تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

الشاميات (٦)

يقول: ما أعجب أخذك له، وأسرك إياه! وأعجب منك ومنه ألا تكون أخاذاً لمثله مع فضل قوتك! وقال يرثي محمد بن إسحاق التنوخي

إني لأعلم واللبيب خبيرأن الحياة وإن حرصت غرور
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إني لأعلم واللبيب خبير»
ورأيت كلاً ما يعلل نفسهبتعلة وإلى الفناء يصير
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إني لأعلم واللبيب خبير»

يقول: إني أعلم أن الحياة غرور، وإن حرصت عليها، وملت إليها، وإنما أعلم ذلك لأني عاقل، والعاقل يعلم ذلك لا محالة.

أمجاور الديماس رهن قرارةٍفيها الضياء بوجهه والنور
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إني لأعلم واللبيب خبير»

الديماس: حفرة القبر، وقيل: هو اسم لحبس الحجاج، كان لا يدخله أحدٌ ويخرج منه! وقوله: رهن قرارةٍ: منصوب على الحال، أو على البدل من مجاور الديماس، والقرارة: أراد بها أرض القبر، والهاء في فيها ترجع إلى القرارة.

يقول: يا ساكن القبر قد أنار الأرض نور وجهك.

ما كنت أحسب قبل دفنك في الثرىأن الكواكب في التراب تغور
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إني لأعلم واللبيب خبير»
ما كنت آمل قبل نعشك أن أرىرضوى على أيدي الرجال يسير
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: ما كنت أظن أن النجوم تغور في الثرى، أي تغيب، حتى رأيت تواريك في القبر، وما كنت أرجو قبل رؤيتك على النعش، أن الجبل يسير على أيدي الرجال.

خرجوا به ولكل باكٍ خلفهصعقات موسى يوم دك الطور
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إني لأعلم واللبيب خبير»

يقول: خرجوا به إلى القبر، والباكين كل له غشيانٌ كغشيان موسى ﵇، يوم دك الطور، أي أزيل وسوى به الأرض، وهو من قوله تعالى " وخر موسى صعقاً ".

والشمس في كبد السماء مريضةٌوالأرض واجفةٌ تكاد تمور
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إني لأعلم واللبيب خبير»

مرض الشمس: عبارة عن قلة ضوئها، وعن كسوفها، وكأن الشمس في تلك الحالة مرتجة في وسط السماء، والأرض مضطربة. تكاد الأرض تمور أي تزلزل وتدور، وإنما قال في وسط السماء؛ لأن الشمس في تلك الحالة تكون أضوأ ما تكون.

وحفيف أجنحة الملائك حولهوعيون أهل اللاذقية صور
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إني لأعلم واللبيب خبير»

صور: جمع أصور، وصور: أي مائلة.

يقول: حضرت الملائكة جنازته، فكأن حوله أصوات أجنحتهم عند سيرهم مع الجنازة، وعيون أهل هذه البلدة مائلة نحو جنازته تحسراً عليه وعلى مفارقته.

حتى أتوا جدثاً كأن ضريحهفي قلب كل موحدٍ محفور
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إني لأعلم واللبيب خبير»

يقول: حتى أتو به قبراً، كأن ضريحه حفر في قلب كل موحدٍ، يعني أن موته صعب على الموحدين؛ فكأنهم حفروا قبره في قلوبهم؛ لعظم تأثيره فيهم. وقيل: أراد أنه ليس يغيب ذكره عن قلوب الموحدين فكأنه دون فيها، ويجوز أن يريد بتشبيه قبره بقلوب الموحدين: إشارة إلى حصول النور فيه لما دفنه فيه كالنور الذي يكون في قلب المؤمن الموحد.

بمزودٍ كفن البلى من ملكهمغفٍ وإثمد عينه الكافور
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إني لأعلم واللبيب خبير»

مزود: صفة لمحذوف، أي برجل مزود.

يقول: أتوا القبر برجل مزود عن جميع ما يملكه، كفناً يبلى وهو مغف: أي مغض عينيه. وإثمد عينيه: أي كحلهما. الكافور: أي إنه لم يحمل من ماله لنفسه إلا الكحل والكفن والحنوط.

فيه السماحة والفصاحة والتقىوالبأس أجمع والحجا والخير
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أي في الجدث. أو في المرثى، والخير هنا: الكرم. والحجا: العقل فكأنه يقول: إن هذه المعاني دفنت بدفنه.

كفل الثناء له برد حياتهلما انطوى فكأنه منشور
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إني لأعلم واللبيب خبير»

انطوى: كناية عن موته. والمنشور: عن حياته.

يقول: كفل له الثناء أو الذكر برد حياته، فكأنه حي بعد الدفن والموت، يعني: أن ذكره الجميل باق بعده، فكأنه لم يمت؛ لقيام ذكره له مقام الحياة ومثله لآخر:

ردت صنائعه إليه حياتهفكأنه من نشرها منشور
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أما القبور فإنهن أوانس»
فكأنما عيسى بن مريم ذكرهوكأن عازر شخصه المقبور
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن ذكره الباقي بعده، أحياه فكأن ذكره، المسيح ﵇، وكأن شخصه المقبور، عازر. وهو: الذي أحياه الله تعالى على يد السيد المسيح.

واستزاده بنو عم الميت فقال ارتجالاً:

غاضت أنامله وهن بحوروخبت مكايده وهن سعير
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غاضت أنامله وهن بحور»

يقول: كانت أنامله في الجود كالبحور، فغار ماؤها، وكانت مكايده في الحرب سعيراً، فخبت وطفئت.

يبكى عليه وما استقر قرارهفي اللحد حتى صافحته الحور
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غاضت أنامله وهن بحور»

قراره: يرفع وينصب؛ الرفع باستقر، والنصب على الظرفية.

يقول: يبكى عليه، ومن الواجب ألا يبكى عليه؛ لأنه لم يستقر قراره حتى أتاه من الكرامة والثواب، وصافحته الحور، ويجوز أن يكون على الاستفهام والتوبيخ، أي نبكي وهو لم يستقر قراره حتى صافحته الحور.

صبراً بني إسحاق عنه تكرماًإن العظيم على العظيم صبور
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غاضت أنامله وهن بحور»

نصب صبراً: على المصدر أي اصبروا صبراً، وتكرماً: نصب لأنه مفعول له.

يقول: اصبروا وترفقوا عن الجزع عن هذا الميت؛ لأن قدركم عظيم، والمفجوع به عظيم، والمصيبة بمثله عظيمة، والعظيم يصبر على العظيم، فاصبروا على عظماء.

فلكل مفجوعٍ سواكم مشبهٌولكل مفقود سواه نظير
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غاضت أنامله وهن بحور»

يقول: لكل مصاب نظير غيركم فإنه لا نظير لكم، ولكل مفقود غير هذا الميت نظير، فإنه لا نظير له. أي ليس في الأحياء مثلكم ولا في الأموات مثله! وقيل: إن هذا أمر عام فلكم أمثال وله نظير؛ لأن المفجوعين والمفقودين كثير.

