تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

الشاميات (٤)

قرن الشمس: أول ما يبدو منها، وهو يضرب إلى الصفرة، وذلك يدل على استحالة لونهاأصفر، وأراد به الصبغ الذي حصل في وجه المرأة الذي هو كالقمر، وأراد: أن وجهها بمنزلة قرن الشمس، وقمر الدجى. وقصد تشبيهه بهما جميعاً، وقوله: متأوداً: أي متمايلاً يتأود به غصن: وهو قد المرأة والهاء في به: ترجع إلى قرن الشمس. فمعناه: رأيت متمأوداً يتأود به غصن.

عدويةٌ بدويةٌ من دونهاسلب النفوس ونار حربٍ توقد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»
وهواجلٌ وصواهلٌ ومناصلٌوذوابلٌ وتوعدٌ وتهدد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

العدوية: منسوبة إلى بني عدي. والبدوية: منسوبةٌ إلى البدو. والسلب: الاختطاف.

والهواجل: جمع الهوجل، وهو الأرض المطمئنة، والصواهل: جمع الصاهل من صهيل الفرس، وهو صوته. والمناصل: جمع المنصل، وهو السيف، والذوابل، جمع الذابل وهو الرمح.

يقول: إن هذه المرأة من أبناء الكرام ومن دون الوصول إليها هذه الأشياء.

أبلت مودتها الليالي بعدناومشى عليها الدهر وهو مقيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

يقول: أخلقت الليالي وتطاولها مودتها بعدي وبعدها، ومشى على ذلك الدهر فأفسدها بمشيه عليها وهو مقيد، وذلك لأنه إذا كان مقيداً كان أثقل وطئاً لاعتماده على الرجلين، وقصر خطوه، فيحطم الشيء إذا مشى عليه. وهي مبالغة مليحة وصنعة في الشعر حسنة.

أبرحت يا مرض الجفون بممرضٍمرض الطبيب له وعيد العود
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أبرحت: أي جاوزت الحد. يخاطب مرض الجفون، أو يكون المرض بمعنى المريض، فكأنه يقول: يا مرض الجفون الذي في عينيها، أو يا مريض الجفون، تجاوزت الحد، بممرض يعني: به نفسه، حتى مرض الطبيب له، ومرض عواده، فعادهم الناس، وإنما مرضوا رحمةً له واغتماماً لشدة حاله ورقةً عليه لما رأوا مابه من الهزال.

يقول: أمرض الأطباء حزنهم لقصورهم عن شفائه لعظم دائه.

فله بنو عبد العزيز بن الرضاولكل ركبٍ عيسهم والفدفد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

الهاء في فله: للممرض، وعنى به نفسه.

يقول: بنو عبد العزيز بن الرضا: الذين هم الممدوحين يكفوني لأني ألجأ إليهم في أحوالي وأجعلهم سبباً لإدراك آمالي، وكذلك أيضاً ركب هؤلاء، فمنهم عيسهم؛ لأن عطايا الأرض التي هي من ملكهم، يريد أنهم ملوك الدنيا، وأنه لا مقصود من الناس غيرهم.

وقيل إن معناه: إن هؤلاء لي ولغيري، ممن لا يقصدهم، ليس إلا العيس التي يركبونها والمفاوز التي يقطعونها، إذ لا يحصلون بقصدهم غيره إلا على الطلب، وأنا قد ظفرت بالمطلوب بقصدي إياهم.

من في الأنام من الكرام ولا تقلمن فيك شأمٌ سوى شجاعٍ يقصد؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

من: للاستفهام، والمراد: الإنكار، وقوله: شأم: أي يا شأم، ومعناه: من في الأنام من الكرام سوى شجاع، ولا تقل من فيك يا شأم. يعني: أنه المقصود في الدنيا للخلق، فهو واحد الناس في الناس، لا واحد الشأم وبعض من الدنيا.

أعطى فقلت: لجوده ما يقتنىوسطاً فقلت: لسيفه ما يولد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

يقتنى: أي يدخر. وسطاً: من السطوة، وهي القهر، والغلبة، والحملة في الحرب وما بمعنى: الذي. يقول: بالغ الممدوح في الإعطاء حتى قلت: إن ما يقتنيه الناس من الأموال لجوده ليفرقها، وبالغ في سطواته حتى قلت: إن لسيفه كل ما يولد.

وتحيرت فيه الصفات لأنهاألفت طرائقه عليها تبعد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

يقول: صارت صفات الواصفين متحيرة فيه لأنها يعني الصفات وجدت طرائق هذا الممدوح بعيدة عليها، ثم وصف بعض طرائقه فقال:

في كل معتركٍ كلىً مفريةٌيذممن منه ما الأسنة تحمد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

الكلى: جمع الكلية. والمفرية: المقطوعة. ويذممن: فعل الكلى وتحمد: فعل الأسنة.

يقول: إن من طرائق الممدوح أنه شجاع، وله في كل موضع حرب كلى مقطوعة للقتلى، تذم الكلى المفرية من فعله، ما تحمد أسنة الرماح. وذلك الشيء هو الكلى.

نقمٌ على نقم الزمان تصبهانعمٌ على النعم التي لا تجحد
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

نقم الزمان: نوائبه.

يقول: هذا الممدوح نقمة مصبوبة على نقم الزمان، وهي في الحقيقة نعم على النعم التي أنعم بها على الناس. يعني: إن الممدوح يدفع نوائب الزمان، فهو نعمة عليها وتلك نعمة على الناس، لأنهم يأمنون بها نوائب الدهر وهي نعمة متتابعة، مترادفة ولا يمكن أحد أن يجحدها لكثرتها وشهرتها.

في شأنه ولسانه وبنانهوجنانه عجبٌ لمن يتفقد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

يقول: في كل واحد من هذه الأربعة من الممدوح عجب لمن تأمله! ففي شأنه: أعجب عظماً، وكبر همة، وفي لسانه: فصاحة، وفي بنانه: كتابة وسخاء، وضرباً وطعناً، وفي جنانه: قوة ونجدة وذكاء وشجاعة، وعلماً وفطنة وغير ذلك.

أسدٌ، دم الأسد الهزبر خضابهموتٌ، فريص الموت منه يرعد
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الهزبر: من صفات الأسد، ويريد به المبالغة في الشدة. والفريص: بالفاء جمع فريصة، وهي لحمة تحت الكتف.

يقول: هو أسد عادته قتل الأسود، فدم الأسد القوي خضابه الذي يتخضب به عند قتله إياه، وهو أيضاً موت، لإفنائه الأعداء، وترعد منه: أي الموت يفزع منه.

ما منبجٌ مذ غبت إلا مقلةٌسهدت ووجهك نومها والإثمد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

الإثمد: ما يجعل في العين مما ينفع.

