تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

الشاميات (٥)

يقول: لو استعمل ذو القرنين رأى هذا الممدوح، وكان له مثل الظلمات، لكانت بنور رأيه شموساً. وأضاءت له؛ لأن رأيه أضوأ من الشمس. وعازر: هو الذي أحياه الله تعالى على يد المسيح أو أصاب رأسه سيفه ومات، لأعيا عيسى أن يحييه ويشق عليه إحياءه بعد موته.

أو كان لج البحر مثل يمينهما انشق حتى جاز فيه موسى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

أي: لو كان لج البحر الذي انشق لموسى ﵇، مثل يمين هذا الممدوح، ما انشق حتى جاز فيه موسى بمن معه.

أو كان للنيران ضوء جبينهعبدت فكان العالمون مجوسا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لو كان للنار نور جبين هذا الممدوح، لعبدها أهل الدنيا كلهم! وصاروا بأجمعهم مجوساً! والغرض وصفه بالحسن والبهاء.

لما سمعت به سمعت بواحدٍِورأيته فرأيت منه خميسا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

يقول: لما سمعت بذكره، سمعت بواحدٍ من الناس، فلما رأيته رأيت عسكراً عظيماً، وإن كان في نفسه واحد، لقيامه مقام الجماعة.

ولحظت أنمله فسلن مواهباًولمست منصله فسال نفوسا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

يقول: لما رأيت أنامله وجدتها تسيل منها المواهب، ولما لمست سيفه وجدته يسيل منه الدماء!

يا من نلوذ من الزمان بظلهأبداً ونطرد باسمه إبليسا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

المعنى: يا من نلجأ إلى ظله إذا جار علينا الزمان، وإذا تعرض لنا إبليس طردناه باسمه؛ لأن اسمه محمد، وبه يطرد إبليس. قيل: إنه أراد أنه في هيئة بمثابة أن يطرد به إبليس، مع كثرة ضرره بالناس، وقيل: أراد بإبليس، كل من تتأذى به الأنفس فهو إبليس.

صدق المخبر عنك دونك وصفهمن بالعراق يراك في طرسوسا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

يقول: صدق المخبر الذي أخبرني عنك. ثم وصفه بقوله: دونك، أي وصف ذلك المخبر دون ما أنت عليه وأنت فوق ما وصفه. ثم قال: من بالعراق يراك في طرسوسا التي أنت فيها فكأنهم في فضلك وشهرتك رأوك وشاهدوك، وأراد بذلك بعد صيته وذكره، لا يستقر بل تسير به الركبان، أو يكون كناية عن وصول عطاياه إلى البلدان. وقول الحكمي أبلغ وأحسن من هذا؛ وهو:

ملكٌ تصور في القلوب مثالهفكأنه لم يخل منه مكان
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «حي الديار إذ الزمان زمان»

لأنه عم جميع الأماكن، والمتنبي اقتصر على العراق وطرسوس.

بلدٌ أقمت به وذكرك سائرٌيشنا المقيل ويكره التعريسا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

أصله: يشنأ بالهمز، فخفف، وأبدل منه الألف. والمقيل: من القيلولة، أو مكانها. والتعريس: يكون في وجه الصبح.

يقول: إن طرسوس بلدٌ أقمت به وذكرك سائرٌ ليلاً ونهاراً، لا مقيل له بالنهار، ولا تعريس له بالليل.

فإذا طلبت فريسةً فارقتهوإذا خدرت تخذته عريسا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

خدر الأسد: إذا غاب في الأجمة. والعريس والعريسة: مأوى الأسد.

يقول: إذا غزوت فارقت هذا البلد، كما يفارق الليث عريسه، وإذا عدت إلى البلد اتحذته مأواك؛ لما شبهه بالأسد جعل مأواه عريسا.

إني نثرت عليك دراً فانتقدكثر المدلس فاحذر التدليسا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

يقول: إني نثرت عليك من شعري دراً، فانتقده وميزه من شعر غيري، واحذر من المدلس: الخائن. أن يدلس عليك بشعرس يقيمه مقام شعري، أو يحط هذا الشعر عندك من منزلته، فقد كثر المدلسون المتشاعرون.

حجبتها عن أهل أنطاكيةٍوجلوتها لك فاجتليت عروسا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

التأنيث في حجتها: للقصيدة، وإن لم يصرح بها فقد صرح بمفهومها، أو يكون راجعاً إلى قوله: عروساً؛ لأنه شبه القصيدة بالعروس.

يقول: منعتها عن أهل أنطاكية، وحملتها إليك مجلوة، حتى اجتليتها عروساً. يعني: إني مدحتك دونهم، لأنك خيرهم، وكلامي خير الكلام، فلا يليق إلا بك.

خير الطيور على القصور وشرهايأوي الخراب ويسكن الناووسا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: أنا خير الشعراء، فلا أمدح إلا خير الناس. وغيري من الشعراء يقصد غيرك، فأنا كالطائر الذي سكن القصور، وأولئك كالطيور التي تأوي الخراب، والنواويس. شبه الممدوح بالقصر، وملك أنطاكية بالخرابات والنواويس.

لو جادت الدنيا فدتك بأهلهاأو جاهدت كتبت عليك حبيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هذي برزت لنا فهجت رسيسا»

يقول: لو كانت الدنيا ممن يجود؛ لفدتك بأهلها. أو كانت ممن تجاهد، لكتبت أنها موقوفة عليك، حبيساً في سبيل الله تعالى؛ لتنصر الدين وتذل المشركين. وروى: كتبت عليك حبيسا، أي لو أمكنها أن تخلدك لخلدتك أبداً، ولكتبت ذلك عليك.

وقال يمدح محمد بن زريق أيضاً:

محمد بن زريق ما نرى أحداًإذا فقدناك يعطي قبل أن يعدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «محمد بن زريق ما نرى أحدا»

يقول: يا محمد بن زريق. ما نرى أحداً سواك يعطى قبل الوعد، دون المطل المكدر للعطايا. يعني أنه ليس أحد سواه.

وقد قصدتك والترحال مقتربٌوالدار شاسعةٌ والزاد قد نفدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «محمد بن زريق ما نرى أحدا»

قصد بقوله: والترحال مقترب، استعجال العطاء وبقوله والدار شاسعة: الاستكثار منه؛ لأن القليل لا يكفيه، لبعد داره، وبقوله: والزاد قد نفد، أي أنه لا مادة للزاد إلا من جهة أخرى، والغرض منه الاستكثار، أو يكون قصد أن يبين أن الضرورة قد دعته إلى هذا السؤال ولولاها لكان لا يسأل.

فخل كفك تهمي واثن وابلهاإذا اكتفيت وإلا أغرق البلدا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «محمد بن زريق ما نرى أحدا»

تهمى: في موضع الحال، وليس بجواب. يقول: خل يدك تصب وتهمي واصرف وابلها: أي مطرها الجود عني إذا اكتفيت وإن لم تصرفه أغرق الوابل البلد. وروى: إن اكتفيت يخاطب الممدوح يقول: هاتها واثن وابلها إن اكتفيت بها دون الوابل، ولما تعرض في البيت الأول للاستكثار، بين هاهنا أن القليل من عطاياه كثير وأن غرضه يحصل بالقليل من عطاياه.

