من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
قصائد بدر بن عمار (٦)
وقيل: أراد أن الجبال تشهد أني مثلها؛ من حيث أنها تندق تحت حوافر خيلي، فتصير أرضاً لها! والبحر يصير مغموراً بخيلي، فتكون به الخيل بحراً، والبحر قطراً.
وخرقٍ مكان العيس منه مكاننامن العيس فيه: واسط الكور والظهر
وخرق: عطف على جبال ومكان: ابتداء. ومكاننا: خبره. أي: مثل مكاننا، ثم حذف المضاف. وفيه: مع ما يتعلق به حال من العيس. أي من العيس الكائنة فيه. والضمير: لخرق. وواسط: بدل من مكاننا. ويجوز أن يكون تفسيراً له. والظهر: معطوف على واسط.
يقول: كم من أرض واسعة جئتها، وكانت الإبل تسير فيها أبداً، فكأنها واقفة في وسطها لا تبرح عن ظهورها.
والكور: الرحل. وواسط: وسط، الذي يركب فيه الراكب.
يخدن بنا في جوزه وكأنناعلى كرةٍ أو أرضه معنا سفر
الوخد: السير السريع. وجوزه: وسطه. والهاء في جوزه: للخرق. والسفر: المسافرون. وهذا البيت يتعلق بما قبله.
ومعناه: أن الإبل تسير بنا وسط هذا الخرق، ولا تبرح منه، حتى كأننا على كرةٍ؛ لأن من شأن الكرة أن تقطع الأرض سيراً، وليس لها حالة الاستقرار، حتى كأن الأرض مسافرة معنا. هذا بيان لقوله: كأننا على كرة.
قلت: ويحتمل أنه أراد كأننا على الفلك الذي يدوم سيره ولا ينقطع، وكأن الأرض مسافرة معنا، ولقد أخذ هذا المعنى السري الكندي فقال:
وخرقٍ طال فيه السير حتىحسبناه يسير مع الركاب
ويومٍ وصلناه بليلٍ كأنماعلى أفقه من برقه حللٌ حمر
الهاء في أفقه وبرقه: لليوم.
يقول: وكم من يوم وصلنا سيره بسير الليل، فكأن برق ذلك اليوم المطير، على أفق هذا اليوم حلل حمر.
وليلٍ وصلناه بيومٍ كأنماعلى متنه من دجنه حللٌ خضر
الدجن: السحاب الدائم المنن، وأراد بالخضر: السود.
يقول: رب ليل وصلنا سراه بسير النهار، فكأنما على متن هذا الليل من العتمة، حلل خضر: أي سود. وروى: من صحوه، فيكون أراد بالخضرة: لون السماء.
وغيثٍ ظننا تحته أن عامراًعلا لم يمت، أو في السحاب له قبر
عامر: جد الممدوح.
يصف في هذه الأبيات أنه كان يواصل سيره بسراه، في المطر والغيم والبرق، حتى وصل إلى الممدوح، ثم شبه كثرة الغيث، بجود عامر.
فيقول: من كثرة الغيث ظننت أنه رفع إلى السماء، أو قبره في السحاب، فهو يجود به فينهمل هذا المطر من جوده. وهو من قول أبي تمام:
كأن السحاب الغر غيبن تحتهحبيباً فلا يرقا لهن مدامع
أو ابن ابنه الباقي علي بن أحمدٍيجود به لو لم أجز ويدي صفر
الأولى في ابن ابنه: النصب؛ عطفاً على عامر. ويجوز رفعه على الابتداء.
يقول: لولا أني مررت بهذا الغيث، ويدي خالية منه، لظننت أنه من جهة الممدوح.
وإن سحاباً جوده مثل جودهسحابٌ على كل السحاب له فخر
يقول: كل سحابٍ يكون مطره في الغزارة مثل جود الممدوح، فله على كل السحائب فخر. كما للممدوح على جميع الأسخياء من الناس، الفخر التام.
فتىً لا يضم القلب همات قلبهولو ضمها قلبٌ لما ضمها صدر
الهاء في قلبه: للممدوح. وفي ضمها: للقلب. وفي ضمها الثانية: للهمات.
يقول: إن همته عظيمة لا يسعها قلب أحد، ولو ضمه همة قلب أحد، لكان شيء من الصدور لا يضم ذلك القلب؛ لأن ذلك القلب لعظمه لا يسعه صدر، بل ينشق.
وقيل: أراد أن همته لا يسعها قلبه؛ للطافته. وإن كان منه منشؤها.
ولا ينفع الإمكان لولا سخاؤهوهل نافعٌ لولا الأكف القنا السمر
الإمكان: الغنى.
يقول: لا ينفعك ماله، الذي يمكنه أن يصلك به، لولا سماحته التي توصله إليك.
وقيل: أراد لولا سخاء نفسه وجوده، لكان لا ينفعك كثرة ماله، كما أن القناة لا تنفع للطعن، لولا الأكف.
قرانٌ تلاقي الصلت فيه وعامرٌكما يتلاقى الهندواني والنصر
الصلت: جد الممدوح لأمه وعامر: جده لأبيه. وفيه حذف: أي أتى به قران.
يقول: لما اقترن في نسبه هذا، الشريفان. اللذان كل منهما سيداً شريفاً. فكان في ذلك كالمشتري وزحل. إذا اقترنا؛ فإنه يدل على ملكٍ عظيم. ثم شبه اقترانهما باجتماع السيف والنصر.
فجاءا به صلت الجبين معظماًترى الناس قلاً حوله وهم كثر
صلت الجبين: أي واضحة.
يقول: إن جديه أتيا به وولداه، وهو صلت الجبين، شريف كبير، ويرى الناس حوله قليلين في المعنى، وإن كانوا كثيرين في العدد.
مفدى بآباء الرجال سميدعاًهو الكرم المد الذي ماله جزر
السميدع: السيد. والمد: الزيادة. والجزر: النقصان.
يقول: إن الناس يفدونه بآبائهم؛ لجلالته وكثرة نفعه لهم، وهذا هو الكرم الذي يزيد ولا ينقص، فهو مدٌّ بلا جز. بخلاف الأنهار، فإنه لا مد لها ولا جزر، وأما كرمه فمد بلا جزر.
وما زلت حتى قادني الشوق نحوهيسايرني في كل ركبٍ له ذكر
يقول: ما زلت يسايرني ذكره، حتى قادني الشوق نحوه. أي ما زلت أسمع بخبره وكرمه، حتى اشتقت إلى لقائه فقصدته.
وأستكبر الأخبار قبل لقائهفلما التقينا صغر الخبر الخبر
الخبر: الإخبار بالشيء. والخبر: الاختبار.