يقول: ما هذه البلدة بفراقك إلا كمقلة سهرت شوقاً إليك فغاب عنها نومها وكحلها، فلما عدت إليها نامت فرحاً بقدومك؛ فعاد إليها نومها وكحلها ووجدت روحاً وسكوناً.

فالليل حين قدمت فيها أبيضٌوالصبح منذ رحلت عنها أسود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

يقول: إن الليل بقدومك هذه البلدة صار ضياء، كما كان ضوء النهار ظلاماً عند غيبتك عنها، وهذا المعنى مأخوذ من قول أبي تمام:

وكانت وليس الصبح فيها بأبيضٍفأمست وليس الليل فيها بأسود
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «سرت تستجير الدمع خوف نوى غد»
ما زلت تدنو وهي تعلو عزةًحتى توارى في ثراها الفرقد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

كل تاء تأنيث في البيت، وفيما قبله، وفيما بعده: كناية عن منبج، لأجل البقعة، والبلدة.

يقول: ما زلت تقرب منها وهي ترتفع تشرفاً بك، واعتزازاً بمكانك، حتى علت السماء فتوارى الفرقد في ترابها وبقعتها.

أرضٌ لها شرفٌ سواها مثلهالو كان مثلك في سواها يوجد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

يريد أن علوها لمكان الممدوح فيها.

فقال: إن هذه الأرض بلدة شريفة. سواها من الأرضين مثلها، لو كان مثلك موجوداً فيها.

أبدى العداة بك السرور كأنهمفرحوا وعندهم المقيم المقعد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

بك: أي بسببك.

يقول: إنهم أظهروا السرور بك، وبقدومك، وفي قلوبهم من كراهة ذلك من الخوف والغم ما أقامهم وأقعدهم، فأضمروا العداوة في الباطن، وإن كانوا على توددٍ في الظاهر وعندهم من الغم المقيم المقعد.

قطعتهم حسداً أراهم ما بهمفتقطعوا حسداً لمن لا يحسد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

قطعتهم: مبالغة في القطع.

يقول: جعلت العداة قطعاً؛ غيظاً وحسداً عليك، حتى أراهم حسدهم ما بهم من التقطع والذلة والنقص والمرض وتغير اللون، فتقطعوا حسداً لما فيك من الفضل، وأنت لا تحسد أحداً لأنك قد جمعت الفضائل الكلية، والحسد من دأب الناقصين، فأنت تحسد ولا تحسد أحداً.

حتى انثنوا ولو ان حر قلوبهمفي قلب هاجرةٍ لذاب الجلمد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

انثنوا: أي رجعوا. والجلمد: الحجر الصلب.

يقول: تقطعوا حسداً حتى رجعوا، وفي قلوبهم من الحر حسداً وكمداً؛ ما لو كان ذلك الحر في قلب هاجرة النهار، لذاب بحرارتها الحجر الصلب، وجعل للهاجرة قلباً لما ذكر قلوبهم لازدواج الكلام.

نظر العلوج فلم يروا من حولهملما رأوك وقيل: هذا السيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

العلج: أصله حمار الوحش، وجمعه علوج. والمراد به: الكفار من أهل الروم.

يقول: لما رأوك الحساد دهشوا، وأظلمت الدنيا عليهم فزعاً منك، واستصغروا من حولهم من العساكر، استعظاماً لك من هيبتك، حتى أنهم لم يروا من حولهم من الخيل والحشم لاشتغالهم برؤيتك، ولأنك فقتهم حسناً وقيل لهم: هذا السيد.

بقيت جموعهم كأنك كلهاوبقيت بينهم كأنك مفرد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

يقول: لقيت جموع أولئك كأنك بوحدتك جملتهم، لموازنتك إياهم، وبقيت أنت بينهم مفرداً، لا نظير لك. وهذا تأكيد للمصراع الأول.

لهفان يستوبي بك الغضب الورىلو لم ينهنهك الحجا والسؤدد
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

لهفان: نصب على الحال من الغضب، وقيل بقيت لهفان، ويستوبى: من الوباء، وأصله الهمز فأبدله ضرورة، ومعناه: يفنى ويهلك، والغضب: فاعل يستوبى، والورى مفعوله ويجوز: أن يكون يستوبى: أي يوبى الغضب الذي بك. والباء في بك زائدة والورى: فاعله، والغضب مفعوله.

يقول: غضبك يكاد يهلك الناس، لو لم يكفك العقل والسؤدد، فبقيت لهفان بين الغضب المهلك، وبين العقل والسؤدد.

كن حيث شئت تسر إليك ركابنافالأرض واحدةٌ وأنت الأوحد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

أي كن في أي مكان شئت، فليس لنا، ولا لركابنا مسرى إلا إليك؛ لأن الأرض واحدة، وأنت مالكها. وإنك أنت أوحد، لا نظير لك ولا شبيه.

وصن الحسام ولا تذله فإنهيشكو يمينك والجماجم تشهد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

لا تذله: أي لا تذله، فخفف.

يقول: صن سيفك واغمده ولا تذله فتفنيه من كثرة استعماله فإنه يفنى الحسام وتشكو يمينك، من كثرة ضرب الجماجم: وهي عظام الرءوس تشهد له بذلك، ومن حق السيف عليك أن تصونه ولا تهينه وهذا نظير قوله:

شم ما االتضيت فقد تركت ذبابةقطعاً وقد ترك العباد جذاذا
يبس النجيع عليه فهو مجردٌمن غمده فكأنما هو مغمد
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

النجيع: دم الجوف. وقيل: الدم الطري.

يقول: قد جف الدم على حسامك وهو مجرد عن غمده، لكنه من الدم اليابس عليه كأنه مغمد.

ريان لو قذف الذي أسقيتهلجرى من المهجات بحرٌ مزبد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

ريان: ضد عطشاً، وهو نصب على الحال. والمهجة: دم القلب.

يقول: هذا السيف ريان من الدماء؛ لكثرة ما أسقيته من دماء القتلى، فلو رمى ما أسقيته من الدماء لجرى منها بحرٌ، يعلوه الزبد لغزارته.

ما شاركته منيةٌ في مهجةٍإلا وشفرته على يدها يد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

التذكير الذي في البيت: للحسام، والتأنيث: للمنية. وشفرة السيف: حده.

يقول: ما شاركت المنية هذا السيف في نفس من الأنفس، إلا وحده على يد المنية يدٌ فتكون يده فوق يدها. ومثله لأبي تمام قوله:

مطلٌ على الآجال حتى كأنهلصرف المنايا في النفوس مشارك
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قرى دارهم مني الدموع السوافك»

غير أن المتنبي فضل السيف على المنية، وأبو تمام سوى بينهما.