وقال يمدح عبيد الله بن يحيى البحتري:

بكيت يا ربع حتى كدت أبكيكاوجدت بي وبدمعي في مغانيكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بكيت يا ربع حتى كدت أبكيكا»

المغاني: جمع المغنى، وهو المنزل، من قولهم: غني بالمكان.

يقول: قد بكيت يا منزل الأحباب حتى كدت أحملك على البكاء رقة لي، وجدت بي وبدمعي في منازلك، أي هلكت وجدت بروحي، كما أفنيت دمعي بعد مفارقة الراحلين عنك.

فعم صباحاً لقد هيجت لي شجناًواردد تحيتنا إنا محيوكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بكيت يا ربع حتى كدت أبكيكا»

صباحاً: نصب على الظرف، أي في صباح، وعم من قولهم: وعم يعم بمعنى نعم ينعم أي أنعم صباحاً.

يقول: أيها الربع أنعم صباحاً، على وجه الدعاء، كرامة لمن نزل به، فقد هيجت أحزاني، واردد علينا سلامنا، فإنا مسلمون عليك بقولنا: أنعم صباحاً.

بأي حكم زمانٍ صرت متخذاًرئم الفلا بدلاً من رئم أهليكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بكيت يا ربع حتى كدت أبكيكا»

يقول: بأي حكم زمانٍ استبدلت ظباء الفلا بدلاً من الجواري التي كن فيك، مثل ظباءٍ خالصة البياض وهذا على عادتهم في نسب الحوادث إلى الزمان. ومثله للبرقعي:

تبدل الربع من أسماء غزلاناوأقفرت من سليمى أرض حلوانا
أيام فيك شموسٌ ما انبعثن لناإلا ابتعثن دماً باللحظ مسفوكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بكيت يا ربع حتى كدت أبكيكا»

أيام: نصب على الظرف، أو على إضمار فعل. كأنه يقول: أذكر أياماً.

يقول: أذكر تلك الأيام التي كانت فيك شموس من الحبايب، لم يظهرن لنا إلا أخرجن بلحظهن ونظرهن، أو بعيونهن، دماءً من العشاق. وقوله: مسفوكاً أي مصبوباً.

والعيش أخضر والأطلال مشرقةكأن نور عبيد الله يعلوكا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: أذكر أياماً، هذا حالها، وهو أن العيش كان ناعماً لذيذاً، والأطلال مضيئة بالشموس، فكأن نور عبيد الله يعلوكا.

نجا امرؤٌ يا ابن يحيى كنت بغيتهوخاب ركب ركابٍ لم يؤموكا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

روى: جاز مكان خاب أي هلك، والركب: جمع الراكب، والركاب: الإبل. وروى: الرحال وهي الإبل واحدها راحلة.

يقول: آمن الفقر من كنت طلبته ومأموله، وخسر راكبوا إبل وهلكوا إذا لم يقصدوك. يعني: لو قصدوك لأغنيتهم عن طول الأسفار وكفيتهم مؤن المشقات.

أحييت للشعراء الشعر فامتدحواجميع من مدحوه بالذي فيكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بكيت يا ربع حتى كدت أبكيكا»

يقول: أحييت شعر الشعراء بما أظهرت من المكارم والخصال، وبما أعطيتهم من الأموال، حتى هديتهم إلى الشعر، فمدحوا ممدوحهم بما فيك من المحاسن والخصال البديعة، فلما رأوا فيك هذه المعالي تعلموا المدح وقول الشعر.

وعلموا الناس منك المجد واقتدرواعلى دقيق المعاني من معانيكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بكيت يا ربع حتى كدت أبكيكا»

يقول بياناً لما قبله: إنهم لما مدحوا الناس بأوصافك تنبه الممدوحون لمثل صنائعك، فكأن الشعراء هم الذين علموهم منك المجد واقتدر الشعراء على دقيق المعاني من معانيك التي تخصصت بها دون غيرك. ومثله للآخر:

ما رأينا من فضل جود ابن يحيىصير الناس كلهم شعراء
علم المفحمينأن ينطقوا الأشعار فيه والباخلين السخاء
فكن كما أنت يا من لا شبيه لهأو كيف شئت فما خلقٌ يدانيكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بكيت يا ربع حتى كدت أبكيكا»

يقول: كن كما أنت يا من لا نظير له، أو كن كيف شئت من النقصان عما أنت عليه، فما خلق يدانيك، بحال من الأحوال، ولا يشبهك بخصلة من الخصال، فكل فعالك حميدة.

شكر العفاة لما أوليت أوجدنيإلى نداك طريق العرف مسلوكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بكيت يا ربع حتى كدت أبكيكا»

أوجدني: أي هداني، وأرشدني. والمفعول الأول: الياء، والثاني طريق العرف.

يقول: شكر السؤال لما أعطيتهم من النوال أوجدلى سبيلاً مسلوكاً إلى معروفك فقصدتك. وروى: إلى يديك يعني أوجدلى شكرهم شكرهم، شكرهم، طريق المعروف مسلوكاً إلى يديك فسلكته.

وعظم قدرك في الآفاق أوهمنيأني بقلة ما أثنيت أهجوكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بكيت يا ربع حتى كدت أبكيكا»

يقول: علو محلك في العالم أوهمني أني بهذا القدر من المدح والثناء أهجوك! يعني: أنك تستحق فوق ما مدحتك به وأثنيت عليك، فكأني هجوتك.

كفى بأنك من قحطان في شرفٍوإن فخرت فكلٌّ من مواليكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بكيت يا ربع حتى كدت أبكيكا»

يقول: كفى قحطان شرفاً أنك منهم. فتكون الرواية على هذا: كفى بأنك في قحطان من شرفٍ، ويحتمل كفاك شرفاً بكونك من قحطان، مع شرفٍ لك طارف أضفته إليه. والرواية على هذا: كفى بأنك من قحطان في شرف وإن فخرت، وجدت كل قحطان أوكل الناس من مواليك وخدمك؛ لأن إحسانك يعمهم ومنك يشملهم، فكلهم مواليك.

ولو نقصت كما قد زدت من كرمٍعلى الورى لرأوني مثل شانيكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بكيت يا ربع حتى كدت أبكيكا»

يقول: لو تناهيت في النقصان، تناهيك في الرجحان، لفنيت وعدمت. فرآني الناس مثل عدوك، لأنه لم يبق من أعدائك أحد، فكنت مثلهم في الفناء، وقد أحسن في إضافة النقص إلى نفسه والزيادة إلى الممدوح. وقيل: لو نقصت من المدح، كما زدت على الناس من الكرم، لرأوني في ذلك مثل عدوك، الذي يحسن ذكرك. يعني وإن لم أبلغ الغاية في محاسنك لم أقصر عما دق عليه، كيلا أكون مثل شانيك.