أيام قائم سيفه في كفه اليمنى وباع الموت عنه قصير
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غاضت أنامله وهن بحور»

أيام: نصب بقوله لكل مفقود سواه نظير أيام.

يقول: لكل مفقود نظير أيام. وقيل: تقديره اذكر، أو اذكروا أيام.

يقول: كانقائم سيفه أيام حياته في يمناه إشارة إلى شجاعته، وكان باع الموت مع طوله واقتداره، قصير عنه!

ولطالما انهملت بماءٍ أحمرٍفي شفرتيه جماجمٌ ونحور
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غاضت أنامله وهن بحور»

فاعل انهملت: جماجم ونحور.

يقول: لطالما انهملت جماجمٌ ونحورٌ، بماءٍ أحمر، وهو الدم. في شفرتيه: أي شفرتي سيفه.

فأعيذ إخوته برب محمدٍأن يحزنوا ومحمدٌ مسرور
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غاضت أنامله وهن بحور»

يقول: أعيذ إخوة الميت، برب محمد، وهو الميت، أن يحزنوا عليه، وهو مسرورٌ: أي بما أتاه الله من الثواب والكرامة، وأسباب المسرة. ويجوز أن يكون محمد الأول النبي ﷺ، والثاني الميت.

أو يرغبوا بقصورهم عن حفرةٍحياه فيها منكرٌ ونكير
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غاضت أنامله وهن بحور»

يقول: وأعيذهم أن يرغبوا في قصور الدنيا عن دار الآخرة، وأن ينسوا ما يلزمهم من الأعمال الصالحة، فكنى عن الآخرة بحفرة هذا الميت، الذي حياه فيها منكر ونكير، فكأنه يحثهم على الاستعداد للموت. وقيل: أراد أعيذهم أن يتركوا زيارة قبر هذا الميت، الذي حياه فيه منكر ونكير، ويلزموا قصورهم المنيفة.

نفرٌ إذا غابت غمود سيوفهمعنها فآجال العداة حضور
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: هم نفرٌ، إذا سلوا سيوفهم، ففارقت غمودها حضرت آجال العباد، وقتلوا من شاءوا.

وإذا لقوا جيشاً تيقن أنهمن بطن طيرٍ تنوفةٍ محشور
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غاضت أنامله وهن بحور»

الضمير في لقوا: يعود إلى النفر، والتنوفة: الفاختة. وتيقن فعل الجيش. والهاء في أنه للجيش، ووحد محشور لهذا المعنى.

يقول: إنهم إذا لقوا جيشاً في الحرب تيقن ذلك الجيش أنهم مقتولون فتأكلهم طيور الفاختة، فيحشرهم الله تعالى يوم القيامة من بطونها.

لم تثن في طلبٍ أعنة خيلهمإلا وعمر طريدها مبتور
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غاضت أنامله وهن بحور»

يقول: إنهم لا يثنون أعنة خيلهم في طلب عدوهم، إلا أدركوه، وجعلوا عمره مبتوراً: أي مقطوعاً.

يممت شاسع دارهم عن نيةٍإن المحب على البعاد يزور
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غاضت أنامله وهن بحور»

عن نيةٍ: أي بعدٍ.

يقول: إني قصدت دارهم البعيدة، على بعد المسافة؛ لحبي لهم، وقد تبين ذلك. ويجوز أن يريد بقوله عن نيةٍ: أي عن قصدٍ مني إليهم، ونيةٍ مني على زيارتهم؛ لحبي إياهم، ولم يكن ذلك اتفاقاً، أو على سبيل الاجتياز بهم. ثم قال: إن المحب على البعاد يزور وهذا كقول القائل وهو:

من عالج الشوق لم يستبعد الدار

وقريب منه قول الآخر:

وما كنت زوراً ولكن ذا الهوىإذا لم يزر لابد أن سيزور

ومثله قولهم:

إن المحب إذا لم يستزر زارا

وقنعت باللقيا وأول نظرةٍإن القليل من الحبيب كثير
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غاضت أنامله وهن بحور»

يقول: رضيت برؤيتهم، بل بأول نظرةٍ ولم أطل المقام للنظر؛ لأن القليل من المحب كثير فأنا محب لهم.

إن من قوله: غاضت أنامله إلى قوله: ولطالما انهملت بماء أحمر زيادة قالها ارتجالاً، بعد أن قال القصيدة فألحقت في هذا الموضع.

وسأله بنو عم الميت أن ينفي الشماتة عنهم فقال ارتجالاًك

ألآل إبراهيم بعد محمدٍإلا حنينٌ دائمٌ وزفير
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الهمزة: للاستفهام، ومعناه الجحد.

يقول: ما لآل إبراهيم وهم بنو عم الميت بعد موت هذا الرجل إلا الحنين الدائم، وهو الشوق إليه، وكذلك الزفير الدائم والبكاء أسفاً عليه، وإنما قال ذلك: لأن بعضهم قالوا: إنهم شمتوا به، فنفى عنهم ذلك.

ما شك خابر أمرهم من بعدهأن العزاء عليهم محظور
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألئال إبراهيم بعد محمد»

يقول: ما شك من اختبر أمرهم وتأمله، من بعد المتوفى أن الصبر عليهم ممنوع حرام؛ لما هم فيه من الغم والجزع والقلق والهلع.

تدمي خدودهم الدموع وتنقضيساعات ليلهم وهن دهور
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألئال إبراهيم بعد محمد»

فاعل تدمي: الدموع، ومفعوله: خدودهم، والواو في قوله وهن واو الحال.

يقول: إنهم من كثرة ما جرت دموعهم على خدودهم قرحت خدودهم حتى صارت تدمى، وإنهم من كثرة سهرهم بالليل، صارت ساعات الليل عندهم بمنزلة الدهور. وقيل: أراد، إنهم يبكون الدم مكان الدمع.

أبناء عمٍّ كل ذنبٍ لامرىءٍإلا السعاية بينهم مغفور
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: هم أبناء عمٍّ واحد، فكل ذنب لديهم مغفور، إلا السعاية بينهم، فإن من حقهم ألا يغفروها، وأن يعاقبوا من سعى بينهم بالعداوة.

طار الوشاة على صفاء ودادهموكذا الذباب على الطعام يطير
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألئال إبراهيم بعد محمد»

يقول: إن الوشاة تعرضوا ليفسدوا ما بينهم من صفاء الود، كما أن الذباب يطير على الطعام لإفساده، ولم تؤثر وشايتهم في ودادهم، إلا قدر ما أثر الذباب في إفساد الطعام، إذا طار عليه. وهذا إشارة إلى قلة الوشاة وحقارتهم، وقيل أراد بقوله: طار الوشاة، أي ذهبوا وهلكوا.