يقول: كنت أستعظم ما أسمعه من ذكره، فلما رأيته، زاد الاختبار على الخبر.
إليك طعناً في مدى كل صفصفٍبكل وآةٍ كل ما لقيت نحر
المدى: الغاية في البعد. والصفصف: الأرض الملساء الواسعة. والوآة: الناقة الصلبة. وأراد بقوله: طعنا: أي قطعنا. وكل ما لقيت: مبتدأ، وأراد: كل ما لقيته. ونحر: خبره.
يقول: قطعنا إليك بعد كل أرض ملساء، بكل ناقة صلبة، فكل موضع لقيته هذه الناقة، هو نحرٌ يلاقيه الطعن، وقيل: أراد به مصدر نحرت: أي الناقة لمشقة السير، كأنها لقيت نحرها.
إذا ورمت من لسعةٍ مرحت لهاكأن نوالاً صر في جلدها النبر
النبر: دويبة تلسع الإبل فيرم موضع لسعته.
يقول: إذا لسعها النبر ورم جلدها، فرقصت واضطربت لشدة لسعته، فكأن النبر صر في جلدها نوالا: أي عطية، فهي ترقص فرحاً؛ لأجله. فشبه ورم اللسعة بصرة.
فجئناك دون الشمس والبدر في النوىودونك في أحوالك الشمس والبدر
يقول: أنت دون الشم والبدر في البعد، وهما دونك في أفعالك؛ لشرفك وعلوك، وأنت أنفع في المخاوف منهما.
كأنك برد الماء لا عيش دونهولو كنت برد الماء لم يكن العشر
العشر: أبعد أظماء الإبل.
يقول: إن كل أحد يحتاج إليك، ولا عيش له مع فقدك، كما لا عيش له مع فقد الماء، بل الحاجة إليك أشد؛ لأن الماء قد يصبر عنه عشرة أيام، إلا أنت فلا يمكن الصبر عنك ساعة.
وقيل: أراد لو كان برد الماء مثلك، لكانت الإبل تتجاوز العشر؛ لاستقائها بعذوبتك وبرد قطرك.
وقيل: أراد أن جودك كثير، فلو كنت برد الماء لكنت موجوداً في كل موضع. فكان لا يحتاج الإبل إلى طول الظمأ وإلى الصبر على العطش عشرة أيام.
دعاني إليك العلم والحلم والحجاوهذا الكلام النظم والنائل النثر
يقول: دعاني إليك ما فيك من العلم والحلم والعقل. وقد روى: والنهى والمعنى واحد. ونائلك الذي نثره بين يدي سؤالك، وتفرقه على الناس. وهذا الكلام، والنظم للشعر الذي تقوله. لأنه روى: أن الممدوح كان شاعراً حسن الشعر. وقيل: أراد به كلامه الذي نظمه في مدحه، وذكر أوصافه.
وما قلت من شعرٍ تكاد بيوتهإذا كتبت يبيض من نورها الحبر
روى: قلت على الخطاب. وقلت على الإخبار عن النفس. وهو أولى.
يقول: دعاني إليك شعري الذي يكاد نوره يبيض الحبر المكتوب به.
كأن المعاني في فصاحة لفظهانجوم الثريا أو خلائقك الزهر
وروى: خلائفك يقول: كأن معاني هذا الشعر، في فصاحة لفظها وجودة نظمها، نجوم الثريا، وكأنها في حسنها، أخلاقك الحسنة الطاهرة.
وخص الثريا؛ لأنها ظاهرة يعرفها كل أحد، ولأنها منظومة مجتمعة، والشعر كذلك.
وجنبني قرب السلاطين مقتهاوما يقتضي من جماجمها النسر
يقول: أبعدني من قرب السلاطين، بغضي لهم وحقدي عليهم، وكذلك أبعدني عنهم مقاضاة النسر بجماجمهم.
وإني رأيت الضر أحسن منظراًوأهون من مرأى صغيرٍ به كبر
يقول: إنما باعدتهم؛ لأني رأيت احتمال الضر أحسن وأسهل من رؤية رجل صغير الهمة متكبر، وروى: من مرءٍ صغيرٍ على أن يكون صغير صفة للمرء. وروى: من مرأى صغير على الإضافة. وهو مصدر رأيت. وروى: من لقيا صغير.
لساني وعيني والفؤاد وهمتيأود اللواتي ذا اسمها منك والشطر
أود: جمع ود. ويقال: رجل ود، وودود، ووديد. وأراد بالفؤاد: فؤادي.
يقول: هذه الأعضاء التي سميتها مني تود الأعضاء منك مثلها، فلساني: وديد لسانك، وعيني: تود عينك، وفؤادي: وديد فؤادك، وهمتي: تود همتك، والشطر: عطف على هذه الأعضاء. أي وهي الشطر منك.
يعني: أن الجسم جسمٌ واحد، فنصفه أنت ونصفه أنا. وغرضه بذلك شدة محبته له.
وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كلهولكن لشعري فيك من نفسه شعر
يقول: ما تفردت أنا بقول الشعر، ولكنه شعري أعانني على قوله.
يعني: لما أردت نظمه فيك كان يعين على مدحك فينظم نفسه افتخاراً بك، وقيل: أراد أن حسن شعري يقوم مقام شعرٍ آخر، فكأن ذلك الحسن شعرٌ في شعري فيك.
وماذا الذي فيه من الحسن رونقاًولكن بدا في وجهه نحوك البشر
يقول: الذي فيه من الحسن، ليس برونق له، ولكنه لما رآك وصار منتظماً فيك، ظهر له سرور وبشر في وجهه.
وإني ولو نلت السماء لعالمٌبأنك ما نلت الذي يوجب القدر
يقول: إني أعلم أنك وإن نلت السماء، فذلك دون ما يوجبه قدرك؛ لأن قدرك أعلى محلاً، أجل من السماء!
أزالت بك الأيام عتبي كأنمابنوها لها ذنبٌ، وأنت لها عذر
يقول: كنت أعاتب الأيام، فلما جئت رضيت عنها، فكأنها أذنبت بلوم أبنائها، فاعتذرت أنت إلي بكرمك، فكنت عذراً لذنبها، وأبناؤها ذنبٌ لها.
وقال يمدح علي بن محمدٍ بن سيار بن مكرم التميمي وكان يحب الرمي ويتعاطاه، وله وكيلٌ يتعرض للشعر، فمدح أبا الطيب فأنفذه إليه فصار إليه أبو الطيب فتلقاه وأجلسه في مرتبته وجلس بين يديه، فأنشده أبو الطيب:
ضروب الناس عشاقٌ ضروبافأعذرهم أشفهم حبيبا
الضروب: هي الأنواع. وأشفهم: أي أفضلهم. وضروبا: نصب بعشاق. وحبيباً نصب: على التمييز.