لبى نداك لقد نادى فأسمعنييفديك من رجلٍ صحبي وأفديكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بكيت يا ربع حتى كدت أبكيكا»

لبى: من قولهم لبيك بمعنى: لزومٌ لك بعد لزوم، وإنما ثنوه على التوكيد، ونصبوه على المصدر، وأضافوه إلى كاف المواجهة، وأضافه هاهنا إلى النداء.

يقول: أجابةً لنداك بعد إجابة، فقد نادى إلى نداك، فأسمعني صوته، يفديك أصحابي ونفسي من رجل بين الرجال. يعني أن سخاءه دعاه إلى معروفه فأجابه وروى: لبى نداك والأول أولى.

ما زلت تتبع ما تولى يداً بيدٍحتى ظننت حياتي من أياديكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بكيت يا ربع حتى كدت أبكيكا»

يقول: مازلت تنعم يداً بيدٍ أي: نعمة يد بيد، حتى ظننت حياتي من جملة نعمك علي، لكثرة ما أنعمت فلم أميز ما هو: أعطاء دهر، أم غيره؟!

فإن تقل ها فعاداتٌ عرفت بهاأو لا فإنك لا يسخوا بلا فوكا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن قلت خذ كان ذلك من عادتك التي عرفت بها، وإن أردت أن تقول لا فلم تجد فوك يسخو بها أبداً فلا يمكنك أن تقول ذلك.

وقال أيضاً يمدحه:

أريقك أم ماء الغمامة أم خمربفي برودٌ وهو في كبدي جمر؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريقك أم ماء الغمامة أم خمر»

يقول: أهذا ريقك! أم ماء المطر؟ لعذوبته وصفائه، أم الخمرة؛ لمافيها من اللذة والتفريح، فقد جمع ريقك الحرارة والبرودة، فهو في فمي بارد وفي كبدي حار؛ من حيث ألتذ به عند لهوي، لكنه يهيج العشق في قلبي وكبدي فهو كالخمر، فمن حيث برودته شبهه بماء الغمام ومن حيث الحرارة شبهه بالجمر وأني بلفظ الاستفهام مبالغة في التشبيه.

أذا الغصن أم ذا الدعص أم أنت فتنةٌ؟وذيا الذي قبلته البرق أم ثغر؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريقك أم ماء الغمامة أم خمر»

يقول: أهذا قدك أم الغضن؟! وهذا كفلك أم الدعص؟ وهما حالان ثم بينةٌ من الرجل أم أنت فتنة كلفت بها كما جمعت هذه الأشياء المختلفة، وهذا الذي قبلته برقٌ لامع أم سنٌّ؟! وشبه الثغر بالبرق، من حيث: أن الشفة كالسحاب، فإذا ابتسمت يبدو البرق من السحاب. وروى: بل أنت فتنة، والتصغير في ذيا: إشارة إلى صغر أسنانها، وإما لأنه محبوب عندهم. كقولهم: يا بني. وهذا في التقسيم كقول الآخر:

أقطع الدجى أم شعرك الفاحم الجعدأبدر الدجى أم لاح من وجهك السعد؟!
رأت وجه من أهوى بليل عواذليفقلن نرى شمساً وما طلع الفجر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريقك أم ماء الغمامة أم خمر»

يقول: رأت العواذل وجهها بليل، فبهتن وقلن: نرى شمساً طالعة قبل طلوع الفجر! فأقررن بحسنها، وكففن عن عذلي وعذرنني في حبها، بعدما كن يعذلنني، ولأن الحسن للمحبوبة شغل العواذل، عن العذل، وكأنه مشتق من قوله تعالى: " فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن " يعني: أنهن إذا رأين يوسف ﵇ بهتن حتى تركن عذل امرأة العزيز. والواو في قوله: وما طلع واو الحال.

رأين التي للسحر في لحظاتهاسيوفٌ ظباها من دمي أبداً حمر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريقك أم ماء الغمامة أم خمر»

يقول: هؤلاء العواذل، رأين المرأة التي في لحظاتها للسحر سيوف، ظباها حمرٌ أبداً من دمي لأنها تقتلني بها.

تناهى سكون الحسن في حركاتهافليس لرائي وجهها لم يمت عذر
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: سكون الحسن تناهي في حركاتها يعني: أنها إذا تحركت سكن الحسن في حركاتها، فتكون حركاتها مسكناً للحسن، فلا يفارق الحسن حركاتها، فمن رآها في حسنها وجمالها ولم يمت، فليس له عذر في حكم العشق!

إليك ابن يحى ابن الوليد تجاوزتبي البيد عنسٌ لحمها والدم الشعر
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

العنس: الناقة الصلبة القوية.

يقول: تجاوزت بي إليك في المفاوز ناقةٌ قويةٌ، لحمها ودمها الشعر الذي مدحتك به فكنت أحييها بإنشادي لها مدحكم، صيانةً لها من الهزال، لما علمت أنها إذا وصلت إليك وصلت إلى مرادها.

نضحت بذكراكم حرارة قلبهافسارت وطول الأرض في عينها شبر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريقك أم ماء الغمامة أم خمر»

النضح: الرش.

يقول: رششت على الناقة فبردت بمدحكم والشعر فيكم حرارة قلبها، فنشطت وأسرعت في السير واستقصرت تلك المفاوز البعيدة، حتى كأن طول الأرض في عينها شبر؛ لاشتياقها إليك.

إلى ليث حربٍ يلحم الليث سيفهوبحر ندىً في موجه يغرق البحر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريقك أم ماء الغمامة أم خمر»

يقال: ألحمت فلاناً عرض فلانٍ، إذا جعلته يتناوله. وأراد هاهنا: تمكين السيف من لحم الليث.

يقول: سارت هذه الناقة إلى ليث حربٍ، يلحم سيفه الأسد، أي يمكن سيفه من لحم الأسد، وإلى بحر سخاء، يغرق البحر في موجه، ففضله بذلك على البحر.

وإن كان يبقى جوده من تليدهشبيهاً بما يبقي من العاشق الهجر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريقك أم ماء الغمامة أم خمر»

يقول: إنه بحرٌ إن كان يبقي جوده من ماله شيء، يبقي مقدار ما يبقي من العاشق الهجر، لأنه لا يبقى منه إلا القليل، فكذلك هذا الممدوح لا يبقى من ماله إلا ذلاك القدر.

فتىً كل يوم يحتوي نفس مالهرماح المعالي لا الردينية السمر
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الردينية: الرماح المنسوبة إلى ردينة، وهي امرأة كانت تعمل الرماح، وزوجها: السمهر، وكان هو كذلك يعمل الرماح وإليه تنسب السمهرية.

يقول: يسلب أمواله كل يوم رماح المعالي، لا الرماح الحقيقية: التي هي الردينية السمر. يعني: أنه فرقها على سؤاله وعفاته.

تباعد ما بين السحاب وبينهفنائلها قطرٌ ونائله غمر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريقك أم ماء الغمامة أم خمر»

التأنيث: للسحاب لأنه أراد به الجماعة.