ولقد منحت أبا الحسين مودةًجودي بها لعدوه تبذير
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألئال إبراهيم بعد محمد»

أبو الحسين: أخ الميت. وقيل: هو المرثي.

يقول: إني منحته مودة عظيمة، ولو وجدت بها لعدوه لكان تبذيراً وكنت مبذراً مسرفاً؛ وذلك لنقصان عدوه فلا يستحق مودتي، أو لكثرة حقوقه وعظم مننه لدي، لو أحببت غيره كحبه، لكنت واضعاً للمودة في غير موضعها.

ملك تكون كيف شاء كأنمايجري بفضل قضائه المقدور
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إنه ملك تكون على مشيئته، اختيارٌ كيف شاء، حتى كأن المقادير تجري على مراده، فلم يجر عليه شيئاً يكرهه.

وقال أيضاً في نفي الشماتة عنهم:

لأي صروف الدهر فيه نعاتب؟وأي رزاياه بوترٍ نطالب؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لأي صروف الدهر فيه نعاتب»

اللام في لأي: يجوز أن تجعل زائدة؛ لتقديم المفعول كقوله تعالى: " للرؤيا تعبرون " وإن كان لا يقال: عبرت للرؤيا، ويجوز أن تجعل: لام الغرض. فكأنه قال: لأي أفعال الدهر في هذا نعاتب الدهر.

يقول: من كثرة نوائب الدهر لا ندري ما الذي نعاتب منها؛ لكثرة الرزايا فلا ندري أيها نطالب بالوتر فيه، ويجوز أن يريد في الدهر، ويجوز أن يريد فيه موتته أو في هذا الفعل.

مضى من فقدنا صبرنا عند فقدهوقد كان يعطى الصبر والصبر عازب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لأي صروف الدهر فيه نعاتب»

يقول: مضى بالموت من فقدنا صبرنا بمصيبته، فقد كانت حياته لعظم صبره، يعطينا الصبر إذا بعد عنا الصبر. والمعنى أنه كان يشجعنا على الحرب ويعلمنا الثبات.

يزور الأعادي في سماء عجاجةٍأسنته في جانبيها الكواكب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لأي صروف الدهر فيه نعاتب»

يقول: إنه كان يزور الأعداء في سماء العجاجة، وكانت أسنته في جانبي هذه السماء كواكب. شبه الغبار المتراكم بالسماء، وأسنة الممدوح التي تلمع من خلال ذلك الغبار، بالكواكب اللامعة من السماء ومثله للآخر:

نسجت حوافرها سماءً فوقهاجعلت أسنتنا نجوم سمائها
فتسفر عنه والسيوف كأنمامضاربها مما انفللن ضرائب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لأي صروف الدهر فيه نعاتب»

فتسفر: فعل العجاجة، وعنه: أي عن المرثي. والواو في قوله: والسيوف للحال. والمضارب: جمع المضرب، وهو حد السيف. والضرائب: جمع الضريبة وهو الشيء المضروب بالسيف.

يقول: كانت تنجلي هذه العجاجة عن هذا المرثي، ومضارب السيوف كلها منكسرة؛ من كثرة ما قتل بها الأعداء، فكأنها لانفلالها مواضع الضرب.

طلعن شموساً والغمود مشارقٌلهن وهامات الرجال مغارب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لأي صروف الدهر فيه نعاتب»

طلعن: فعل السيوف. وشموساً: نصب على التمييز. شبهها بالسيوف لما انتضيت من أغمادها.

يقول: مطالع هذه الشموس، الأغماد لظهورها منها، ومغاربها، هامات الرجال؛ لأنها تغيبت فيها فهن يطلعن من مطالعها، وهي الأغماد، ويغربن في مغاربها، وهي الهامات.

مصائب شتى جمعت في مصيبةٍولم يكفها حتى قضتها مصائب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: ليست هذه مصيبةً واحدةً، بل هي مصائب متفرقة، جمعت في مصيبةٍ واحدة؛ لأنه كان يموت خلقاً كثيراً، فماتوا بموته، ولم يكفها ذلك حتى تبعتها مصائب أخر، وهي أقوال العداة: إنا شامتون بموته، فإن هذه مصيبة انضمت إليها.

رثى ابن أبينا غير ذي رحم لهفباعدنا منه ونحن الأقارب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لأي صروف الدهر فيه نعاتب»

رثى: أي رحم، ورق. وغير: فاعله، ومفعوله: ابن أبينا.

يقول: رثى هذا الميت، الذي هو ابن أبينا، من هو غير ذي رحم لنا، بل هو بعيد عنه وعنا، وباعدنا هذا الراثي عن هذا المرثي، ونحن أقاربه وبنو عمه.

وعرض أنا شامتون بموتهوإلا فزارت عارضيه القواضب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لأي صروف الدهر فيه نعاتب»

العارضان: جانبا اللحية: وهما العذاران.

يقول: عرض الراثي أنا شامتون بموته، إلا أنه كذب، وزارت السوف عارضيه.

أليس عجيباً أن بين بني أبٍلنجلٍ يهوديٍّ تدب العقارب؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لأي صروف الدهر فيه نعاتب»

تدب العقارب: كناية عن النميمة.

يقول: أليس من العجائب أن تدب عقارب ولدٍ يهودي، بين بني أبٍ! ووصفه بأنه ابن يهودي لذلته وحقارته. وقيل: أراد بأن اليهود اشتهر عنهم مكاتمة عداوة المسلمين، والمشي بينهم بالسعايات.

ألا إنما كانت وفاة محمدٍدليلاً على أن ليس لله غالب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لأي صروف الدهر فيه نعاتب»

يقول: كانت وفاة محمد، المرثي في عزته ومنعته ومجده، دليلاً على أن الله تعالى لا يغلبه أحد. ومثله لأبي تمام:

كفي فقتل محمدٍ لي شاهدٌأن العزيز مع القضاء ذليل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «بأبي وغير أبي وذاك قليل»

وقال يمدح الحسين بن إسحاق التنوخي

هو البين حتى ما تأنى الحزانقويا قلب حتى أنت ممن أفارق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

هو: إضمار للبين، ولم يجر له ذكر، وذلك لتعظيم الأمر ومثله قوله تعالى " قل هو الله أحدٌ " وتأنى أي تثبت، وأصله: تتأنى. والحزانق: جمع الحزنقة وهي الجماعة.

يقول: هو البين المتناهي الذي كنا نحاذره، حتى أن الجماعات لا تقف وتثبت، وحتى أنت يا قلبي من وجد ممن أفارقه في أحبابي. يعني: أن البين بلغ حداً إذ ارتحل القلب فارتحل مع ما ارتحل.