يقول: أنواع الناس على اختلافهم يعشقون أنواعاً من المعشوقات، ولكن أحقهم بالعذر من بينهم، من يكون حبيبه أفضل وأعدل وأنبل.
وما سكنى سوى قتل الأعاديفهل من زورةٍ تشفي القلوبا
السكن: من تسكن إليه، من أهل أو حبيب.
يقول: إن الذي أعشقه ويسكن قلبي إليه. قتل الأعادي، فهل لي سبيل إلى يارة حبيبي: الذي هو قتلهم؟ لأنه يشفي قلبي وقلب أحبائي.
وأراد به: هل أمكن من قتل الأعادي فأشفى به؟
تظل الطير منها في حديثٍترد به الصراصر والنعيبا
الصرصرة: صوت النسر والبازي. والنعيب: صوت الغراب. وتظل: في موضع الجر، صفة لترد.
يقول: هل من سبيل إلى وقعة بأعدائي يكثر فيها القتلى؛ فيجتمع عليها الطير، فينعب الغراب وتصرصر النسور والبازي، كأنهما في حديث.
وإنما ذكر البازي بصرصرة؛ لأنه لا يأكل الجيف.
لأنه لم يقل: إن هذه الطيور تأكل الجيف.
فكأنه قال: تجتمع على هذه القتلى ما تأكل الجيف. فمنها ما تأكل ومنها ما لا تأكل، فتساعد أكالة الجيف بالأصوات فتنشط بنشاطها، وإن كانت لا تأكل؛ لأن الطير جنس واحد، والجنس يفرح بفرح الجنس ويغم بغمه.
وقد لبست دماؤهم عليهمحداداً لم تشق لها جيوبا
يروى: دماؤهم بالرفع؛ فتكون لبست فعلها. ومعناه: أن دماءهم لما يبست اسودت، فكأنها لبست الحداد؛ حزناً على القتلى، ولكنها لم تشق جيوبها، كما يفعله المصاب. وروى: دماءهم فلبست على هذا. فعل الطير. أي قد لبست الطيور دماء هؤلاء القتلى حداداً؛ لأنها اختصت بها، فجفت عليها واسودت، غير أنها لم تشق بها جيوباً، أي للقتلى، وقيل للحداد.
أدمنا طعنهم والقتل حتىخلطنا في عظامهم الكعوبا
أدمنا: من الإدامة. وقيل: من الجمع والخلط من قولهم للمتزوجين في الدعاء: أدام الله بينهما. والكعوب: جمع كعب، وهو عقب الرمح.
يقول: ما زلنا نطعنهم حتى كسرنا الرماح فيهم، وخلطنا كعوبها في عظامهم؛ لكثرة طعنهم بها. وخص الكعوب؛ لأنها إذا انكسرت أشبهت العظام المتكسرة.
وقيل: أراد بالكعوب: كعب الإنسان. أي قطعنا الأرجل والأذرع والأسوق حتى صارت الكعوب مختلطة بكسير العظام المكسرة.
كأن خيولنا كانت قديماًتسقى في قحوفهم الحليبا
القحوف: جمع قحف، وهو عظم الرأس الذي على الدماغ. والحليب: اللبن المحلوب من ساعته. وقديماً: نصب على الظرف.
يقول: إن خيلنا تمر بنا على القتلى فتطأ رءوسهم وصدورهم، غير نافرة منهم، حتى كأنها كانت قد شربت اللبن فيما مضى من الأيام في عظام رءوسهم.
فمرت غير نافرةٍ، عليهمتدوس بنا الجماجم والتريبا
الجماجم: العظم الذي فيها الدماغ. والتريب: جمع التريبة وهي مجال القلادة.
يقول: هذه الخيل مرت بنا على جماجم الأعداء وترائبهم، ولم تكن نافرة عنهم؛ وذلك لإلفها هذه الأشياء وأمثالها.
يقدمها وقد خضبت شواهافتىً ترمي الحروب به الحروبا
يقدمها: أي يتقدم عليها، وهو في موضع النصب على الحال من قوله: فمرت والشوى: الأطراف والقوائم يقول: مرت الخيل بنا وقد خضبت قوائمها بالدم، يتقدمها فتىً متعود الحرب متى يخرج من الحرب يدخل في حرب أخرى. وهو المراد بقوله: فتى ترمي الحروب به الحروبا. وأراد بالفتى نفسه.
شديد الخنزوانة لا يباليأصاب إذا تنمر أم أصيبا
وروى: إذا تيمم أي قصد الحرب. والخنزوانة: الكبرياء وأصاب: يجوز أن يكون الألف للاستفهام؛ لأن أم يدل على الاستفهام فتكون أصاب: بمعنى صاب. ويجوز أن يكون ألف الاستفهام محذوفاً لدلالة أم عليها؛ لأن صاب وأصاب بمعنىً. وتنمر: أي غضب. وشديد الخنزاونة: صفة للفتى.
يقول: هو شديد الكبرياء؛ لفضله وشجاعته، فإذا غضب في الحرب لا يبالي أيقتل أعداءه أم يقتلونه.
أعزمي، طال هذا الليل فانظرأمنك الصبح يفرق أن يئوبا؟
الهمزة في أعزمي للنداء.
يقول: يا عزمي، طال هذا الليل حتى كأن الصبح قد علم ما عزمت عليه من القتل والحرب، فهو يخاف منك يا عزمي أن يعود.
كأن الفجر حبٌّ مستزارٌيراعى في دجنته رقيبا
الحب: الحبيب. والدجنة: الظلمة.
يقول: كأن الفجر طلب أن يزوره فجاءه لزيارته، ولكنه يراعي الرقيب حتى يغفل عنه، ويزوره حينئذ. فشبه الفجر بالحبيب. والظلام بالرقيب. حتى إذا زال الظلام، طلع الفجر، وإذا غاب الرقيب، وصل الحبيب.
كأن نجومه حليٌ عليهوقد حذيت قوائمه الجبوبا
الجبوب. وجه الأرض. وحذيت: أي جعلت له حذاء، وهو النعل. والكناية في نجومه وقوائمه وعليه لليل فكأنه أراد أن يشبه الليل بفرس أدهم مثل ما بين السماء والأرض، فجعل النجوم عليه مركبة، والأرض نعلاً لرجله.
