تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

قصائد بدر بن عمار

وقال يمدح بدر بن عمار بن إسماعيل الأسدي الطبرستاني وهو يومئذٍ على حرب طبرية من قبل أبي بكر محمد بن رائق:

أحلماً نرى أم زماناً جديداأم الخلق في شخص حيٍّ أعيدا؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

أحلماً: نصب بنرى. وأم زماناً: عطف عليه بأم. وجديدا: صفة لزمان. وقوله: أم الخلق: رفع لأن أم ها هنا منقطعة، والأولى متصلة.

يقول: إن ما أرى من صفات هذا الممدوح وأفعاله عجب أنراه في المنام لبعده عن العادة، أم هذا زمان جديد، غير ما كان من قبل؛ لأننا نرى فيه ما لم يعهد في زمانٍ قبله! أم الناس قد أعيدوا في شخصٍ واحد؟!

تجلى لنا فأضانا بهكأنا نجومٌ لقينا سعودا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

تجلى: أي ظهر. فأضانا به: أي صرنا مضيئين به. وهو فعل لازم وأضاء يلزم ويتعدى.

يقول: ظهر لنا هذا الممدوح، فعلا نوره وشرفه حتى أنرنا به، ولما ظهر كنا كأنا النجوم لقينا سعوداً فحسن بنوره وبركته.

رأينا ببدرٍ وآبائهلبدر ولوداً، وبدراً وليدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

أراد بالبدر الأول: الممدوح. والثاني: هو القمر. وبدراً ولوداً ووليداً: نصب برأينا. واللام في قوله لبدر: لام المفعول إذا قدم على الفعل كقوله تعالى: " إن كنتم للرؤيا تعبرون " أي إن كنتم تعبرون للرؤيا.

يقول: لما رأينا بدراً وهو الممدوح وأباه، لأن أباه قد ولد بدراً، ورأينا بدراً قد ولد، وهذا غير معهود في العالم أن يكون البدر والد البدر. جعله بدراً في الحقيقة ثم تعجب من كونه مولوداً!

طلبنا رضاه بترك الذيرضينا، له فتركنا السجودا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

يقول: رضينا أن نسجد له؛ إعظاماً، فكره هو ذلك وأنكر منا السجود له، ولم يرضه. وطلبنا رضاه بترك السجود؛ موافقة وإيثاراً لرضاه على رضانا.

أميرٌ أميرٌ عليه الندىجوادٌ، بخيلٌ بألا يجودا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

هذا كقول أبي تمام:

ألا إن الندى أضحى أميراًعلى مال الأمير أبي الحسين
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «خشنت عليه أخت بني خشين»

يقول: هو أمير على الناس، والسخاء أمير عليه؛ لأنه يطيع أمره، فهو أبداً جواد لا يعدل عنه. وهو بخيل بألا يجود: أي بخيل. بترك الجود وهذا غاية الجود.

يحدث عن فضله مكرهاًكأن له منه قلباً حسوداً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

يقول: هو يكره أن يحدث عنه بما فيه من الفضل؛ تنزهاً عن الكبر، فمتى حدث عنه فضله حدث مكرهاً عليه من غير اختيار منه، حتى كأن نفسه تحسده فلا تحب أن تسمع ثناءه، كما لا يحب الحاسد ذلك.

ويقدم إلا على أن يفرويقدر إلا على أن يزيدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

أقدم على الأمر: إذا دخل فيه غير خائف منه.

يعني: أنه شجاع يقدم على كل أمر صعب إلا على زيادةٍ من مجده وعلو محله، فلا نهاية فوقه ولا يقدر عليه.

كأن نوالك بعض القضاءفما تعط منه نجده جدودا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

يقول: إنك إذا أعطيت إنساناً صار له بنوالك جد في الناس، وحظ من السعادة، فكأن عطاءك بعض القضاء حيث أنه يسعد كما يسعد بالقضاء.

وربتما حملةٍ في الوغىرددت بها الذبل السمر سودا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

رب وربما وربت وربتما: لغات كثم وثمت وما زائدة.

يقول: رب حملة لك في الحرب، فرجعت ورماحك السمر صاروا سوداً من الدم الذي جف عليها.

وهولٍ كشفت ونصلٍ قصفتورمح تركت مباداً مبيدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

النصل: حديد السيف من غير قائم، وكذلك من الرمح والسهم والسكين.

يقول: ورب هول كشفته عن أوليائك في الحروب وغيرها، ورب سيف كسرته في أعدائك، ورب رمحٍ كسرته في طعنك العدو بعد أن قتلته فتركته مباداً مبيدا: أي مكسوراً وكاسراً لمن طعن به.

ومالٍ وهبت بلا موعدٍوقرنٍ سبقت إليه الوعيدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

يقول: رب مال وهبت ابتداء من غير وعد يتقدمه، ورب قرن: أي عدو، سبقت الوعيد إليه: أي قتلته قبل أن أوعدته وتهددته.

بهجر سيوفك أغمادهاتمني الطلى أن تكون الغمودا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

الطلى: جمع طلية، وهي صفحة العنق. والباء في بهجر سيوفك أي بسبب هجر سيوفك.

يقول: إذا فارقت سيوفك الأغماد لا تعود إليها، وتنتقل من هامٍ إلى هام من رقاب أعدائك، فهي تتمنى أن تكون أغماداً لسيوفك حتى لا تسيئها ولا تضرها، وقيل: أراد أنها تتمنى أن تكون غموداً لسيوفك ومن جملة قتلاك؛ لعلمها أن أعداءك إذا ماتوا بسيوفك كان ذلك فخراً لهم.

إلى الهام تصدر عن مثلهترى صدراً عن ورود ورودا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الهاء في مثله للهام، فرده إلى اللفظ.

يقول: ترد هذه السيوف الهام بعد صدورها عن هام آخر، فيصير الصدور عن ورود الهام، فهي أبداً صادرة واردة. وقوله: ترى فعل السيوف ويجوز أن يكون للخطاب. والورود: الإتيان: والصدور: الرجوع.

قتلت نفوس العدى بالحديد حتى قتلت بهن الحديدا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الكناية في بهن للنفوس. يقول: قتلت العدى بالسلاح حتى كسرت السلاح في الأعداء مثل قوله:

ورمح تركت مباداً مبيدا

وقوله:

القاتل السيف في جسم القتيل

ومثله لأبي تمام:

وما كنت إلا السيف لاقى ضريبةًفقطعها ثم انثنى فتقطعا
للشاعر يحيى بن زياد الحارثي، اقرأ القصيدة
فأنفدت من عيشهن البقاءوأبقيت مما ملكت النفودا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

طابق بين أنفدت وأبقيت.