يقول: بعيدٌ ما بين السحاب وبينه؛ لأن نائل السحاب قطرٌ، ونائله غمر كثير.

ولو تنزل الدنيا على حكم كفهلأصبحت الدنيا وأكثرها نزر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريقك أم ماء الغمامة أم خمر»

يقول: لو كان أمر الدنيا إليه، لوهبها، وصار أكثرها في جنب هباته قليلاً؛ لأن كفه لا نهاية لها، فكل كثير عندها قليل.

أراه صغيراً قدرها عظم قدرهفما لعظيمٍ قدره عنده قدر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريقك أم ماء الغمامة أم خمر»

يعني: عظم قدره أراه صغيراً قدر الدنيا، فليس لشيءٍ عظيم القدر قدرٌ عنده لعظم قدره وعلو همته.

متى ما يشر نحو السماء بوجههتخر له الشعرى وينكسف البدر
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

تخر: جزم لأنه جزاء الشرط، وهو: متى ما يشر وفتحه لاجتماع الساكنين، وينكسف نصب عطفاً عليه.

يقول: إن الممدوح متى نظر إلى السماء وأشار بوجهه إليها خرت له الشعرى وانكسف البدر: إما لهيبته، وإما خجلاً من نوره، وخص الشعرى لأن قوماً عبدوها، فبين أنها مع ذلك تسجد له، وخص البدر لكثرة ضوئه ولأنه كان معبوداً للقوم.

ترى القمر الأرضي والملك الذيله الملك بعد الله والمجد والذكر
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ترى: يجوز أن يكون فعل الشعرى، وأراد: ترى أيها المخاطب القمر الأرضي، وهو الملك الذي له المجد والذكر بعد الله ﷿.

كثير سهاد العين من غير علةٍيؤرقه فيما يشرفه الفكر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريقك أم ماء الغمامة أم خمر»

يقول: هو كثير السهاد، ثم قال: من غير علة، لصنعته في الشعر. ولما بين في قوله: يؤرقه الفكر فيما يكسبه الشرف، فلهذا يسهد كثيراً.

له مننٌ تفنى الثناء كأنمابه أقسمت ألا يؤدى لها شكر
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الكناية في به: للمدوح.

يقول: له نعم تفنى الثناء للعجز عن الإحاطة بها، كأنما أقسمت المنن بهذا للمدوح ألا يؤدي لها الشكر.

أبا أحمدٍ ما الفخر إلا لأهلهوما لامرىءٍ لم يمس من بحتر فخر
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: يا أبا أحمد، أنت أهل الفخر، فما الفخر إلا لأهله، وما لرجلٍ من غير قبيلتك فخر، وأنت منهم، فكأن الفخر جميعه لك.

هم الناس إلا أنهم من مكارميغنى بهم حضرٌ ويحدو بهم سفر
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريقك أم ماء الغمامة أم خمر»

يقول: هم من الناس لأنهم مخلوقون مثلهم، ثم بين أنهم لبعد صيتهم يغنى بذكرهم الحاضرون، ويحدو به المسافرون.

بمن أضرب الأمثال أم من أقيسهإليك وأهل الدهر دونك والدهر؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أريقك أم ماء الغمامة أم خمر»

يقول: لا نظير لك، فمن يضرب المثل في شأنك؟ أم من نقيسه إليك؟ وأهل الدهر والدهر دونك! وقال يمدح أخاه أبا عبادة عبيد الله بن يحيى البحتري:

ما الشوق مقتنعاً مني بذا الكمدحتى أكون بلا قلبٍ ولا كبد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما الشوق مقتنعا مني بذا الكمد»

الكمد: الحزن.

يقول: إن الشوق لا يقنع مني بهذا الحزن الشديد، حتى يجعلني بلا قلبٍ ولا كبدٍ، فأموت.

ولا الديار التي كان الحبيب بهاتشكو إلي ولا أشكو إلى أحد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما الشوق مقتنعا مني بذا الكمد»

هذا البيت يفسر على وجوه: أحدها: أن يكون عطفاً على قوله: ما الشوق ومعناه: أن الشوق كما لا يرضى مني بما أقاسي من الحزن، كذلك الدار التي كان الحبيب بها، لا ترضى مني بهذا الكمد. وتمم الكلام عند قوله: كان الحبيب بها. ثم ابتدأ وقال: تشكو إلي: أي هذه الديار تشكو إلي وحشة الفراق لجهلها، وأنا لا أشكو إلى أحد لجلادتي ولكتماني الأسرار، ولأني عاقل.

والثاني: أن الديار ما شكت لأنها قد درست فضعفت عن الشكوى، لانمحاء آثارها، كما ضعفت أنا عن الشكوى، لسقوط القوة، وإن الديار ما شكت إلي لأنها ليست بناطقه فتعرب عن شكايتها.

والثالث: أن دمعي حال دون تأملي آثار البلى في الديار؛ فلهذا لم تشك إلى أحد، ولو تأملتها تشكو إلي وحشتها، وسوء إثارة الزمان عليها، ثم لا أشكو إلى أحد. أي كانت الديار خالية، ليس فيها من أشكو إليه.

ما زال كل هزيم الودق ينحلهاوالسقم ينحلني حتى حكت جسدي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الهزيم: مطر الجود الذي له صوت. من الهزيمة وهو الصوت. وقيل هو: من الهزيمة. كأنه المطر الذي يلي بعضه بعضاً. والودق: المطر الشديد.

يقول ما زال كل مطر جود شديد القطر يصيب الديار، فيعفوا رسومها، فذلك نحولها، وما زال السقم ينحلني بإذهاب لحمي حتى حكت الديار جسدي. وهذا البيت يؤكد المعنى الثاني، الذي ذكرناه في البيت.

وكلما فاض دمعي غاض مصطبريكأن ما سال من جفني من جلدي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما الشوق مقتنعا مني بذا الكمد»

يقول: كلما سال دمعي نقص اصطباري، وظهر جزعي، كأن الذي سال من الدمع من عيني سائل من جلدي. ومنه قول الآخر:

فليس الذي يجري من العين ماؤهاولكنه نفسٌ تذوب فتقطر
فأين من زفراتي من كلفت بهوأين منك ابن يحيى صولة الأسد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما الشوق مقتنعا مني بذا الكمد»

هذا له معنيان: أحدهما: أين من زفراتي وهي الأنفاس زفرات من كلفت به؟ أي أن زفراته لا تبلغ زفراتي! وقوله: أين منك؟ أي: من صولتك. يا ابن يحيى، صولة الأسد؟ أي: أن صولته دون صولتك.

والثاني: أين من كلفت به من زفراتي؟ أي: أنه غافلٌ عنها، خالٍ منها. وأين منك صولة الأسد؟ أي: لا يبلغ صولتك، ولا يؤثر فيك شيئاً.

لما وزنت بك الدنيا فملت بهاوبالورى قل عندي كثرة العدد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما الشوق مقتنعا مني بذا الكمد»

يقول: لما وزنت الدنيا وأهلها بك، فملت بهم، أي كنت أرجح منهم، فقل عندي كثرة العدد؛ لأن الاعتبار في الوزن بالفضل والمعنى لا بالعدد والذوات. ومثله للبحتري:

ولم أر أمثال الرجال تفاوتتإلى الفضل حتى عد ألفٌ بواحد
للشاعر البحتري، من قصيدة «مثالك من طيف الخيال المعاود»
ما دار في خلد الأيام لي فرحٌأبا عبادة! حتى درت في خلدي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما الشوق مقتنعا مني بذا الكمد»

خلد الأيام: استعارة لطيفة، ولما ذكر الخلد: وهو القلب. قال: ما دار في قلب الأيام لي سرور حتى درت في قلبي. يعني: ما سررت منذ سمعت ذكرك في زماني هذا، حتى قصدتك فسررت برؤيتك.

ملكٌ إذا امتلأت مالاً خزائنهأذاقها طعم ثكل الأم للولد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما الشوق مقتنعا مني بذا الكمد»

يقول: هو ملكٌ إذا امتلأت خزائنه من المال، أذاقها بتفريق مالها، طعم ثكل الأم لولدها.

ماضي الجنان يريه الحزم قبل غدٍبقلبه ما ترى عيناه بعد غدٍ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما الشوق مقتنعا مني بذا الكمد»

الجنان: القلب. ومضاؤه: ذكاؤه، وحدته، وشجاعته. والحزم: رفع على أنه فاعل يريه، وينصب على أنه مفعوله الثاني، والفاعل الجنان.

يقول: إنه يرى بقلبه الأشياء قبل ما تراه العين بعد غدٍ.

ماذا البهاء ولا ذا النور من بشرٍولا السماح الذي فيه سماح يد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما الشوق مقتنعا مني بذا الكمد»

يقول: ليس هذا البهاء والنور اللذين فيه، من بشر، بل هو من ملك، ولا السخاء الذي فيه سخاء يد أحدٍ. بل هو سخاء أيدٍ كثيرة.

وقيل معناه: ولا السخاء الذي فيه سخاء يدٍ وإنما هو سحابٍ، أو سخاء بحر.

أي الأكف تبارى الغيث ما اتفقاحتى إذا افترقا عادت ولم يعد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما الشوق مقتنعا مني بذا الكمد»

يقول: أي كفٍّ من بين الأكف تعارض الغيث وتكاثره، ما داما متفقتين في الحال. الكف في الإعطاء والغيث في إحياء إدامة الإنداء، حتى إذا افترقا، عادت الكف إلى الإعطاء، ولم يعد الغيث إلى الإنداء، وليس هكذا كفٌّ إلا كف هذا الممدوح.

قد كنت أحسب أن المجد من مضرحتى تبحتر فهو اليوم من أدد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما الشوق مقتنعا مني بذا الكمد»

مضر: ابن نزار بن معد بن عدنان. وأدد: ابن طايحة بن إلياس بن يعرب ابن قحطان. وبحتر: الذي هو الممدوح من قحطان.

يقول: كنت أظن قبل هذا، أن الشرف كله من مضر، حتى رأيته ببحتر، فنسب نفسه إليها لكون الممدوح منها، فهو الآن من أدد الذي هو من قحطان. قيل: تبحتر أي: أقام ببحتر فلما أقام فيها علمت أنه من أدد.

قومٌ إذا مطرت موتاً سيوفهمحسبتها سحباً جادت على بلد
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فاعل مطرت: سيوفهم، ومفعوله: موتاً والهاء في حسبتها: للسيوف، وفي جادت: للسحب.

يقول: هم قوم إذا قاتلوا، مطرت سيوفهم موتاً؛ لكثرة ما يقتلون بها، فيظن سيوفهم سحاباً مطرت مطراً جوداً على بلدٍ.

لم أجر غاية فكري منك في صفةٍإلا وجدت مداها غاية الأبد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ما الشوق مقتنعا مني بذا الكمد»

يقول: ما أجريت غاية فكري في صفةٍ منك، إلا وجدت غاية تلك الصفة غاية الأبد، وليس للأبد نهاية.

وقال يمدح محمد مساور بن محمد الرومي:

جللاً كما بي فليك التبريحأغذاء ذا الرشإ الأغن الشيح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

الجلل: الأمر العظيم هاهنا، وهو أيضاً الأمر الهين ونصب بخبر فليك. والتبريح: اسمه وهو الشدة. والرشأ: ولد الظبية، والأغن: الذي يخرج صوته من الخيشوم. والشيح: نبت معروف، وهو من نبات نجد، وهو ينعم المواشي إذا رعته وقوله: فليك أصله فليكن فحذف النون لسكونها وسكون التاء الأولى من التربيح، تشبهاً للنون بحروف اللين؛ لما فيه من الغنة.

يقول: ليكون التبريح والشدة عظيماً كما بي، فتم الكلام هاهنا، ثم استأنف في المصرع الثاني متعجباً من المشبه به فقال: أغذاء ذا الرشأ الأغن الشيح؟! أي فرط شبهه بالظبي شككت فيه: أنه ظبي في الحقيقة أم لا؟ وقد طعن في ذلك.

وقيل: إن أحد المصراعين ينافي الآخر ولا مطعن فيه لأن المصراعين بمنزلة البيتين، فكما يجوز أن يكون أحد البيتين منقطعاً عن الآخر، فكذلك المصراعان، وقد ورد مثال ذلك في الأشعار.

وقد قيل في وجه اتصال المصراعين وجهان: أحدهما: أنه بين في المصراع الأول حالة في شدة التبريح وبالغ فيه، ثم بين في المصراع الثاني: أن من فعل به تبريح الهوى هو الرشأ الأغن المنعم الذي ربى بالشيح.

والثاني: أن معناه: إن كان في الدنيا تبريحاً، فليكن عظيماً مثل ما بي. ثم قال: أتظنون أن من فعل بي هو الرشأ الذي غذاؤه الشيح؟ ما هو إلا الرشأ الذي غذاؤه قلوب العاشقين وأبدانهم، فيا له من رشأ أغن! وقد كان ما قاله المتنبي على زعم بعضهم:

جللا كما بي فليك التبريحأولا فتبريح الهوى ترويح
لله من رشأ أغن مهفهفٍأغذاء ذا الرشأ الأغن الشيح

ومعناه على هذا: ليكن التبريح عظيماً كما بي، وإلا فإنه ترويحٌ إذا لم يكن مثل تبريحي، ثم قال: لله من رشأ، ومعناه عجباً من الرشأ الذي في صوته غنة! مهفهفٍ: أي دقيق الخصر. غداؤه الشيح: الذي ينعم به أمثاله. فكأنه قال: كل ما حصل بي من التبريح، فمن الرشأ الذي صفته هذه.

لعبت بمشيته الشمول وجردتصنماً من الأصنام لولا الروح
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لعبت الخمر بمشية هذا الرشأ، حتى صار مثل شارب الخمر. وجردت: أي عرته عن ثيابه. وصنماً: نصب لوقوع جردت عليه، فكأنه يقول: جردت الشمول صنماً من الأصنام، لولا أن فيه الروح، لكان صنماً. وقيل: جردته في الحسن صنماً، فنصب على الحال. وإنما لم يقل: وثناً لأنه غير مصور بخلاف الصنم.

ما باله لاحظته فتضرجتوجناته وفؤادي المجروح؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

تضرجت: أي احمرت.

يقول: ما بال هذا الرشأ لاحظته فاحمرت وجناته؟! وقلبي هو المجروم النظر إليه! فكان ينبغي أن يحمر قلبي.

ورمى، وما رمتا يداه فصابنيسهمٌ يعذب والسهام تريح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

رمت يداه: على لغة من يقول: أكلوني البراغيث. وما للنفي وسهم: رفع بصابني.

يقول: رمى هذا الرشأ سهماً وهو النظر ولم ترم يداه فصابني، سهمٌ يعذب طول الأبد، بخلاف السهام المريحة القاتلة.

قرب المزار ولا مزار وإنمايغدو الجنان فنلتقي ويروح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

المزار الأول: موضع الزيارة. والثاني: المصدر، ويحتمل أن يكونا مصدرين.

يقول: قرب المزار بيننا بالفكر والقلب، ولا زيارة في الحقيقة، وإنما يغدو القلب ويروح، إلى القلب فنلتقي نحن بالتقائهما، فالتقاؤنا بالأرواح لا بالأشباح.

وفشت سرائرنا إليك وشفناتعريضنا فبدا لك التصريح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

يقول: كنا قد عرضنا بحبك فشفنا أي أضعفنا تعريضنا به فضعفت أسرارنا لذلك التصريح، فأظهر هزالنا ونحولنا ما بنا، فصار التعريض تصريحاً.

وقيل: أراد لما شفنا التعريض وجهر بنا، فلم نطق كتمان الحب، أسررنا إلى التصريح فانهتك الستر.

لما تقطعت الحمول تقطعتنفسي أسىً وكأنهن طلوح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

الحمول: بالفتح الإبل، وبالضم الأحمال. وأراد ها هنا الهوادج بما فيها.

يقول: لما تقطعت الحمول عن عيني تقطعت نفسي حزناً. ثم شبه الحمول بالطلوح وهي جمع الطلح شجر عظيم، لأنهم يشبهون الإبل، وأحمالها بالنخيل، وسائر الأشجار الرفيعة. ويجوز تشبهها بالطلح لنحولها ودقتها.

وجلا الوداع من الحبيب محاسناًحسن العزاء وقد جلبن قبيح
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الضمير في جلبن: للمحاسن.

يقول: أظهر الوداع من الحبيب محاسن، وكان الحسن الصبر، وقد أظهرن قبيحاً؛ لظهور هذه المحاسن، أو لما تعقبه من الفراق. ومثله قول الشاعر:

والصبر يحسن في المواطن كلهاإلا عليك فإنه لا يحمد
قيدٌ مسلمةٌ وطرفٌ شاخصٌوحشاً يذوب ومدمعٌ مسفوح
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وقد روى أيضاً فيدٌ مسالمةٌ أي مصالحة؛ من حيث أنه أشار بها للوداع. والشاخص: هو الذاهب المتحير. والمسفوح: المصبوب وأراد به المدمع الحال فيه، لأن محله غير مسفوح، ويجوز أن يكون أراد ومدمع مسفوح منه: يصف حال الوداع فيقول: كان لكل واحدٍ منا، يد مسلمة للتوديع خوف الرقباء، وطرف طافحٌ متحير، وحشاً ذائب؛ أسفاً على الفراق، ودمع مسفوح.

يجد الحمام ولو كوجدي لانبرىشجر الأراك مع الحمام ينوح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

انبرى: أي انبعث وأخذ.

يقول: لو حزن الحمام مثل حزني لناح شجر الأراك الذي عليه، مع الحمام عند نوحها.

وأمق لو خدت الشمال براكبٍفي عرضه لأناخ وهي طليح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

الأمق: الطويل. وأراد به هاهنا: المفازة الواسعة. والطليح: الناقة المعيبة. وخدت: أي حدت وجرت، وأناخ: فعل الراكب.

يقول: رب مهمةٍ طويل لو جرت في عرضه الريح الشمال براكب عليها، لأناخ الراكب، وهي: يعني الشمال معيبة فإذا كان المركوب ريحاً هذا حالها في العرض، فما ظنك بسائر المركوبات بالطول؟ لأن عرض كل شيء دون طوله. وروى: في عرضه. أي جانبه.

نازعته قلص الركاب وركبهاخوف الهلاك حداهم التسبيح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

الهاء في نازعته: للأمق، ومعناه: جاذبته؛ لأنه أراد أن يهلك الركاب، وأردت أن أنجو بها، وحداهم: ممدود إلا أنه قصر للضرورة.

يقول: نازعت هذا الأمق أبكار الإبل، في حالة كان حداء الراكبين فيها من خوف الهلاك والضلال التسبيح لله تعالى، وخوف الهلاك: نصب لأنه مفعولٌ له.

لولا الأمير مساور بن محمدٍما جشمت خطراً ورد نصيح
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

التاء في جشمت: لقلص الركاب.

يقول: لولا الممدوح ما جشمت قلص الركاب الأبكار، أمراً مهولاً، وما رد الناصح الذي ينهى عن ركوب، مثل هذه المهلكة.

ومتى ونت وأبو المظفر أمهافأتاح لي ولها الحمام متيح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

يقول: متى فترت هذه القلص، ومقصودها الممدوح، فأتاح لي: أي قدر لي ولها، الحمام: أي الموت متيح: وهو الله تعالى.

شمنا وما حجب السماء بروقهوحرىً يجود وما مرته الريح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

يقول: هو السحاب شمنا بروقه في حال ما لم يحجب السماء، بخلاف سائر السحب، إذ المعهود من البرق أن يحجب السماء بالغيم، وهو حقيق بأن يجود من غير أن تمر به الرياح، أي تحلبه كما تحلب السحاب وتقديره؛ شمنا بروقه وما حجب السماء.

مرجو منفعةٍ مخوف أذيةٍمغبوق كأس محامدٍ مصبوح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

يقول: هو مرجو محامدٍ يسيرها إلى أوليائه، ومخوف أذيه يحلها بأعدائه، وقد صبح كأس المحامد وغبق، فهو محمود أبداً.

حنقٌ على بدر اللجين وما أتتبإساءةٍ وعن المسيء صفوح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

يقول: إنه حنقٌ على بدر الفضة؛ لكثرة تفريقه إياها من غير ذنب وإساءة منها، وهو مع ذلك يعفو عن المسيء المذنب.

لو فرق الكرم المفرق مالهفي الناس لم يك في الزمان شحيح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

فاعل فرق ضمير الممدوح، والكرم مفعوله، والمفرق: صفة الكرم. وماله: نصب بالمفرق، الذي هو الفاعل من فرق. وروى: لو فرق الكرم المفرق ماله على ما لم يسم فاعله فيرفع ما بعده إلا ماله فإنه منصوب.

يقول: لو أنه فرق كرمه، الذي يفرق ماله على الناس لم يكن في الزمان بخيل. يعني: أنه يعم الناس بره حتى لا يبخل أحدٌ بشيء من المال.

ألغت مسامعه الملام وغادرتسمةً على أنف اللئام تلوح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

ألغت: أي ألقت وقد روى ذلك أيضاً. وقيل معناه: جعلت الملام لغواً أي باطلاً. فمعناه: أبطلت.

يقول: إن مسامعه أبطلت ملام اللائمين له، على إعطائه وغادرت الملام سمة لائحة على أنوف اللئام. وروى على أنف اللئام. يعني أنه لوى به أنوفهم.

هذا الذي خلت القرون وذكرهوحديثه في كتبها مشروح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

التأنيث في كتبها: للقرون.

يقول: هذا الممدوح هو الذي ذكره في كتب القرون الماضية، مشروح منزلٌ منزلة الأنبياء؛ من تقدم البشارة بهم، وكان الوجه أن يقول: وذكره وحديثه مشروحان، ولكن لما كان معناهما واحد، اقتصر على واحد.

ألبابنا بجماله مبهورةٌوسحابنا بنواله مفضوح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

مبهورة: أي مغلوبةٌ مدهوشة.

يقول: عقولنا بجماله مغلوبة مدهوشة، والحاب بعطائه مفضوح لقصور نيله من نيله.

يغشى الطعان فلا يرد قناتهمكسورةً ومن الكماة صحيح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

الواو في قوله: ومن الكماة للحال.

يقول: إنه يرد للمطاعنة فلا يرد رمحه مكسوراً إلا بد ألا يبقى من الشجعان صحيح.

وعلى التراب من الدماء مجاسدٌوعلى السماء من العجاج مسوح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

المجاسد: جمع مجسدة، وهو الثوب الذي يلي الجسد، وهو أيضاً الثوب المصبوغ بالجساد: وهو الزعفران. يقول يغشى الطعان وتراب الأرض قد غشي بثيابٍ من الدماء، وعلى الجو من الغبار مسوح سود.

فشبه التراب المختلط بالدم: بالثياب المصبوغة بالزعفران. وشبه الغبار الكثيف: بالمسوح السود.

يخطو القتيل إلى القتيل أمامهرب الجواد وخلفه المبطوح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

يقول رب الجواد: وهو الممدوح، يخطو من قتيل إلى قتيل آخر أمامه وخلفه مبطوح، حين طعنه فتخطاه.

فمقيل حب محبه فرحٌ بهومقيل غيظ عدوه مقروح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

يقول: قلب محبه وهو مقيل الحب، فرد به غيظ عدوه، أي قلب عدوه بالغيظ الذي فيه مجروح.

يخفي العداوة وهي غير خفيةٍنظر العدو بما أسر تبوح
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يخفي: فعل العدو.

يقول: يخفي عدوه العداوة عنه؛ لخوفه منه، وهي لا تخفى عليه لذكائه، وفطنته. وقوله: نظر العدو بما أسر تبوح يحتمل أن يريد به: نظر الدو إليه نظراً شزراً، يظهر ما أسره في قلبه من العداوة. فيكون المصدر مضافاً إلى فاعله.

ويحتمل أن يريد: أنه إن نظر إلى العدو يبوح بسره؛ لأنه إذا نظر إليه يعرف ما في قلبه، ويكون المصدر مضافاً إلى المفعول.

يا ابن الذي ما ضم بردٌ كابنهشرفاً ولا كالجد ضم ضريح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

يقول: يا ابن الذي لم يضم البرد شرفاً وحياءً، والابن: هو الممدوح، ولا ضم القبر كجده ميتاً.

نفديك من سيل إذا سئل الندىهولٍ إذا اختلطا دمٌ ومسيح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

المسيح: العرق.

يقول نفديك: من رجلٍ يشبه السيل إذا سئل السخاء، وهو هول؛ إذا اختلطا دمٌ وعرقٌ في القتال. وفي قوله: اختلطا دم ومسيح: أورد الاثنين قبل الذكر، أورده مورد قولهم: أكلوني البراغيث.

لو كنت بحراً لم يكن لك ساحلٌأو كنت غيثاً ضاق عنك اللوح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

يقول: لو كنت بحراً كنت بلا شطٍّ ونهاية، أو كنت غيثاً ضاق عنك الهواء لكثرته. والأوجه أن يقول: لم يك له وضاق عنه ولكنه أسنده إلى كنت.

وخشيت منك على البلاد وأهلهاما كان أنذر قوم نوح نوح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»
عجزٌ بحرٍّ فاقةٌ ووراءهرزق الإله وبابك المفتوح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

البيت الأول: معناه ظاهر.

يقول بعده: عجزٌ بالحر الذي به فقر مع أن قدامه رزق الله تعالى، وبابك المفتوح بالسخاء.

إن القريض شجٍ بعطفي عائذٌمن أن يكون سواءك الممدوح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»
وذكي رائحة الرياض كلامهاتبغي الثناء على الحيا فتفوح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

شجي يشجى فهو شج: إذا اغتص به. وعطف الشيء: جانبه.

يقول: إن الشعر يلتجىء إلي عائذٌ بعطفي وجانبي؛ مخافة أن أمدح به غيرك من الناس، لرغبته في محاسنك وزهدة فيمن سواك، لأنهم لا يستحقونه.

الذكي: الرائحة الشديدة.

يقول: إن شعري كره أن أمدح به غيرك لأنه قد رأى الرياض تشكر المطر. ففوحها طيب كلامها وثنائها على المطر فتشكر على قدر إمكانها، فأرادني أن أمدحك به فأؤدي شكرك.

جهد المقل فكيف بابن كريمةٍتوليه خيراً واللسان فصيح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

يقول: إذا شكرت الرياض للمطر، بالريح الذكي، وذلك جهد المقل، فكيف ظنك بابن حرة توليه براً جزيلاً وإحساناً جميلاً، وله لسان فصيح، فاعذره إذا ترك الثناء عليك.

وقال أيضاً يمدحه:

أمساورٌ أم قرن شمسٍ هذا؟أم ليث غابٍ يقدم الأستاذا؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمساور أم قرن شمس هذا»

يقدم: أي يتقدم. والأستاذ: قيل هو الممدوح الذي هو مساور، أو قرن الشمس أيضاً اشتبه بقرن الشمس حتى إنه يحتاج إلى الاستفهام أنه هو، أم قرن الشمس؟ وقرن الشمس أول ما يبدو منها، ويكون ليث غاب على هذا: هيبته التي تسبق إلى قلوب الناس دون نفس مساور، لأن الشيء لا يتقدم نفسه فكأنه قال: إن هيبته التي تسبق ليث غاب، تقدم مساوراً وقيل: إن الأستاذ غير مساور، الذي هو الممدوح. وقيل: هو كافورٌ الإخشيدي وكان مساور في حجابه أو قواده. فيكون على هذا شبه الأستاذ بالشمس، وشبه مساوراً بقرنها، ثم جعله أيضاً ليث غاب يتقدم الأستاذ في سيره، أو في موكبه. وقيل: إن الأستاذ ليس هو رجلاً بعينه، وإنما المقصود: أن مساوراً في شجاعته يسبق أستاذه، ودون أستاذه يعجز عنه.