فيقول: كأن نجوم هذا الليل حلى عليه، وكأن الليل قد جعل أنعال قوائمه الأرض؛ لطول امتلائه بين السماء والأرض. وقد سرق قوله: كأن نجومه حلىٌ عليه من قوله تعالى: " ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح " والبيت من قول امرىء القيس حيث يقول:
كأن الثريا علقت في مصامهابأمراس كتانٍ إلى صم جندل
كأن الجو قاسى ما أقاسيفصار سواده فيه شحوبا
الهاء في سواده لليل. وفي فيه للجو.
يقول: كأن الهوى لقي من العناء ما لقيته أنا في الحرب والأسفار، فتغير لونه كما تغير لوني، فهذا السواد تغيرٌ في لونه.
كأن دجاه يجذبها سهاديفليس تغيب إلا أن يغيبا
الهاء في دجاه لليل، أو للجو، وفي يجذبها: للدجى، وهي الظلم.
يقول: كأن ظلم هذا الليل يجذبها سهري، فهي متعلقة بسهري، فليست تغيب هذه الظلمة إلا إذا غاب السهر، وكما أن سهادي لا يغيب، كذلك دجى الليل، لا يزول ولا يغيب.
أقلب فيه أجفاني كأنيأعد بها على الدهر الذنوبا
الهاء في فيه: للجو، أو لليل. وفي بها: للأجفان.
يقول: إني أقلب أجفاني في هذا الليل والجو، يميناً وشمالاً، وأكثر من تقليبها، فكأني أعد بأجفاني عيوب الدهر، يعني: كما أن ذنوب الدهر كثيرة، لا تعداد لها، كذلك أجفاني لا انقطاع لتقليبها، ولا نوم لي هناك.
وما ليلٌ بأطول من نهارٍيظل بلحظ حسادي مشوبا
أراد: بلحظي حسادي. فحذف الفاعل وأضاف المصدر إلى المفعول.
يقول: هذا الليل مع تناهيه في الطول، وسهري فيه، ليس بأطول من نهارٍ ألاحظ فيه أعدائي، فيكون النهار مشوباً برؤيتي حسادي. فيشكو الليل والنهار جميعاً.
وما موتٌ بأبغض من حياةٍأرى لهم معي فيها نصيبا
أبغض: الوجه فيه أن يقول: اشد إبغاضاً، لكنه جاء به على حذف الزوائد.
يقول: كما أكره الموت أكره الحياة التي شاركني فيها الحساد، فليست الحياة أحب من الموت، ولا الموت أكره من الحياة، إذا كان لحسادي نصيب في تلك الحياة.
يعني: أني أحب الحياة إذا أفنيت حسادي.
عرفت نوائب الحدثان حتىلو انتسبت لكنت لها نقيبا
النوائب: حوادث الدهر. والنقيب: العارف بالأشياء.
يقول: إني عرفت حوادث الدهر، حتى لو كانت الحوادث من الأحياء المنتسبين إلى الآباء لكنت العارف بها وبأنسابها، ومن أين تولد، وإلى من تنسب، كما يعرف النقيب الأنساب.
ولماقلت الإبل امتطيناإلى ابن أبي سليمان الخطوبا
امتطينا: ركبنا مطاها وظهورها. والخطوب: شدائد الأمور.
يقول: لما لم نجد الإبل وقل ما نركبه، ركبنا إليه ما أصابنا من الشدائد، فجعلناها مطايانا، لا سبب قصدنا إياه وهو الشدائد.
وقيل: لما حقرت الإبل في جنب قدره مشينا إليه بأقدامنا إعظاماً له وإجلالا.
مطايا لا تذل لمن عليهاولا يبغي لها أحدٌ ركوبا
يقول: إن الخطوب مطايا لا تطاوع راكبها؛ لشدتها وصعوبتها، ولا تنقاد لأحد، ولا يطلب أحد ركوبها؛ لصعوبتها لأنها غير ذلول.
وترتع دون نبت الأرض فينافما فارقتها إلا جديبا
الجديب: المجدب. لما جعل الخطوب مطايا، جعلها ترعى في نفسه، فيقول: إنها تأكل من أبدانا، بدلاً من رعي الأرض، فما فارقت هذه المطايا جديباً، من السقم والهزال كالأرض الجدبة.
إلى ذي شيمةٍ شغفت فؤاديفلولاه لقلت بها النسيبا
الشيمة: الخلق. وشغفت: أي ملأت فؤادي حباً. والنسيب ذكر محاسن المرأة في الشعر.
يقول: امتطيت الخطوب، حتى وصلت إلى ذي شيمة كريمة، فلولا مراقبته وجلالة قدره، لنسبت بهذه الشيمة، كما ينسب الشاعر بالمرأة المحاسن.
تنازعني هواها كل نفسٍوإن لم تشبه الرشأ الربيبا
الرشأ: الذكر من أولاد الظباء. والربيب: المربى في البيوت. والهاء في هواها: للشيمة.
يقول: ليس أحد يعشق هذه الشيمة كعشقي لها، وإن لم تشبه هذه الشيمة الغزال المربى في البيوت. أي الجواري الحسان، وإنما هي خلق وطبع، لا شخص وجسم.
عجيبٌ في الزمان وما عجيبٌأتى من آل سيارٍ عجيبا
عجيباً: نصيب، لأنه خبر ما.
يقول: هو عجيب في زمانه، لعدم نظيره، ولكن كونه عجيباً ليس بعجب إذا كان من آل سيار؛ لأنهم معادن المجد والكرم.
وشيخٌ في الشباب وليس شيخاًيسمى كل من بلغ المشيبا
شيخاً: نصب؛ لأنه خبر. مفعول يسمى، وكل اسمه.
يقول: هو شيخ في شبابه؛ لحلمه وحكمته، وليس يسمى الشيخ كل من شاب، إذ من الشيب من لا يستحق اسم الشيخ.
قسا فالأسد تفزع من يديهورق فنحن نفزع أن يذوبا
رق: أي لان. وقد روى: ولان.
يقول: إنه قاسي القلب في الحروب على أعدائه، بحيث تخشى الأسود منه ومن صولته، ورق طبعه لأوليائه، بحيث نخاف نحن لرقته ولطافته أن يذوب، وروى: فالأسد تفزع من قواه وهي جمع القوة.
أشد من الرياح الهوج بطشاًوأسرع في الندى منها هبوبا
الهوج: أي الشديدة، التي لا تستقيم على سنن واحد. والبطش: الأخذ بالقوة.
يقول: هو أشد من الرياح الهوج بطشاً، فكل من يبطش به أهلكه وهو أسرع من هذه الرياح في العطاء: أي لا يرد سائلاً. وبطشاً وهبوباً: نصبا على التمييز.