يقول: أفنيت من نفوس العدا البقاء، حتى عدمت وفنيت، وأبقيت مما ملكت النفوذ. أي أفنيت أعداءك بالقتل ومالك بالبذل.

كأنك بالفقر تبغي الغنىوبالموت في الحرب تبغي الخلودا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

يقول: كأنك تبغي البقاء والخلود. بالموت في الحرب، والغنى بالفقر! يعني: أنت تحرص على إتلاف مالك في الجود. ونفسك في الحرب، فكأنك ترى غناك في الفقر، وخلودك في الموت.

خلائق، تهدي إلى ربهاوآية مجدٍ أراها العبيدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

خلائق: خبر ابتداء محذوف، أي هذه الأفعال خلائق. وربها: قيل هو الممدوح وقيل: هو الله تعالى، وأراها وفعل الله تعالى أو الممدوح يقول: هذه الأفعال خلائق غريبة تدل على صاحبها. الذي هو الممدوح. علامة مجد، أراها الممدوح الذي هو ربها، أي أعلمها العبيد، أي الذين أنفسهم أنفس العبيد، وأراد سائر الناس. وعلى الوجه الآخر: أنها تدل على الله تعالى أنه مجد، أظهرها الله تعالى لعباده لتدل على قدرته.

مهذبةٌ حلوةٌ مرةٌحقرنا البحار بها والأسودا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

يقول: هذه خلائق مهذبة. أي مخلصة من كل عيب، وهي حلوة لأحبابه، ومرةٌ لأعدائه. وقيل. حلوة: أي كل أحد يستحلها ويستحسنها. ومرةً: أي لا يمكن الوصول إليها لصعوبتها، ولما فيها من بذل المال والمخاطرة بالنفس، حتى إذا قيست البحار إليها حقرت، وكذلك الأسود حقيرة؛ لما له من السخاء والشجاعة.

بعيدٌ على قربها وصفهاتغول الظنون وتنضي القصيدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

تغول: يعني تهلك، يقال: غالته غول: أي أهلكته. وتنضي: أي تهزل.

يقول: هذه الخلائق قريبة منا، نشاهدها ولكن وصفها بعيد؛ لأنا لا ندرك غورها، فظنوننا تهلك قبل الإحاطة بها، وأشعارنا تعجز عن استيفائها. وهو المراد بقوله: وتنضي القصيد أي تعجزها.

فأنت وحيد بني آدمٍولست لفقد نظيرٍ وحيدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

يقول: أنت أوحد بني آدم؛ لفضلك وقصور الناس عن محلك، لا لأنه كان لك نظير ففقدته لأنه مات وانقضى فبقيت وحيداً، بل أنت مع وجود الخلق كلهم بلا نظير، وضد ذلك قول الشاعر:

خلت الديار فسدت غير مدافعومن الشقاء تفردي بالسؤدد

وقال أيضاً فيه وقد فصده الطبيب من أجل علة فغرق المبضع فوق حقه فأضر به ذلك:

أبعد نأي المليحة البخلفي البعد ما لا تكلف الإبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

وروى مكان المليحة البخيلة ومكان قوله: في البعد في البخل يقول: أبعد بعد المحبوبة البخل: أي أن بخلها على محبها أشد عليه من بعدها لأنه بعدٌ لا يحتاج معه إلى تكليف الإبل مشقة السير. ومثله قول أبو تمام:

لا أظلم البين قد كانت خلائقهامن قبل وشك النوى عندي نوىً قذفا

غير أن أبا الطيب ذكر هذا المعنى في المصراع الأول، وزاد مثلاً آخر في المصراع الثاني.

ملولةٌ ما يدوم ليس لهامن مللٍ دائم بها ملل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

الهاء في ملولة للمبالغة؛ إلحاقاً لها بالأسماء، كالمحمولة والمركوبة والمحلوبة، ولو جعله وصفاً لكان بغيرها؛ لأن فعولاً إذا كان صفةً لا يلحقها علامة التأنيث نحو: امرأة صبور وشكور. وما بمعنى الذي، موضعه نصب. أي تمل الذي يدوم. ويجوز أن تكون بمعنى شيء أي تمل كل شيء يدوم، ومللها دائم، فليس لها من مللها الدائم ملل. وكان القياس أن تمله كما تمل كل شيء يدوم.

وروى. بالتاء فما تكون للنفي ومعناه: أنها ملولة لا تدوم على حالة واحدة؛ فتكون تأكيداً لقوله ملولة ومثل هذا البيت قول بعض المتأخرين:

إن خلف الميعاد منك طبيعةٌفعدينا إذا تفضلت هجرا

يعني: أن من عادتك إخلاف وعدك، فتفضلي وعدينا بالهجر؛ لتجري على طبيعتك فتخلفي وعدك فتصلينا خلافاً لوعدك.

كأنما قدها إذا انفتلتسكران من خمر طرفها ثمل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

انفتلت: أي تثنت، والتوت. وقيل: إذا التفتت.

يقول: كأن هذه المرأة حين تثني قدها سكران من خمر طرفها. وهذا يتضمن وصفها بالتبختر، ووصف عينيها بالملاحة.

يجذبها تحت خصرها عجزٌكأنه من فراقها وجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

الهاء في كأنه للعجز. والوجل: الخائف. وتحت خصرها: نصب على الظرف. ويجوز أن يكون حالاً من النكرة. أي يجذبها عجز كائن تحت خصرها، فلما تقدم نصب على الحال.

يقول: خصرها دقيق، وعجزها غليظ، فإذا أرادت النهوض جذبها عجزها وأمسكها، كأنه يخاف انفصالها عنه فهو متعلق بها كما يتعلق الرجل بذيل صاحبه إذا خاف نهوضه كما قال الآخر:

فقعودها مثنى إذا قعدتوقيامها فرداً إذا نهضت

أي إنها إذا أرادت القيام جذبها ثقل ردفها مرة أخرى.

بي حر شوقٍ إلى ترشفهاينفصل الصبر حين يتصل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

يتصل الفعل بحر الشوق.

يقول: بي حر شوق إلى مص ريق هذه المرأة، متى اتصل هذا الحر والشوق ينفصل عني الصبر. وقيل: إن يتصل فعل الترشف، كأنه يقول: متى اتصل الترشف ووجدت إليه سبيلاً انفصل صبري وزاد حر الشوق لاستطابة الريق والإشفاق من انقطاعه.

الثغر والنحر والمخلخل والمعصم دائي والفاحم الرجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

الثغر: السن ما دامت نابتة في الفم. والنحر: الصدر. والمخلخل: الساق وهو موضع الخلخال. والمعصم: الذراع. والفاحم: الشعر الأسود. والرجل: بين الجعد والسبط.

