تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

السيفيات (٢)

وقيل: إنهم لكثرتهم وشدة وطئهم على الحجارة وقلة مبالاتهم بها، صارت الأحجار مسحوقة لينة كريش النعام.

وأبرزت الخدور مخبّآتٍيضعن النّقس أمكنة الغوالي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

أبرزت: أي أظهرت. والخدور: الستور، وهي الفاعلة. ومخبآت: أي مخدرات، وهي المفعولة، والمراد بالنقس المداد، وهو السواد. والغالية: هي المسك والعنبر معجونان.

يقول: إن النساء المخبآت في الخدور برزن من خدورهن ووضعن المداد على خدودهن وشعورهن، ومواضع كن يضعن فيها الغوالي.

أتتهنّ المصيبة غافلاتٍفدمع الحزن في دمع الدّلال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

وروى: المصائب. يقول: إن هذه المصيبة أتت هؤلاء المخبآت وهو غافلات في السرور والدلال، بحيث كانت عيونهن تدمع من السرور، لحياة هذه المتوفاة ولوجوه أخر من المسرات، فأتتهن المصيبة فجأة فأخرجت من عيونهن دمع الحزن واختلط بدمع الفرح.

ولو كان النّساء كمن فقدنالفضّلت النّساء على الرّجال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

معناه ظاهر، وكونها كانت أفضل من الرجال، لما لها من زيادة العقل والرأي الكامل، والخصال الفاضلة. وروى: لفضلت النساء وذلك يلائم قوله: فقدنا فيكون كل واحد إخبار عن النفس. ويحكى عن سيد المؤيد؟ قدس الله روحه. قال: كنت أقرأ هذه القصيدة على المتنبي فقرأت لفضلت على ما لم يسم فاعله فرد علي فقال: أما أنا فلم أقل إلا فضلت على أن يكون الفعل لي. وهذا يؤيد ما ذكرناه من الرواية.

وما التّأنيث لاسم الشّمس عيبٌولا التّذكير فخرٌ للهلال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

يقول: لا اعتبار بالتذكير والتانيث، وإنما الاعتبار بالفضل والنقص، فالهلال مذكر، والشمس مؤنث، ومع ذلك الشمس أفضل من الهلال.

وأفجع من فقدنا من وجدناقبيل الفقد مفقود المثال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

يقول: أعظم من فجائع المفقودين فجيعة من وجدناه قبل الموت وحيداً لا نظير له يخلفه.

يدفّن بعضنا بعضاً ويمشيأواخرنا على هام الأوالي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الأوالي: مقلوب من الأوائل، فقدم اللام وأخر الهمز، ثم أبدلها ياء، فصارت كالقاضي.

يقول: الحي يدفن الميت، والآخر يمشي على هام الأول.

وكم عينٍ مقبّلة النّواحيكحيلٍ بالجنادل والرّمال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

الجندل: الصخر. يقول: كم عين كانت مقبلة النواحي، أضحت مكحلة بالرمل تحت التراب.

ومغضٍ كان لا يغضى لخطبٍوبالٍ كان يفكر في الهزال
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: كم رجل مغض: خاشع الطرف لأجل الموت. وقد كان لا يغضى لخطب من خطوب الدهر؛ لعزته ومنعته، وكم رجل قد بلي تحت التراب وتمزقت أوصاله، وقد كان يتفكر في هزال نفسه، ويطلب صلاح جسمه.

أسيف الدّولة استنجد بصبرٍوأين بمثل صبرك للجبال؟!
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: يا سيف الدولة، استعن بصبرك الذي هو كالجبال الثوابت، على هذه المصيبة العظيمة. ومن أين للجبال مثل صبرك؟!

وأنت تعلّم النّاس التّعزّيوخوض الموت في الحرب السّجال
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الحرب السجال: مرة لهؤلاء، ومرة لهؤلاء مأخوذ من المساجلة: وهو المغالبة في جذب الدلو، والسجل: الدلو العظيم.

يقول: لا تحتاج أن نعزيك على مصائبك؛ لأنك تعلم الناس التصبر وتعلمهم خوض المنايا في الحروب العظيمة.

وحالات الزّمان عليك شتّىوحالك واحدٌ في كلّ حال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

ذكر الحال في قوله: وحالك واحد في كل حال لأنه يذكر ويؤنث.

يقول: أحوال الزمان عيك متفرقة ومختلفة، ولا يزعجك منها شيء، ولا يغيرك عن حالك من الصبر والثبات والحلم والوقار في جميع الأوقات.

فلا غيضت بحارك يا جموماًعلى علل الغرائب والدّخال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

غيضت: أي نقصت. والجموم: الكثير. والعلل: الشربة الثانية. والغرائب: جمع غريبة، وهي الناقة تدخل في الإبل وليست منها. والدخال: جمع دخل، وهو أن يدخل بعير قد شرب بين بعيرين لم يشربا يساعدهما على الشرب.

يقول: لا نقص الله من جمام بحارك، على كثرة ما يرد عليها من غرائب المصائب، وتكرير الحوادث، وهذا مثل. والمراد: لا نقص الله صبرك بكثرة ما يصيبك من حوادث الأيام. فشبه سيف الدولة بالبحر الكثير الماء، وحوادث الأيام بإبل ترد عليه مرة بعد أخرى.

وقيل معناه: لا نقص جودك على كثرة من يرده ممن لا يستحقه، كما أن الغرائب والدخال لا يستحق ورود الحوض، إذ الغرائب ليست من إبل هذا الحوض، والدخال قد شربت مرة. وقيل معناه: أنك كثير العطاء لمن هو مقيم عندك وهو المراد بالدخال، ولمن يرد عليك من مكان آخر وهو المراد بالغرائب، وهذا أبلغ من قول الكميت:

أناسٌ إذا وردت بحرهمصوادى الغرائب لم تقرب
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «طربت وهل بك من مطرب»
رأيتك في الذين أرى ملوكاًكأنّك مستقيمٌ في محال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

يقول: أراك بين الملوك كالمعنى المستقيم، والكلام المستقيم، والأمر المستقيم، الظاهر إلى جنب المستحيل الفاسد، أي أنك الملك على الحقيقة وغيرك من الملوك اسم بلا جسم.

فإن تفق الأنام وأنت منهمفإنّ المسك بعض دم الغزال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

المسك للظبي: بمنزلة الحيض للنساء. وقيل: لا يكون إلا في إناثها.

يقول: إن فضلت الأنام وعلوتهم وأنت من جملتهم فليس ذلك بعجب فإن المسك دم، ولكن يخالف سائر الدماء ريحاً وطبعاً.