وقالو: ذاك أرمى من رأينافقلت: رأيتم الغرض القريبا
يقول: عجب الناس من إصابة رميه، قلت: إنما رأيتموه يرمي الهدف القريب ولم تروه يرمي الهدف البعيد، فأخفى عليكم من رميه أكثر.
وقيل معناه: أنكم رأيتم منه الغرض القريب، وأنا رأيت منه الغرض البعيد، فإنه يظن الظنون ويرى الآراء، فيكون كما رآه وظنه.
وهل يخطي بأسهمه الرماياوما يخطي بما ظن الغيوبا
الأصل: يخطىء، بالهمزة فأبدلها ياء.
يقول: كيف تعجبون من إصابته الغرض يرميه؟! وهو يرمي الغيب بظنه فيصيبه! فإذا كان يصيب بظنه الغيب الذي لا يصيبه أحد، فكيف لا يصيب المرمى المشاهد!
إذا نكبت كنانته استبنابأنصلها لأنصلها ندوبا
نكبت: أي قلبت على رءوسها. ويروى نكتت بالتاءين. وهو في معنى الأول. والكنانة: الجعبة. واستبنا: أي تبينا وعلمنا. والندوب: جمع ندب، وهو أثر الجرح والهاء في بأنصلها: للأسهم.
يقول: إذا قلبت كنانته يوم الرمي رأينا في أنصلها الآثار الحاصلة من أنصلها؛ لأن أنصلها تقاتلت في الكنانة، لما أبطأت الرمي إلى الأعداء، لتعودها القتال والرمي، فجرح بعضها بعضا.
وقيل: معناه أن سهامه تنفذ في سمة واحدة فيصيب النصل النصل ويؤثر فيه.
يصيب ببعضها أفواق بعضٍفلولا الكسر لاتصلت قضيبا
الأفواق: جمع فوق، وهو الحز الذي يجرى في وتر القوس.
يقول: إذا رمى سهماً، ثم رمى سهماً آخر، أصاب به فوق الأول، فلولا انكسار الأول لاتصل الأول بالثاني، وبالثاني الثالث فصار من ذلك قضيباً.
بكل مقومٍ لم يعص أمراًله حتى ظنناه لبيباً
يقول: يصيب بكل سهم مقوم حتى استقام له، فلا يعصي له أمراً، حتى كأنه عاقل يمتثل أمره.
يريك النزع بين القوس منهوبين رميه الهدف اللهيبا
روى: رمية الهدف على الإضافة. وروى رمية الهدف فيكون الهدف بدلاً من رميه.
يقول: يريك جذبه السهم بين القوس وبين المرمى، وهو الهدف اللهيب. وقيل: أراد وصفه بالسرعة، فشبهه بلهيب النار.
وقيل: أراد به حقيقة اللهيب للنار ويكون المراد به النار التي تتولد منه عند القدح.
ألست ابن الألى سعدوا وسادواولم يلدوا امرأً إلا نجيبا!
ألست: تقديره ليس للنفي. والألى: بمعنى الذين. فكأنه قال: أنت ابن الآباء الكرام، ذوي السعادة والمجد والسيادة، وهم لا يلدون إلا من هو نجيب مثلك
ونالوا ما اشتهوا بالحزم هوناًوصاد الوحش نملهم دبيبا
هونا: في موضع الحال. ودبيبا: حال من نملهم.
يقول: إن آباءك نالوا ما تمنوا من المجد والعلا بأهون سعي؛ بفرط حزمهم ونملهم يصيد الوحش.
ومعناه: أنهم ينالون الأمور الصعبة بأهون سعي منهم.
وما ريح الرياض لها ولكنكساها دفنهم في الترب طيبا
الريح: الرائحة. والهاء في لها وكساها: عبث؟ يقول: إن الرائحة التي تشم من الرياض ليست للرياض! ولكن كسا هذه الرياض دفن آبائه في التراب طيباً وعطراً، فما يفوح إنما هو ريحهم وأراد به الثناء وحسن الذكر الجميل.
أيا من عاد روح المجد فيهوعاد زمانه البالي قشيبا
القشيب: الجديد والهاء في فيه تعود إلى من وفي زمانه إلى المجد وقيل: إلى من.
يعني: أن المجد مات منذ قديم وذهب زمانه، ثم انتقلت رفعته فيك، فعاد حياً وصار زمانه جديداً بعد البلى.
وقيل: أراد أن روح المجد بعد آبائه وأجداده انتقلت أيضاً إليه فصار هو المجد. على طريقة المبالغة، وعاد زمانه الذي هو فيه كثير الخير والخصب بعد ما كان قد بلي وأجدب بموته آبائه.
تيممني وكيلك مادحاً ليوأنشدني من الشعر الغريبا
فآجرك الإله على عليلٍبعثت إلى المسيح به طبيبا
تيممني: يعني قصدني. والباقي ظاهر. وطبيباً: حال من ضمير عليل، أو من المسيح. ومثله:
فإنك واستبضاعك الشعر نحوناكمستبضعٍ تمراً إلى أهل خيبرا
يعني أن مثلك في إرساله إلي بمدحي؛ مثل من أرسل عليلاً ليداوي السيد المسيح. الذي كان يحيي الموتى ويصنع المعجزات
ولست بمنكرٍ منك الهداياولكن زدتني فيها أديبا
يقول: لا أنكر منك الهدايا، ولكنك زدتني في جملتها أديباً يمدحني وحكى أن الوكيل افتخر بذلك وقال: قد شهد لي بالأدب.
فلا زالت ديارك مشرقاتٍولا دانيت يا شمس الغروبا
يقول: لا زالت ديارك تشبه الشمس، وجعله شمساً لعلو محله وشهرة ذكره، وكنى بالغروب عن الموت، وذلك دعاء له بالبقاء.
لأصبح آمناً فيك الرزاياكما أنا آمنٌ فيك العيوبا
اللام في لأصبح متعلق بقوله: ولا دانيت أي إنما دعوت لك بالسلامة والبقاء لتأمن نفسي أن تنالك مصيبة كما آمنت أن يلحقك عيب.
وقال أيضاً يمدحه ويذكر مهارته في الرماية وفيها يفتخر ويذم الزمان:
أقل فعالي بله أكثره مجدوذا الجد فيه نلت أم لم أنل جد
بله: أي دع، وقيل: كف، هو وضع لذلك. مثل: صه اسم فعل كقولك اسكت. وصهٍ: بمعنى كف. وفي أكثره: يجوز النصب، والجر، والرفع، أما النصب: فلأن بله اسم للفعل فينصب به كما ينصب بالفعل: ومعناه: دع أكثره.
