل يستعيده ويبكي، فخرجت ولحقت بمنزلي فقيل: إنه مات! وكان أبو علي يتصوف.

والقلب لا ينشق عما تحتهحتى تحل به لك الشحناء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

الشحناء: البغض، كأنها تشحن الصدر، أي تملؤه عداوة.

يقول: إن القلب لا ينشق عما دونه وما فيه، بالرماح والأسلحة، إلا إذا نزلت به عداوتك. وقيل: أراد أن القلب لا يحتمل عداوتك، فإذا حلت به عداوتك انشق القلب فمات فزعاً وخوفاً. فكأنه يقول: لا يهلك أحد إلا ببغضه.

لم تسم يا هارون إلا بعد ما اقترعت ونازعت اسمك الأسماء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

يقول: لما ولدت تنافست الأسماء في الشرف بك حتى تقارعت بالقرعة عليك فخرج سهم هارون فسميت به، فلم تسم بهارون إلا بعد هذه الحالة.

فغدوت واسمك فيك غير مشاركٍوالناس فيما في يديك سواء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

يقول: فصرت لا شريك لك في هذا الاسم، إذ لام يسم أحد بهذا الاسم مثلك في الفضل، فصرت منفرداً به والناس شركاء في أموالك، يتصرفون فيها كيف شاءوا.

لعممت حتى المدن منك ملاءولفت حتى ذا الثناء لفاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

اللام في قوله: لعممت جواب القسم، أي والله لعممت، أي ملأت المدن. وملاء: جمع ملآن. واللفاء: الشيء القليل الذي لا قدر له.

يقول: قد عممت الأرض بجودك، حتى المدن ممتلئة به، وسبقت ثناءك، لما لك من القدر حتى صار هذا الثناء الذي أثني به عليك قليل، في جنب قدرك.

وقد صرع البيت في أثناء القصيدة من غير انتقال إلى قصةأخرى. وهذا جائز وإن قل.

ولجدت حتى كدت تبخل حائلاًللمنتهي ومن السرور بكاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

المنتهي: هو الانتهاء.

يقول: جدت حتى بلغت الغاية في الجود وكدت تستحيل بخيلاً، لأن الشيء إذا بلغ غايته انعكس إلى ضده. ثم قال: ومن السرور بكاء! أي أن الإنسان إذا تناهى في السرور دمعت عيناه، فيصير السرور بكاء.

أبدأت شيئاً منك يعرف بدوهوأعدت حتى أنكر الإبداء
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: ابتدأت فابتدعت بنوع المكارم ما لم يعهد قبلك، فمنك مبدؤه ثم كررته وزدت على ما كنت ابتدأت به، حتى تنسى الأول لأجل الثاني. ومثله:

فإذا أتيت بجود يومك مفخراًعمت به أرواح جودك في غد
فالفخر عن تقصيره بك ناكبٌوالمجد من أن تستزاد براء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

ناكب: أي عادل. وبراء: أي بريء.

يقول: إن الفخر لا يقصر بك وهو ناكب عن أن يقصر بك؛ لأنك قد بلغت الغاية. والمجد: وهو الشرف، بريء من أن تستزيده؛ لأنه ليس فيه رؤية لم تبلغها أنت فتسأل الزيادة حتى تبلغها.

فإذا سئلت فلا لأنك محوجٌوإذا كتمت وشت بك الآلاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

الآلاء: النعم واحدها أليٌّ وإلي أي متى طلب الناس منك شيئاً فليس لأنك أحوجتهم إلى السؤال، ولكن سألوك تشرفاً بسؤالك وتلذذاً به، وإذا كتمك كاتم، أو كتم محلك وذكرك، دلت عليه نعمك الظاهرة المنتشرة، فلا يمكنه ذلك. ومثله قول مسلم:

أرادوا ليخفوا قبره عن عدوهفطيب تراب القبر دل على القبر
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه»
وإذا مدحت فلا لتكسب رفعةًللشاكرين على الإله ثناء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

يقال: كسب المال وكسب الرجل المال.

يقول: إن مدحنا إياك، لا يكسبك رفعة؛ لأنك في نفسك رفيع، وإنما نمدحك شكراً لإحسانك، وتشرفاً بمدحك، وترفعاً بالثناء عليك. ثم ضرب مثلاً بأن من يثني عليك كالشاكرين لله تعالى؛ لأنهم يشكرون الله تعالى، لنفع يعود إليهم، لاإلى الله ﷿. وأخذه من قول الأول

فلو كان يستغني عن الشكر ماجدٌلعزة ملكٍ أو علو مكان
لما أمر الله العباد بشكرهفقال: اشكروا لي أيها الثقلان
للشاعر الزبير بن بكار، اقرأ القصيدة
وإذا مطرت فلا لأنك مجدبٌيسقي الخصيب ويمطر الدأماء
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أجدب القوم: إذا أجدبت أرضهم، أو وقعوا في مكان جدب. والدأماء: البحر.