وهذا من اختراعات أبي الطيب وفرائده. وقوله فإن تفق شرط وأنت منهم حال. فإن المسك جواب الشرط.

وقال يمدحه ويذكر استنقاذه أبا وائل: تغلب بن داود بن حمدان لما أسره الخارجي الناجم من كلب. ويصف قتل الخارجي.

وكان أبو وائل قد ضمن لهم، وهو في الأسر خيلا طلبوا منها: العروس ومالا اشترطوه عليه وأقاموا ينتظرون وصول ذلك فصبحهم سيف الدولة بالجيش فأبادهم، وقتل الخارجي في شهر شعبان سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة.

إلام طماعية العاذلولا رأى في الحبّ للعاقل؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

إلى من حروف الجر دخلت على ما الاستفهامية، ثم حذف منها الألف وجعلت مع إلى بمنزلة اسم. ومعناه: إلى أي شيء. وقيل إلى متى والطماعية مصدر كالطمع وهي مخففة إليه.

يقول: إلى متى يطمع العاذل في رجوعي عن الهوى، والعاقل إذا ابتلى في الهوى فقد فقد رأيه وزال عقله.

يراد من القلب نسيناكموتأبى الطّباع على النّاقل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إني مطبوع على حبكم، ومجبول على هواكم، والعاذل يريد مني أن أنساكم، وهذا محال، لأن الطبع لا يقدر أحد أن ينقه إلى غره، ويغيره عما هو عليه، ومثله قول الآخر:

لا تحسبوني عنكم مقصّراإنّي على حبّكم مطبوع
وإنّي لأعشق من عشقكمنحولي وكلّ امرئٍ ناحل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

أعشق: يجوز أن يكون فعلا مضارعاً، من عشقت ويكون كل منصوبا عطفاً على نحولي وهو في موضع النصب.

ومعناه: أني من فرط عشقي لكم أعشق نحولي، وأعشق كل عاشق مثلي ناحل مثل نحولي، للمشاكلة التي بيننا. ويجوز أن يكون أعشق أفعل تفضيل وكل يكون مجروراً عطف على الياء في نحولي. ومعناه: أني أعشق لكم. أي أشد عشقاً لكم من عشقكم نحولي ونحول كل فتى ناحل. يعني: أنكم تعشقون نحولي ونحول كل عاشق، وعشقي لكم أشد من عشقكم نحولي ونحول كل فتى هذه صفته.

ولو زلتم ثمّ لم أبككمبكيت على حبّى الزّائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يقول: لو فارقتموني وفراقكم دال على زوال حبي ثم لم أبك لفراقكم، لبكيت على حبي الزائل؛ لأني أحب حبي لكم، فإذا زال ساءني زواله فأبكي له، وإن لم أبك لفراقكم، ويجوز أن يكون بكيت دعاء على نفسه. أي: إن لم أبك لكم، جعل الله حبكم زائلا عني حتى أبكي عليه.

أينكر خدّي دموعي وقدجرت منه في مسلكٍ سابل؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

قيل: سابل بمعنى مسبول: أي مسلوك للمارة. وقيل: سابل: أي عامر بالمارة والهاء في منه للخد.

يقول: إن خدي لا ينكر دموعي السابلة عليه؛ لأنها لم تزل تسيل على الخد حتى صار فيه طريق سابل، فهذا الذي يجري الآن يجري في ذلك الطريق المسلوك.

وروى: في مسلك سائل يقال: هذا المكان سائل الماء. أي يسيل عليه الماء

أأوّل دمعٍ جرى فوقه؟وأوّل حزنٍ على راحل؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يقول: ليس هذا بأول دمع جرى، لأني كثيراً ما ابتليت بذلك، وليس الحزن الآن بأول حزن على حبيب راحل، لأني قد تجرعت من غمومه غير مرة.

وقيل معناه: لست أول عاشق بكى من الفراق وحزن من ألم الشوق، وقد كان قبلي عشاق يبكون ويحزنون على فراق الأحبة.

وهبت السّلوّ لمن لامنيوبتّ من الشّوق في شاغل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يقول: تركت السلو على من لامني، ويأمرني بالسلو، ويعذلني عليه، واشتغلت بما أنا فيه من الوجد والشوق والمحبة.

كأنّ الجفون على مقلتيثيابٌ شققن على ثاكل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يقول: كأن جفوني على مقلتي - لتباعد ما بين الجفون من شدة السهر - ثياب شققن على ثاكل؛ لأنها إذا شقت تباعد ما بين جانبي المشقق.

ولو كنت في أسر غير الهوىضمنت ضمان أبي وائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يقول: لو كنت أسيراً كسائر الأسارى. الذين يكونون في أيدي الأعادي لضمنت لهم من المال ما ضمنه أبو وائل، واستعنت بسيف الدولة ليخلصني من الأسر، ولكني أسير الهوى، فلا أقدر على الخلاص منه، ولا أقهره بشدة ولا قوة.

فدى نفسه بضمان النّضاروأعطى صدور القنا الذّابل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يقول: فدى نفسه أبو وائل من الخارجي بأن ضمن لهم الذهب، وأعطاهم صدور القنا التي جاء بها سيف الدولة حين استنقذه من يديه.

ومنّاهم الخيل مجنوبةًفجئن بكلّ فتىّ باسل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

مجنوبة: أي مقودة جنب الفارس.

يقول: مناهم أبو وائل الخيل مقودة ليفدى بها نفسه فجاءتهم الخيل بكل فارس شجاع يضرب رءوسهم ويهلكهم.

كأنّ خلاص أبي وائلمعاودة القمر الآفل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

شبه أسره وخلاصه بالقمر إذا غاب ثم طلع. يعني عاد كالقمر، وهو في نوره كما كان.

دعا فسمعت وكم ساكتٍعلى البعد عندك كالقائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يقول لسيف الدولة: إن أبا وائل دعاك لتخلصه، فسمعت دعاءه ثم قال: فكم ساكب أي أنك تراعي أمر القريب منك وأمر البعيد الذي لا يسألك مراعاته، فكأنه في سكوته استجارك كالناطق؛ لأن معونتك تعم الخاص والعام.

فلبيّته بك في جحفلٍله ضامنٍ وبه كافل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

ضامن وكافل: نعت لجحفل.

يقول: لما دعاك لبيته بنفسك في عسكر ضامن لأبي وائل، وكافل به، فخلصته من يد الخارجي، ولم يكن هناك دعاء ولا إجابة، ولكنه جعل وقوعه في يد الخارجي دعاء منه، وخروج سيف الدولة إجابة منه إياه.

خرجن من النّقع في عارضٍومن عرق الرّكض في وابل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

خرجن: أي الخيل. والركض: الضرب بالرجل جنب الدابة.

يقول: إن الخيل لما ركضت، ثار الغبار مثل السحاب، وسال عرقها مثل المطر الوابل.

فلمّا نشفن لقين السّياطبمثل صفا البلد الماحل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

نشفن: أي جف العرق عنهن. والصفا: جمع صفاة، وهي الصخرة البيضاء. والبلد الماحل: المجدب، فحجره أصلب.

يقول: إنها لما عرقت الخيل علاها الغبار، وتلبد التراب عليها، فلما جف عرقها أشبهت جلودها الصلاء؛ لصلابتها، فوقعت السياط على جلود هذه صفتها، وإنما خص البلد الماحل قيل: لأن أحجارها أصلب من غيرها. وقيل: هذا لا معنى له وأنها لا تتغير، وإنما خصها لأنها أكثر غباراً من البلد الكثيرة الري، فشبه تراكم الغبار على جلودها في صلابتها بصفاء البلد الكثيرة التراب.

شفنّ لخمسٍ إلى من طلبن قبل الشّفون إلى نازل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

شفن: أي نظرن. والشفون: النظر.

يقول: إن الخيل سارت خمس ليال لم ينزل عنها فارس، فنظرت هذه الخيل إلى من طلبته من العدو، بعد خمس ليال، قبل نظرها إلى نازل عن ظهرها؛ وذلك لأن فرسانها واصلوا سيرها حتى أدركوا مقصودهم ولم ينزلوا عنها حتى لحقوا الخارجي.

فدانت مرافقهنّ البرىعلى ثقةٍ بالدّم الغاسل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

روى: البرى والثرى.

يقول: قاربت مرافقهن التراب وخالطته عند العدو، ووثقت أن دم العدو يغسل هذه المرافق من التراب الذي عليها. ويجوز أن يكون دانت بمعنى أطاعت مرافقهن التراب، لأنها وثقت أن الدم يغسلها.

وما بين كاذتي المستغيركما بين كاذتي البائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

الكاذة: لحم الفخذ.

يقول: إن الفرس التي تطلب الغارة قد اتسع ما بين فخذيه، من شدة العدو، مثل ما بينهما إذا أراد أن يبول.

وقيل: أراد بالمستغير. الخارجي؛ لأنه كالطالب لهذه الغارة من خيل سيف الدولة.

فيقول: الدم الذي يترشش بين لحمتي فخذ الخارجي أو فخذ فرسه كان كالبول: أي يترشش على هذه المواضع عند البول.

فلقّين كلّ وردينيّةٍومصبوحةٍ لبن الشّائل

المصبوحة: التي سقيت اللبن وقت الصبح. والشائل: التي لا لبن لها، والشائلة: التي حملت وقل لبنها.

قال ابن جني؛ قلت للمتنبي: إن الشائل هي التي لا لبن لها، وأنت تريد ما لها لبن، والتي لها لبن قليل يقول لها: الشائلة. فقال أردت الهاء فحذفتها كقول الشاعر:

إنّا بنو عمكم لا أن نباعدكمولا نحاربكم إلاّ على ناجي

فإنه أراد: ناجية. فسألته عن غرضه. في ذلك، فقال: إن الناقة إذا قل لبنها، ونجع في شاربه، فلا يسقونها الإكرام خيولهم.

فكأنه يقول: إن خيول سيف الدولة لقين أي لقيت خيله في جيش الخارجي كل رمح رديني، وكل فرس مصبوح لبن الشائل. التي جف لبنها. وقيل أراد بالشائل: التي لا لبن لها أصلاً. ومعناه: أنها لا تطعم فتلزم الطوى توفيراً لها على العدو.

وجيش إمام على ناقةٍصحيح الإمامة في الباطل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

أي: ولقين خيل سيف الدولة، جيش إمام في الباطل دون الحق. وكان الخارجي يدعى الإمامة.

فأقبلن ينحزن قدّامهنوافر كالنّحل والعاسل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

ينحزن: أي يجتمعن، من قولك انحاز القوم إلى ناحية. إذا التجئوا إليها.

وقيل: يتفرقن يميناً وشمالاً، تذهب كل فرقة إلى حيزة.

وقيل: هو من نحزت الناقلة برجلي: إذا ركلتها. أي أنهن يركلن بأرجلهن، قدامه: أي قدام الخارجي، والعاسل الذي يخرج العسل.

يقول: إن خيل الخارجي رأوا جماعات لها ضجيج ونفر، فشبههم بالنحل. وشبه الخارجي بالعاسل. والنحل عند معالجة العاسل، يكون لها ضجيج ونفر في وجه العاسل.

وقيل معناه: أقبلت خيل الخارجي - لما رأت جيش سيف الدولة - تتفرق عنه وتسلمه إلى سيف الدولة، كما يسلم النحل ويتفرق عنه، إذا دخل عليه العاسل.

فعلى هذا: العاسل: سيف الدولة، والنحل: جيش الخارجي.

فلمّا بدوت لأصحابهرأت أسدها آكل الآكل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يقول لسيف الدولة: لما ظهرت لأصحاب الخارجي، وكانوا كالأسود رأوا منك أسداً يأكل كل أسدٍ آكلة لهم يأكلهم ويفنيهم.

بضربٍ يعمّهم جائرٍله فيهم قسمة العادل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

له أي للضرب. والباء متعلق بقوله: آكل الآكل. أي يأكلهم بضربٍ. جعل الضرب مجاوزاً للحد، خارجاً عن المعتاد. وقوله: قسمة العادل. فيه وجوه: أحدها: قيل معناه: أنه عدل، لأنه قربة إلى الله تعالى، لأنهم خوارج على إمامهم.

والثاني: أنه كان عدلا لخصوصة بالشجعان.

والثالث: أنه مقسوم بينهم على سواء، له في كل واحد منه حصة مثل حصة الآخر، ولم يفت منه أحد، فهو عدل من هذا الوجه.

والرابع: أنه كان عدلاً من حيث أنه جعل كل واحد منهم بنصفين على سواء، فكانت صورة القسمة النصفة.

وطعنٍ يجمّع شذّانهمكما اجتمعت درّة الحافل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

روى: شذاذهم بذالين، وشذانهم بذال ونون، أي المتفرقون.

يقول: إن سيف الدولة كان يطعنهم طعناً يجتمع عليه المتفرقون، ويتعجبون من سعتها، كما يجتمع الدر في الضرع الحافل، ووجه التشبيه أنهم يجتمعون عليه واحداً واحداً وينضم واحد إلى آخر، كما تجتمع الدرة شيئاً فشيئاً. وقيل: أراد أن خيل الخارجي من شدة الطعن تجمعوا ليتقوا كما يجتمع الدرة في الضرع الحافل.

إذا ما نظرت إلى فارسٍتحيّر عن مذهب الرّاجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

أي عن مذهب مثل الراجل.

يقول: إذا نظرت إلى فارس منهم خذلته نفسه، وبقي متحيراً لا يقدر على أن يسير مثل سير الراجل، ولا أن يذهب مثل مذهبه.

فظلّ يخضّب منها اللّحىفتى لا يعيد على النّاصل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الناصل: المضروب بالنصل، وهو فاعل بمعنى مفعول، والهاء في منها للأسد، وهي خيل الخارجي. وفاعل ظل فتى وهو سيف الدولة.

يقول: إن سيف الدولة إذا ضرب منهم إنساناً ضربة قتله، فلا يحتاج إلى أن يعيد الضرب مرة أخرى.

وقيل: الناصل. من نصل الخضاب يعني: إذا ضرب فخضب المضروب بالدم، فإن خضابه لا ينصل عنه حتى يحتاج إلى إعادته.

ولا يستغيث إلى ناصرٍولا يتضعضع من خاذل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

تضعضع البناء: إذا انهدت أركانه أي لا يتذلل هذا الفتى، ولا يستعين بناصر ينصره، ولا يضعف إن خذله أصحابه، لأنه مستقل بنفسه لا يحتاج إلى أحد.

ولا يزع الطرف عن مقدمٍولا يرجع الطّرف عن هائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يزع: أي يكف. ومقدم: أي الإقدام.

يعني: أنه لا يرد فرسه عن الإقدام، ولا يرد طرفه أي عينه عن أمر مخوف ومنظر هائل.

إذا طلب النّبل لم يشأهوإن كان ديناً على ماطل

النبل: الحقد. يقول: إذا طلب ثأراً أدركه، فلم يفته وإن كان ثأره عند من لا يدرك لديه ثأر. فشبه هذا الثأر بدين على ماطل.

خذوا ما أتاكم به واعذروافإنّ الغنيمة في العاجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يقول للخارجي وجماعته الذين كانوا ينتظرون الفداء هزءاً بهم: خذوا ما أتاكم به سيف الدولة من الفداء، واعذروه في هذه الغنيمة المعجلة، فاغتنموا ذلك فإن الغنيمة في العاجل.

وإن كان أعجبكم عامكمفعودوا إلى حمص في القابل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لئن كان أعجبكم ما ملكتم في هذا العام من الخير، فعودوا في العام القابل إلى حمص، حتى تروا ما يزيد على ذلك فترضوا به.

فإنّ الحسام الخضيب الّذيقتلتم به في يد القاتل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يقول: السيف المخضب بدمائكم في يد القاتل، وهو سيف الدولة، فمتى شئتم فتعالوا إليه.

وقال ابن جني: أراد بالسيف. سيف الدولة. والخضيب: هو الخاضب اللحي بالدماء. والقاتل: هو الخليفة الذي ينصر سيف الدولة ويقاتل عنه.

يجود بمثل الّذي رمتمفلم تدركوه على السّائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

أي يجود على السائل بمثل المال الذي رمتم، فلم تدركوه على السائل: يعني أنه يعطي سائله مثل ما طلبتموه، وإنما لم يعطكم أنفة، من أن تأخذوه قهراً.

أمام الكتيبة تزهى بهمكان السّنان من العامل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

أمام: نصب على الظرف. وتزهى به: أي تفتخر به. والتاء: ضمير الكتيبة والهاء: ضمير سيف الدولة. وعامل الرمح: قدر ذراعين من أعلى الرمح.

أي أن سيف الدولة يكون أبداً أمام الكتيبة، كما يتقدم السنان على الرمح وأن الكتيبة تفتخر به، إذ لا غناء لهم عنه كما لا غناء للرمح عن السنان.

وإنّي لأعجب من آملٍقتالاً بكمّ على بازل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

البازل: البعير الذي دخل في السنة التاسعة. وكان الخارجي حينئذ على ناقة يومئ بكمه على أصحابه؛ يحرضهم على قتال سيف الدولة.

يقول: إني أعجب من ضعف رأي من يقاتل بكم على ناقة بازل.

أقال له الله: لا تلقهمبماضٍ على فرسٍ حائل؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

الهاء في له للخارجي وفي لا تلقهم لأصحاب سيف الدولة. بماض: أي بسيف ماض. والحائل: خلاف الحامل، وخض الحائل لأنها تكون أشد على العمل، وأصبر على الشدة، وهم لا يركبون يوم القتال إلا الفرس الأنثى الحائل.

يقول: كأن الله تعالى قال له. لا تلق جيش سيف الدولة بسيف ماض على فرس حائل! فلهذا ركب الناقة وأشار بكمه بدل السيف!

إذا ما ضربت به هامةًبراها وغنّاك في الكاهل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

الكاهل: أعلى الكتف بين المنكب والعنق. والهاء في به للسيف الماضي. أي كأن الله تعالى قال: لا تلقهم بسيف ماض، إذا ضربت به رأساً قطعه ووصل إلى العنق، وهامة قطعها، وسمعت له صليلا كالغناء.

وقيل: معناه: قال الله لهذا الخارجي. لا تحارب بسيف ماض مثل سيفك الماضي يا سيف الدولة، الذي إذا ضربت به رأساً تجاوزها وغنى لك في الكاهل.

وليس بأوّل ذي همّةٍدعته لما ليس بالنّائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يقول: إن الخارجي ليس بأول من لم يدرك مراده، وما دعته إليه همته، وقد خرج قبله كثير من الخوراج وطلبوا مثل ما طلب فقتلوا كما قتل.

يشمّر للّجّ عن ساقهويغمره الموج في السّاحل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يقول: إن الخارجي كان يشمرّ عن ساقه؛ ليخوض لجة البحر، وقد علاه الموج في ساحل هذه اللجة.

أي قد تأهب لجيش سيف الدولة الذي هو كالبحر العظيم، والموج يغرقه في الساحل! أي أنه لقي مقدم عسكر سيف الدولة فهزموه، فكيف إذا لقي معظم عسكره؟! وقال ابن جني: إنه يصف تمويه الخارجي على الأعراب وادعاءه النبوة فيهم فكان يحسر عن ساقه عند الماء ليرى الناس أنه يخوضه تمويها ومخرقة، ومع ذلك قد غمره الموج وهو على الساحل.

أما للخلافة من مشفقٍعلى سيف دولتها الفاصل؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

الفاصل: القاطع. يقول: هو أبداً على سيف الدولة. هذا الخليفة، لأن بقاء هذه الخلافة وبقاء دولتها بسيف الدولة، فهل أحد يشفق على هذا السيف القاطع؛ لتبقى هذه الخلافة.

يقدّ عداها بلا ضاربٍويسري إليهم بلا حاملٍ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يقد: أي يقطع. والهاء في عداها للخلافة وفي إليهم للعدا.

يقول: هذا السيف بخلاف سيف الحديد، فهو يقطع أعداء الخلافة بلا ضارب، ويسير إلى الأعداء بلا حامل.

وقيل: أراد أنه يذب عن الخلافة وحده، وليس من أوليائها معين ينصره.

تركت جماجمهم في النّقاوما يتحصّلن للنّاخل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

النقا: الكثيب من الرمل.

يقول: رضضت جماجمهم فيما بين الرمل فصارت كالهباء، واختلطت بالرمل، فلو نخل الرمل أحد بمنخل لم يحصل له شيء.

وروى: وما يتخلصن أي ما يتميزن: أي أن جماجمهم، لا تتميز عن الرمل للناخل.

وأنبتّ منهم ربيع السّباعفأثنت بإحسانك الشّامل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: طرحت هؤلاء السباع حتى أكلت، وأخضبت كما تخصب السوائم في الربيع، فصارت لحومهم للسباع كالربيع، فأثنت عليك السباع لذلك.

وعدت إلى حلبٍ ظافراًكعود الحلىّ إلى العاطل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

العاطل: التي لا حلى عليها. يعني: أن حلب عريت عن زينتها لما فارقتها! فلما عدت إليها ظافراً، عادت زينتها، كالحلي إذا عاد للعاطل.

ومثل الّذي دسته حافياًيؤثّر فِي قدم النّاعل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يعني: هذا الذي وصلت إليه من الفتح العظيم بالهويني، لا يدركه غيرك بمشقة وتعب، أي وصلت إليه من غير آلة وعدة.

وكم لك من خبرٍ شائعٍله شية الأبلق الجائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يقول: ذكرك وخبر وقائعك مشهورة، كشهرة الفرس الأبلق فيما بين سائر الأفراس؛ إذا كان الأبلق جائلا من مكان إلى مكان كان أشهر وأظهر.

ويومٍ شراب بينه الرّدىبغيض الحضور إلى الواغل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وكم لك من يوم. وأيام العرب: حروبها. والواغل: الداخل في القوم؛ يشرب من غير دعوة. والهاء في بنيه لليوم.

يقول: كم لك من يوم حرب سقيت فيه أعداءك الموت، حتى كأن الواغل يبغض حضوره، وكان من عادته ألا يبغض ذلك؛ لأنه ليس بيوم شراب في الحقيقة.

تفكّ العناة وتغنى العفاةوتغفر للمذنب الجاهل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يقول: تطلق الأسرى، وتغني العفاة: أي السؤال، بما تعطيهم من الأموال، ومن أذنب إليك بجهل عفوت عنه.

فهنّأك النّصر معطيكهوأرضاه سعيك في الآجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

فاعل هناك معطيكه وفاعل أرضاه سعيك والهاء فيه ترجع إلى المعطى وهو الله تعالى والهاء في معطيكه للنصر.

يقول: هناك الله النصر الذي أعطاك، وأرضى الله سعيك في الآخرة، فأما هذه الدنيا فليس لها قدر يكون ثواباً لك! وهذا دعاء له.

فذى الدّار أخون من مومسٍوأخدع من كفّة الحابل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

ذي الدار: إشارة إلى الدنيا. والمومس: الفاجرة. والكفة: شرك الصائد. والحابل: صاحب الحبالة.

يقول: هذه الدنيا خبيثة كالمرأة الفاجرة، غدارة لا تدوم لأحد، فهي في الغدر كشرك الصائد الذي يظن الصيد فيه خيراً، فإذا فيه هلاكه!

تفانى الرّجال على حبّهاوما يحصلون على طائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

يقول: إن الرجال تفانوا جميعاً - بقتل بعضهم بعضاً - في حب هذه الدار الغدارة، ثم يتركونها ولا يحصلون منها على فائدة وخير. والطائل: هو الخير.

وقال عند مسيره نحو أخيه ناصر الدولة لنصرته لما قصده معز الدولة أبو الحسن أحمد بن بويه الديلمي إلى الموصل في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة.

أعلى الممالك ما يبنى على الأسلوالطّعن عند محبيّهنّ كالقبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

يقول: أشرف الممالك قدراً، ما ملك عنوة، وفتح بأطراف الأسنة، وكان الطعن عند من أحب هذه الممالك، أحلى من قبل الأحباب.

وما تقرّ سيوفٌ في ممالكهاحتّى تقلقل دهراً قبل في القلل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

أي ما تستقر مملكة سيف الدولة، ولا تستقر سيوف في مملكته، حتى يقلقل أعداءه، وتتحرك سيوفه دهراً في رءوس الأعداء. ومثله لأبي تمام:

سأجهد عزمي والمطايا فإنّنيأرى العفو لا يمتاح إلاّ من الجهد
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي»
مثل الأمير بغى أمراً فقرّبهطول الرّماح وأيدي الخيل والإبل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

معناه: من مثل الأمير؟ وقيل معناه: لا تستقر المملكة حتى يفعل مثل ما فعله سيف الدولة. فإنه يطلب أمراً بعيداً فيقرب هذا الأمر عليه: طول الرماح وخيله وإبله، أي يقصد إليه برماحه وإبله.

وعزمةٌ بعثتها همّةٌ زحلٌمن تحتها بمكان التّرب من زحل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

زحل: مبتدأ. والمكان: خبره. والهاء في تحتها: للهمة. وفي بعثتها للعزمة.

يقول: قرب عليه مرامه عزمة بعثتها همة عالية، بحيث زحل نحت هذه الهمة بمكان التراب من زحل! أي أن ما بينها وبين زحل من البعد مثل ما بين زحل والتراب.

على الفرات أعاصيرٌ وفي حلبٍتوحّشٌ لملقّى النّصر مقتبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

الأعاصير: جمع إعصار، وهو غبار الحرب، ورهج الخيل.

يقول: على الفرات غبار الخيل من كثرة الحروب والنزول عليها، وفي حلب توحش بمفارقتها سيف الدولة، وهو ملقى النصر، ملقاه حيث توجه. مقتبل: أي هو في أول شبابه. وقيل: معناه أنه حسن تقبله العيون، وتحبه القلوب.

تتلوا أسنّته الكتب الّتي نفذتويجعل الخيل أبدالاً من الرّسل

فيه وجهان: أحدهما: أن أسنته تتلوا الكتب الواردة إليه من أخيه ناصر الدولة، فجعل جواب كتبه خروجه إليه بنفسه، وجعل خيله بدل رسله. وهذا مثل قوله: فليته في محفل.

والثاني: أنه إذا كتب إلى الأعداء فأسنته تتبعها، وإنما يكتب إلى أعدائه ليعرفهم أنه متوجه إليهم، حتى لا يكون خروجه اغتيالاً؛ لأن هذا داخل في الشجاعة من أن يقصدهم مفاجأة، لأنه يدل على الجبن والاغتيال، وهذه فائدة كتبه إلى أعدائه.

يلقى الملوك فلا يلقى سوى جزروما أعدّوا فلا يلقى سوى نفل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

جزر: بمعنى مجزور، أي مقطوع. وقيل: هي جمع جزور. أي كأنهم جزر يساقون إليه لينحرهم.

يقول: إنه كلما لقى ملكاً في حرب قتله وغنم أمواله، فهي جزر لسيوفه، وما له غنيمة له ولعسكره.

صان الخليفة بالأبطال مهجتهصيانة الذّكر الهنديّ بالخلل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

الخلل: جمع الخلة، وهي غاشية جفن السيف. وقيل: هي واحد، وجمعه أخلة. والذكر الهندي: هو السيف. والهاء في مهجته قيل لسيف الدولة ومعناه: أن الخليفة صان مهجة سيف الدولة بما ضم إليه من الجند والفرسان، كما يصان السيف بالخلل.

لما كان للدولة سيفاً جعل الخليفة والأبطال جفناً، وفيه إشارة إلى أن الاعتماد في الحرب عليه والجند فضلة، كما أن العمل للنصل دون الجفن.

وقيل: الهاء في مهجته للخليفة أي أنه صان نفسه بالأبطال الذين مع سيف الدولة، صيانة السيف بالخلل؛ لأنهم يقاتلون عنه أعداءه مع سيف الدولة فيصونه عن الأعداء.

الفاعل الفعل لم يفعل لشدّتهوالقائل القول لم يترك ولم يقل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

يقول: إنه يفعل أفعالاً تعجز الناس عنها فيتركونها، أو أنهم لم يعرفوا ما يفعله من الأفعال ولم يهتدوا إليها، ويقول أقوالا حاول البلغاء أن يقولوا مثلها فلم يقدروا على ذلك، ولم يأتوا بها على وجهها ولم يتركوها؛ لأنهم تعرضوا لها ولم يستوفوا ما فيها من أنواع الفصاحة، فهي غير مقولة ولا متروكة. ومثله قوله من قصيدة أخرى:

فأنطق واصفيه وأفحما

وقيل معناه: أنه يقول أقوالا لم تعرف فلم تقل، ولم تترك لأنها إذا لم تعرف لا يمكن تركها، لأنه ما لا يعرف، كما لا يفعل، لا يترك.

والباعث الجيش قد غالت عجاجتهضوء النّهار فصار الظّهر كالطّفل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

غالت: أي أهلكت. وفاعله العجاجة ومفعوله ضوء النهار والهاء في عجاجته للجيش لفظاً، والطفل: آخر النهار.

يقول: هو الذي يبعث الجيش العظيم الذي يستر غباره الشمس حتى يصير وقت الظهر مثل آخر النهار: وقت المغرب.

الجوّ أضيق ما لاقاه ساطعهاومقلة الشّمس فيه أحير المقل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

أضيق قيل: في معنى ضيق. أي أن الجو يضيق بما لاقاه من الغبار. وقيل: هي على أصلها. أي أشد ضيقاً. والهاء في ساطعها للعجاجة وفي لاقاه للجو وفي فيه لساطعها.

يقول: إن أضيق الأشياء - بما يسطع عن غبار هذا الجيش - هو الهواء: الذي هو أوسع الأشياء، وإذا كان الهواء كذلك فما ظنك بغيره؟! وهذا الغبار أيضاً يغطي نور الشمس وقرصها حتى صارت عين الشمس أحير العيون في هذا الغبار، فكيف أحوال سائر العيون؟!

ينال أبعد منها وهي ناظرةٌفما تقابله إلاّ على وجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

ينال: فعل السيف. والهاء في منها: للشمس، أو لمقلتها.

يقول: إنه ينال ما هو أبعد منها. أي أبعد من الشمس. وهي ترى ذلك وتنظر إليه، فما تقابل هذه الشمس سيف الدولة عند طلوعها وفي سائر الأوقات، إلا وهي خائفة من أن يغير عليها.

قد عرّض السّيف دون النّازلات بهوظاهر الحزم بين النّفس والغيل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

قيل: أراد بالسيف نفسه، والهاء في به: ترجع إلى سيف الدولة.

يقول: جعل سيفه عارضاً بينه وبين النوائب وقد لبس الحزم مظاهراً. حاجزاً بين نفسه وبين اغتيال عدوه، فحزمه سلاح له كالسيف.

ووكّل الظنّ بالأسرار فانكشفتله ضمائر أهل السّهل والجبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

الهاء في له ترجع إلى سيف الدولة، وقيل: إلى الظن.

يقول: وكل ظنه بضمائر الناس، فظهرت له ضمائر أهل السهل والجبل.

هو الشّجاع يعدّ البخل من جبنٍوهو الجواد يعدّ الجبن من بخل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

يقول: إنه يتجنب من البخل، كما يتجنب الشجاع من الجبن، ويتجنب من الجبن، كما يتجنب الجواد من البخل، فأجرى البخل مجرى الجبن. فشجاعته تريه أن البخل من جملة الجبن؛ لأن البخيل يبخل بماله خوف الفقر، فهو جبن. وجوده يريه أن الجبن بخل بالنفس فشجاعته تمنعه من البخل، وجوده يمنعه من الجبن.

يعود من كلّ فتحٍ غير مفتخرٍوقد أغذّ إليه غير محتفل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

أغذ إليه: أي أسرع إليه في السير. والاحتفال: التأهب.

يقول: إنه يفتح البلاد ويعود، ولا يفتخر بما فعل ولا يعتد به؛ لأنه يستصغر ما يفعله، ويسير إلى الأعداء مسرعاً غير مبال بهم ولا مستعد لهم فيهزمهم.

ولا يجير عليه الدّهر بغيتهولا يحصّن درعٌ مهجة البطل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

البغية: الطلبة، وهي المطلوب، ولا يجير: أي لا يعيب.

يقول: إنه الدهر لا يمنعه مراده، والدرع لا يحفظ منه مهجة الشجاع إذا أراد قتله.

إذا خلعت على عرضٍ له حللاًوجدتها منه في أبهى من الحلل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

أراد بالحلل: القصائد.

يقول: كسوته مدائح من شعري، لأجمله بحسن ذكره في الآفاق، فاكتسبت منه مدائحي جمالاً، ولبست من عرضه حللاً وكمالا، فصار هو الذي ينشر شعري. ومثل هذا قول كثير:

وإذا الدّرّ زان حسن وجوهكان للدّرّ حسن وجهك زينا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «وإذا الدر زان حسن وجوه»
بذى الغباوة من إنشادها ضررٌكما تضرّ رياح الورد بالجعل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

يقول: إن الجاهل عن إدراكه وإدراك معناه، لا يعيب في شعري، بل هو على أبلغ وجوه الإحكام والجودة، وكما أن الجعل إذا شم ريح الورد غشى عليه وليس ذلك لنقص الورد، بل هو لخبث نفس الجعل ولؤم طبعه. ووجه ضررها بالغبي أنها تهتك ستر جهله، وتدل على بلادة فهمه، كما يظهر الورد لؤم طبع الجعل والهاء في إنشادها للحلل.

لقد رأت كلّ عينٍ منك مالئهاوجرّبت خير سيفٍ خيرة الدّول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

الهاء في مالئها للعين. والخيرة وإن كانت أفعل التفضيل، وهو لا يدخله الهاء، فإنها إنما حذفت منه الألف لحقت بغيرها فيقال: زيد خير الناس وهند خيرة النساء.

يقول: كل عين نظرت إليك ملأها حسنك وهيبتك، ولما كنت سيفاً كان مجربه: الذي هو الدولة. خيرة الدول.

فما تكشّفك الأعداء عن مللٍمن الحروب ولا الآراء عن زلل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن الأعداء جرّبوك، فوجدوك لا تمل حروبهم، وكذلك لا تكشفك الآراء عن زلل؛ لأن رأيك لا يكون خطأ أبداً.

وكم رجالٍ بلا أرضٍ لكثرتهمتركت جمعهم أرضاً بلا رجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

يقول: كم رجال من الأعداء ضاقت الأرض بهم لكثرتهم، فأفنيتهم، حتى صارت ديارهم خالية ليس فيها رجل.

ما زال طرفك يجري في دمائهمحتّى مشى بك مشي الشّارب الثّمل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

يقول: قد أجريت دماءهم، وأكثرت من قتلهم، حتى كأن فرسك يتعثر فيهم؛ لكثرة جيفهم، ويتمايل بك كما يتمايل السكران الثمل.

يا من يسير وحكم النّاظرين لهفيما يراه وحكم القلب في الجذل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

الجذل: السرور.

يقول: إن الأرض كلها له، فحيثما سار يرى سروراً، وهو مأخوذ من قوله تعالى: " وَفِيهَا مَا تَشْتَهيِه الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ ".

إنّ السّعادة فيما أنت فاعلهوفقت مرتحلاً أو غير مرتحل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

يقول: كل ما فعلته مقرون بالسعادة والتوفيق، سواء ارتحلت أو أقمت. وقيل: إنه دعاء له بالتوفيق على كل حال.

أجر الجياد على ما كنت مجريهاوخذ بنفسك في أخلاقك الأول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

عن ابن جني قال: سألت المتنبي عن هذا فقال: كان سيف الدولة ترك الركوب مدة لعلة أصابته، فحركته بهذا، فعلى هذا: البيت الأول بيت لهذا المعنى.

يعني أنك موفق الرأي فيما تفعله، ولكن الرأي أن ترجع إلى أمرك الأول من الغزو والقتال.

ينظرن من مقلٍ أدمى أحجّتهاقرع الفوارس بالعسّالة الذّبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعلى الممالك ما يبنى على الأسل»

الأحجة: جمع الحجاج، وهو العظم الذي فوق العين، وفاعل أدمى: قرع الفوارس. ومفعوله: أحجتها. وقرع: قيل مضاف إلى المفعول، ومعناه: قرعك الفوارس. أي أن خيلك ينظرن من عيون قد أدماها قرعك الفوارس بالعسالة: بالرماح اللينة الكثيرة الاضطراب؛ لأنها إذا شرعت للطعن يكون مرها على قرب الحجاج من الفرس. يعني أنها معودة للقتال. وقيل: إنه مضاف إلى الفاعل. أي أن خيلك قد أدمى عيونها طعن الفرسان إياها؛ لأنها تكون مقدمة لا تولى، فالطعن إنما يقع على وجهها.

فلا هجمت بها إلاّ على ظفرٍولا وصلت بها إلاّ إلى أمل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

دعاء له بالظفر. يقول: كلما ركبت خيلك وصلت إلى ما ترجوه، وظفرت بما تطلبه والهاء في بها للخيل.

وقال يمدحه ويعتذر عن المسير معه وقد سأله السير معه في الطريق، لما سار لنصرة أخيه ناصر الدولي سنة:

سر حلّ حيث تحلّه النّوّاروأراد فيك مرادك المقدار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سر حل حيث تحله النوار»

النور والنوار واحد. ويجوز أن يكون النوار: جمع نور. وحل: قيل: دعاء بلفظ الخبر، ومعناه: سر، حل النوار حيث تحله.

والمقصود: سقاك الله الغيث حيث حللت حتى يحل هناك النوار.

وقيل: إنه خبر على الحقيقة، ومعناه: أنه جعل سقياً. فيقول له: أنت السحاب فإذا حللت ببلد يحصل منك السقى، فيحصل بك النور والزهر.

وأما الصراع الثاني فأولى فيه حمله على الدعاء: معناه أن الأقدار ساعدتك على مرادك، وأرادت كما تريد أنت.

ويجوز حمل المصراع الثاني على الخبر: أي أن الأقدار، لا تريد إلا ما تريد أنت. وفاعل حل: النوار. وفاعل أراد: المقدار.

وإذا ارتحلت فشيّعتك سلامةٌحيث اتّجهت وديمةٌ مدرار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سر حل حيث تحله النوار»

توجهت: بمعنى اتجهت. والديمة. مطر يدوم أياماً في سكون ريح ورعد. ومدرار: قيل متصل المطر. وشيعتك: دعاء، ومعناه حيث قصدت صاحبتك السلامة، وديمة غزيرة تسقي محلك، وتخضب منزلك.

وصدرت أغنم صادرٍ عن موردٍمرفوعةً لقدومك الأبصار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سر حل حيث تحله النوار»

وهذا البيت أيضاً دعاء. وقوله: مرفوعة لقدومك الأبصار: إشارة إلى ما يحصل من السرور، لأن الأبصار إنما ترفع عند ذلك.

يقول: إذا رجعت من مقصدك رجعت غانماً قد شخصت الأبصار إليك وقوله: أغنم ومرفوعة: نصب على الحال.

وأراك دهرك ما تحاول في العداحتّى كأن صروفه أنصار
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول داعياً له: أراك دهرك من أعدائك ما تريده منهم، حتى تكون صروف الدهر أنصاراً لك، ومن جملة أوليائك.

أنت الذي بجح الزّمان بذكرهوتزيّنت بحديثه الأسمار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سر حل حيث تحله النوار»

بجح: أي افتخر. يقول: إن الزمان يفتخر بذكرك؛ لأن له فضلاً على سائر الأزمنة المتقدمة.

وقيل: أراد بالزمان أهله، والأسمار إذا تضمنت حديثك وحديث وقائعك تزينت، إذ فيها من العجائب أكثر مما في الأحاديث الموضوعة.

وإذا تنكّر فالفناء عقابهوإذا عفا فعطاؤه الأعمار
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وله وإن وهب الملوك مواهبٌدرّ الملوك لدرّها أغبار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سر حل حيث تحله النوار»

الدر: أول ما ينزل من اللبن الكثير. والأغبار: جمع الغبر، وهو البقية بعد الحلب. والهاء في لدرها للمواهب.

يقول: إن عطايا الملوك في جنب إعطائك كالأغبار. يعني أن أقل مواهبك أعظم من مواهب سائر الملوك.

وقيل معناه: أن عطايا الملوك هي بقايا عطاياه، ومعناه أنه أفضل منهم وهم دونه ومحتاجون إليه، وإن صلاتهم من صلاته.

لله قلبك! ما تخاف من الرّدىوتخاف أن يدنوا إليك العار
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

لله قلبك: أي ما أعجب أمرك! وأعظم أمر قلبك! لما فيه من القوة والشجاعة والهمة التي لا تخاف معها الهلاك! ومع ذلك فأنت تخاف من أن يدنوا إليك العار.

وقيل: ألف الاستفهام محذوفة في الموضعين ومعناه: أما تخاف من الردى؟! وأتخاف من العار؟! وهو دون الردى في الصورة.

وتحيد عن طبع الخلائق كلّهويحيد عنك الجحفل الجرّار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سر حل حيث تحله النوار»

الطبع: قيل هو الدرن. والخلائق الأخلاق ومعناه أنك تميل عن دنس الأخلاق ودنس الطباع.

وقيل الطبع: الخلق. والخلائق: البشر. أي أنك تميل وتكره أخلاق جميع الناس. والجحفل: العسكر. الجرار: الذي يجر نفسه أي بعضه بعضاً، وقيل: الذي يجر الرماح.

يقول: إنك تتجنب أخلاق الناس، أو دنىء الأخلاق، مع أن العسكر العظيم إذا أتبعته مال عنك.

يا من يعزّ على الأعزّة جارهويذلّ في سطواته الجبّار
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الأعزة: قيل هي أولاده وسائر من يعز عليه. ومعناه أن جاره المستجير به يكون أفضل في جواره من أعزته. وقيل أراد بالأعزة الملوك أي أن جاره عزيز، له فضل على سائر الملوك، والأعزة، فلا يمكن لأحد من الملوك ضيمه، ويذل الملك الجبار بسطوته. وعدوه. ذليل لفضل قوته.

كن حيث شئت فما تحول تنوفةٌدون اللّقاء ولا يشطّ مزار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سر حل حيث تحله النوار»

التنوفة: المفازة البعيدة الأطراف. وتحول: أي تمنع. ولا يشط: أي لا يبعد. والمزار: يجوز أن يكون كالزيارة، ويجوز أن يكون اسماً لمكان الزيارة.

يقول: كن في أي موضع شئت فما يحول بيني وبين قصدك، وبين من يقصدك لمعروفك مفازة بعيدة، ولا يبعد على من يقصدك مستميحاً ومثله:

من عالج الشّوق لم يستبعد الدّار

وله:

كن كيف شئت تسر إليك ركابنا

وبدون ما أنا من ودادك مضمرٌينضى المطيّ ويقرب المستار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سر حل حيث تحله النوار»

المستار: بمعنى المسير، وهو مفتعل منه، ويجوز أن يكون اسماً لمكان السير.

يقول: ما أضمره لك من المودة والحرص على اللحاق بك - ومن ود إنساناً بعض ما أودك - فإنه يهز المطيّ في اللحوق بك، ويقرب عليه المسير والمسافة البعيدة.

إنّ الّذي خلّفت خلفي ضائعٌما لي علي قلقي إليه خيار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سر حل حيث تحله النوار»

يقول: لولا أهلي الذين خلفتهم ورائي، لصحبتك، ولكنهم إن رغبت عنهم ضاعوا، فقلقي إليهم شغل قلبي بهم، فمنعني من اختياري وإيثار صحبتك عليهم.

وقيل أراد بالقلق الاضطرار أي أني مضطر إلى الرجوع إلى أهلي ومالي مع هذا اختيار.

وإذا صحبت فكلّ ماءٍ مشربٌلولا العيال وكلّ أرضٍ دار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سر حل حيث تحله النوار»

يقول: لولا العيال، لما كان شيء عندي أطيب من مصاحبتك؛ لأني إذا صحبتك فكل ماء مشرب. أي طيب زلال، وكل بلد يكون داراً لي؛ لأن كل راحة معك وكل عيش يتهيأ بك وبصحبتك. ومثله قول الآخر:

إذن الأمير بأن أعود إليهمصلةٌ تسير بشكرها الأشعار
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سر حل حيث تحله النوار»
وماهي إلا بلدة مثل بلدةوخيرهما ما كان عوناً على الزمن

يقول: إن أذن الأمير بالعودة إلى أهلي عددت ذلك صلة من صلاته، أشكره عليها، وأسير الأشعار بذكرها. وفيه تنبيه على أن الوقت وقت الصلة وعلى التحقيق أن سيف الدولة قدر رضى بالإذن من غير اقتران صلة.

وقال يرثى عبد الله بن سيف الدولة بحلب وقد توفى بميافارقين سنة قال:

بنا منك، فوق الرّمل، ما بك في الرّملوهذا الّذي يضني كذاك الّذي يبلي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

الرمل ها هنا: الأرض والتراب. والضنا: طول المرض، والاضناء: الإمراض. وقوله منك أراد من الغم عليك، فحذف المضاف.

يقول: تحت التراب تبلى ونحن فوقه نضنى، فبنا من الغم عليك فوق الأرض من طول الضنا، مثل ما بك تحتها من طول البلى، فهذا الحزن الذي بنا يضنينا ويهزلنا، مثل الموت الذي يبلى جسدك ويفرق أوصالك، فنحن أموات في صورة الأحياء.

كأنّك أبصرت الّذي بي وخفتهإذا عشت فاخترت الحمام على الثّكل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.