والجر: فلأنه مصدر أضيف إلى مابعده.
وأما الرفع: فإن قطرباً أجازه على معنى: كيف أكثره؟ أو على معنى: بل أكثره. والجد: الاجتهاد والجد: الحظ. وأقل فعالي: مبتدأ. ومجد: خبره.
وتقدير البيت: أقل فعالي مجد وذا الجد فيه جد. أم لم أنل، والهاء في فيه: للمجد.
يقول: إن قليل فعالي مجد. أي لكنني مجداً وشرفاً حتى أكلي وشربي واضطجاعي وجلوسي، كل ذلك منسوب إلى المجد، لأن غرضي في جميع أفعالي اكتساب المجد.
فدع عنك أكثر أفعالي من المساعي الجسام، والأخطار بالنفس والمال. وقوله: ذا الجد أي هذا جدي في الأمور، واجتهادي فيها حظ وبخت سواء نلت أو لم أنل لأن الجد معدود في السعادة، كما أن التواني معدود في الشقاء؛ لأنه إذا ينل حظه كان قد أبلى عذره.
سأطلب حقي بالقنا ومشايخٍكأنهم من طول ما التثموا مرد
يقول: سأطلب ملكي الذي هو حقي برماح وبمشايخ كأنهم مرد لكثرة التثامهم.
يعني: أنهم عرب معودون التلثم حتى سقطت شعور عوارضهم فصاروا كالمرد.
وخص المشايخ لتجربتهم وثبات بصائرهم كما قيل في المثل: زاحم بعودٍ أو دع. العود: الجمل المسن. وهذا من قول البحتري:
حص التريك رءوسهم فأصابهافي مثل لألاء التريك المذهب
والأصل فيه قول ابن الأسلت:
قد حصت البيضة رأسيفما أطعم يوماً غير هجاع
ومعناه: أنها من طول ما استعملت تساقط ريشه الذي به قوة التهام. والأول أولى.
ثقالٍ إذا لاقوا خفافٍ إذا دعواكثيرٍ إذا شدوا قليلٍ إذا عدوا
يقول: هؤلاء المشايخ إذا لقوا أعداءهم ثبتوا ولم يتزعزعوا، وإذا دعاهم صارخ أسرعوا إليه، ولم يتباطئوا، وإذا حملوا في الحرب قاموا مقام الجيش الكثير وإذا عدوا كانوا قليل العدد. يعني فيهم قلة من العدد وكثرة من حيث الجلد.
وطعنٍ كأن الطعن لا طعن عندهوضربٍ كأن النار من حره برد
هذا عطف على ما تقدم. أي سأطلب حقي بالقنا وبمشايخ صفتهم ما تقدم.
يقول: وطعن كأن طعن الناس إذا قيس إليه ليس بطعن، أو بضرب بالسيف، كأن النار إذا قيست إليه فحرها برد، والهاء في عنده للطعن الأول والطعن: اسم كأن، والجملة بعده خبر، والعائد عليه محذوف.
إذا شئت حفت بي على كل سابحٍرجالٌ كأن الموت في فمها شهد
حفت: أي أحدقت بي، وفاعله: رجال. والهاء في فمها للرجال والشهد: العسل مع ما فيه من الشمع.
يقول: متى شئت أحدقت بي رجال راكبون على فرس سابحٍ، وكانوا أبطالاً يجدون الموت في الحرب حلواً كالعسل. وروى حفت بي أي: أسرعت.
أذم إلى هذا الزمان أهيلهفأعلمهم فدمٌ وأحزمهم وغد
صغر أهل الزمان على جهة التحقير. والفدم: هو الغبي. والوغد: العبد، وقيل من لا خير عنده.
يقول: أذم إلى أهل الزمان أهله؛ فأعلم هذا الزمان جاهل غبي، وأكثرهم حزماً ضعيف وحقير، لا خير عنده ولا غناء له.
وأكرمهم كلبٌ وأبصرهم عمٍوأسهدهم فهدٌ وأشجعهم قرد
العمى: الذي عمي قلبه. ويضرب المثل في الكلب بالخسة، وفي كثرة النوم بالفهد وفي الجبن بالقرد لأنه لا ينام بالليل خوفاً على نفسه.
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرىعدواً له ما من صداقته بد
يقول: من محن الدنيا على الحر، أن يرى عدواً له، ويظهر من صداقته، بحيث لا يكون من إظهارها بد.
والأصل ما من إظهار صداقته بد، غير أنه حذف المضاف؛ لأن العدو لا يكون صديقاً.
وروى أن يرى بضم الياء، على ما لم يسم فاعله. أي يرى الدنيا. ومعناه: من لوم الدنيا أن الحر مجبول على حبها، وهي عدوٌ ولا يقدر أن يعرض عنها. وهذا من قول أبي نواس:
إذا امتحن الدنيا لبيبٌ تكشفتله عن عدوٍّ في ثياب صديق
بقلبي وإن لم أرو منها ملالةٌوبي عن غوانيها، وإن وصلت صد
الهاء في منها وغوانيها: للدنيا.
يقول: إني وإن لم أرو من الدنيا، ولم أقض منها وطري، فإني قد مللت منها، لما عرفت من تقلب أحوالها، ولذلك أعرضت عن غواني هذه الدنيا؛ لما عرفت من غدرهن وقلة وفائهن، وإن واصلتني فلا أبالي لوصالي.
خليلاي دون الناس: حزنٌ وعبرةٌعلى فقد من أحببت ما لهما فقد
ما لهما: أي للحزن، والعبرة.
يقول: لما فقدت حبيبي أعرضت عن الناس وانفردت بالبكاء والحزن، فهما خليلاي، وليس لهما فقد.
تلج دموعي بالجفون كأنماجفوني لعيني كل باكيةٍ خد
يقول: لا تخلو جفوني من الدموع، فكأن جفوني خد لعيني كل باكية في الدنيا، وكأن كل دمع يجري من كل عين يجري على جفوني.
وإني لتغنيني من الماء نغبةٌوأصبر عنه مثل ما يصبر الربد
النغبة: الجرعة، الربد: النعام، وهو جمع أربد، ورابد. والأربد: الذي يعلو سواده غبرة.
يقول: يكفيني من الماء جرعة، فإذا نلتها أصبر عن الماء، كما صبر النعام. والنعامة لا ترد الماء وتكتفي بالهواء، وكذلك الضب والحية.
وروى: وإني لتغنيني عن الماء نعته: أي وصفه، وهو أبلغ: يعني إذا وصف الماء أو نعت ارتويت بوصفه.