وقيل: إنما شاركته المنية فزعاً منه؛ لأن السيف يدٌ على يدها، يمنعها ويعوقها.

إن الرزايا والعطايا والقناحلفاء طيٍّ غوروا أو أنجدوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

حلفاء: جمع حليف، وهو الجار المحالف على الولاية، وطيٍّ: أراد طيئاً فخفف.

يقول: إن المصيبات، والعطيات، والرماح حلفاء طيىء، غير مفارقة عنهم، أينما حلوا نجداً أو غوراً، سهلاً أو جبلاً.

صح: يال جلهمة. تذرك، وإنماأشفار عينك ذابلٌ ومهند

جلهمة: قبيلة المدوح. والأشفار: يريد بها الأهداب هاهنا.

يقول: ناد أيها الممدوح وقل: يال جلهمة، تدرك، وقد أحاطوا بك برماحهم وسيوفهم، حتى كأن أشفار عينك سيف ورمح، لكثرة سيوفهم ورماحهم.

وفيه معنى آخر: وهو أنك إذا صحت بهم جاءوك واجتمعوا عندك، وهابوك، حتى كأن أشفار عينك إذا نظرت إليهم، ذابلٌ ومهند؛ لهيبتك في قلوبهم ولطاعتهم لك.

من كل أكبر من جبال تهامةٍقلباً ومن جود الغوادي أجود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

الجود: المطر الشديد، والغوادي: جمع غادية، وهي السحابة التي تنشأ غداة.

يقول: إن كل رجل منهم أكبر من جبال تهامة وأسخى من السحاب التي تأتي غدوة. وهذا يمكن أن يكون متعلقاً بقوله: أشفار عينك ذابلٌ ومهند من كل رجلٍ أكبر من جبال تهامة. ويمكن أن يكون للقسمة والتبعيض، كما يقال: رأيت من الناس ذاهبٌ. أي من هو ذاهب.

يلقاك مرتدياً بأحمر من دمٍذهبت بخضرته الطلى والأكبد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

أحمر: صفة لمحذوف، يعني: بسيف أحمر من دم.

يقول: الذي هو أكبر من جبال تهامة قلباً، يراك متقلداً بسيف أحمر، مما عليه من دماء الأعداء، صبغت خضرته وصقاله دماء الأعناق والأكباد، وسترها فيأتيك به.

حتى يشار إليك ذا مولاهموهم الموالي والخليقة أعبد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

يقول: حتى يطاعون لك منقادون لأمرك، ويشار إليك فيقال: ذا مولاهم أي سيدهم وهم مع ذلك سادات الناس كلهم، فأنت سيدهم، والخلق عبيدهم، فأنت سيد السادات.

أنى يكون أبا البرية آدمٌوأبوك والثقلان أنت محمد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «اليوم عهدكم فأين الموعد»

تقديره: كيف يكون آدم أبو البرية، وأبوك محمد، وأنت الثقلان.

يريد: إذا كنت أنت الثقلين، وأبوك محمد، فأبو البرية إذاً أبوك! لا آدم! والثقلان: الجن والإنس. ومثله قول الآخر:

وليس على الله بمستنكرٍأن يجمع العالم في واحد
يفنى الكلام ولا يحيط بفضلكمأيحيط ما يفنى بما لا ينفد؟
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أيحيط، استفهام: والمراد به الجحد. ويفنى وينفد بمعنى، فلذلك وضع أحدهما موضع الآخر.

يقول: يفنى كلام الشعراء في مدحكم فلا يحيط بفضلكم؛ لأن للكلام نهاية وليس لفضلكم نهاية، فكيف يحيط المتناهي بما لا يتناهى؟!.

وقال في أبي دلف وكان قد حبسه الوالي لشيء بلغه عنه، وأبو دلفٍ هذا سجانٌ حبس المتنبي عنده مدة سنتين وقد أهدى إليه هدية وهو في السجن:

أهون بطول الثواء والتلفوالسجن والقيد يا أبا دلف
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهون بطول الثواء والتلف»

أهون: أي ما أهون طول الثواء، وهذا إن بناه من الإهانة فهو من الشاذ. كقولهم: ما أعطاه للمال. لأن ما زاد على الثلاثة لا يبنى منه فعل التعجب، إلا بلفظ ثلاثي، فكأنه يقول: ما أشد الإهانة بطول الثواء والتلف.

وإن كان من هان يهون فهو صحيح يدل عليه ما بعده من الأبيات، وكان قد حبس في السجن، وكان يتعهده رجلٌ يعرف بابن كنداج كنية أبي دلف، يأتيه بالطعام وغيره، فشغل عنه يوماً، فكتب إليه بهذه الأبيات يقول مخاطباً لأبي دلف: ماأيسر طول الثواء والهلاك علي، والسجن والقيد كل ذلك هين علي وهذا يدل على أنه كان محبوساً.

غير اختيارٍ قبلت برك بيوالجوع يرضي الأسود بالجيف
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهون بطول الثواء والتلف»

يقول: قبلت برك بي عن غير اختيار بل بالاضطرار الواقع، كما أن الأسد إذا جاع، ولم يظفر بفريسةٍ، يأكل الجيف اضطراراً! كذلك حالي، في قبول برك.

كن أيها السجن كيف شئت فقدوظنت للموت نفس معترف
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أهون بطول الثواء والتلف»

التوطين: جعل النفس وطناً.

يقول للسجن: كن كيف شئت علي، فإني قد وطنت نفسي للموت، توطين المعترف بالشيء، الراضي به، المقر بالموت، الذي سكن إليه. وقيل: المعترف الصابر. يعني: وطنت للموت نفسي نفس رجل صابرٍ على الشدائد.

لو كان سكناي فيك منقصةٌلم تكن الدر ساكن الصدف
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لو كان كوني في السجن توجب منقصة وذلاًّ لكان كون الدر مع جودته وعلو قدره في الصدف الذي هو أخس حيوان البحر يوجب له النقص. فكما لا تؤثر خسة الصدف في قدر الدر، كذلك حالي في السجن. وهذا تسلية لنفسه.

وكان قوم ي صباه قد وشوا به إلى السلطان وكذبوا عليه وقالوا: قد انقاد له خلقٌ من العرب، وقد عزم على أخذ بلدك، حتى أوحشوه منه فاعتقله وضيق عليه، فكتب إليه يمدحه:

أيا خدد الله ورد الخدودوقد قدود الحسان القدود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

أيا: يحتمل أن يكون حرف نداء، والمنادى محذوف، وتقديره: أيا قوم. ويحتمل أن يكون افتتاح الكلام. مثل أما وألا وخدد: أي شقق. وقد: أي قطع، وأصله القطع طولاً. والقدود: جمع القد، وهو القامة.