يقول: إذا مطرت فلست تمطر لإجداب محلك وجدب بلدك، ولكن تمطر مع الاستغناء عنه، كما يمطر المكان الخصيب وكما يمطر البحر مع كثرة مائه.

لم تحك نائلك السحاب وإنماحمت به فصبيبها الرخصاء
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الصبيب بمعنى المصبوب، وهو المطر. والرخصاء: عرق الحمى. والهاء في به: للنائل. والتأنيث: للسحاب؛ لأنه بمعنى الجمع.

يقول: إن السحاب لم يعارضك في السخاء بمائه وإنما حسدك لزيادتك عليه فحم بسبب كثرة عطائك، فهذا الذي ينصب عنه، عرق الحمى التي أصابته.

لم تلق هذا الوجه شمس نهارناإلا بوجهٍ ليس فيه حياء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

يقول: لم تلق الشمس وجهك، إلا بوجه ليس فيه حياء؛ إذ لو كان في وجهها حياء لم تقابله؛ لقصور نورها وبهائها عن نوره وبهائه.

فبأيما قدمٍ سعيت إلى العلاأدم الهلال لأخمصيك حذاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

قوله: ما صلة وأي استفهام في معنى التعجب وأدم الهلال: جلده. والحذاء: النعل يقول: إنك بلغت من العلا محلاً لم يبلغه أحد فبأي قدمٍ سعيت إليها؟! ثم دعا له: بأن يكون أديم الهلال نعلاً لأخمصيه: أي لا زلت عالياً حتى يصير الهلال لك بمنزله النعل.

ولك الزمان من الزمان وقايةٌولك الحمام من الحمام فداء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

دعا له فقال: وقاك الله من حواث الزمان بالزمان، وفداك بالموت من الموت. وقيل: أراد ليهلك الزمان دون هلاكك، وليمت الموت دون موتك. وقيل: أراد به أهل الزمان، وقاية لك من حوادث الزمان، وموت أهل الزمان فداء لموتك فيموتون عنك.

لو لم تكن من ذا الورى اللذ منك هوعقمت بمولد نسلها حواء
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الورى: الخلق من بني آدم. واللذ: بحذف الياء: لغة في الذي.

يقول: لو لم تكن من بني آدم، الذين هم في الحقيقة منك؛ لأنك جمالهم وشرفهم، ولو لم تكن فيهم لعدوا في العدم، ولكانت حواء بولادة نسلها عقيماً، كأنها لم تلد أحداً.

ودخل أبو الطيب يوماً على أبي علي الأوراجي فقال له أبو علي: وددنا أنك كنت معنا يا أبا الطيب اليوم. فقال أبو الطيب: ولم؟ فقال: ركبنا ومعنا كلبٌ لابن مالك، فطردنا به وحده ظبياً، ولم يكن لنا صقرٌ. فاصطاده! فقال أبو الطيب: أنا قليل الرغبة في ذلك والنظر إلى مثل هذا. فقال أبو علي: إنما اشتهيت أن تراه حتى تستحسنه فتقول فيه شيئاً. فقال أبو الطيب: أنا أفعل. قال له: فأحب منك ذاك. وتحدث أبو علي ثم قال: أنا أحب أن تفعل ما وعدتني، فقال له أبو الطيب: قد أحفيت السؤال! أتحب أن يكون ذلك الساعة؟ فقال أبو علي: أيمكن مثل هذا؟ قال: نعم، وقد حكمتك في الوزن، وحرف الروي. فقال أبو علي: بل الأمر فيهما لك. فأخذ أبو الطيب درجاً وأخذ أبو علي درجا يكتب فيه كتاباً إلى إنسان، فقطع عليه أبو الطيب الذي يكتبه وأنشده يصف كلب صيد أرسل على غزال وليس معه صقر.

ومنزلٍ ليس لنا بمنزل

ولا لغير الغاديات الهطل

الغاديات: السحاب يأتي غدوة، واحدها غادية. والهطل: جمع هاطلة، وهي الكثيرة المطر. يقال: هطلت السماء تهطل هطلاً وهطلاناًح إذا صبت صباً دائماً شديداً.

يقول: رب منزل ليس بمنزل الإنس، وإنما هو منزل السحاب التي تصب الأمطار.

ندى الخزامى ذفر القرنفل

محللٍ ملوحش لم يحلل

الخزامى، والقرنفل: نبتان طيبان. وقيل: الخزامى خيري البر، والندى: الرطب. من بلد الندى. والذفر: الحاد الرائحة الطيبة والخبيثة، وبالدال النتن خاصة. والمحلل: المكان الذي يكثر الحلول فيه. وأراد: من الوحش فحذف النون، وقد مضى مثله.

يقول: هذا المنزل فيه رائحة الخزامى والقرنفل، وإنه منزل الوحش وفيه تخلق دون الناس، فلا يحله أحدٌ من الناس. وقيل: أراد هذا المكان محلل الوحش، وإن أخذه سهل حلال؛ لكثرته وقرب تناوله، فكأن هذا المنزل قد أحل فيه تناول الوحش ما لم يحل اصطياده في غير ذلك الموضع.

عن لنا فيه مراعي مغزلٍ

محين النفس بعيد الموئل

عن: أي ظهر وعرض. فيه: أي في المنزل. والمراعي: اسم من راعى. والمغزل: الظبية التي معها ولدها. فالمراعي الظبى، والمغزل: الظبية. ومحين النفس: الذي دنا حين أجله. والموئل: الملجأ.

يقول: ظهر لنا في هذا المنزل ظبي يراعي ظبية ذات ولدٍ. أي يرعى معها. وهو محين النفس: أي أن الحين لاحق به، ودنا هلاكه، وهو بعيد الملجأ: أي لا ملجآ له؛ لأن الكلب صلاه فصار هالكاً.

أغناه حسن الجيد عن لبس الحلى

وعادة العري عن التفضل

الحلي: الحلي، فخفف. والعري والتفضل: أن يلبس ثوباً يبتذل له في منزل الخدمة. والهاء في أإناه: لمراعي مغزل.

يقول: إن حسن جيده أغناه عن التزين بالحلي، واعتياده أن يكون عرياناً كفاه، لفضله عن لبس الحلي.

كأنه مضمخٌ بصندل

معترضاً بمثل قرن الأيل

يقول: كأنه مطلي بالصندل، لا من كونه يضرب إلى الصفرة كلون الصندل، وقرنه في الطول مثل قرن الأيل: وهو التيس الجبلي. وقيل: الثور الجبلي. ومعترضاً: حال من الهاء في كأنه. وهو من سرعة عدوه يسق لحظة الكلب فلا يقدر أن يتأمله.

يحول بين الكلب والتأمل

فحل كلابي وثاق الأحبل

عن أشدقٍ مسوجرٍ مسلسل

أقب ساطٍ شرسٍ شمردل

الكلاب: صاحب الكلب. والوثاق: الرباط. والأشدق: واسع الشدقين وهما شق الفم عن يمين وشمال أي عن كلب أشدق. ومسوجر: أي في عنقه ساجور. وهو الخشب الذي يكون في عنق الكلب. ومسلسل: أي في عنقه سلسلة. والأقب: الضامر البطن. والساطي: البعيد ما بين الرجلين، إذا مشى. والشرس: السيىء الخلق. والشمردل: الطويل. وقيل: الخفيف الكثير الحركة.

يقول: حل الكلابٌ رباط الحبال عن كلب هذه صفته.

منها، إذا يثغ له لا يغزل

موجد الفقرة رخو المفصل

منها: يرجع إلى الأحبل، والكلاب، وإن لم يجر للكلاب ذكر؛ لدلالة الكلام عليها. وإذا يثغ صوت الثغاء: أي صوت الغنم. واستعاره للغزال وجزم يثغ بإذا ولا يجوز إلا في الشعر. وقوله: لا يغزل من قولهم: غزل الكلب يغزل، إذا دنا وأدرك الغزال، فتحير ولم يمسكه وقوله موجد الفقرة: أي وثيق الفقرة: وهو عظم الظهر وأراد برخو المفصل: أنه سريع التعطف.

يقول: إن هذا الكلب إذا أدرك أيلاً وثغاله لم يدهش من ثغائه، ولم يمسك عنه لاعتياده الاصطياد، وإنه وثيق عظم الظهر ورخو المفصل: أي سريع التعطف

له إذا أدبر لحظ المقبل

كأنما ينظر من سجنجل

يعدو إذا أحزن عدو المسهل

إذا تلا جاء المدى وقد تلي

أحزن: أي وقع في الحزن، وهو ما غلظ من الأرض. والمسهل: الواقع في السهل. والسجنجل: المرآة.

يقول: من تيقظه يرى ما وراءه كما يرى ما قدامه. وإنه يعدو في الحزن من الأرض مثل ما يعدو في السهل.

يقول: كأن عينه المرآة؛ من حيث إنه يرى بها خلفه وأمامه، كما يبصر الإنسان وجهه في المرآة؛ عن عكس المقابلة في الصورة.

يقعي جلوس البدوي المصطلي

بأربعٍ مجدولةٍ لم تجدل

الإقعاء: هو أن يجلس على إليتيه ويرفع ركبتيه. وأقعى الكلب: إذا وقع على ذنبه. وجلوس: نصب على المصدر. المجدولة: المحكمة.

يقول: إذا تبع الصيد وعدا خلفه، أدرك الغاية، وتقدم الصيد، فيتلوه الصيد: يعني أنه يصير متبوعاً بعد أن كان تابعاً. يعني يسبق الصيد ثم يعطف عليه فيصييده ثم قال: يجلس هذا الكلب مثل جلوس البدوي على النار: يعني أنه لعظم جثته يشبه البدوي، وجلوسه يشبه جلوسه عند الاصطلاء بالنار، وقوله: بأربع. أي يقعي بأربع قوائم مفتولة وهي في الحقيقة لم تفتل.

فتل الأيادي ربذات الأرجل

آثارها أمثالها في الجندل

الفتل: جمع أفتل. يعني أنه مفتول اليدين، وقيل: إنه جمع فتلاء، وهي التي تباعد ذراعها عن جنبها. وهي محمودة في الكلب. والأيادي: جمع الأيدي. والأيدي: جمع اليد. وربذات: أي مسرعات.

يقول: إن هذا الكلب يده على هذه الصفة. وإن رجله خفيفة سريعة الانتقال. وقوله آثارها: أي آثار هذه القوائم إذا مشى على الصخر. يعني أنها تؤثر في الحجر، وتترك فيه آثارها.

يكاد في الوثب، من التفتل

يجمع بين متنه والكلكل

وبين أعلاه وبين الأسفل

شبيه وسمي الحضار بالولي

التفتل: الالتواء. والكلكل: الصدر. والحضار: العدو.

يعني: يلتوي في وثبه حتى يكاد أن يجمع بين صدره وظهره، ورأسه وقوائمه. فآخر عدوه كأوله، لا يلحقه فتور ولا تعب. يسرع أولاً ولا يبطىء آخرا

كأنه مضبرٌ من جرول

موثقٌ على رماح ذبل

ذي ذنبٍ أجرد غير أعزل

يخط في الأرض حساب الجمل

مضبر: أي مجتمع الخلق. والجرول: الحجر. والذبل: جمع الذابل، وهو الذي أخذه الحفا، ولم يلبس. والأجرد: قصير الشعر. والأعزل: المائل في أحد شقي الجسد، وهو عيب في الخيل، والكلاب.

يقول: كأنه أحكم ونحت من الحجر، وهو موثق على قوائم طوال، مثل الرماح الذبل. ثم وصف ذنبه، بأنه قليل الشعر؛ ليكون أخف، وأنه غير أعزل؛ لأنه عيب. وقوله: يخط في الأرض قيل: إنه من فعل الذنب، أي ذنبه طويل يخط في الأرض دفعة بعد أخرى، فيمحوا في الثاني، ما يخط في الأول، كما يفعل بالحروف الحساب على التخت، وقيل: أراد أن الكلب يخط ذلك، ووجه التشبيه أن أكثر ما يخط من حروف الهند أحرف معدودة، مختلفة الصور، فشبه آثار يدي الكلب ورجيله، يمنة ويسرة، على ما فيها من الاختلاف بتلك الصور.

والجمل: أصله جمل فشدد للضرورة.

كأنه من جسمه بمعزل

لو كان يبلي السوط تحريكٌ بلي

نيل المنى، وحكم نفس المرسل

وعقلة الظبي، وحتف التتفل

تحريكٌ: مرفوع؛ لأنه فاعل يبلي والسوط مفعوله.

يقول: كان هذا الكلب؛ من سرعته بمعزل عن جسمه. أي يكاد يترك جسمه ويتميز منه لسرعته. وقيل إن الهاء عائدة إلى الذنب، أي أن ذنبه طويل، بعيدٌ من جسمه، فكأنه في ناحية منه.

يقول: لو كان السوط يبلي من كثرة تحريكه، لكان هذا الكلب يبلى من سرعة عدوه، فكما لا يؤثر التحريك في السوط فكذلك كثرة العدو لا تؤثر فيه. فشبه جسمه لدقته وصلابته بالسوط.

وقيل: شبه ذنبه لدقته بالسوط. يعني: لو كان السوط يبلي من كثرة التحريك لكان ذنبه يبلي من كثرة تحريكه إياه.