وقفنا ومما زاد بتاً وقوفنافريقي هوىً منا مشوقٌ وشائق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وقوفنا: فاعل زاد. وقوله: فريقي هوىً: نصب على الحال من النون والألف في قوله وقوفنا. يقال: شاقني الشيء، والمشوق: هو العاشق الذي شاقه غيره، والشائق: هو المعشوق؛ لأنه الحامل على الاشتياق فهو شائق، وأنا مشوق.

يقول: وقفت أنا والحبيب للتوديع ومن جملة ما عمنا أنا وقفنا في حالٍ ما كنا عليه، ونحن فرقتان: أحدهما محب مشوق والآخر محبوب يشوق صاحبه، بعد فراقه.

وقد صارت الأجفان قرحى من البكاوصار بهاراً في الخدود الشقائق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

البهار: جمع بهارة، وهي شيء أصفر، من الرياحين. والشقائق: هي التي تدعى شقايق النعمان، وهي حمر. وروى: قرحاً منوناً على الاسم، وقرحى غير منونةٍ، صفة الأجفان، والمعنى واحد.

يقول: قد صارت الأجفان قريحة من البكاء غداة التوديع لخوف الفراق، وصار بهاراً أصفر في الخدود الشقائق، ومثله لابن المعتز قوله:

لم تشن شيئاً ولكنهابدلت التفاح بالياسمين
على ذا مضى الناس: اجتماعٌ وفرقةٌوميتٌ ومولودٌ، وقالٍ ووامق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

وروى: مضى الدهر أي على هذا. وذلك، إشارة إلى ما تقدم ثم فسره فقال: اجتماعٌ وفرقةٌ. يعني: أن الناس يجتمعون تارةً ويتفرقون أخرى، وواحدٌ يموت وآخر يولد وواحدٌ مبغض وآخر عاشق، وقيل: أن معناه أن بني آدم على اجتماع بعد فرقة، وميت بعد مولود، ومبغض بعد عاشق، ومثله للأعشى.

شبابٌ وشيبٌ، وافتقارٌ وثروةٌفلله هذا الدهر كيف ترددا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا»
تغير حالي والليالي بحالهاوشبت وما شاب الزمان الغرانق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

تغير: فعل ماض. وروى: تغير: وهو فعل مضارع، وأصله تتغير، لأن الحال مؤنث فحذف أحد التاءين. والأول أولى. والغرانق: هو الشاب الناعم، وجمعه: غرانيق.

يقول: إن الليالي قد أثرت في وغيرتني، وهي بحالها، وشبت أنا والزمان لا يتغير عن حاله وجدته.

سل البيد: أين الجن منا بجوزها؟وعن ذي المهاري: أين منها النقانق؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

البيد: جمع البيداء، والهاء في بجوزها: أي بواسطها. والمهاري: جمع المهرية. وهي الإبل المنسوبة إلى مهرة بن حيدان، وهي قبيلة. والنقانق: جمع النقنق، وهو ذكر النعام.

يقول: سل المفاوز: هل الجن تقطع وسطها كما نقطعها نحن! وسلها: أيضاً عن حال إبلنا في سرعة سيرها، هل تقطها النعام كما تقطها إبلنا؟ لأن النعام موصوفة بسرعة السير.

وليلٍ دجوجي كأنا جلت لنامحياك فيه فاهتدينا السمالق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

السمالق: جمع السملق، وهي الأرض البعيدة الأطراف، وفاعل جلت: السمالق، وجلت: أي أظهرت.

يقول: وكم ليلة مظلمة؟ كأنما أظهرت لنا المفاوز وجهك المضيء حتى اهتدينا بضوئه.

فما زال لولا نور وجهك جنحهولا جابها الركبان لولا الأيانق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

جنحه: جوانبه، وهو فاعل زال، والهاء في جابها: للسمالق أو للبيد. والأيانق: جمع الأينق: وهو جمع الناقة.

يقول: لولا نور وجهك ما زال ظلام الليل، ولولا النوق؛ لما قطع الركبان تلك السمالق؛ لبعدها وصعوبتها.

وهزٌّ أطار النوم حتى كأننيمن السكر في الغرزين ثوبٌ شبارق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

الهز: تحريك الإبل ركبانها في السير. وهو عطف على الأيانق، وقيل: عطف على قوله: وليل دجوجي فكأنه قال: ورب هزٍّ والأول أولى.

والمعنى لولا الأيانق ولولا هزها الذي طير النوم عني، لما قطعنا هذه المفاوز، حتى كأنني من السكر: أي من النعاس في الغرزين: وهما؛ ركابان للبعير من الخشب. وثوب شارق: أي مقطع مخرق. تعباً وضعفاً واسترخاءً.

شدوا بابن إسحاق الحسين فصافحتذفاريها كيرانها والنمارق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

شدوا: أي غنوا وأحدوا. والذفرى: العظم الناشز خلف الأذن. وقيل: الذفرى من القفا هو الموضع الذي يعرق من البعير. وتقديره شدوا بالممدوح، ابن إسحاق، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه.

يقول: حدى الحداة باسم الممدوح، بصوتٍ كالغناء فسمعت الإبل حدوهم فعرفت، ورفعت رءوسها، حتى أدركت ذفاريها الرحال والوسائل.

بمن تقشعر الأرض خوفاً إذا مشىعليها وترتج الجبال الشواهق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

تقشعر: أي تضطرب، وكذا، ترتج الجبال: يعني حدوا بمن إذا مشى على الأرض اضطربت خوفاً، وإذا علا الجبال الشاهقة اضطربت هيبةً منه.

فتىً كالسحاب الجون يخشى ويرتجىيرجى الحيا منها ويخشى الصواعق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الجون: الأسود. الحيا: المطر.

يقول: إن هذا الرجل هو كالسحاب الأسود الذي فيه المطر، فهو ترجى منه الأمطار، ويخشى منه الصواعق. أي أنه مرجو مخوف.

ولكنها تمضي وهذا مخيمٌوتكذب أحياناً وذا الدهر صادق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

يقول: إن السحاب قد تغيب، وهذا مقيمٌ أبداً، وقد تكذب السحاب فلا تمطر وهذا صادق الدهر فلا يخيب راجيه.

تخلى عن الدنيا لينسى فما خلتمغاربها من ذكره والمشارق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: اعتزل عن الدنيا استحقاراً لها، وتعفف فما ازداد إلا جلالة وعظماً فلم يخل من ذكره المشرق والمغرب.

غدا الهندوانيات بالهام والطلىفهن مداريها وهن المخانق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المدارى جمع: المدارى والمدارة وهي شيء يفرق به الشعر، وهو المشط وقد يكون من الذهب، والفضة والحديد والعاج والخشب.

يقول إذا السيوف الهندية بالهام والأعناق، فبعضها مدارى يعملها في الهام، وبعضها مخانق للزومها في الأعناق وقطعها إياها.

تشقق منهن الجيوب إذا غزاوتخضب منهن اللحى والمفارق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

يقول: تشقق من هذه السيوف الجيوب، إذا غزا الممدوح أعداءه، وتخضب منها مفارق الرأس واللحى، إذا ضرب أعداءه بها.