وأمضي كما يمضي السنان لطيتيوأطوي كما تطوي المجلحة العقد
الطية: النية. وروى: أطوي. أي أجوع. والمجلحة: الحادة في طلبها، المصممة على أطوادها. وأراد بها الذئاب، وهي أدوم السباع كلها، وأحرصها على الصيد. والعقد: جمع أعقد، وهو الذي في ذنبه عقد، وهي أخبث الذئاب.
يقول: إذا عزمت على شيء مضيت فيه مضاء السنان، وإذا عدمت الزاد صبرت عنه، كما تصبر الذئاب. وهي توصف بالطوى، ويقال: أجوع من ذئب.
وأكبر نفسي عن جزاءٍ بغيبةٍوكل اغتيابٍ جهد من ماله جهد
الجهد والجهد: الطاقة.
يقول: أجهد نفسي ألا أجازي أحداً بغيبة إذا اغتابني؛ وإنما يفعل ذلك من لا يقدر على المكافأة بالفعل.
وأرحم أقواماً من العي والغباوأعذر في بغضي لأنهم ضد
العي: العجز عن الكلام. والغباء: الجهل.
يقول: أرحم من فيه الجهل والعي، وأعذرهم إذا بغضوني؛ لأنهم ضدي؛ إذ ليس في مثل ما فيهم من العي والجهل.
ويمنعني ممن سوى ابن محمدٍأيادٍ له عندي يضيق بها عند
جعل عند اسماً، وإن كان لا يستعمل إلا ظرفا؛ لأنه حمله على المعنى. كأنه قال: يضيق بها المكان، ولأن أصل الأسماء يجريها بوجوده الإعراب، فإذا اضطر الشاعر ردها إلى الأصل.
يقول: إن نعم ابن محمد كثيرة عندي، بحيث يضيق بها المكان من كثرتها، فلما أردت أن أمدح غيره منعتني تلك النعم أن أمدح أحداً سواه؛ حياءً منه.
توالى بلا وعدٍ ولكن قبلهاشمائله، من غير وعدٍ بها وعد
أصله: تتوالى، فحذف إحدى التاءين. والشمائل: الأخلاق.
يقول: أياديه تتابعث علي من غير وعد تقدمها، غير أن شمائله الكريمة وطلاقة وجهه تقوم مقام الوعد، وإن لم يكن هناك وعد على الحقيقة.
سرى السيف مما تطبع الهند صاحبي!إلى السيف مما يطبع الله لا الهند
صاحبي: بدل من السيف.
يقول: سريت بسيفي الذي طبعته الهند إلى السيف الذي طبعه الله تعالى. وهو الممدوح، شبهه بالسيف لمضائه.
فلما رآني مقبلاً هز نفسهإلي حسامٌ كل صفحٍ له حد
حسام: رفع؛ لأنه فاعل رأى. ويجوز أن يكون مرفوعاً بهز.
يقول: إنه لما رآني مقبلاً نحوه اهتز إلي وقام إلي، واستعمل فيه هز لأنه جعله سيفاً، ثم قال: كل صفح له حد أي كل جانب له، وكل جزء منه حد، بخلاف السيف فإنه كله صفحة، وهو وجهه. لا يكون له غيره.
فلم أر قبلي من مشى البحر نحوهولا رجلاً قامت تعانقه الأسد
يقول: لم أر رجلاً قبلي مشى إليه البحر، وعانقته الأسد، شبهه بالبحر، لسخائه، وبالأسد؛ لشجاعته. وأراد بالرجل: نفسه.
كأن القسي العاصيات تطيعههوىً أو بها في غير أنمله زهد
أراد بالعاصيات: الصعبة الشديدة.
يقول: إن القسي الصعبة تطيعه عند توتيرها ونزعها. إما حباً له أو قلة رغبة في غير أصابعه، فلا تجذب لأحد دونه.
يكاد يصيب الشيء من قبل رميهوتمكنه في سهمه المرسل الرد
يقول: إذا رمى شيئاً أصابه قبل أن يرميه، وإذا أرسل سهماً أمكنه رده قبل وصوله إلى الغرض، وقصد المبالغة.
وينفذه في العقد وهو مضيقٌمن الشعرة السوداء والليل مسود
يقول: لو عقد عاقدٌ عقداً ضيقاً، على شعرة سوداء، وتركه في ليلة مظلمة، لأمكنه أن ينفذ سهمه فيه، في ظلمة الليل.
بنفسي الذي لا يزدهي بخديعةٍوإن كثرت فيها الذرائع والقصد
لا يزدهي: أي لا يستخف به مخادعة، والهاء في فيها للخديعة.
يقول: أفدي بنفسي الفصيح الفطن، الذي لا يستخفه أحد بالخديعة والمكر، وإن كثرت الوسائل في الخديعة، والقصد إليها، لأنه يقف عليها ويفطن لها سريعاً، فلا يمكن أحد خديعته.
ومن بعده فقرٌ، ومن قربه غنىًومن عرضه حرٌّ، ومن ماله عبد
يقول: إن الغنى في يديه فمن بعد عنه حرمه، ومن قرب منه أغناه، وإن عرضه: أي نفسه وحسبه، حرٌّ: أي مصون صيانة الحر، وماله: مهان إهانة العبد. وطابق في هذا البيت. البعد: بالقرب. والفقر: بالغنى. والحر: بالعبد. والعرض: بالمال.
ويصطنع المعروف مبتدئاً بهويمنعه من كل من ذمه حمد
يقول: إنه يصطنع معروفه في مستحقه، فإذا رأى دنيا كفوراً للنعمة حرمه؛ لأن ذمه حمد، فلا يبالي بذمه، من حيث إنه يتضمن حمده؛ لأن الجاهل إذا ذم العالم، واللئيم إذا ذم الكريم فقد مدحه، ودل بذمه على أنه ضد له، فصار ذمه حمداً له من هذه الجملة.
وقيل: أراد أن حمده مثل ذمه، لأنه لخسته لا يكون لحمده أثر، فلا يبالي بحمده وذمه.
ويحتقر الحساد عن ذكره لهمكأنهم في الخلق ما خلقوا بعد
يقول: إنه يحتقر حساده، فلا يذكرهم حتى لا يشتهروا بذكره إياهم، فكأنهم لعدم ذكره لهم واحتقارهم. في العدم، ولم يخلقوا بعد، وليس لهم وجود.
ويأمنه الأعداء من غير ذلةٍولكن على قدر الذي يذنب الحقد
يقول: إن أعداءه آمنوا بالله تعالى من غير ذلة له. ولكن الحقد يكون على قدر المذنب. وأعداؤه صغار القدر، فهو لا يبالي بهم؛ لأنهم أقل من أن يحقد عليهم، فأمنوا لذلك.