قال يدعو على ورد الخدود والقدود الحسنة، وفيه وجهان:

أحدهما: أن يكون على عادة العرب، في أنهم إذا استحسنوا شيئاً وتعجبوا منه دعوا عليه! نحو قولهم: قاتل الله فلاناً ما أفصحه!.

والثاني: أن يحمل على حقيقة الدعاء عليها. فيقول: شقق الله ورد الخدود وقطع قدود الحسان قدوداً، فإني قد لقيت منها بلاءً وجهداً، وقاسيت منها مشقة، ويدل عليه قوله فهن أسلن دما مقلتي ومثله لجميل:

رمى الله في عيني بثينة بالقذىوفي الغر من أنيابها بالقوادح
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «رمى الله في عيني بثينة بالقذى»
فهن أسلن دماً مقلتيوعذبن قلبي بطول الصدود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

يقول: هن أسلن من مقلتي دماً؛ من بكائي عليهن، وعذبن قلبي بطول إعراضهن عني. وروى مهجتي أي قتلنني وسفكن دمي.

وكم للهوى من فتىً مدنفٍوكم للنوى من قتيلٍ شهيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

المدنف: الذي طال مرضه. يعتذر من قوله فهن أسلن دماً.

فيقول: ما أنا بأول عاشقٍ قتل شهيداً، فكم للهوى من فتىً قد دنف وصار إلى شرف الموت، وكم للنوى من قتيلٍ شهيدٍ مثلي، قد قتله الحب، كما قتلني شهيداًز

فواحسرتا ما أمر الفراقوأعلق نيرانه بالكبود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

يقول: واحسرتا على نفسي من مفارقة الأحباب، فما أمر الفراق وأشد مرارته! وما أشد علق نيران الفراق بالكبود! وجمع الكبود ذهاباً إلى العموم، فكأنه قال: ما أعلق نيرانه بكبود العشاق. وروى: وأحرق نيرانه بالكبود.

وأغرى الصبابة بالعاشقينوأقتلها للمحب العميد!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

قوله وأغرى: تعجب من غرى بالشيء إذا ولع به. والصبابة: رقة الهوى. والعميد: المصاب عمود قلبه.

يقول: ما أولع الصبابة والشوق بالعشاق، وما أقتلها للمحب المصاب قلبه! يتعجب من ولع الهوى وقتله للعشاق.

وألهج نفسي لغير الخنابحب ذوات اللمى والنهود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

ألهج: أي أعرض، وأولع. واللمى: حمرة الشفة تضرب إلى السواد. والنهود: نتوء الثدي.

يقول: ما أولع نفسي بحب النساء، لمى الشفاة، نواهد الثدي، الموصوفات بالحسن والجمال، لا الخنا: الذي هو داعية الزنا، لكن لأجل النظر فقط.

فكانت وكن فداء الأميرولا زال من نعمةٍ في مزيد
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أي كانت نفسي المذكورة، وذات اللمى والنهود فداء الأمير الممدوح. على وجه الدعاء، ثم ذكر دعاءً آخر فقال: ولا زال الأمير من الله تعالى في زيادة تامة من النعمة.

لقد حال بالسيف دون الوعيدوحالت عطاياه دون الوعود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

الوعود: جمع الوعد، وهو مصدر وعد. فيكون بمعنى: الوعد.

يقول: حال الأمير بسيفه دون الوعيد، فيقتل قبل أن يوعد، وحالت عطاياه دون الوعد؛ فيعطي قبل أن تعد. فالأول: يدل على فضل قوته، والثاني: على فضل سخائه وجوده.

فأنجم أمواله في النحوسوأنجم سؤاله في السعود
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أنجم أمواله منحوسةٌ لتفريقه إياها، وأنجم سؤاله مسعودة لاستغنائهم بما يبذله لهم من الأموال ويفرقه بينهم.

ولو لم أخف غير أعدائهعليه لبشرته باللود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

يقول: لو كان الخوف على الممدوح من أعدائه وحدهم، لكنت في أمنٍ دونهم، فبشرته بدوام الحياة غير إنما أخاف عليه من غير أعدائه، وهو الله تعالى، ذو القضاء المبرم في جميع الناس. والغرض هو الاستخفاف بأعدائه. وروى: عين أعدائه يعني: أن يصيبوه بعيونهم السيئة.

رمى حلباً بنواصي الخيولوسمر يرقن دماً في الصعيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

الصعيد: التراب الخالص. وقيل: هو ظاهر الأرض.

يقول: رمى حلباً بوجوه خيله، لما حاربها برماح له، تريق دماء أعدائه في الصعيد: أي التراب.

وبيضٍ مسافرةٍ ما يقمن لا في الرقاب ولا في الغمود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

يقول: رماها بسيوفٍ مسافرةٍ، غير مستقرة في رقاب الأعداء ولا في غمودها؛ لأنها تتقدم من رقاب إلى رقاب، ومن قتيل إلى قتيل، فليس لها قرار؛ لكثرة ما تستعمل في الضرب فكأنها مسافرة غير مقيمة في غمد أو عنق.

يقدن الفناء غداة اللقاءإلى كل جيشٍ كثير العديد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

يقدن: فعل السيوف التي لا تقيم في غمد، أو عنق. يقول: يقدن أي يسقن الفناء غداة اللقاء للحرب، إلى كل جيش كثير العدد؛ فهذا فعلهن وسفرهن.

فولى بأشياعه الخرشنيكشاءٍ أحس بزأر الأسود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

الخرشني: هو والي حلب، وخرشنة. هو الحصن في بلاد الروم.

يقول: ولي الخرشني الذي حاربه الأمير بأصحابه وأشياعه، كانهزام الشاة عند ما تحس بصوت الأسد.

يرون من الذعر صوت الرياحصهيل الجياد وخفق البنود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

يقول: انهزموا عنه، وخافوه، حتى ظنوا صوت الرياح أنه صهيل خيوله وخفق أعلامه، وأنهم إذا رأوا شيئاً ظنوه رجلاً ومثله قول جرير:

ما زلت تحسب كل شيءٍ بعدهمخيلاً تكر عليهم ورجالا

والأصل في ذلك قوله تعالى: " يحسبون كل صيحةٍ عليهم هم العدو ".

فمن كالأمير ابن بنت الأمير أم من كآبائه والجدود؟
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

من: استفهام. ومعناه النفي.

يقول: ليس أحد مثل الأمير وليس أحد كأبيه وأجداده، وهو أيضاً كريم من جهة الأمهات.

سعوا للمعالي وهم صبيةٌوسادوا وجادوا وهم في المهود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

يقول: إن الممدوح وأباءه وأجداده قد سعوا في طلب المعالي في حال صباهم، وسادوا غيرهم، وجادوا بأموالهم، وهم أطفال في المهود، والغرض المبالغة في سؤددهم وكرمهم. وروى: وشادوا أي بنوا المجد ورفعوه.

أمالك رقىً ومن شأنههبات اللجين وعتق العبيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

الواو في قوله: ومن شأنه، واو الحال. ويجوز: أن يكون واو العطف، ومن في موضع النصب، وتقديره إذاً يكون: يا مالك رقىً ويا من شأنه هبات الفضة وإعتاق العبيد.

دعوتك عند انقطاع الرجاء والموت مني كحبل الوريد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

حبل الوريد: عرق في العنق، يتصل بالقلب.

يقول: دعوتك لما انقطع الرجاء من الحياة، وقرب الموت مني، كقرب حبل الوريد.

دعوتك لما براني البلىوأوهن رجلي ثقل الحديد
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

براني: أي أنحلني، وقطعني، والبلى: مصدر بلى الشيء. وروى: لثقل الحديد.

يقول: دعوتك عند الشدة، وعظم أثر القيد برجلي!

وقد كان مشيهماً في النعالفقد صار مشيهماً في القيود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

يقول: قد كان مشى رجلي قبل ذلك في النعال، وصار الآن مشيهما في القيود! فلا عهد لي بالقيود قبل هذه الحالة!

وكنت من الناس في محفلٍفها أنا في محفلٍ من قرود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»
لصوصٌ أطاعوا أبا مرةٍبترك الركوع وترك السجود
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
كأني قرنت بهم في الجحيم أرى كل يومٍ وجوه اليهود
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: كنت إلى الآن في محفل من كرام الناس، وأنا الآن في محفل من القرود! وأراد بهم الأوباش وأصحاب الأهواء ثم بين فقال: هم لصوص وأطاعوا إبليس بترك الصلاة. وأبو مرة: كنية إبليس.

تعجل في وجوب الحدودوحدي قبل وجوب السجود!
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وروى تعجل: فيكون متعدياً، أصله تتعجل أيها الأمير، فعلى هذا وجوب يكون منصوباً، والأولى تعجل بفتح اللام على الفعل الماضي اللازم ويجوز رفع وجوب الصلاة علي وحدي. قال ابن جنى: إنه لم يكن صغيراً لكن صغر نفسه عند الأمير ألا ترى أن من كان صبياً لا يظن به اجتماع الناس إليه للشقاق والخلاف والظاهر بخلاف ذلك، وما بعده يدل على أنه كان صغيراً، ومثله لابن الرومي:

أم لذنبٍ ينوب عني فلم يأناكتساب الذنوب للأطفال
وقيل عدوت على العالمينبين ولادي وبين القعود
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

عدوت: أي ظلمت يقول: قيل عدوت على العالمين بما نويت، وأنا بين أولادي وقعودي ومن كان طفلاً مثلي. فكيف يصح منه ما نسب إليه؟!

فما لك تقبل زور الكلاموقدر الشهادة قدر الشهود؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

يقول: مالك تقبل على الكذب وهذه الشهادة كشاهديها في الحقارة، فكما لا قدر للشهود لحقارتهم فكذلك شهادتهم.

فلا تسمعن من الكاشحينولا تعبأن بمحك اليهود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

بمحك اليهود: أي العداوة وشدة الحاجة. وروى: بمحل اليهود: وهو السعاية.

يقول: لا تسمع من الكاذبين كذبهم علي، ولا تبال بعداوة اليهود وسعايتهم بي، فإن شهادة اليهود على المسلمين غير مقبولة؛ لما بينهم من العداوة، والظاهر أنهم كانوا يهوداً. وقال ابن جنى: إنهم لم يكونوا يهوداً ولكن كني عنهم باليهود لذلتهم وحقارتهم وقلتهم، وظاهر البيت يدل على خلاف ذلك.

وكن فارقاً بين دعوى: أردتودعوى: فعلت بشأوٍ بعيد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

يقول: إن القوم إنما شهدوا علي، بأني أردت أن أهجوك وأخرج عليك، ولم يشهدوا أني فعلت ذلك، ولا نستحق الحبس والحد على العزم والنية ما لم يفعل، فكن فارقاً بين الواقع والمستقبل بمفرق بعيد، فإن بين الأمرين بوناً بعيداً.

وفي جود كفيك ما جدت ليبنفسي ولو كنت أشقى ثمود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا خدد الله ورد الخدود»

يقول: لو كان ما زعموا! فإن في جود كفيك لي رجاءٌ أن تعفو عني، وتجود بنفسي وتترك قتلها، على عظم ذنبي، ولو كنت في ذنبٍ عظيم. أشقى ثمود: الذي عقر ناقة صالح ﵇. واسمه قدار بن سالف.

وقال إجابة لمعاذ الصيدواني وهو يعذله على تهوره:

أيا عبد الإله معاذ إنيخفيٌّ عنك في الهيجا مقامي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

هو: أبو عبد الله معاذ الصيدواني، وضم معاذ على نكرة الندا كأنه يقول: أيا عبد الله. يا معاذ. وكان معاذ هذا يلومه على تعرضه للحروب في الأسفار. فقال له: إنه خفي عنك مقامي في الحروب واستقلالي بها، وارتقائي إلى معالي الأمور.

ذكرت جسيم ما طلبي وأنانخاطر فيه بالمهج الجسام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبا عبد الإله معاذ إني»

يقول: ذكرت عظيم ما أطلبه من الأمور، وأنا نخاطر في جسيم ما تطلبه، بالمهج والأرواح العظام، ولم تعرف أنا لا نبال باللوم والملام.

أمثلي تأخذ النكبات منهويجزع من ملاقاة الحمام؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبا عبد الإله معاذ إني»

يقول: أمثلي تتناول النكبات منه، وتؤثر فيه! وهل أجزع من ملاقاة الموت؟ حتى تعذلني على بذل نفسي.

ولو برز الزمان إلي شخصاًلخضب شعر مفرقه حسامي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبا عبد الإله معاذ إني»

يقول: لا أبالي بنكبات الزمان، فإنه لو برز إلي وكان شخصاً لضربته بسيفي، وخضبت شعر وسط رأسه بدمه. والمفرق: وسط الرأس.

وما بلغت مشيتها اللياليولا سارت وفي يدها زمامي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

اليد والزمام: استعارة.

يقول: ما بلغت أني أطيعها، ولا يمكنها أن تؤثر في.

إذا امتلأت عيون الخيل منيفويلٌ في التيقظ والمنام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إذا رأتني الخيل. يعني: أهلها. وأراد هاهنا محبها أي الفرسان ملء أعينها، فويلٌ لهم في حالتي التيقظ والمنام؛ لأنهم إذا رأوا خيالي في المنام، يذهب نومهم خوفاً مني، وإذا تعرضت لهم في اليقظة أقتلهم وأصله من قول الشاعر:

على عدوك يابن عم محمدٍرصدان ضوء الصبح والإظلام
فإذا تنبه رعته وإذا هدىسلت عليه سيوفك الأحلام

وقال لرجل بلغه عن قوم كلاماً فيه:

أنا عين المسود الجحجاحهيجتني كلابكم بالنباح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنا عين المسود الجحجاح»

يقال: هذا عين الشيء. أي نفسه، وخالصه. والمسود: هو المتفق على سيادته. والجحجاح: السيد. وروى: هيجتني: أي حركتني، وأغضبتني. وهجنتني: نسبتني إلى الهجنة والعار.

يقول: أنا عين المدعو سيداً، غير أن كلابكم: أي خساسكم من الشعراء وغيرهم نسبتني إلى الهجنة أو حركتني وأغضبتني بالنباح، أي بأشعارهم أو بكذبهم علي وتعيرهم لي فكأنه جعلهم كلاباً.

أيكون الهجان غير هجانٍأم يكون الصراح غير صراح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أنا عين المسود الجحجاح»

الهجان: الكريم، الخالص. والهجين: ضده. والصراح: الخالص.

يقول: أنا هجانٌ كريم، والهجان هجانٌ أبداً، وإن دعي هجيناً، والخالص خالصٌ، وإن نسب إلى ضده، ويحتمل أن يكون غير الكريم في معنى الهجين، فيكون صفةً للطاعنين فيه. ومعناه: أن من يكون غير كريم فلا يكون كريماً وإن دعي كريماً. يعني: أعداءه، ومن يكون خالصاً فلا يكون غير خالص. وأراد به نفسه.

جهلوني وإن عمرت قليلاًنسبتني لهم رءوس الرماح
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: جهلوا قدري ونسبي، ولو عشت قليلاً عرفت إليهم نفسي حتى تنسبني إليهم رءوس الرماح فيعرفونني بطعني لهم بها.

وقال أيضاً ارتجالاً وقد سئل الشرب ففضل معاطاة الحراب على معاطاة الشراب:

ألذ من المدام الخندريسوأحلى من معاطاة الكئوس
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المدام: الخمر. سمي به لأنها أديم في الدن. والخندريس: هي الخمر العتيقة من أعوام.

معاطاة الصفائح والعواليوإقحامي خميساً في خميس
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألذ من المدام الخندريس»

الصفائح: جمع الصفيحة، وهي السيف العريض. والعوالي: رءوس الرماح. والخميس: العسكر.

يقول: ألذ من شرب الخمر العتيقة ومناولة الكئوس، مناولة السيوف والرماح، وسقى الدماء من الجراح، وإدخال جيش في جيش، كل ذلك ألذ وأحلى عندي من شرب الخمر العتيقة.

فموتي في الوغى عيشي لأنيرأيت العيش في أرب النفوس
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

لما فضل الحرب على الشرب بين علة التفضيل.

فقال: موتي في الحرب عيش في الحقيقة لبقاء الذكر الجميل؛ لأني رأيت العيش وكماله في حاجات النفوس، وحاجتي حصول عيش الأبد، وذلك في الموت لبقاء الذكر الجميل بعدي.

ويجوز أن يريد أن الحرب في سبيل الله حياة لي لكوني من الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله فكنت حياً بما أنا فيه من الثواب.

قال ابن جنى: قلت له كيف ذلك؟ فقال الآية: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون ".

ولو سقيتها بيدي نديمٍأسر به لكان أبا ضبيس
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألذ من المدام الخندريس»

نصب أبا ضبيس؛ لأنه خبر كان، واسمه: ضمير النديم وهو صديقه الذي دعاه إلى الشرب. وقيل: إنه كان صاحب المجلس والدعوة.

يقول: لو سقيت الخمر بيدي نديم لي فيه سرور وأنس لكان ذلك النديم أبا ضبيس يعني لكنت لا أشرب إلا من يده.

وقال له بعض الكلابيين: أشرب هذا الكأس سروراً بك فأجابه ارتجالاً:

إذا ما شربت الخمر صرفاً مهنئاًشربنا الذي من مثله شرب الكرم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إذا شربت الخمر صرفاً أي غير ممزوج مهنأً بشربه. شربت أنا الماء الذي شرب الكرم من مثله.

وقيل: إن الكرم إذا غرس صب في مغرسه الدم فيقوى بذلك.

يقول: إذا شربت أنت الخمر شربت أنا الدم الذي شرب الكرم منه، ويدل عليه ما بعده وهو:

ألا حبذا قومٌ نداما هم القنايسقونها رياً وساقيهم العزم

يقول حبذا قوم، نداماهم الرماح، يسقون رماحهم دماء أعدائهم ريا: أي قدر ما تروى به ويكون ساقيهم العزم.

طربه لصليل السيوف لا لقرع الكئوس.

وقال أيضاً ارتجالاً:

لأحبتي أن يملئوابالصافيات الأكوبا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وعليهم أن يبذلواوعلي ألا أشربا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
حتى تكون الباترات المسمعات فأطربا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لأحبتي أن يملأوا بالصافيات الأكوبا»

الأكواب: جمع الكوب، وهو الإبريق بلا عروة.

يقول: لأحبائي أن يملئوا كئوسهم خمراً، ويعرضوها علي، ولكن علي ألا أشربها حتى تصير السيوف القاطعات المغنيات في العظام، فإذا سمعت هذا الغناء فأشرب وأطرب عند ذلك! ويجوز في الباترات: الرفع، على أن تجعل يكون فعلاً حقيقياً، وإن جعلته ناقصاً يجب رفع الباترات، ونصب المسمعات خبراً لها.

وقال أيضاً يصف مجلساً لابن عبد الوهاب وقد جلس ابنه ليلاً إلى جانب المصباح:

أما ترى ما أراه أيها الملككأننا في سماءٍ مالها حبك
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما ترى ما أراه أيها الملك»

أي ما أراه أيها الملك كائناً في مجلسك، في سماءٍ ليس لها طرائق، ولما شبه مجلسه بالسماء بين بعد ذلك وجه التشبيه فقال:

الفرقد ابنك والمصباح صاحبهوأنت بدر الدجى والمجلس الفلك
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أما ترى ما أراه أيها الملك»

الهاء: في صاحبه للفرقد. وهما فرقدان.

يقول: ابنك أحد الفرقدين، والمصباح الفرقد الثاني، وأنت بدر الدجى؛ لما لك من الفضل، والمجلس هو الفلك الذي يجوز هذه الأشياء. شبه ابنه بأحد الفرقدين والمصباح بالثاني، والأب بالبدر، والمجلس بالفلك فجمع فيه أربع تشبيهات. ومثله للمخزومي:

كأن سعيداً وأبناءهنجومٌ وبدرٌ إذا ما اتسق

يفتخر بشعر على أبي بكر الطائي وكان قد نام ساعة إنشاده قال: ونام أبو بكر الطائي وأبو الطيب ينشده فأنبهه:

إن القوافي لم تنمك وإنمامحقتك حتى صرت ما لا يوجد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن القوافي لم تنمك وإنما»

أي أنها لم تنمك بل أهلكتك حتى صرت غير موجود! والغرض أنه لو كان من المميزين لم ينم من شعره.

فكأن أذنك فوك حين سمعتهاوكأنها مما سكرت المرقد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن القوافي لم تنمك وإنما»

المرقد: الدواء المنوم، وقوله مما سكرت في معنى المصدر، كأنه قال: من سكرك.

يقول: كأن أذنك حين سمعت القوافي، فوك. وكأن ما أنشدته لك من الشعر، هو الدواء المرقد، فشربته وسكرت، لأن نومك من القوافي، لا من الخمرة وروى لما سكرت.

وقال يتغزل أيضاً:

كتمت حبك حتى منك تكرمةًثم استوى فيك إسراري وإعلاني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كتمت حبك حتى منك تكرمة»

يقول: كتمت حبك حتى كتمته منك تكرمة لك، إذ في إظهاره فضيحة المحبوب، أو تكرمة لنفسه من الاستكانة للنساء، ثم أطلق كتمانه، فظهر بما دل عليه من الأمارات، كالبكاء والنحول وغير ذلك، فاستوى فيه إسراري وإعلاني؛ لأن السر في الظهور كالعلانية. ويجوز أن يكون المراد به أنهما استويا في الكتمان، والمقصد أنه لم يظهر قط، بل بقي كما كان من الإسرار.

كأنه زاد حتى فاض عن جسديفصار سقمي به في جسم كتماني
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الهاء في كأنه: ضمير الكتمان، ودل عليه قوله: كتمت. ويجوز أن يكون راجعاً إلى الحب، أي زاد حبي حتى أسقم كتماني؛ فضعف عن حمل الكتمان. والكناية في به: ترجع إلى الحب.

يقول على المعنى الأول: كأن الكتمان زاد في جسدي، حتى فاض عنه وظهر، فصار سقمي بسبب الحب الذي كان في جسمي كتمان. يعني: أن جسمي كان سقيماً، فلما ظهر الحب زال عني السقم إلى جسم الكتمان، فصار الكتمان سقيماً؛ لأن إفشاء السر سقم الكتمان.

وعلى الثاني: أن الكتمان زاد حتى فضل عن جسدي، فصار سقمي بسبب الحب، منكتماً في جسم كتمان.

كأنه يقول: كان الكتمان في جسمي، فصار الآن جسمي في الكتمان، فلكون جسمي في جسم الكتمان صار سقمي فيه، وكان الكتمان ظرفاً لي، بعد ما كنت ظرفاً له.

وقال يمدح محمد بن زريق الطرسوسي:

هذي برزت لنا فهجت رسيساًثم انصرفت وما شفيت نسيساً!
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يجوز أن يريد يا هذي فحذف حرف النداء للضرورة، ويجوز أن يكون إشارة إلى المرة الواحدة من برزت، فتكون هذه موضوعة موضع المصدر، كأنه يقول: هذه البرزة برزت لنا. والرسيس حنين الحمى وهيجانها، والنسيس: العطش. وقيل: هو الاختلاج. وقيل: هو بقية المرض. وقيل: بقية النفس.

يقول للمحبوبة: يا هذه: برزت لنا هذه البرزة الحسنة فهيجت لنا الهوى وحرارة القلوب ثم انصرفت عنا ولم تشف بقية نفوسنا التي أبقيت لنا، وبقية مرضنا الذي هيجت لنا ببروزك وما شفيت اختلاج عيوننا ولا سكنت لنا عطشاً.

وجعلت حظي منك حظي في الكرىوتركتني للفرقدين جليسا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

هذا تفسيره على وجوه: أحدها: جعلت حظي من رؤيتك وصلك في النوم، فكما لا حظ لي منك، لا حظ لي من النوم.

والثاني: جعلت حظي منك في النوم. يعني: لا أراك إلا في النوم.

والثالث: جعلت حظي منك بلا حقيقة ولا حاصل لي، كحظي من الأحلام التي أراها في النوم! ثم قال: وتركتني جليس الفرقدين، ولا أنام من طول الفكر.

قطعت ذياك الخمار بسكرةٍوأدرت من خمر الفراق كئوسا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ذياك: تصغير ذاك. يقول: كنا في خمار مع قربك، بما كنا نقاسي من بخلك بالوصل، فالآن أزلت ذلك الخمار بسكرة الفراق، فكنا نستعظم ذلك الخمار، فصار ما كنا نستعظمه صغيراً في جنب سكرة الفراق! وصغر الخمار بقوله: ذياك لأنه صغير في مقابلة السكر، ولهذا قال: وأدرت من خمر الفراق كئوساً. فحدث عنها هذه السكرة. أو صغره ليبين أن مدة قربها قصرت بالإضافة إلى مدة الفراق، أو يكون أراد به التعظيم كقول لبيد:

وكل أناس سوف تدخل بينهمدويهة تصفر منها الأنامل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تَسْألانِ المَرْءَ ماذا يُحَاوِلُ»
إن كنت ظاعنةً فإن مدامعيتكفي مزادكم وتروي العيسا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

المزاد: الوعاء الذي يجعل فيه الزاد، وأراد به ها هنا سقاء الماء، لأنه من الزاد.

يقول: إن كنت مرتحلة فلا تأخذي الماء فإن دموعي تكفي مزادكم وتروي إبلكم من كثرة ما أصب من دموعي. وقيل: إنه من كفأت الإناء: إذا قلبته. أي أن مدامعي تقلب مزادكم وتريق الماء، لأن دموعي تقوم مقام المزاد فلا تحتاجون إليه.

حاشى لمثلك أن تكون بخيلةًولمثل وجهك أن يكون عبوسا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»
ولمثل وصلك أن يكون ممنعاًولمثل نيلك أن يكون خسيسا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

كان الوجه أن يقول: حاشى لمثلك أن يكون بخيلاً؛ لأن لفظ مثل مذكر، إلا أنه حمل على المعنى.

يقول: معاذ الله أن تكوني بخيلة بالتقبيل عند الوداع، ولمثل وجهك أن يكون عابساً في تلك الحال، كأنه أراد بهذه العبارات اللطيفة، أن يقول: ودعيني وقبليني ولا تبعسي وجهك، وحاشاك أن تكوني مانعةً من الوصل، وأن يكون نيلك خسيساً حقيراً. وكني عن إكثار النيل وبذل الوصل من غير منع بأحسن عبارة.