يجنبها من حتفه عنه غافلٌويصلي بها من نفسه منه طالق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

التأنيث: للسيوف، والتذكير: لمن.

يقول يجنب هذه السيوف من غفل هلاكه عنه، ويصلى بها من صارت نفسه طالقةً منه.

يحاجي به: ما ناطقٌ وهو ساكتٌ؟يرى ساكتاً والسيف عن فيه ناطق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

يحاجي: أي يغالط، والأحجية: المعماة.

معناه: يحاجي بهذا الرجل فيقال: ما ناطقٌ ساكتٌ؟ فجواب المجيب: هذا الرجل؛ لأنه يرى ساكتاً إذا أمسك عن الكلام. وفي الحرب، السيف ينطق عنه بقتل أعدائه، فيقوم فعل السيف مقام لفظه.

نكرتك حتى طال منك تعجبيولا عجبٌ من حسن ما الله خالق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

يقول: إنما نكرتك لما رأيت محاسناً خارجة عن المعتاد، حتى تعجبت منك، ثم عاودت نفسي فقلت: ولا عجب من صنع الله تعالى. ويجوز أن يريد: إني لما سمعت بوصفك نكرتك فلما عاينتك رأيت مصداق ما سمعت فزال التعجب عني.

كأنك في الإعطاء للمال مبغضٌوفي كل حربٍ للمنية عاشق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

يقول: كأنك مبغضٌ مالك؛ لكثرة تفريقه للناس، وكأنك عاشق للموت في كل حرب، لملازمتك دواعيها وأسبابها.

ألا قلما تبقى على ما بدا لهاوحل بها منك القنا والسوابق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

يبقى: فعل القنا، والسوابق. والهاء في بها ولها: ترجع إليها أيضاً. وتقديره ألا قل ما تبقى القنا والسوابق على ما بدا لها، وحل بها من جهتك، من مدافعة الطعن بالقنا، وإجراء الخيل السوابق.

وقيل: إن قوله: تبقى ترجع إلى الحرب يقول: ما تبقي الحرب على ما بدا لها منك؛ لأنك إذا حضرتها هزمت الأعداء فلا تبقى حرب. وقوله: وحل بها ... إلى آخره: حال. أي في تلك الحال.

خف الله واستر ذا الجمال ببرقعٍفإن لحت ذابت في الخدور العواتق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

العواتق: جمع العاتق، وهي المرأة الحسناء.

يقول: اتق الله واستر جمالك ببرقع، فإنك إن ظهرت لذوات الخدور من النساء، الجواري الأبكار، ذبن وجداً بك، وشوقاً إليك. وروى حاضت في موضع ذابت أي إذا رأينك حضن؛ لأنه يقال: إن الشهوة إذا غلبت على النساء حضن. ويجوز أن يريد بذلك: أن الحسان من النساء بالإضافة إلى جمالك، بمنزلة من حاضت، في باب سقوط درجتها عن صواحبها.

سيحيي بك السمار ما لاح كوكبٌويحدو بك السفار ما ذر شارقٌ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

حذف مفعول سيحيي وهو الليل لدلالة الكلام عليه، وكذلك يحدو بك السفار: وهي الإبل.

يقول: إن المحدثين بالليل يحيون الليالي بذكرك وحديثك، والمسافرون يحدون إبلهم بك ما طلع نجم وما طلعت الشمس، والأولى أنهم يسمرون ويحدون بشعري الإبل فيك.

فما ترزق الأقدار من أنت حارمٌولا تحرم الأقدار من أنت رازق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»
ولا تفتق الأيام ما أنت راتقٌولا ترتق الأيام ما أنت فاتق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

يقول: إن الأقدار موافقةٌ لك، فترزق من ترزق، وتحرم من تحرمه أنت، ولا تنقض الأيام ما تبرمه أنت، ولا تبرم ما نقضته أنت.

لك الخير غيري رام من غيرك الغنىوغيري بغير اللاذقية لاحق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

يقول: دام لك الخير، وهذا دعاء له، ثم عاد إلى ذكر نفسه وقال: غيري من الناس طلب الغنى من غيرك، والتحق بغير بلدتك، فأما أنا فلا أفضل سواك عليك.

هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنىومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «هو البين حتى ما تأنى الحزائق»

يقول: إن اللاذقية هي الغرض الأبعد الذي لا غاية بعده، ومنيتي رؤيتك، والدنيا كلها منزلك، وإن كان مسكنك اللاذقية، وأنت جميع الخلق، بما فيك من فضائل الناس كلهم، وهذا كقوله أيضاً:

إلا رأيت العباد في رجل

وهجى الحسين بن إسحاق على لسان أبي الطيب، فكتب إليه يعاتبه فأجابه

أتنكر يا ابن إسحاق إخائيوتحسب ماء غيري من إنائي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتنكر يا ابن إسحاق إخائي»

يقول معاتباً له أتنكر؟!: أي تجحد مؤاخاتي لك، بعد ما عرفتها مني، وتحسب ماء غيري من إنائي، وهو مثل يعني: تحسب ما هجيت به من شعر غيري أنه من شعري فلا تميز بين شعري وشعر غيري؟!

أأنطق فيك هجراً بعد علميبأنك خير من تحت السماء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتنكر يا ابن إسحاق إخائي»

الهجر: الكلام القبيح.

يقول: أقول فيك فحشاً، بعد ما علمت أنك خير من في الأرض وتحت السماء، وروى: أأنطق فيك هجواً.

وأكره من ذباب السيف طعماًوأمضي في الأمور من القضاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتنكر يا ابن إسحاق إخائي»

وأكره: عطف على قوله: خير من تحت السماء.

يقول: أقول فيك فحشاً بعد علمي بأنك أكره من حد السيف طعماً وأمضى من القضاء في الأمور!!

وما أربت على العشرين سنيفكيف مللت من طول البقاء؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتنكر يا ابن إسحاق إخائي»

يقول: ما زاد سني على عشرين سنة، فكيف مللت من طول حياتي حتى أهجوك فتقتلني؛ لأني إذا هجوتك لا آمن على نفسي من الهلاك.

وما استغرقت وصفك في مديحيفأنقص منه شيئاً بالهجاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتنكر يا ابن إسحاق إخائي»

يقول: لم استوف مدحي فيك بعد، وما أدركت الغاية فكيف أنقص منه شيئاً بالهجاء؟

وهبني قلت: هذا الصبح ليلٌأيعمى العالمون عن الضياء!
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أرى فضل المشيب على شبابي»

معناه: هب أني قلت: إن هذا النهار ليلٌ! أيعمى العالمونعن ضياء هذا النهار؟! وهذا مثلٌ ضربه في أنه هجاه، وذكره مغايرة ليتقبله الناس بمشاهدتهم فضله.

وقالوا: إنه كالنهار الذي لا يخفي ضوء الشمس فيه، ولقالوا: إني عابثٌ في ذلك.

تطيع الحاسدين وأنت مرءٌجعلت فداءه وهم فدائي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أصله: أتطيع، فحذف ألف الاستفهام. وقوله: جعلت فداءه. أخرجه مخرج الدعاء. وهم: يحتمل أن يكون عطفاً على التاء من جعلت، الذي هو ضمير المرفوع، فيكون قد عطفه على ضمير المرفوع المتصل من غير توكيد بالمنفصل، وكان حقه أن يقول: جعلت أنا فداءه وهم فدائي. غير أن هاهنا حسن ذلك لوقوع فداءه بين المعطوف والمعطوف عليه، ويحتمل أن يكون: وهم فدائي جملة منفصلة عن الجملة الأولى، فيكون هم مبتدأ وفداء خبره فتكون الواو عطفت جملة على جملة، أو يكون للحال.

المعنى: أتطيع الحاسدين الذين كذبوا علي، وتسمع كلامهم في؟ وأنت الرجل! جعلت أنا فداءه والحساد فدائي. يعني: جعلت فداءه لأفضاله علي، فهم فدائي لفضلي عليهم.

ويجوز أن يتم الكلام عند قوله: وأنت مرء يعني أنت رجل مستحق أن توصف بالرجولية فلا ينبغي أن تسمع كلام الحاسدين في، ثم ابتدأ بالدعاء له وعلى الحاسدين. ويجوز أن يكون بعضه متصلاً ببعض.

وهاجي نفسه من لم يميزكلامي من كلامهم الهراء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتنكر يا ابن إسحاق إخائي»

يعني: إنما الهاجي نفسه، من لم يميز كلامي من جزالته وحسن موقعه من كلام حسادي، الفاسد الساقط، الذي لا معنى له. لأن تركه الفرق بين كلامي، وكلامهم، ينبىء عن الجهل، والجهل ذم مذموم، فكأنه هجا نفسه.

وإن من العجائب أن ترانيفتعدل بي أقل من الهباء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتنكر يا ابن إسحاق إخائي»

يقول: إن من العجائب أن تراني، وتعرف فضلي وعقلي، ثم تجعلني عديلاً إلى من هو أقل من الهباء. يعني: أنه لا وزن له ولا خطر.

وتنكر موتهم وأنا سهيلٌطلعت بموت أولاد الزناء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتنكر يا ابن إسحاق إخائي»

يقول: أتنكر موت حسادي إذا رأوني؟! وأنا سهيل اليماني الذي بطلوعي تموت أولاد الزناء.

وذلك أن العرب تزعم أن ما نتج من أمهار الخيل، إذا ضرب الفحل أمه من دون إذن صاحبه فإنه يموت إذا طلع سهيل، فكذلك تموت الحساد بسببي.

وقال يمدحه أي الحسين بن إسحاق التنوخي:

ملام النوى في ظلمها غاية الظلملعل بها مثل الذي بي من السقم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الهاء في ظلمها للنوى لأنها مؤنثة، ويجوز أن يكون للمرأة وإن لم يجر لها ذكر وفي بها: للنوى خاصة.

يقول: لومي البعد بتبعيد هذه المرأة عني، واختصاصه بها غاية الظلم له، فلعل به من السقم والعشق مثل ما بي فتعشق هذه المرأة الذي ذهب بها، كما أعشقها أنا. وبين ذلك بقوله:

فلو لم تغر لم تزو عني لقاءكمولو لم تردكم لم تكن فيكم خصمي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

يقول: لو لم، تغر النوى علي لم تقتض علي رؤيتكم، ولو لم تكن مريدةً لكم؛ لم تكن النوى خصماً لي بسببكم.

أمنعمةٌ بالعودة الظبية التيبغير وليٍّ كان نائلها الوسمي؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

الوسمي: أول المطر، والولي: الذي يليه.

يقول: أتنمعم علي هذه المحبوبة التي كالظبية بالعودة الثانية إلى الوصال، التي كان إعطاؤها مرة واحدة لا ثاني لها؟ فكان وصلها كالوسمي الذي لا يتبعها الولي. فجعل الوسمي مثلاً للأول، والولي مثلاً للعودة.

ترشفت فاها سحرةً فكأننيترشفت حر الوجد من بارد الظلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

إنما خص السحرة، لأنه وقت تغير الأفواه ونكهاتها، والظلم: ماء الأسنان، وبريقها.

يقول: مصصت فاها وقت السحر، فكأنني مصصت حر الوجد من أسنان بوارد. يعني: لما استعذبت ازددت عشقاً، فازداد بذلك وجدي، وحصل حر الوجد في قلبي، والبرودة في فمي، كما قال في موضع آخر وهو:

بفي برودٌ وهو في كبدي جمر!

فتاةٌ تساوي عقدها وكلامهاومبسمها الدري في الحسن والنظم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

يقول: تشابهت منها ثلاثة أشياء وهي: عقدها المنتظم من الدر، وكلامها الشبيه: الدر، وثغرها الذي تبسمت عنه كالدر فهي مشابهته في حسنها ونظامها وهو أبلغ من قول البحتري:

فمن لؤلؤٍ تبديه عند ابتسامهاومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه

لأنه زاد عليه ذكر العقد.

ونكهتها والمندلي وقرقفٌمعتقةٌ صهباء في الريح والطعم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

المندلي: أراد به العود. والقرقف: الخمر. والصهباء: البيضاء المشربة حمرة، وهي صفة الخمر.

يقول: هذه الثلاثة أيضاً متشابهة وهي الرائحة: فمنها العود الذي يبخر به، ومنها الخمرة الصافية فهي متشابهة في الريح والطعم فللعود نكهتها، وللخمر طعمها، ورائحة فمها.

جفتني كأني لست أنطق قومهاوأطعنهم والشهب في صورة الدهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

الشهب: الخيل البيض. والدهم: السود.

يقول جفتني هذه المرأة كأني لست أنطق قومها نظماً ونثراً، وكأني لست أطعنهم إذاً إلا على خيل دهم وشهب، وعذار قد اسودت فكأنها دهم، فكأنه يقول: لست ذليلاً في قومها مذموماً جباناً حتى تجفوني.

يحاذرني حتفي كأني حتفهوتنكزني الأفعى، فيقتلها سمي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

النكرة: الغرزة بشيء مثل الإبرة. يقال: نكزته الأفعى: إذا غرزته ولم تعضه يقول: يخاف من موتي كأني موتٌ للموت! وتنكزني الأفعى فتموت! فكأني قتلتها بسمي، حتى كأني دونها، وكل ذلك إشارة إلى قوته وشجاعته.

طوال الردينيات يقصفها دميوبيض السريجيات يقطعها لحمي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

الردينيات: الرماح والسريجيات: السيوف. ويقصفها: يكسرها.

يقول: إن الرماح والسيوف لا تؤثر في أبداً، ولحمي ودمي يؤثران فيها، ويكسرانها ويقطعانها. وقيل: أراد: أني عزيزٌ في قومي. فمن أراد قتلي كثر الضرب والطعن عليه، في طلب ثأري، حتى تكسر الرماح والسيوف عليه.

برتني السرى برى الدى فرددننيأخف على المركوب من نفسي جرمي

السرى: مؤنثة، وقد جعلها جمعاً للسرية؛ فلذلك قال: رددنني، والأولى في أخف الرفع؛ لأنه وما بعده جملة من مبتدأ وخبر، فهو وإن وقع موقع الحال فلا يتغير الإعراب من حيث الصورة، ويجوز فيه النصب على بعض الوجوه.

يقول: أنحفتني السرى حتى قطعتني كقطع السكاكين فتركتني خفيفاً غاية الخفة، حتى كأني على المركوب أخف جرماً من نفسي؛ لأنه من أخف الأشياء.

وأبصر من زرقاء جوٍّ لأننيإذا نظرت عيناي شاءهما علمي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

زرقاء جوٍّ: هي زرقاء اليمامة، وكانت موصوفة بحدة البصر وقد روى شأواهما علمي: وهي تثنية الشأو، وهو الغاية. أي غايتهما علمي والتثنية للعينين أي سابقهما وهو فاعل من شاء إذا سبق وروى سأواهما علمي يقول ردني السرى خفيفاً بصيراً أبصر من هذه المرأة؛ لأنها أبصرت بعينها، وأنا أبصر بالقلب والعلم. علمي يسبق نظر عيني فقبل إبصار العينين تبصر عيني كما هو عليه.

كأني دحوت الأرض من خبرتي بهاكأني بني الإسكندر السد من عزمي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

يقول: كأنني من خبرتي، ومعرفتي بالأرض، دحوت الأرض لكثرة تردادي بها، وكأن الإسكندر بنى سد يأجوج ومأجوج من عزمي؛ لقوته، ورفعته، ومضائه في الأمور.

لألقى ابن إسحاق الذي دق فهمهفأبدع حتى جل من دقة الفهم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أي كأن الإسكندر بنى السد من عزمي الذي صممته على قصد ابن إسحق وكأني دحوت الأرض من خبرتي بها لألقى ابن إسحاق الذي دق فهمه وعظم إبداعه حتى ارتفع أن يوصف بدقة الفهم. وهو المراد بقوله: حتى جل عن دقة الفهم. وقيل: برتني السرى بري المدى لألقى هذا الرجل.

نوأسمع من ألفاظه اللغة التييلذ بها سمعي ولو ضمنت شتمي

يقول: لألقى ابن إسحاق، وأسمع من ألفاظه، وعباراته الشريفة، اللغة التي استلذها، وإن كانت متضمنة شتمي!.

يمين بني قحطان رأس قضاعةٍوعرنينها بدر النجوم بنى فهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

العرنين: مقدم الأنف وأعلاه، وبنى فهم: بدل من النجوم.

يقول: إنه يمين بني قحطان كلهم، ورأس قضاعة: التي هي قبيلة من قحطان، وعرنين قضاعة أيضاً، وهو بدر بني فهم: الذين هم رهطه الأدنون فجعلهم نجوماً وجعله بدراً.

إذا بيت الأعداء كان استماعهمصرير العوالي قبل قعقعة اللجم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

يقول: إذا جاء أعدؤه ليلاً سمعوا صرير الرماح في عظامهم قبل استماعهم إلى صلصلة اللجم، يعني: أنهم لا يشعرون حتى تصير الحال هذه. وقيل: إنه يبادر إلى أخذ الرمح، وإن لم يجد فسحة لإسراج فرسه وإلجامه ركب بغير سرج ولجام.

مذل الأعزاء المعز وإن يئنبه يتمهم فالموتم الجابر اليتم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

روى: وإن يئن وإن يحن ومعناه واحد. وتقديره: مذل الأعزاء معز الأولياء.

يقول: هو يذل أعاءه وإن كانوا أعزاء، ويعز أولياءه المستجيرين به وإن كانوا من أعدائه الذين أيتم أولادهم، فالذين يؤتمهم يجبر يتيمهم ويرضيهم، ويقوم لهم مقام الآباء في النفقة عليهم والإحسان إليهم.

وإن تمس داءً في القلوب قناتهفممسكها منه الشفاء من العدم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

وروى: فممسكها بكسر السين، وروى: بفتحها، فالأول يريد به الممدوح والثاني يده، لأنها الموضع الذي يمسكه به، ويجوز أن يريد به المصدر: أي إمساكها.

يقول: إن أمست قناته داءً في قلوبهم؛ لطعنه إياهم بها فالذي يمسك القناة عنهم هي يده، شفاؤهم من الفقر، إمساكه لها يشفي من الفقر.

مقلد طاغي الشفرتين محكمٌعلى الهام إلا أنه جائر الحكم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

يقول: إنه تقلد سيفاًن طغى جانباه، وقد جعل الحكم على رءوس الأعداء، غير أنه جائر الحكم من كثرة القتل.

تحرج عن حقن الدماء كأنهيرى قتل نفس ترك رأس على جسم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

يقول: إن سيفه يتأثم عن حقن الدماء، فكأنه يرى القتل في الاحتساب والالتذاذ كترك الرءوس على الأماكن، وتحرجه عن حقن الدماء. إما لأن سيفه لا يقتل إلا الكفرة، الذين يكون الإثم في الكف عنهم، أو يريد بيان كونه جائر الحكم: لعدم التمييز منه، أو لأنه جماد لا يلزمه إثم في القتل، ثم نزه نفس الممدوح فقال:

وجدنا ابن إسحاق الحين كحدهعلى كثرة القتلى برياً من الإثم

وروى: كجده بالجيم.

يقول: وجدنا هذا الرجل كحد السيف مضاء في براءته من الإثم كبراءة السيف من الإثم، مع كثرة القتلى منه، لأنه لا يقتل إلا المستحق.

مع الحزم حتى لو تعمد تركهلألحقه تضييعه الحزم بالحزم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

يقول: إنه مع الحزم في جميع الأمور، حتى لو تعمد ترك الحزم لألحقه ذلك بالحزم! يعني: إذا أحزمه في بعض الأمور، كان ذلك الحزم: وهو الجود وتبذير المال، في طلب المجد؛ فكأن تركه الحزم حزماً منه لما فيه من اقتناء الحمد والمجد.

وفي الحرب حتى لو أراد تأخراًلأخره الطبع الكريم إلى القدم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

يقول: إنه مع الحزم في اقتناء المعالي، لو أراد أن يتأخر عن الحرب لأخره طبعه إلى التقدم. يعني: إنه إذا نوى أن يتأخر عن المحاربة قدمه إليها طبعه الكريم.

له رحمةٌ تحيي العظام وغضبةٌبها فضلةٌ للجرم عن صاحب الجرم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: له رحمة واسعة بحيث تحيي العظام البالية، وله مع هذه الرحمة غضب متجاوز عن الحد، بحيث أنه يفضل غضبه على جرم المجرم فيهلكه ويفنيه، وقيل أراد أنه واسع الرحمة له مع ثورة الغضب فضلة تمسكه لغضبه فهو مالكٌ أمره.

ورقة وجهٍ لو ختمت بنظرةٍعلى وجنتيه ما انمحى أثر الختم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

يصفه بالحسن ويقول: له رقةٌ بوجهه حتى لو ختمت عليه بنظرة أو لو نظرت إليه لبقيت على وجهه حمرة؛ لفرط حيائه، ولأثر الختم فيه أثراً لا ينمحي أبداً.

أذاق الغواني حسنه ما أذقتنيوعف فجازاهن عني على الصرم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: حسنه أذاق الغواني من ألم العشقف ما أذاقتني الغواني منه، وصار عفيفاً فجاز الغواني عني بتنزهه عنهن على ما فعلن بي من الهجران.

فدىً من على الغبراء أولهم أنالهذا الأبي الماجد الجائد القرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

يقول: يفدي هذا الشريف الجواد السيد، كل من على الأرض، أولهم أنا البادىء بالفداء له قبلهم. والغبراء: اسم الأرض.

لقد حال بين الجن والإنس سيفهفما الظن بعد الجن بالعرب والعجم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: حجز سيفه بين الجن والإنس؛ فمنع الجن عن قصدهم الشر للإنس، فإذا كان تأثيره في الجن! فما الظن بالإنس؛ في دفع بعضهم عن بعض. وروى بين الجن والأمن سيفه. يعني أن سيفه أخاف الجن وأزال عنهم الأمن والسكون.

وأرهب حتى لو تأمل درعهجرت جزعاً من غير نارٍ ولا فحم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

يقول: قد أخاف كل شيء حتى الجمادات! فلو أنه أحد النظر إلى درعه لذابت؛ خوفاً منه، من غير نار وفحم، وإن لم يكن لها تمييز وعقل.

وجاد فلولا جوده غير شاربٍلقيل كريمٌ هيجته ابنة الكرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

يقول: لولا علمنا بأنه صاح مع كثرة جودٍ منه، لقلنا إنه لفرط جوده سكران، وإن الذي حمله على جوده هو سكره الذي حصل له من الخمر.

أطعناك طوع الدهر يا ابن ابن يوسفٍبشهوتنا والحاسدو لك بالرغم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الحاسدو لك: أراد بهم الحاسدون لك، غير أنه حذف النون. وروى: الحاسدون على الرغم: وهو عطف على الضمير في أطعناك الذي هو النون والألف، وحسن العطف على الضمير المتصل المرفوع من غير تأكيد المنفصل لطول الكلام.

يقول: أطعناك طاعة الدهر لك، وأطعناك أبد الدهر، بشهوةٍ ومحبة، والذين حسدوك أطاعوك على رغم منهم وذل.

وثقنا بأن تعطى فلو لم تجد لنالخلناك قد أعطيت من قوة الوهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

كان حقه أن ينصب الياء من تعطى بأن، غير أنه سكنه ضرورةً.

يقول: لقوة ظنوننا وثقنا بأنك تعطينا، حتى لو لم تعطنا لظننا أنك قد أعطيتنا من قوة الوهم ولما شاهدنا من دوام جودك وكثرة عطاياك.

دعيت بتقريظك في كل مجلسٍوظن الذي يدعو ثنائي عليك اسمي

روى: دعيت، أي سميت بمدحي لك، يعني صار اسمي: مدحي لك فقيل: هذا الذي مدح الأمير، وعلى الأول: صار اسمك مدحي إياك. وقيل: هذا الذي قيل فيه كذا. وظن الذي يدعوني ويسميني أن اسمي: الثناء عليك، فيدعوني به، فيقول: يا من أثنى على الأمير ويا مادح الأمير.

وأطمعتني في نيل ما لا أنالهبما نلت حتى صرت أطمع في النجم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

روى: أعلق بالنجم.

يقول: أطمعتني في نيل ما لا أكاد أصل إليه، حتى صرت أطمع في نيل النجم الذي يعجز عن نيله كل حي.

إذا ما ضربت القرن ثم أجزتنيفكل ذهباً لي مرةً منه بالكلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

يقول: أنت تضرب الطعنة الواسعة فإذا ضربت القرن ثم أردت أن تعطيني الجائزة فكل لي ملء الجراحة ذهباً، والهاء في منه راجعة إلى القرن.

أبت لك ذمي نخوةٌ يمنيةٌونفسٌ بها في مأزق أبداً ترمي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

النخوة: الكبرياء.

يقول: ابت ذمي لك نخوتك اليمنية، وأراد به وجهين: أحدهما أن الممدوح كان يميناً والمتنبي أيضاً ينسب إلى كندة، وهم من اليمن. فيقول: كونك من اليمن تأبى نفسي أن تذمك مع ما كان بيننا من الرحم، أو يريد: أن نخوتك في نفسك وهمتك العالية يمنعاني عن ذمي لك وعن هجوك، وكذلك يأبى ذمي لك، نفسك التي ترمي بها في كل معركة. وقيل: إنما ذكر ذلك لأنه كان متهماً بهجو ذلك الممدوح، فأراد إزالة هذه التهمة عن نفسه بهذا القول.

فكم قائلٍ: لو كان ذا الشخص نفسهلكان قراه مكمن العسكر الدهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

القرى: الظهر. والدهم: الكثير.

يقول: كم من قائل يقول: لو كان نفس هذا الممدوح جسم! لكان ظهره مستقراً للعسكر الكثير. يصف سعة نفسه وعظمها، وأن بعضها يسع الكثير من العسكر.

وقائلةٍ والأرض أعني تعجباًعلي امرؤٌ يمشي بوقري من الحلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

يقول: ورب قائلةٍ، وأعني بها الأرض على وجه التعجب: علي رجلٌ يمشي، عليه مثلي من الحلم!

عظمت فلما لم تكلم مهابةٌتواضعت وهو العظم عظماً عن العظم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملامي النوى في ظلمها غاية الظلم»

يقول: عظم قدرك، فمنعت هيبتك أن تكلم، فلما علمت أن الناس هابوك تواضعت فتعظمت بذلك التواضع عظماً عن العظم، وذلك التواضع هو عين العظم. يعني: التواضع رفع النفس عن التكبر.

ودخل على عليٍّ بن إبراهيم التنوخي فعرض عليه كأساً بيده، فيها شراب أسود فقال ارتجالاً:

إذا ما الكأس أرعشت اليدينصحوت فلم تحل بيني وبيني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا ما الكأس أرعشت اليدين»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.