ومهمةٍ جبته على قدميتعجز عنه العرامس الذلل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

المهمة: المفازة. جبته: أي قطعته. وعرامس: جمع عرمس، وهي الناقة القوية الصلبة. والذلول: ضد الصعبة.

يقول: رب فلاةٍ قطعتها على قدمي، وكانت بحيث يعجز عن قطعها الإبل القوية المعودة السير والركوب. يفضل نفسه عليها.

بصارمي مرتدٍ، بمخبرتيمجتزىءٌ بالظلام مشتمل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

مرتدٍ: أي متقلد. ومخبرتي: بخبرتي: مشتمل أي ملتحفٌ وروى متشحٌ أي متزين. وقوله: بالظلام مشتمل أي ملتحف. وقوله: بصارمي مرتد في موضع الحال ومجتزىء، أي قطعته وأنا كذلك، وكذلك ما بعده إلى آخر البيت، ولو نصبته على الحال لجاز، ولكنه أضمر المبتدأ وجعل قوله: مرتد خبره والجملة في موضوع النصب على الحال.

يقول واصفاً نفسه بجرأة القلب، والهداية لمعرفة المفاوز: ورب مهمة سرت فيها ليلاً وقطعتها وحدي راجلاً لا يصحبني أحد غير سيفي، ولا دليل يدلني إلا معرفتي وخبرتي، وقد اشتملت الظلام وأقمته مقام اللحاف.

إذا صديقٌ نكرت جانبهلم تعيني في فراقه الحيل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

نكرت وأنكرت بمعنىً واحد. وقوله: لم تعيني أي لم يتعذر علي. والحيل رفع لأنه فاعل لم تعيني.

يقول: إذا رأيت من صديقي ما كرهت لم يصعب علي الاحتيال في فراقه. أي أني أفارقه وأسير عنه. ومثله لجرير:

سريعٌ إذا لم أرض داري خياليا

في سعة الخافقين مضطربٌوفي بلادٍ من أختها بدل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

الخافقان: جانبا الأرض بين المشرق والمغرب؛ سميا بذلك لوجود الخلق بينهما، ذهابهم ومجيئهم والمضطرب: يجوز أن يكون بمعنى الاضطراب، وأن يكون اسماً لمكان الاضطراب.

يقول: إذا ضاق بي مكان رحلت عنه إلى غيره؛ لأن في سعة الأرض مكانٌ غيره، ويقوم بدل مكان البلد الأول والهاء في أختها للبلد وروى أمثاله من الأشعار كثيرة منها:

ولله أرضٌ ذات طوالٍ عريضةٌإذا ذل منها جانبٌ عز جانب

ومثله قول البحتري:

شرق وغرب تجد من معرضٍفالأرض من تربة والناس من رجل

ومثله:

وفي الناس إن رثت حبالك واصلٌوفي الأرض عن دار القلى متحول
للشاعر معن بن أوس المزني، اقرأ القصيدة

وهذا مأخوذ من قوله تعالى: " وأرض الله واسعة " وقوله: " ألم تكن أرض الله واسعةً فتهاجروا فيها ".

وفي اعتماد الأمير بدر بن عمارٍ عن الشغل بالورى شغل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الاعتماد: يجوز أن يكون من قولك: اعتمدت فلاناً إذا استعنت به، كأنك جعلته عماداً لك. ويجوز: افتعالاً من عمدت الشيء، إذا قصدته.

يقول: إن اعتمادي بدراً أشغلني عن كل أحد، فلا أبالي بصديق إذا تغير عني وتقديره: في اعتماد الأمير بدر بن عمار شغلٌ لي شغلني عن الورى.

أصبح مالاً كماله لذوي الحاجة لا يبتدي ولا يسل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: أصبح مالا معداً لذوي الحاجة يتناولونه فهو للمحتاجين، كماله له، فكما أنه إذا أراد ماله لم يحتج إلى ابتداء من معط، ولا إلى مسألة، فكذلك المحتاجون يأخذون ويتصرفون فيه متى شاءوا فهو لا يبتدىء بهم بالعطاء، لأنه لا يحزن المال دونهم ولا يسأل، لأنه لا يحتاج إلى ذلك.

وقيل: أراد أنه أصبح مالاً كماله. على معنى: كما أن ماله لا يستأذن الواردون في أخذه، فلا يكون منه ابتداء بالدفع ولا سؤال من الوارد، فكذلك نفسه مبذولة لهم.

هان على قلبه الزمان فمايبين فيه غمٌّ ولا جذل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»
يكاد من طاعة الحمام لهيقتل من ما دنا له أجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

هان: أي سهل، من قولهم: هذا أمر هين.

يقول: إنه يحتقر الزمان، فلا يحزن لإدباره، ولا يفرح بإقباله. بل غرضه فعل الجميل، لاقتناء الثناء الجزيل.

وقوله: طاعة الحمام له. الهاء في: له الأولى للمدوح، وفي له الثانية: ترجع إلى من.

يقول: إن الموت يطيعه حتى أنه لفرط طاعته يقرب أن يقتل من لم يحن أجله.

يكاد من صحة العزيمة، مايفعل قبل الفعال ينفعل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

يقول: إنه صحيح العزم، فمن صحة عزمه إذا هم بأمر قارب أن يكون ذلك الفعل، قبل أن يفعله.

تعرف في عينه حقائقهكأنه بالذكاء مكتحل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

يقول: إنك إذا نظرت إليه تعرف حقيقته المختصة به في عينه؛ لظهور أثرها عليه، فكأنه قد اكتحل بالذكاء والفطنة، وهذا من قوله تعالى: " سيماهم في وجوههم " وفي المثل: إن الجواد عينه فراره ويجوز أن تكون العين بمعنى النفس. ويجوز أن تكون العين بمعنى الرؤية.

أشفق عند اتقاد فكرتهعليه منها أخاف يشتعل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

الهاء في عليه: للممدوح وفي منها للفكرة.

يقول: أخاف من حدة فكرته، أن يشتعل من حرارتها، لأن الذكي والفطن يوصف بأنه متقد القلب.

أغر، أعداؤه إذا سلموابالهرب استكرثوا الذي فعلوا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

روى استكبروا واستكثروا.

أغر: أي أبيض الوجه، صيغته تتعدى إلى مفعولين. أو معروف مشهور كالغرة في الفرس. ثم ابتدأ فقال: أعداؤه إذا سلموا منه بالهرب، استعظموا ذلك من أنفسهم.

يقبلهم وجه كل سابحةٍأربعها قبل طرفها تصل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

يقبلهم: من قولهم: أقبلتهم وجه الخيل، فيتعدى إلى مفعولين، ومنه:

وأقبلت أفواه العرق المكاويا

وقيل: أراد يقبل عليهم بوجه، فحذف حرف الجر ضرورة. وأربعها: قوائمها الأربع، والتأنيث للسابحة.

يقول: إنه يستقبل أعداءه بوجه كل فرس سابحة، من سرعة عدوها تصل قوائمها إليهم قبل وصول طرفها إليهم، يعني أنها إذا نظرت إليهم وصلت قوائمها قبل طرفها.

جرداء ملء الحزام مجفرةٍتكون مثلى عسيبها الخصل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

جرداء: أي قصيرة شعر الحافر. وقيل: هي المتجردة من الخيل لتقدمها. ومجفرة: أي عظيمة البطن لملء حزامها. والعسيب: العظم الذي عليه شعر الذنب، ويستحب قصره. والخصل: جمع خصلة وهي القطعة من الشعر. يعني: إن عظم ذنبه قصير، وشعره طويل.

إن أدبرت قلت: لا تليل لهاأو أقبلت قلت: ما لها كفل!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

التليل: العنق.

يقول: إنها مشرفة العنق ممتلئة الكفل، فإذا أقبلت عليك حال عنقها بينها وبين كفلها حتى ظننت أنه لا كفل لها، وإذا أدبرت حال ردفها بينك وبين عنقها، حتى ظننت أنه لا عنق لها. وهذا محمود فيها.

والطعن شزرٌ والأرض واجفةٌكأنما في فؤادها وهل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

روى: واجفة، وراجفة، ومعناهما واحد: وهو الاضطراب. والوهل: الخوف. والواو في والطعن. للحال والهاء في فؤادها: للأرض.

يقول: إنه يقبل على أعدائه بخيل، والطعن شزرٌ والأرض مضطربة، حتى كأن في قلبها فزع لشدة الارتعاد.

قد صبغت خدها الدماء كمايصبغ خد الخريدة الخجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

الخريدة: الحبيبة. والخجل: فتور يصيب المرأة عند الاستحياء. والهاء في خدها: راجعة إلى السابحة، وقيل إلى الأرض. ومعناه على الأول: إن الدماء قد صبغت خد السابحة، ولا تفزع ولا تنفر، كما يصبغ خد الجارية الحبيبة. الخجل؛ لأنه يولد الحمرة في الوجه. وهذا من قول امرىء القيس:

كأن دماء الهاديات بنحرهاعصارة حناءٍ بشيبٍ مرجل

وعلى الثاني: أراد أن الأرض قد احمرت بالدم، مثل احمرار خد الجارية بالخجل. وقوله: خد الأرض. استعارة.

والخيل تبكي جلودها عرقاًبأدمع ما تسحها مقل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

ما تسحها: أي ما تصبها. والمقلة: شحمة العين التي تجمع البياض في السواد. أراد أن الخيل تسيل عرقها من شدة عدوها، وشبه العرق بالدمع، وشبه جلود الخيل بالعيون، وهذا التشبيه حسن؛ لأن الدمع والعرق لا يكونان إلا من الشدة.

سار ولا قفر من مواكبهكأنما كل سبسبٍ جبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

روى: سار. وتقديره: وهو سار. والقفر: المكان الخالي. والسبسب: الفضاء الواسع يقول: إنه إذا سار ملأ الدنيا خيلاً ورجالاً، فلا يكون موضعٌ خالٍ من مواكبه؛ لكثرة جيشه، فتصير المفاوز بمنزلة الجبل لكثرة جيشه وكثرة سلاحهم.

يمنعها أن يصيبها مطرٌشدة ما قد تضايق الأسل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

الهاء في يمنعها ويصيبها: للمواكب. والأسل: الرماح. وفاعل يمنعها: شدة. وفاعل يصيبها: المطر.

يقول: إن الرماح تضامت وتضايقت حتى حالت بين الخيل وبين المطر فمنعها تضايقها أن يصيبها المطر.

يا بدر يا بحر يا غمامة ياليث الشرى يا حمام يا رجل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وروى: يا همام.

يقول: مع هذه الأوصاف المذكورة أنت رجل في الحقيقة. والشرى: موضع بعينه توصف أسوده بالجرأة.

إن البنان الذي تقلبهعندك في كل موضع مثل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

قوله عندك لا فائدة فيه إلا تمام البيت.

يقول: إن البنان الذي تقلبه بالسخاء هو مثلٌ مضروب في كل موضع، أي: إن الناس يضربون المثل في الجود ببنانك.

إنك من معشرٍ إذا وهبواما دون أعمارهم فقد بخلوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

المعشر: مفعل من المعاشرة، وهو الاجتماع والمخالطة.

يقول: إنك من قوم كرام، لا يعدون الجود إلا بذل الأعمار، فإذا وهبوا ما دون الأعمار، فقد بخلوا عند أنفسهم.

قلوبهم في مضاءٍ ما امتشقواقاماتهم في تمام ما اعتقلوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

الامتشاق: قيل هو استلال السيف. وقيل التقلد به.

يقول: إن قلوبهم في المضاء مثل سيوفهم المستلة، وقاماتهم في الطول مثل رماحهم المعتقلة.

أنت نقيض اسمه إذا اختلفتقواضب الهند والقنا الذبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»
أنت لعمري البدر المنير ولكنكفي حومة الوغى زحل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

القواضب: القواطع. وقوله: نقيض اسمه أي أنك بدر تضيء الدنيا، ولكنك في الحرب تستحيل زحلاً على أعدائك وتصير ظلمة عليهم ونحساً لهم مثل زحل.

كتيبةٌ لست ربها نفلٌوبلدةٌ لست حليها عطل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

النف: الغنيمة. والعطل: التي لا حلي عليها.

يقول: كل كتيبة لست صاحبها فهي غنيمة لأعدائها، وكل بلدة لست واليها، فهي عطل: أي لا عدل فيها. يعني: أن الجيوش لا تمنع إلا بك، والبلاد لا تتزين إلا بعدلك.

قصدت من شرقها ومغربهاحتى اشتكتك الركاب والسبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

أي قصدت من شرق الأرض ومغربها، فأضمر الأرض وإن لم يجر لها ذكر لتقدم العلم بها كقوله تعالى: " ما ترك على ظهرها من دابة ".

يقول: كثر القصد إليك من نواحي الأرض شرقها وغربها، حتى اشتكتك الركاب والسبل؛ لكثرة سير القصاد عليها إليك، وركوبهم عليها. ومثله قول أبي العتاهية.

إن المطايا تشتكيك لأنهاقطعت إليك سباسباً ورمالا
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «يا صاح قد عظم البلاء وطالا»
لم تبق إلا قليل عافيةٍقد وفدت تجتديكها العلل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

تجتديكها: أي تطلبها منك، والهاء: للعافية.

يقول: إنك وهبت جميع مالك، فلم يبق لك إلا قليل عافية في بدنك؛ وعلمت العلل بسخائك فقصدتك تسأل العافية منك؛ وإنما قال: قليل العافية، لأنه أراد أنه كثير التعب في طلب المكارم وحمل المغارم، فلم يبق من العافية إلا السلامة من المرض فقط.

عذر الملومين فيك أنهماآسٍ جبانٌ ومبضعٌ بطل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

كان الطبيب فصده فغرق المبضع في ذراعه، فذكر أبو الطيب عذرهما، وأراد بالملومين: الطبيب والمبضع. فقال: إن عذرهما. أنه كان جباناً ومبضعه جريئاً؛ فلما أراد فصده دهش فلم يمكنه ضبط مبضعه فغاص في العرق فوق الواجب، وليس من واحد منهما ذنبٌ.

مددت في راحة الطبيب يداًوما درى كيف يقطع الأمل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

يعتذر عن الطبيب ويقول: إن صناعة الطبيب فصد العروق، لا قطع الآمال، ويدك معدن الآمال، وقد أمرته بقطع الآمال، ولا عهد له بذلك، فاعذره على غلطه. ومثله لابن المعتز:

يا فاصداً ليدٍ جلت أياديهاونال منها الذي يرجوه راجيها
يد الندى هي فارفق لا ترق دمهافإن أرزاق طلاب الندى فيها
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا قاصدا ليد جلت أياديها»
إن يكن النفع ضر باطنهافربما ضر ظهرها القبل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

النفع: أراد به الفصد؛ لأن العافية تعود إليه.

يقول: إن كان الفصد ضر باطن يدك فطالما ضر ظهرها تقبيل الناس. أراد أنها لدقتها ولطافتها يؤثر فيها التقبيل. ومثله لابن الرومي:

فامدد إلي يداً تعود بطنهابذل النوال وظهرها التقبيلا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أصبحت بين خصاصة وتجمل»

ومثله قول أبي تمام:

تقبل الركن ركن البيت نافلةًوظهر كفك موقوفٌ على القبل
يشق في عرقها الفصاد ولايشق في عرق جودها العذل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

الفصاد: مصدر كالفصد.

يقول: إن كان الفصد يشق عرق يدك ويؤثر فيه، فإن عرق جودها لا يؤثر فيه اللوم.

خامره إذ مددتها جزعٌكأنه من حذاقةٍ عجل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الهاء في خامره: للطبيب، وقيل للمبضع. ومعناه. خالطه. العجل: المستعجل.

يقول: لما مددت يدك إلى الطبيب، أخذته هيبة فدهش، وأخذه الجزع فأداه حذقه إلى الاستعجال، فتجاوز الحد وأفرط فيه، فكأنه من حذاقته مستعجل.

جاز حدود اجتهاده فأتىغير اجتهادٍ لأمه الهبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

الهبل: الثكل: وهو موت الولد. أي جاوز الحد فغلط. ثم دعا عليه أنه يفقد.

أبلغ ما يطلب النجاح به الطبع وعند التعمق الزلل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

النجاح: الظفر. والتعمق: التكلف وتناهي الحد.

يقول: إن الإنسان إنما يظفر بمراده إذا جرى على طبعه، فإذا تكلف أد إلى الغلط والزلل.

إرث لها إنها بما ملكتوبالذي قد أسلت تنهمل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

يقول: ارحم يدك فإنها تنهمل بما تملكه من الأموال، وبالدم الذي قد أسلته منها، فلا تجمع عليها سلب الأموال وإسالة الدم فيضر ذلك بها.

مثلك يا بدر لا يكون، ولاتصلح إلا لمثلك الدول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

يقول: مثلك غير موجود، ولا يوجد في المستقبل، ولا تصلح الدولة إلا لمثلك، فإن لم يكن أحد مثلك فالملك لا يستحقه أحد غيرك أبداً.

وقال أيضاً في بدر بن عمارٍ يمدحه:

بقائي شاء ليس هم، ارتحالاوحسن الصبر زموالا الجمالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

ارتحالا: نصب بشآء، وفاعله: ضمير بقائي. وحسن الصبر: نصب بزموا. والجمال: عطف عليه، وليس: بمعنى: لا وأنه ليس له خبر.

وقيل. اسم ليس: مضمر. وهم: خبره. وقيل. اسمه: هم. غير أنه استعمل الضمير المنفصل في موضع المتصل. قوله. زموا: أي أمسكوا الجمال وحبسوها ليركبوها ويحملو عليها ومثله لأبي تمام:

قالوا الرحيل؛ فما شككت بأنهنفسي عن الدنيا تريد رحيلا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يوم الفراق لقد خلقت طويلا»
تولوا بغتةً فكأن بيناًتهيبني ففاجأني اغتيالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

البغتة، والفجاءة، والاغتيال متقاربة برحيلهم قبل وقوعه، فكأن البين كان يخاف مني أن يجاهرني بالإقدام علي، فهجم علي وأنا غافلٌ عنه. فقوله: تهيبني من ألفاظ الفخر استعمله في الغزل.

فكان مسير عيسهم ذميلاًوسير الدمع إثرهم انهمالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

الذميل: ضرب من السير السريع. وروى: عيرهم.

قال ابن جنى: معناه أن مسير إبلهم كان ذميلاً. وهو السير المتوسط. وسير دمعي انهمالا يعني: أن دمعي سبق عيسهم، فكان سيره أسرع من سير عيسهم. وقيل: إن معناه أن دمعي كان يباري إبلهم فالإبل تسرع السير، والدمع يسرع. وهو الصحيح، لأن الذميل هو السير السريع. كذا ذكره ابن السكيت.

كأن العيس كانت فوق جفنيمناخاةٍ فلما ثرن سالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

وروى: فلما سرن. مناخاةٍ: أي باركات. يقال: أنخته فبرك، ولا يقال: ناخ. وثار البعير يثور: إذا نهض من مبركه. وسالا: من سال سيلاً فاعله: ضمير الدمع.

يقول: كأن العيس سائرات، كانت فوق جفني مناخة، قد سدت مجاري الدمع وحبسته من السيلان، فلما نهضت عن جفنه عند سيرهن، سال الدمع المحبوس. وهذا من بدائع ما ذكره أبو الطيب.

وحجبت النوى الظبيات عنيفساعدت البراقع والحجالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

الظبيات، بتحريك الباء، جمع ظبية، نحو جفنة وجفنات. ويجوز الإسكان. والتأنيث: للنوى؛ لأنها مؤنثة. والحجال: جمع حجلة.

يقول: لما ارتحلوا حجبت النوى هذه النساء اللواتي هن كالظبيات عني ورافقت هذه النوى البراقع والحجال، فكما كانت البراقع والهوادج تسترهن، فكذلك النوى، سترتهن عني، فاتفقا من هذا الوجه.

وقيل: إن مساعدتهما هو أن البراقع والهوادج إنما يحصل لهن عند إرادتهن الارتحال، وهو وقت النوى، فكأن النوى ساعدت البراقع والحجال حيث إنهما يكونان معاً.

لبسن الوشي لا متجملاتٍولكن كي يصن به الجمالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

نصب متجملات على الحال. والمتجمل: من يتكلف التجمل. المعنى: أنهن لبسن ثياب الوشي والديباج، لا لاجتلاب الحسن واكتساب الجمال؛ ولكن لبسنه ليسترن حسنهن ويصن جمالهن. وقيل: أراد أنهن يلبسن ذلك صيانةً لجمالهن من العيون.

وضفرن الغدائر لا لحسنٍولكن خفن في الشعر الضلالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

الضفر: الفتل. والغدائر: جمع غديرة، وهي الذؤابة، وسميت غديرة؛ لأنها غودرت حتى طالت. والضلال: الضياع.

المعنى: أنهن لا يضفرن شعورهن ويضعن فيها؛ لطولها وكثافتها ووفورها.

وقيل: أراد أنهن خفن ضلال الناس في شعورهن.

وفيه وجهان: أحدهما: أن الدنيا تصير مظلمة من سواد شعورهن، فيضل الناس عن الطريق حضراً وسفراً، فإذا ضفرنها تظهر لهم وجوههن، فيغلب ضياء الوجوه سواد الشعور، فلا يضلون.

والثاني: أن الناس يضلون عن الدين؛ افتتاناً بهن وبحسن شعورهن، فإذا ضفرنها صار الأمر أهون؛ لأنه لا يكاد يتبين فيه الجعودة. التي هي غاية حسن الشعر.

بجسمي من برته فلو أصارتوشاحي ثقب لؤلؤةٍ لجالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

جال: فعل الجسم، والثقب. أنث قوله: من برته رداً إلى المعنى، لأن من يقع على المذكر والمؤنث. ولو قال: براه لجاز. والهاء فيه عائدة إلى الجسم. والوشاح ها هنا النطاق.

يقول: جسمي فداء المرأة التي برت جسمي وأنحلته، حتى لو جعلت ثقب لؤلؤة وشاحي: أي لو توشحت بلؤلؤة، لجال جسمي في ثقبها؛ لدقته ونحوله. وجال: فعل الجسم، وفعل الثقب.

ولولا أنني في غير نومٍلبت أظنني مني خيالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: ذبت حتى صرت كالخيال، الذي لا حقيقة له، لا أنام بالليل؛ لما بي من الوجد، ولو كنت ممن أنام، ثم رأيت جسمي في النوم، لقدرته خيالاً لا حقيقة له، وقيل: معناه لولا أنني متيقظ لظننت نفسي الخيال، الذي يرى في النوم.

بدت قمراً، ومالت خوط بانٍ،وفاحت عنبراً، ورنت غزالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

رنت: نظرت. ونصب قمراً وما بعده: على الحال، لأنه أقام اسم الجنس مقام الصفة، فإذا جاز أن يكون صفة، جاز أن يكون حالاً.

ومعناه: بدت منيرةً كالقمر. أي وجهها. ومالت لينة الأعطاف كالغصن: وأراد به القامة. وفاحت زكية كالعنبر، ورنت كحلاء الجفون كالغزال. ومثل هذا قول بعض المتأخرين وهو قوله:

سفرن بدوراً، وانتقبن أهلةًوفحن عبيراً والتفتن جآذرا
كأن الحزن مشغوفٌ بقلبيفساعة هجرها تجد الوصالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

مشغوف: أي ممتلىء، من شغفه الحب إذا ملأه. والهاء في هجرها للمحبوبة.

يقول: إنها كلما هجرتني واصلني الحزن، فكأنه عاشقٌ لقلبي، كما أعشقها، فلا يجد الحزن سبيلاً إلى قلبي إلا عند هجرانها، فمتى هجرتني واصلني الحزن والكمد.

كذا الدنيا على من كان قبليصروفٌ لم يدمن عليه حالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

روى: يدمن فيكون حالاً منصوباً به. وروى: يدمن. وحالاً: نصب على التمييز. أي لم تزل الدنيا على هذه الحال مذ كانت، لا تثبت صروفها على حالٍ واحد.

يقول: كما أنها لا تدوم لي على حالة واحدة، فكذلك كان حالها مع غيري من الناس الذين قبلي.

أشد الغم عندي في سرورتيقن عنه صاحبه انتقالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

وروى: أشد الغم في الدنيا سرور. والهاء في عنه: للسرور. وكذلك في صاحبه.

يقول: لا أغتر لسرور الدنيا؛ لعلمي بزوالها، فكل سرور يتيقن صاحبه زواله عنه، فهو أشد الغم عندي؛ لأن العاقل لا يفرح بما تئول عاقبته إلى الحزن والزوال.

ألفت ترحلي وجعلت أرضيقتودي والغريري الجلالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

القتود: خشب الرحل. والغريري: فحلٌ منسوب إلى غرير والجلال: مبالغة في الجليل، وهو عظيم الجسم.

يقول: ألفت الرحيل، وجعلت أرضي ظهر البعير، وخشب الرحل، لا أنقلب عنه لكثرة أسفاري وشدة ملازمتي له.

فما حاولت في أرضٍ مقاماًولا أزمعت عن أرضٍ زوالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

أزمعت: أي عزمت.

يقول: ما أقمت في مكانٍ، لأني متنقل من أرض إلى أرض. ولا زلت عن أرض: أي عن ظهر البعير. الذي جعله كالأرض، يمسي ويصبح عليه، فإذا كان كذلك، فلم يقم عن الأرض الحقيقية، ولا زال عن الأرض المستعارة. وهي ظهر البعير.

وقيل: ليست هذه كناية عن إدامة السفر؛ لأنه إذا لم يقم في موضع، فلا يحتاج إلى الإزماع لزواله عنها ورحيله منها.

على قلقٍ كأن الريح تحتيأوجهها جنوباً أو شمالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

روى: على قلق: أي أنا على الاضطراب، والتحرك. وروى: على قلقٍ. أي على بعير قلقٍ سريع السير. وروى: يميناً أو شمالاً.

يقول: لم أزل أقلق في السير حتى كأني راكبٌ متن الريح، أصرفها كيف أشاء. مرة جنوباً ومرة شمالاً، والشمال تأتي من شمالك إذا استقبلت القبلة والجنوب تقابلها.

إلى بدر بن عمار الذي لميكن في غرة الشهر الهلالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وروى: إلى البدر. ومثله من الأسماء، حسنٌ. والحسن والعباس. وحذف التنوين من عمار؛ لسكونها وسكون اللام الأولى من الذي. ويجوز أن يكون جعله اسماً لقبيلةٍ فلم يصرفه.

يقول: لم أزل أتقلب في الأسفار حتى وصلت إلى بدر بن عمار، الذي لم يزل بدراً كاملاً، ولم يكن هلالاً قط، وليس كالبدر الذي يكون ناقصاً في غرة الشهر، ثم يزيد إلى أن يكمل.

ولو يعظم لنقصٍ كان فيهولم يزل الأمير ولن يزالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول مؤكداً للمعنى الذي ذكره في البيت الأول: أي لم يزل عظيماً مذ كان، لا أنه كان ناقصاً ثم صار عظيماً، ولم يزل أميراً فيما مضى، ولا يزال أميراً في المستقبل، ويجوز أن يكون دعاء.

بلا مثلٍ وإن أبصرت فيهلكل مغيبٍ حسنٍ مثالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

بلا مثل متعلق بقوله ولن يزالا: أي لم يزل أميراً بلا مثل، ويجوز أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف، أي هو بلا مثل. يعني: أنه جمع كل فضيلة، فكل شيء حسن غائب، يوجد فيه نظيره ومثله وإن كان لا مثل ولا نظير له يجمع ما جمعه من الفضائل، فهو شبه كل شيء حسن.

حسامٌ لابن رائقٍ المرجىحسام المتقي أيام صالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

لابن رائق المرجى: في موضع الجر. ويجوز أن يكون صفة مستأنفة للممدوح في موضع الرفع، والأول أولى. وحسام المتقي: جر لأنه صفة لابن رائق وهو اسم جنس بمعنى صفة. وابن رائق: قائد كبير، كان للخليفة المتقي بالله، وكان ابن عمار من قبل ابن رائق.

والمعنى: أن ابن رائق سيف الخليفة، لما صال الخليفة على أعدائه وحارب بني اليزيد في البصرة، وكان بدر حساماً لابن رائق: أي كان يعتمد عليه في حروبه، وكان يقتل به أعداءه.

سنانٌ في قناة بني معدٍبني أسدٍ إذا دعوا النزالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

بني أسد: يجوز أن يكون منصوباً بالنداء المضاف، ويجوز أن يكون بدلاً من قناة بني معد: أي في بني أسد الذين هم قناة بني معد. ويجوز أن يكون بدلاً من معد والتقدير: سنان في قناة بني أسد.

يقول: هو يقوم في الدفع عنهم مقام السنان في القناة يوم الحرب والمنازلة.

أعز مغالبٍ كفاً وسيفاًومقدرةً ومحميةً وآلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

المغالب: الذي يغالبك وتغالبه. والمحمية والمقدرة: القبيلة والأتباع. وكفاً: نصب على التمييز، وعطف سيفاً عليه، وإن كان لا يقال: هو أعزهم سيفاً لأنه أضمر فيه قوله: وأمضاهم سيفاً. يعني: أنه أعز من كل من يغالبه فنفسه أعز، وسيفه أقطع، وحميته وقدرته أكثر وصفه بخمسة أوصاف.

وأشرف فاخرٍ نفساً وقوماًوأكرم منتمٍ عماً وخالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

الفاخر: صاحب الفخر، ويجوز أن يكون اسم الفاعل: من فخر يفخر. وروى: منتمٍ ومعتز ومعناهما واحد.

يقول: هو أشرف من فخر بنفسه وقومه، وأعمامه وأخواله أشرف من كل شريف. نفساً وما عده نصب على التمييز.

يكون أحق إثناءٍ عليهعلى الدنيا وأهليها محالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

يقول: إن أحق ما يستحقه من الثناء، محال أن يثنى به على الدنيا، وجميع من فيها؛ لأنه أفضل من جميع أهل الأرض، فثناؤه لا يستحقه أهل الدنيا.

ويبقى ضعف ما قد قيل فيهإذا لم يترك أحدٌ مقالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

يترك ويترك: بمعنى واحد، وهو افتعل من الترك. وضعف الشيء: مثله مرتين.

يقول: إذا أثنى عليه الناس، ولم يتركوا مقالاً؛ بقي من أوصافه، ضعف ما وصفوا به.

فيابن الطاعنين بكل لدنٍمواضع يشتكي البطل السعالا

اللدن: الرمح اللين. ومواضع: قيل إنه نصب بالطاعنين، فهو مفعول به. وقيل: نصب على الظرف. وتقديره: مواضع يشتكي فيها البطل السعال.

المعنى على الأول يقول: يابن الطاعنين صدور الشجعان. وهي المواضع التي يخرج منها السعال، فهي مواضع شكاية السعال.

وعلى الثاني: أنهم يطعنون في المواضع التي لا يقد الشجاع أن يسعل فيها؛ من ضيقها وشدتها.

ويابن الضاربين بكل عضبٍمن العرب الأسافل والقلالا

يقول: يابن الذين يضربون بكل سيف قاطع، أسافل العرب وقلالها. أراد بالأسافل: الأرجل. وبالقلال: الرءوس: وقيل: أراد بالقلال. رؤساء العرب وبالأسافل. الأتباع. وقيل: القلال: العرب الذين يسكنون الجبال. والأسافل: سكان السهول.

أرى المتشاعرين غروا بذميومن ذا يحمد الداء العضالا؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

المتشاعر: الذي يتكلف قول الشعر، وغرو: أي أولعوا. والداء العضال: الذي لا دواء له.

يعني: أرى المتشبهين بالشعراء وليسوا منهم قد أولعوا بذمي، وطعنوا في، وحسدوا منزلتي عندك، وأنا أعذرهم لأني الداء الذي لا دواء له، لأني أبداً أغيظهم، فلابد لهم من أن يذموني.

ومن يك ذا فمٍ مرٍّ مريضٍيجد مراً به الماء الزلالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

يقول: من يعيبني؛ إنما يعيبني للنقص الذي فيه، كما أن المريض يجد الماء العذب مراً؛ لأنه في فيه لاقى الماء، فكذلك ليس في شعري ولا في فضائلي مطعن، فمن طعن فلنقص فيه.

وقالوا: هل يبلغك الثريا؟فقلت: نعم، إذا شئت استفالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

الثريا: من الأسماء التي لا تجيء إلا مصغرة، مثل الحميا والحديا والكميت. والاستفال: الانحطاط. وقالوا: الضمير يرجع إلى المتشاعرين، ويجوز أن يرجع إلى الناس، ويكون البيت مستأنفاً.

يقول: إنهم يقولون: أتطمع أن يبلغك الثريا؟ فقلت لهم: قد بلغني فوق الثريا، فإذا شئت أن يحطني عن المحل الذي أنا عليه، يبلغني الثريا في الانحطاط، لا في الارتفاع.

هو المفني المذاكي والأعاديوبيض الهند والسمر الطوالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

المذاكى: جمع المذكى، وهو الفرس الذي أتي عليه بعد أن يقرح سنه. وسكن الياء من الأعادي وأصلها الفتح.

يقول: إنه يفنى الخيل بالركض في حروب الأعداء بالقتل، والسيوف والرماح بضرب وطعن. يصفه بغاية الشجاعة.

وقائدها مسومةً خفافاًعلى حيٍّ تصبحه ثقالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

قائدها: أي قائد المذاكى. والمسومة. المعلمة: من السمة. ومسومة وخفافاً وثقالاً: نصب على الحال. والتاء في تصبحه: للمذاكى.

يقول: هو يغير على أعدائه بخيل توافيهم صباحاً، وهي وإن كانت خفافاً في أنفسها سريعة السير فإنها ثقالاً على أعدائه؛ لأنها تهلكهم وتغير عليهم.

جوائل بالقنى مثقفاتٍكأن على عواملهما الذبالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الجوائل: جمع جائلة، ونصبها على الحال من المذاكى. والقنى: جمع القناة ومثقفات: نصب على الحال من القنى.

وعامل الرمح: قدر ذراعين من أعلاه. والذبال: جمع ذبالة، وهي الفتيلة، شبه أسنة الرماح بقناديل وسرج مشعلة لصفائها وبريقها.

إذا وطئت بأيديها صخوراًبقين لوطء أرجلها، رمالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يصف شدة وطء الخيل، وأنها إذا وطئت بأيديها الصخور الصلبة سحقتها، حتى تصير رملاً، فلا تصل أرجلها إلى موضع الأيدي، إلا وقد صارت رمالا.

جواب مسائلي: أله نظيرٌ؟ولا لك في سؤالك لا، ألا، لا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

يقول: من سألني قائلاً: هل لهذا الرجل نظير؟ فجوابي له: لا، ولا لك نظير في سؤالك هذا؛ لأن كل أحد يعلم أنه لا نظير له. ثم افتتح الكلام بقوله: ألا وكرر لا تأكيداً للرد. فكأنه قال: لا لا، كقولك وقد سألك إنسان هل زيد قائم؟ فتقول: لا لا. وفيه تقديم المعطوف على المعطوف عليه وذلك لا يجوز إلا عند الضرورة كقول القائل:

ألا يا نخلة من ذات عرقٍعليك ورحمة الله السلام
لقد أمنت بك الإعدام نفسٌتعد رجاءها إياك مالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»
وقد وجلت قلوبٌ منك حتىغدت أوجالها فيها وجالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

يقول: كل نفسٍ جعلت مالها رجاءها إياك، فقد أمنت من الفقر؛ لأنك تحقق رجاءها، فكأنه مال له حاصل والأوجال: جمع وجل، وهو الخوف. والوجال: جمع الوجل، وهو الخائف. والهاء في أوجالها وفيها للقلوب.

يقول: قد خافت قلوب الأعداء منك، حتى صار الخوف الذي في قلوبهم خائفاً منك، فتعدى الخوف من قلوبهم إلى نفس الخوف! وقيل: الوجال: جمع الوجل الذي هو الخوف، وهو للتكثير. والأوجال للتقليل. يعني صار قليل وجلهم كثيراً.

سرورك أن تسر الناس طراًتعلمهم عليك به الدلالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

الدلال والدل: الشكل والغنج.

يقول: إنك لا تسر إلا بأن توصل السرور إلى الناس كلهم، لتعلمهم كيف يتدللون عليك؛ لأنهم إذا علموا أنك تسر بالإحسان إليهم تدللوا عليك بقبول هباتك وسألوك ما لا يستحقونه منك.

إذا سألوا شكرتهم عليهوإن سكتوا سألتهم السؤالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

يقول: إذا سألوك شكرتهم على سؤالهم إياك؛ لحبك العطاء. وإن سكتوا عن سؤال سألتهم أن يسألوك؛ لأنك تلتذ بنغمات سؤالهم، وتحب أن تشكرهم على سؤالهم، فتشتهي أن تكون أبداً شاكراً للسؤال.

وأسعد من رأينا مستميحٌينيل المستماح بأن ينالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

المستميح: طالب العطاء. والمستماح: المطلوب منه العطاء. والإنالة: الإعطاء. والنيل. الأخذ.

يقول: أسعد من رأينا من الناس، هو الطالب يعطي المطلوب منه؛ بأن يأخذ منه العطاء، وليس كذلك إلا سؤالك؛ لأنهم يأخذون من مالك ما يريدون، ويمنون عليك بما يأخذونه منك.

يفارق سهمك الرجل الملاقيفراق القوس ما لاقى الرجالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

يقول: إن سهمك إذا لقي رجلاً نفذ منه وفارقه، كما يخرج من القوس من شدة قوته، ولا يزال يمضي كذلك ما دام يلقى الرجال، واحداً بعد واحد. فقوله: مالاقى الرجالا في موضع النصب على الظرف: أي مدة ملاقاة الرجال وقيل: إن ما للنفي ومعناه. أن سهمه يفارق ما لاقاه فراقه القوس، كما لم يلق شيئاً، ولم يصب أحداً، فيكون أبلغ في القوة.

فما تقف السهام على قرارٍكأن الريش يطلب النصالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

يقول: إن السهام تتجاوز المرمى إلى غيره، فلا تقف على قرار، فكأن الريش يطلب النصل ويطردها وهي تفر منه وهو يطلبها

سبقت السابقين فما تجاريوجاوزت العلو فما تعالي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

المجاراة: المغالبة في الجري. والمعالاة: من العلو.

يقول: سبقت بالفضل كل سابق، فما يجاريك أحد؛ لعلمه بالقصور عنك. وجاوزت في العلو والقدر غاية لا يمكن لأحد أن يباريك في العلو والارتفاع، ويغلبك فيه.

وأقسم لو صلحت يمين شيءٍلما صلح العباد له شمالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

وروى: الأنام بدل العباد.

يقول: إنك تقوم مقام الخلق كلهم وتزيد عليهم، وهم لا يقدرون على الاستقلال بما تقدر عليه وحدك؛ فضرب اليمين مثلاً للقوة والأمر العظيم الذي يحتاج فيه إلى فضل القوة، وضرب الشمال مثلاً للضعف وما لا يحتاج فيه إلى فضل القوة.

أقلب منك طرفي في سماءٍوإن طلعت كواكبها خصالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.