شم ما انتضيت فقد تركت ذبابهقطعاً وقد ترك العباد جذاذا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمساور أم قرن شمس هذا»

يقول: أغمد ما انتضيته يعني: السيف. فقد تركت حده قطعاً من كثرة ما ضربت به، وقد ترك السيف عباد الله قطعاً.

هبك بن يزدادٍ حطمت وصحبهأترى الورى أضحوا بني يزداذا

هب: أي اجعل.

يقول: هب أنك كسرت ابن يزداد وأصحابه، أترى أن الناس كلهم بنو يزداد، فتقتلهم وتحطمهم، كما قتلت خصمك! كأنه قد كان جاوز عن قتل أعدائه إلى قتل غيرهم.

غادرت أوجههم بحيث لقيتهمأقفاءهم وكبودهم أفلاذا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: غادرت أي تركت وجوههم عندما لقيتهم أقفاءهم: أي طمست آثارها حتى لم تبين وجوهم من أقفائهم. وقيل: أراد أنك هزمتهم فقامت أقفاؤهم: أي طمست آثارها حتى لم تبين وجوههم من أقفاءهم: أي طمست آثارها حتى لم تبين وجوههم من أقفائهم. وقيل: أراد أنك هزمتهم فقامت أقفاؤهم في استقبالهم مقام وجوههم، وتركت أكبادهم متقطعة.

في موقفٍ وقف الحمام عليهمفي ضنكه واستحوذ استحوذا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: فعلت ذلك بهم، في موقفٍ وقف الموت عليهم في مضيق ذلك الموقف، أي في موقف صعب، وغلبت عليهم غلبة عظيمة.

جمدت نفوسهم فلما جئتهاأجريتها وسقيتها الفولاذا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمساور أم قرن شمس هذا»

التأنيث: للنفوس. وجمدت نفوسهم: يجوز أن يريد جمدت دماؤهم فلما جئتها أجريتها وأذبتها، ثم أسقيتها الفولاذا لأنه كان ظامئاً إليها.

لما رأوك رأوا أباك محمداًفي جوشن وأخا أبيك معاذا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمساور أم قرن شمس هذا»

يقول: لما رآك ابن يزداد وأصحابه، رأوا برؤيتك أباك وعمك، لأنك أشبهتهما فعلاً ونجدة، فكأنهما كانا في جوشن واحد، وقيل رأوهما في جوشنك، وذلك جامعٌ لمدحه ومدح أبيه وعمه، لأنه نسبهما إلى الشجاعة.

أعجلت ألسنهم بضرب رقابهمعن قولهم لا فارسٌ إلا ذا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمساور أم قرن شمس هذا»

يقول: لما رأوك أرادوا أن يقولوا: ليس في العالم فارسٌ إلا هذا، فأعجلتهم عن قول ذلك بضرب رقابهم قبلها.

غرٌّ طلعت عليه طلعة عارضٍمطر المنايا وابلاً ورذاذا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمساور أم قرن شمس هذا»

مطر المنايا: يجوز أن يكون منصوباً بتقدير فعل، فكأنه يقول: وأمطرت عليهم مطر المنايا. والوجه عندي غير ذلك وهو: أن يكون مطر المنايا فعلاً ماضياً وفاعله ضمير عارض: تقديره طلعت عليهم طلعة عارض أمطر ذلك العارض عليهم المنايا.

يقول: إن ابن يزداد كأنه لم يجرب الأمور؛ فطلعت عليهم طلعة سحاب ماطر، غير أن مطره كان الموت. ووابلاً: أي عظيماً، ورذاذا: أي صغيراً، شبه الدم السائل من ضربة السيف بالوابل، ومن الطعن فيهم بالرذاذ.

فغدا أسيراً قد بللت ثيابهبدمٍ وبل ببوله الأفخاذا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمساور أم قرن شمس هذا»

يقول: غدا ابن يزداد، أسيراً جريحاً، قد بللت ثيابه من دمه، وبل هو أفخاذه ببوله، خوفاً منك وفزعاً.

سدت عليه المشرفية طرقهفانصاع لا حلباً ولا بغداذا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمساور أم قرن شمس هذا»

المشرفية: السيوف المنسوبة إلى اليمن وتعمل فيها. وانصاع: أي انصرف وانثنى. يقال: صعته فانصاع.

يقول: سدت عليه السيوف طرقه؛ لأنك أسرته فبقي حائراً لم يصل إلى حلب ولا إلى بغداد.

طلب الإمارة في الثغور ونشؤهما بين كرخايا إلى كلواذا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمساور أم قرن شمس هذا»

هاتان قريتان من رستاق بغداد.

يقول: إنه طلب إمارة الثغور، ونشؤه بين هذين الموضعين، والسواد لا تصلح للإمارة.

فكأنه حسب الأسنة حلوةًأو ظنها البرني والأزاذا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمساور أم قرن شمس هذا»

البرني والأزاذ: نوعاً من التمر.

يقول: حسب من جهله أن الأسنة حلوة، أو ظنها هذين النوعين من التمر، ولم يعلم أن طعمها بالخلاف.

لم يلق قبلك من إذا اختلف القناجعل الطعان من الطعان ملاذا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمساور أم قرن شمس هذا»

يقول: إن ابن يزداد لم يلق قبلك رجلاً إذا ترددت الرماح واختلفت، جعل المطاعنة ملاذاً من المطاعنة، ومعناه: أنه يتحصن بالمطاعنة من أذى خصمه. فكأنه هرب من الطعان إلى الطعان، في حال ما يلتجىء غيره إلى العساكر والحصون.

من لا توافقه الحياة وطيبهاحتى يوافق عزمه الإنفاذا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمساور أم قرن شمس هذا»

يقول: لم يلق ابن يزداد قبلك أحداً لا توافقه الحياة وطيبها، أي لا تطيب له الحياة، حتى يمضي عزمه فيما يقصده.

متعوداً لبس الدروع يخالهافي البرد خزاً والهواجر لاذا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمساور أم قرن شمس هذا»

اللاذ: ثوبٌ رقيق كالكتان، أو أرق منه.

يقول: لم يلق ابن يزداد قبلك متعوداً لبس الدروع في الصيف والشتاء حتى يخالها التذاذاً بها واعتياداً للبسها أنها في البرد: خز. وفي الصيف: كتان، أو ثوب رقيق.

أعجب بأخذكه وأعجب منكماألا تكون لمثله أخاذا!
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.