خودٌ جنت بيني وبين عواذليحرباً وغادرت الفؤاد وطيسا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

الخود: الناعمة. والوطيس: معركة الحرب. وقيل: هو تنور من حديد.

يقول: هي ناعمة وقد أوقعت حرباً بيني وبين عواذلي في حبها؛ لأنهن يلمنني وأعصيهن، فحدثت مقاتلة فؤادي معركة الحرب بيني وبين عواذلي. وقيل: أراد أنها لما أوقعت بيننا القتال وتركت فؤادي موقداً بالنار بما فيه من حرارة التوقد والوجد والعشق فصار كالتنور.

بيضاء يمنعها تكلم دلهاتيهاً ويمنعها الحياء تميساً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

روى يمنعها التكلم فيكون التكلم منصوباً بيمنع. وروى تكلم فيكون فعل مضارع، والأصل: تتكلم. فحذف إحدى التاءين تخفيفاً. ومعناه: أن تتكلم، غير أنه حذف أن في اللفظ، وهو منوى في العنى. فنصب، وكذلك في تميس فلهذا نصب.

يقول: إنها بيضاء ناعمة يمنعها دلها أن تتكلم من تيهها وتكبرها.

لما وجدت دواء دائي عندهاهانت علي صفات جالينوسا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

يقول: لما وجدت لدائي الذي هو الهوى الدواء عند المحبوبة وهو الوصل هانت عندي صفات جالينوس في طبه. ومثله للأخوص:

وكنت إذا سقمت بأرض سعدىشفائي من سقامي أن أراها
أبقى زريقٌ للثغور محمداًأبقى نفيسٌ للنفيس نفيساً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

يقول: أبقى أبو زريق ابنه محمداً للثغور، أبقى نفيسٌ: وهو الثغر. نفيساً: وهو محمد.

إن حل فارقت الخزائن مالهأو سار فارقت الجسوم الروسا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

روى الروسا: بالألف واللام غير مهموزة، وروى رءوساً من غير ألف ولام، فيكون مهموزاً، وهو الأصل، والأولى التخفيف.

يقول: إن حل هذا الممدوح بموضعٍ أو بمقر غرةً فارقت خزائنه: أي ماله. لتفريقه إياه على السؤال وغيرهم. وإذا سار فارقت جسوم أعدائه رءوسها؛ لقتله إياهم، فلا يسير إلا للمقاتلة. فوصفه بالسخاء والشجاعة.

ملكٌ إذا عاديت نفسك عادهورضيت أوحش ما كرهت أنيسا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

يقول: هو ملك، إذا عاديت أيها الإنسان نفسك، تعاده! وكذلك إذا رضيت أن يكون أنيسك أوحش ما تكرهه، يعني: إن لم يقتلك ويقتصر على الحبس، كنت راضياً بذلك؛ والسجن أوحش ما كرهه الإنسان. وقيل: أراد به الموت؛ لأنه أوحش ما كرهه الإنسان.

الخائض الغمرات غير مدافعٍوالشمري المجعن الدعيسا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الخائض وما بعده: نصب على المدح. كأنه قال: أعني أو أذكر أو أمدح. والشمري: المشمر. وقيل: هو في هذا الموضع فارس شمر وهو فارس معروف. والدعيس: الطعان الذي يطعن في موضعٍ مرتين.

يقول: هو ملك يخوض الشدائد، ولا يدافع عنها، وهو الطعان الحاذق بالطعن والفارس المشمر الخفيف في الحرب.

كشفت جمهرة العباد فلم أجدإلا مسوداً جنبه مرءوسا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

جمهرة العباد: جماعتهم. وقيل: أكثرهم. والمسود: الذي ساده غيره.

والمرءوس: الذي رأسه غيره. وقوله: جنبه. نصب على الظرف. يعني: في جنبه. وبالإضافة إليه.

يقول: فتشت جماعات العباد، فلم أجد بينهم بالإضافة إلى الممدوح إلا مسوداً أو مرءوساً، فكل رئيس في جنبه مرءوس، وكل سيد مسود؛ لأنه سيد السادات، ورئيس الرءوساء.

بشرٌ تصور غايةً في آيةٍتنفي الظنون وتفسد التقييسا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إنه إنسان، بلغ الغاية من المكرمات، حتى صار فيها آيةً معجزة، بحيث تنفي تلك الآية والدلالة الظنون، فلا تحيط به الظنون وتفسد قياس من يقاس إليه من الناس، فلا يمكن قياس أحد إليه.

وقيل: إن الظنون من الظنة: وهي التهمة. والمعنى: أنه لما صار آية في المكرمات، تنكر الناس فيه، أنه بشر! لما رأوه بهذه الصفة، فنفى هذه التهمة عنهم، وهي أن يتهم بما لا يليق به، كما نسب إلى السيد المسيح، فهو ينفي ذلك عن نفسه ويفسده قياس الناس في ذلك.

وبه يضن على البرية لا بهاوعليه منها لا عليها يوسى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

التذكير: للمدوح. والتأنيث: للبرية. ويوسي: من آسيت على الشيء. أي حزنت عليه. وتقديره: وبه يضن بالبرية عليه، وعليه يوسي من البرية، ولا يوسي عليها منه.

يقول يضن: أي يبخل به على الخلق، ولا يبخل بالخلق عليه، أي يجعل الناس فداء له، ولا يجعل فداء لهم. ويقال: إنه خير من البرية كلهم، وهم دونه، والشيء يبخل به ولا يبذل بما دونه، أو يوحش البرية في رضاه، ولا يوحش هو لرضى البرية.

أو يقال: يتهم البرية به فلا يوثق بالبرية، ولا يتهم هو من البرية. وقوله: وعليه منها أي عليه يوسى أي يحزن، ومنها أي من البرية إذا هلك أو أصابه مكروه، لا عليها يحزن إذا هلكت. والمعنى: أنه يبخل به على البرية، ولا يبخل بهم عليه؛ لأنهم لا يسدون مسده. ويجوز أن يريد يحزن عليه لكونه من البرية، ولأنه أشرف منها، فإذا عد منها فقد يخرجه، فيحزن عليه لذلك، ولا يحزن على البرية لكونه منها، وإنه يرفعها ويشرفها، فكونه منها يضعه ويرفعها فيحزن عليه ولا يحزن عليها بسببه.

لو كان ذو القرنين أعمل رأيهلما أتى الظلمات صرن شموسا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»
أو كان صادف رأس عازر سيفهفي يوم معركةٍ لأعيا عيسى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.