والتتفل: ولد الثعلب. وقوله: نيل المنى: أي أن صاحبه إذا أرسله على الصيد نال مناه، وحكم لنفسه بما أراد. وهذا الكلب عقلة الظبي: أي هو للظبي بمنزلة العقال، لأنه لا يمكنه من العدو، وأنه هلاك ولد الثعلب. أي لا يقدر أن يفلت منه. وهو من قول امرىء القيس:

قيد الأوابد هيكل

فانبريا فذين تحت القسطل

قد ضمن الآخر قتل الأول

في هبوة كلاهما لم يذهل

لا يأتلي في ترك ألا تأتلي

مقتحماً على المكان الأهوال

يخال طول البحر عرض الجدول

انبريا: أي اندفعا واعترضا. قوله فذين: أي فردين ونصبه على الحال، وأراد به الظبي والكلب. والقسطل: الغبار. والهبوة: الغبرة. أي أقبلا وظهرا للناظر يعدوان في الغبار منفردين لا ثالث معهما، وقد ضمن الآخر وهو الكلب قتل الأول وهو الغزال، لأن الكلب عدا خلف الظبي، وكل واحد منهما في وسط الغبار لم يغفل عن عدوه، بل كان مجداً فيه. الظبي للهرب. والكلب في الطلب. أي كل منهما لم يعرض له بغته ولم يأخذه سهوة والله أعلم ولا في قوله: لا يأتلي زائدة أي لا يأتلي في ترك أن يأتلي. ونصب مقتحماً على الحال، والعامل فيه لا يأتلي. وإن شئت نصبته بما بعده. أي يخال طول البحر مقتحماً. وهذه الأبيات تصلح أن تكون للكلب ولكل من الكلب والظبي يقول: إنه لا يقصر في ترك التقصير وإنه يطرح نفسه لشدة عدوه على الأمر الأعظم الأخوف ولا يبالي، لقلة مبالاته يظن طول البحر عرض النهر الصغير فيطرح نفسه فيه.

حتى إذا قيل له نلت افعل

افتر عن مذروبةٍ كالأنصل

لا تعرف العهد بصقل الصيقل

مركباتٍ في العذاب المنزل

افتر: أي كشر. ومذروبةٍ: أي محدودة. والأنصل: جمع نصل.

يقول: حتى إذا وصل إلى الغزال وقيل له: أصبته افعل به ما شئت. كشر عن أنياب محددةٍ مصقوله كأنها النصول في الحدة، وهذه الأنياب كانت مصقولة خلقةً لا بصنعة صيقل، وإنها مركبة في حنك شديد، كل من عضه حطمه، كأنه عذاب منزل على الغزال.

كأنها من سرعةٍ في الشمأل

كأنها من ثقلٍ في يذبل

كأنها من سعةٍ في هوجل

التأنيث: للمذروبة. ويذبل: جبل. والهوجل: ما اتسع من الأرض.

شبه حنكه؛ لسرعته بالشمال وشبه شدقه بيذبل الجبل المتسع. أي كأن هذه الأنياب مركبة في الشمال، وشبه شدة عض الحنك بالجبل. أي كأن الأنياب من ثقلها مركبه في يذبل.

كأنه من علمه بالمقتل

علم بقراط فصاد الأكحل

المقتل: يجوز أن يكون مصدراً أو اسماً للموضع الذي إذا أصيب قتل، فمعناه على المصدر: أي كأنه لعلمه بالمقتل وأراد به إراقة الدماء علم بقراط الحكيم فصد الأكحل. وعلى الاسم: أي كأنه من حذقه بالصيد واجتنابه عند العض مواضع القتل علم بقراط الحكيم فصد الأكحل. والأكحل: عرق باطن الزراع.

فحال ما للقفز للتجدل

وصار ما في جلده في المرجل

فلم يضرنا معه فقد الأجدل

التجدل: السقوط على الجدالة، وهي الأرض. والأجدل: الصقر.

يقول: فحال: أي استحال وانقلب ما للقفز: وهو الوثوب، وهي القوائم أي صارت قوائمه التي يقفز بها للسقوط، وصار ما في جلدها من اللحم في المرجل: أي ذبحناه وطبخناه بعد سلخ الجلد فلم يضرنا مع هذا الكلب فقد الصقر؛ لأنا صدنا بالكلب وحده، وذلك لأن الكلب لا يقدر على صيد الغزال إلا مع الصقر، إلا هذا الكلب.

إذا بقيت سالماً أبا علي

فالملك لله العزيز ثم لي

ختم بالدعاء له ومعناه ظاهر

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.