وقيل: أراد أنه لا يجازي أحداً إلا بما يستحقه؛ لاتصافه بذلك، فلا يخافه أحد إلا على قدر ذنبه.
فإن يك سيار بن مكرمٍ انقضىفإنك ماء الورد إن ذهب الورد
يقول: إن كان جدك قد انقضى ومات، فإنك تنوب عنه، كما أن ماء الورد ينوب عن الورد ويقوم مقامه إذا فقد الورد.
وفيه إشارة إلى تفضيله على جده، لأن ماء الورد أطيب من الورد وألطف وأكثر بقاء ونفعاً.
مضى وبنوه وانفردت بفضلهموألفٌ إذا ما جمعت واحدٌ فرد
ذكر بنوه في مضى من غير توكيده بالمنفصل، وكان الوجه أن يقول: مضى هو وبنوه وذلك أيضاً جائز.
يقول: مضى سيار بن مكرم ومضى بنوه، وهم أبوه وأعمامه، وانفردت أنت بفضلهم، أي جمعت فضائلهم، فكأنك جميعهم، كما أن الألف واحد؛ من حيث اللفظ وإن كان ألفاً في المعنى، وأعداد كثيرة ومنتهى الأعداد، فهي تجمع الأعداد مع أنه واحد.
لهم أوجهٌ غرٌّ، وأيدٍ كريمةٍومعرفةٌ عدٌّ، وألسنةٌ لد
لهم: أي لأجداده، أوجه بيض وأيد كريمة: أي سخية. وقيل: نعم خالصة من المن، ومعرفة عد: كثيرة، وألسنة لد: فصيحة شديدة الخصومة ماهرة بالجدال.
وأرديةٌ خضرٌ، وملكٌ مطاعةٌومركوزةٌ سمرٌ، ومقربةٌ جرد
وأردية خضر قيل: أراد نعمٌ سابغة وعطاي هنيةٌ. كما قال:
غمز الرداء إذا تبسم ضاحكاًالبيت
وقيل: أراد به الرداء، وخص الخضر؛ لأنها من ثياب الملوك في ديار العرب. وقيل: أراد بالخضر السود، أي اسودت موضع حمائلهم لكثرة تقلدهم بالسيوف. قوله: وملك مطاعة أنث الملك على معنى السلطان، وهو مؤنث ذهاباً بها إلى القدرة. وقيل: أراد بالتأنيث المملكة ومركوزة سمر: أي الرماح ركزت. أي غرزت في بيوتهم. وذلك عادة. ومقربة جرد: أراد به الخيل المقربة من البيوت، فهي لا ترسل لكرمها وخوفهم عليها وحبهم لها فتربط قريباً من البيوت. والجرد: جمع أجرد، وهي القصار الشعور.
وما عشت ما ماتوا ولا أبواهمتميم بن مرٍّ وابن طابخةٍ أد
ما الأولى للوقت، والثانية للنفي.
يقول: ما دمت تعيش، فما مات أحد من آبائك، ولا مات تميم بن مر، وابن طابخة، الذين أنت وآباؤك من نسلها؛ لأن فضائلهم موجودة فيك. وأد: اسم ابن طابخة.
وقوله: تميم بن مر. بدل من قوله: ولا أبواهم. وابن طابخة معطوف عليه، وإن شئت جعلته عطف على سيار، وأبدل من ابن طابخة، أو عطف بيان، ويجوز أن يكون تميم بن مر: خبر ابتداء محذوف أي هما تميم بن مر وابن طابخةٍ أد، كأن قائلاً قال: من هما؟ قال: تميم بن مرو وابن طابخة، فيكون تفسيراً لقوله: ولا أبواهم.
فبعض الذي يبدو الذي أنا ذاكرٌوبعض الذي يخفى علي الذي يبدو
يقول: ما أذكر من أوصافك ومناقبك، بعض ما يظهر لي منها، والذي ظهر لي منها بعض ما خفي علي، فالذي خفي أكثر مما ظهر، وما ظهر لي أكثر مما ذكرت، لأن لفظي يقصر عنها.
وتقديره: وبعض الذي يبدو، مثل بعض الذي يخفى. فحذف المضاف.
ألوم به من لامني في ودادهوحق لخير الخلق من خيره الود
الهاء في به للذكر، أو الوصف لفضله.
يقول من لامني في حبي إياه، ألومه بما وصفته من مفاخره، وأرد عليه بذكر محاسنه؛ لأن الممدوح خير الخلق، وأنا أيضاً كذلك، فحق لي أن أوده لأن الجنس يصبو إلى جنسه.
كذا فتنحوا عن عليٍِّ وطرقهبني اللوم حتى يعبر الملك الجعد
الجعد: السخي. وقيل: معناه أنه أبى الظلم منقبض عن الضيم، هذا إذا أطلق، فإذا قرن باليدين كان ما يعنون أنه بخيل وبني اللؤم نداء مضاف، وقيل نصب على الذم.
يقول: تنحوا أيها اللائمون طرق المكارم، حتى يعبرها الملك السخي الأبي الضيم من غير مشقة. ومثله لبشار:
سمعت بمكرمه ابن العلاء فأنشأت تطلبها لست تم
فما في سجاياكم منازعة العلاولا في طباع التربة المسك والند
يقول: ليس في طباعكم منافسة الكرام على المكارم، كما أن التراب ليس في طبعه أن يولد المسك والد وأراد أن يسافر فودعه صديقٌ له فارتجل وقال:
أما الفراق فإنه ما أعهدهو توأمي لو أن بيناً يولد
التوأم: الذي ولد معه آخر. وما بمعنى: الذي. أي الذي أعهد.
يقول: إني تعاهدت الفراق، وهو الذي أعهده منذ ولدت، ولو كان البين يولد لكنت أنا وهو توأمين. ومثله قول الآخر:
فأنت الندى وابن الندى وأخو الندىحليف الندى ما للندى عنك مذهب
ولقد علمنا أننا سنطيعهلما علمنا أننا لا ينلخد
يقول: لما علمنا أن الموت كتب علينا، وأننا لابد لنا من الفراق! علمنا أننا في طاعته والانقياد له.
وإذا الجياد أبا البهي نقلنناعنكم فأردأ ما يكون الأجود
وروى: فأردأ ما ركبت الأجود.
يقول: يا أبا البهي، إذا كانت الخيل سبباً لفراقنا، فأجودها وأسبقها أردؤها؛ لأن أجودها أسرع في إبعادنا، فلذكل صار ذماً لها.
من خص بالذم الفراق فإننيمن لا يرى في الدهر شيئاً يحمد
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع